الدرس : 05 - سورة البقرة - تفسير الآيتان 6-7، وصف المؤمنين والكافرين - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 05 - سورة البقرة - تفسير الآيتان 6-7، وصف المؤمنين والكافرين


1998-07-24

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الخامس من سورة البقرة.

حديث الله تعالى عن الكفار والمؤمنين في الآيات التالية:

مع قوله تعالى في الآية السادسة:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) ﴾

تكلَّم الله عن المؤمنين في الآيات السابقة عندما قال:

﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) ﴾

هؤلاء الصِنْفُ الأول.

 

الإيمان والكفر نموذجان متقابلان، متعاكسان، متناقضان:

الصِنف الثاني:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) ﴾

الإيمان والكفر نموذجان متقابلان متناقضان متعاكسان
يمكن أن يُقَسَّم البشر على اختلاف أجناسهم، وأعراقهم، وألوانهم، وانتماءاتهم، وأقاليمهم، وأَمْصارهم، وقبائلهم، وطوائفهم، وملَلِهم، ونِحَلِهم إلى قسمين: مؤمنٍ وكافرٍ؛ مؤمنٍ عرف الله، واستقام على أمره، وأقبل عليه، وانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، فسعد في الدنيا والآخرة، وحقق الغاية من خلقه، وحقق الحكمة من وجوده؛ وكافرٍ غَفَل عن الله، وتَفَلَّت من منهجه الله، وأساء إلى خلقه، فشقي في الدنيا والآخرة، ولن تجد صنفاً ثالثاً، الثالث منافق، وهو في الأصل كافر، لكن مصالحه تقتضي أن يظهر ما لا يبطن، إن المنافقين هم الكافرون، فالتقسيم الحقيقي: مؤمن وكافر.
الإيمان تصديق، الكُفر تكذيب، الإيمان كشف، الكفر غطاء، الإيمان إقبال، الكفر إعراض، الإيمان شُكر، الكفر جحود؛ نموذجان متقابلان، متعاكسان، متناقضان؛ الإيمان تصديق، الكفر تكذيب، الإيمان إشهار وكشـف، الكفر غِطاء، الإيمان إقبال، الكفر إعراض، الإيمان شكر، الكفر جحود.

 

المنتفع لا يُناقَش لأنه يدافع عن منافِعِهِ لا عن أفكاره:

يُستثْنى صنفٌ من الكفار، صنف كفر لنقص المعلومات فلما توافرت له آمن، كَفرَ لأن المعلومات وصلت إليه مشوَّهةً فلما صححت له آمن، أما هذا الذي تخبر عنه الآية :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) ﴾

المقصود هو الكافر المنتَفِعُ بكفره، الذي يعبد شهوته، ومن لوازم عبادة شهوته أن يكفر بالله، فكفره مَصْلَحِيّ، كفره متعـلقٌ باختياره، كفره متعلقٌ بمصالحه، كفره متعلقٌ بشهواته، كفره متعلقٌ بمكانته، كفره متعلقٌ بمكاسبه؛ هو الكافر الذي اتخذ الكفر وسيلةً إلى مكاسبه. دققوا، الإنسان قد تغيب عنه الحقائق فإذا تجلَّت له آمن، هذا الإنسان ليس معنياً بهذه الآية، الإنسان أحياناً قد تأتيه الحقائق عن الدين مشوَّهةً فإذا صححت له هذه الحقائق آمن، هذا الإنسان ليس معنياً بهذه الآية، الإنسان أحياناً قد يغفل فإذا ما صحا آمن، هؤلاء ليسوا معنيين بهذه الآية، أما الذي اتخذ الكفر وسيلةً للدنيا، الذي انتفع بكفره، الذي هيَّأ له كفره مكانةً عالية، أو مكسباً كبيراً، أو مالاً وفيراً، أو منصباً رفيعاً، أو مكانةً مرموقة، هذا الإنسان سواءٌ عليه أأنذرته أم لـم تنذره لا يؤمن، لأنه لا يبحث عن الحقيقة، ولا يرجوها، ولا يتمنَّاها، ولا تعنيه إطلاقاً.
ذكرت مرةً مثلاً وسأُعيده، لأنه مناسبٌ لهذا المعنى، مثل افتراضي؛ إنسان فقير جداً يعمل عَتَّالاً على دابة، فلما ماتت هذه الدابة فَقَدَ دخله كلياً؛ دفنها، وأقام عليها بناءً وقبةً خضراء، وأعطاها اسماً من اختراعه، وزعم أن هناك ولياً مدفوناً في هذا المكان، وجاءه الناس زُرافاتٍ ووحدانا يتبركون بهذا الولي، ويعطونه العطايا الكثيرة، فهذا الإنسان انتفع بهذه الكذبة، وهذا الدجل انتفاعاً لم يكن يخطر له على بال؛ هل في الأرض قوةٌ يمكن أن تُقنعه أن المدفون هنا دابة ؟ لا، قناعته أشد من قناعة الذي يناقشه، لكنه ليس من صالحه إطلاقاً أن يعترف أن المدفون في هذا المكان دابة، هو يقاتل من أجل دَجَلِه، يقاتل من أجل فكرته، يقاتل من أجل كذبه، يقاتل من أجل الخُرافة التي نشرها بين الناس، هو يدافع عن مصلحته، يدافع عن دخلِه، يدافع عن مكانته، يدافع عن مكاسبه، فهذا الذي اتَّخذ الكفر وسيلةً للدنيا، هذا الذي هيَّأ له كفره مكانةً عالية، ودخلاً كبيراً، وهيمنةً على الناس عظيمة، هذا سواءٌ عليه أأنذرته أم لم تنذره لا يؤمن؛ هو بعيدٌ جداً عن موضوع الفكر وعن موضوع العقيدة، وعن موضوع المبادئ وعن موضوع الأهداف، أنت في واد وهو في واد؛ المنتفع لا يُناقَش لأنه يدافع عن منافِعِهِ لا عن أفكاره. ليس الذين كفروا هم الذين شوِّهَت لهم المعلومات فكفروا فلما صُحِحَت آمنوا، لا ليسوا هؤلاء، وليسوا هم الذين غابت عنهم الحقائق فلما حصَّلوها آمنوا، ليسوا هؤلاء، إن الذين كفروا هم الذين انتفعوا بكفرهم، والذين وصلوا إلى الدنيا بكفرهم، والذين أطاعهم الناس لكفرهم.

المؤمن إنسان مبادئ وقيم بينما الكافر إنسان مصالح وشهوات :

أيها الأخوة حدثنا ربنا عزَّ وجل عن اليهود كيف أنهم يعرفون النبي، أية معرفةٍ بديهية؛ وأية معرفةٍ يقينية، أية معرفةٍ سهلة، أية معرفةٍ قصيرة من أن تعرف ابنك، فإذا نظر أحدهم إلى ابنه هل يقول له: ما اسمك يا بني ؟ مستحيل، من أنت ؟ ترتيبك الثاني أم الثالث ؟ مستحيل، قال ربنا عزَّ وجل:

 

﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ (146)﴾

( سورة البقرة )

لماذا كفروا ؟ كفروا حسداً، هناك مصالح، لذلك كأن الله عزَّ وجل ينصحنا أن لا نناقش المنتفع بكفره، لا تحاوِرَه:

﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) ﴾

الكافر انسان شهوات
حاور من لم ينتفع بكفره ففيه خير، معلوماته قليلة، معلوماته مشوَّهة، لو وصل إلى الحقيقة لآمن بها، هذا يأخذ الله بيده إلى الإيمان، أما الذين عناهم الله بهذه الآية فهم المنتفعون بكفرهم، المؤمن إنسان مبدأ، الكافر إنسان مصلحة، المؤمن إنسان قِيَم، الكافر إنسان شهوات، المؤمن يسعى للآخرة، الكافر يسعى للدنيا، مبادئ المؤمن فوق كل مصالحه، مصالح الكافر فوق كل مبادئه.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا (6) ﴾

من معاني الكفر كما قلت قبل قليل الجُحود، يقول الله سبحانه وتعالى:

 

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147) ﴾

( سورة النساء )

من لوازم الإيمان الشكر ومن لوازم الكفر الجحود :

أي أن من لوازم الإيمان الشكر ومن لوازم الكفر الجحود، فالمؤمن يشكر والكافر يجحد، لذلك قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

 

(( رأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَراً قَطُّ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: بِكُفْرِهِنَّ. قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ( العشير هو الزوج ) وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئاً قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْراً قَطُّ ))

[البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه ]

هذا لا ينطبق طبعاً على النساء المؤمنات الصالحات الصادقات، اللواتي يعرفن حق الزوج، واللواتي يَرْعَين الزوج، واللواتي يربين الأولاد.

﴿ عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً (5) ﴾

( سورة التحريم)

جنس النساء قبل أن يعرفن الله يَكْفُرْن العشير " مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْراً قَطُّ "، قال لها: ولا يوم الطين، فسكتت، هذه قصة طويلة عن أحد ملوك الأندلس، واسمه ابن عبَّاد، أحب جاريةً وتزوَّجها، وجعلها السيدة الأولى، اشتهت حياة الفقر مرةً وحَنَّت إليها، فطلبت أن تدوس في الطين، فعجن لها الكافورَ والمسك بماء الورد، وقال: هذا هو الطين؛ فلما خسر المُلك، وأخذه منه ابن تاشفين، وأودعه السجن، افتقر، فكانت زوجته تسيء معاملته وتقول له: ما رأيت منك خيراً قط؛ فقال لها مرةً: ولا يوم الطين ؟ فسكتت.

 

كلمة كفر تعني أن هناك إيماناً بالفطرة وهناك جحود باللسان :

الكفر هو الجحود، والكفر هو التكذيب، والكفر هو الإعراض، والكفر هو الغِطاء، دقق الآن؛ قال بعض الشعراء في الجاهلية: " في ليلةٍ كفر النجومَ غمامُها."
النجوم: مفعول به مُقَدَّم، غمامُها: أي سحابها، وهي فاعل مؤخَّر؛ أي غَطَّت السحب النجوم؛ فالكفر هو الغطاء والستر؛ الآن منطقياً يظهر معنى جديد، معنى الذي كفر أنه يؤمن بالله بفطرته لكنه غَطَّى هذه الحقيقة، الشيء الموجود يَسْبِق الغطاء، ماذا أنت تغطي ؟ كلمة كفر تعني الغطاء والستر، الستر والغطاء مصدر، فلا بدَّ من شيءٍ تَسْتُره، لا بدَّ من شيءٍ تُغَطِّيه؛ كلمة الكفر تعني تغطية الإيمان، أنت مؤمن لكنَّك تُغَطِّي إيمانك، مؤمن ولكن تَسْتُر إيمانك، مؤمنٌ بفطرتك ولكن مصلحتك تقتضي أن تغطِّي هذه الحقيقة، أن تُعَمِّيها على الناس، لذلك يوم القيامة:

﴿ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) ﴾

( سورة الأنعام )

فقال الله عزَّ وجل:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ (24) ﴾

( سورة الأنعام )

المعنى دقيق جداً الكفر هو السَتْر والغطاء في أصل اللُّغة، وهذا القرآن بلسانٍ عربيٍ مبين، فالإنسان حينما يكفر يُغَطِّي حقيقةً آمن بها بفطرته، والإنسان حينما يكفر يستر حقيقةً تُدرَك بالبديهة، والشيء المُغَطَّى يسبق الغطاء، والشيء المستور يسبق السِتر، فكلمة كفر تعني أن هناك إيماناً بالفطرة، وهناك جحود باللسان:

﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ (24) ﴾

( سورة الأنعام )

الكفار المنتفعون بكفرهم أنت في واد وهم في واد:

المؤمن مقبل
أيها الأخوة، هؤلاء الكفار المنتفعون بكفرهم:

﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) ﴾

أي أنت في واد، وهم في واد .

لقد أسمعت لو ناديت حيـاً ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو ناراً نفخت فيها أضاءت ولـكنَّك تنفخ فـي رماد
***

نعوذ بالله من الكفر، الناس رجلان مؤمنٌ وكافر، مؤمنٌ يعرف الله وكافرٌ كَذَّبَ بالحق لما جاءه، مؤمن مقبل وكافر معرض، مؤمن شاكر وكافر جاحد، مؤمن يرى ويشهد وكافر أعمى:

﴿ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (72) ﴾

(سورة الإسراء)

وقال:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) ﴾

الله تعالى قدّم السمع على البصر:

كأن الله جلَّ جلاله ينصحنا أن هذا الذي اتخذ الكفر مغنماً، واتخذ الكفر سبيلاً للدنيا أنّ وَقْتُكَ أثمن من أن تُضَيِّعَه معه، ابحث عن إنسانٍ آخر يبحث عن الحقيقة؛ يؤكِّد هذا المعنى قوله تعالى:

﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) ﴾

( سورة الأعلى)

لماذا لا يؤمنون ؟ هنا المشكلة:

﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ (7) ﴾

الإنسان له عين وله سمع، قُدِّمَ السمع مبدئياً على البصر:

﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ (7) ﴾

قـال العلماء: " العين لا ترى إلا أمامها، ولا ترى بعد الحواجز، ولا ترى إلا بواسطة، فزاوية الرؤية نحو الأمام، فإذا كان هناك جدار منع الرؤية، ولا بدَّ من نورٍ يتوسَّط بين العين وبين المرئي، ولكن الأُذن تتصل بالجهات الست، الأمام، والخلف، واليمين، واليسار، وفوق، وتحت، بالجهات الست، والأذن لا تحتاج إلى وسيط، وإن كان الهواء هو الوسيط فلولا الهواء ما انتقلت الأمواج الصوتية، ولكننا يمكن أن نغفل الوسيط لكونه دائماً وثابتاً.

﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ (7) ﴾

هذه الغشاوة حُبُّ الدنيا، الشهوات، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:

(( حُبُّك الشيء يُعمي ويُصِم ))

[أحمد وأبو داود عن أبي الدرداء]

الشهوة غشاوة على الأذن وغشاوة على العين:

لما أحب الشهوة وآثرها على كل شيء، وعبدها من دون الله، وجعلها نهاية آماله، ومحطَّ رحاله كانت هذه الشهوة غشاءً على عينيه، وغشاءً على أذنيه، فهو لا يرى الآيات، ولا يستمع إلى الحق؛ والإنسان إما أن يرى الآيات الدَّالة على عظمة الله، وإما أن يُصغي لكلمة الحق تلقى في أذنه، فالشهوة غشاوة على الأذن، وغشاوة على العين؛ الفكر أو ما يدعى مجازاً العقل الذي في الرأس، هناك عقل في القلب، وعقل في الرأس:

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا (179) ﴾

( سورة الأعراف )

إن أردنا أن نسمي ما في الرأس فكراً، الفكر جهاز استدلال، جهاز استنباط، جهاز محاكمة، جهاز اتخاذ قرار، جهاز معرفة، أداة إدراكيَّة منافذها السمع والبصر، فإذا فُتحِ البصر، وفُتِحَ السمع، جاءت المعلومات إلى الدماغ، والدماغ درسها وحللها، وحاكم جُزْئيَّاتها واتخذ قراراً، وكلما تعمَّق هذا القرار في الذهن انتقل إلى القلب ليستقر فيه، فالقلب قلبُ النفس، فيه تستقر الحقائق، حينما يضع الإنسان غشاوةً على عينه وهي الشهوة، وحينما يضع غشاوةً على أذنه وهي الشهوة، حيث السمع والبصر هما مَنْفَذا الحقائق:

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) ﴾

( سورة الملك)

فالإنسان بهذا الحال لن يسمع.

 

منفذا القلب هما السمع والبصر:

الكفار يغلق قلبه بسعيه وراء شهواته
الآن ادعُ إنساناً متفلِّتاً همُّه النساء، همه المال، همُّه الشهوات، همه أن ينغمس في شهوات الدنيا، ادعه إلى درس علم يستحيل أن يستجيب لك، ما لي ولهذا الدرس ماذا أفعل به ؟ كلام فارغ، كلام أعرفه، أنا لا أحبُّ أن أُضَيِّع وقتي، هو في واد وأنت في واد، فالإنسان إذا أحب الشهوات أحب الدنيا، أحب المال، أحب النساء، أحب الانغماس في المُتًع الرخيصة، هذه الشهوة غشاءٌ على عينه وغشاءٌ على سمعه، بقي الفكر بلا معلومات، لم يسمح الإنسان لعينه أن ترى الآيات فيستنبط منها الحقائق، ولم يسمح لأذنه أن تصغي إلى الحق فيعرف الحقيقة، وضع على أذنه غشاوة وعلى عينه غشاوة، فالفكر تعطل، والفكر هو المورِّد للقلب، تعطَّل القلب قال علماء التفسير: هذا خُتْمٌ حكمي؛ أي إذا أغلقنا الأبواب الخارجية للمسجد إغلاقاً محكماً، فهذه الأبواب الداخلية مغلقةٌ حكماً، حتى لو أنها مفتوحة لن يصل إليها إنسان ما دام البابان الخارجيان مُغْلقين، فالأبواب الداخلية مغلقةٌ حُكماً.

﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ (7) ﴾

منفَذَا القلب السمع والبصر، وعلى السمع غشاوة، وعلى البصر غشاوة .

﴿ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ (7) ﴾

والغشاوة هي حبُّ الدنيا.

 

وصف الله عزَّ وجل قلب الكافر بصفاتٍ كثيرة:

أيها الأخوة الكرام، وصف الله عزَّ وجل قلب الكافر بصفاتٍ كثيرة، وصفه بالخَتْمِ.

﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ (7) ﴾

والطبع، والضيق، والمرض، والرَيْن، والموت، والقسـاوة، والانصراف، والحَمِيَّةِ، والإنكار، هذه عشرة أوصـاف لقلب الكافر، والحقيقة يقول سيدنا عمر: " تعاهد قلبك ".

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾

( سورة الشعراء)

رأس مالِكَ الأوَّل في الآخرة قلبك السليم، هذا القلب الذي استقرت فيه الحقائق، هذا القلب الذي امتلأ شكراً لله، هذا القلب الذي امتلأ حباً لله، وهذا القلب الذي امتلأ تعظيماً لله.

(( يا رب أيّ عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال: أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أنني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي ))

[من الدر المنثور عن ابن عباس ]

الآلاء للتعظيم، النَعْماء للحب، البلاء للخوف؛ معنى ذلك أن القلب السليم فيه تعظيمٌ لله، وحبٌ له، وخوفٌ منه، البلاء يُورِثُ الخوف، والآلاء تورث التعظيم، والنعم تورث الحب؛ فالقلب السليم فيه خوف، وفيه حب، وفيه تعظيم، أما قلب الكافر فيه الختم، والطبع، والضيق، والمرض، والرَين، والموت، والقساوة، والانصراف، والحَمِيَّة، والإنكار:

﴿ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ (22) ﴾

( سورة النحل )

أي تُنكر الحقائق، تَعاف الحقيقة.

آيات من القرآن الكريم عن الحمية الجاهلية:

ذكر لي أخ أنه حدَّث إنساناً بكلامٍ طيبٍ عن الدين، فأجابه: هذه المعلومات لا أهتَمُّ لها، ولا أصغي إليها، ولا أزنها بأي ميزان، إنني أسعى لامرأةٍ جميلة وبيتٍ واسع وسيارةٍ فارهة.

﴿ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) ﴾

( سورة النحل)

وقال في الحمية:

﴿ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ (26) ﴾

( سورة الفتح )

تجد عاطفة هَوْجاء، تَعَصُّباً أعمى، انحيازاً غير معقول، يفور بلا سبب، يقسو بلا سبب، يقتل بلا سبب، يغضب بلا سبب، حمِيَّة جاهلية، حمية عمياء، ينجرف انجرافاً مخيفاً بلا أسباب معقولة.

﴿ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ (26) ﴾

( سورة الفتح )

يغضب الإنسان الجاهلي فيرتكب جريمة، يغضب فيقذِف بأبشع الكلمات، يغضب فيُطَلِّق بلا سببٍ وجيه، يغضب فيعتدي، هذه الحمية الجاهلية، من صفات قلب الكافر.

آيات أخرى من القرآن الكريم عن الانصراف والقساوة:

وفي الانصراف قال تعالى:

﴿ ثُمَّ انْصَرَفُوا (127) ﴾

( سورة التوبة )

انصرف عن الحق إلى الباطل، انصرف عن المسجد إلى دور اللهو، انصرف عن الحقائق إلى القَصَص، انصرف عن دروس العلم إلى المُسَلْسَلات.

﴿ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (127) ﴾

( سورة التوبة )

القلب الكبير يحمل هموم المسلمين
مكانك الطبيعي في أعلى عليين فَغُصْتَ في أسفل سافلين، مكانك الطبيعي في السماء أنت في وحول الأرض انصرفت إلى الدنيا، أخلدْت إلى الأرض، وقال في القساوة :

﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ (22) ﴾

( سورة الزمر )

ما هذا القلب أيها الأخوة ؟ يكبر ويكبر ولا نرى كِبَرَه، فيتصاغر أمامه كل كبير، ويصغر ولا نرى صغره فيتعاظم عليه كل حقير؛ من هم الأنبياء العظام ؟ لهم قلوبٌ كبيرة وَسِعَت هموم الناس، القلب الكبير يحمل هموم المسلمين، لا يرتاح إذا حقق مصالحه المادية فقط، هذه لا تعنيه كثيراً، يعنيه أن يحقق إنجازاً للمسلمين.

القلب منظر الرب يتصل بالله فيمتلئ رحمة:

والقلب أيُّها الأخوة منظر الرَّب:

(( إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلا إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ ))

[ مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

القلب منظر الرَّب، وقد ورد في الحديث القدسيّ:

(( عبدي طهَّرتَ منظر الخلق سنين أفلا طهَّرت منظري ساعة ؟ ))

[ورد في الأثر]

القلب بيت الرَّب، والقلب أيها الأخوة يتَّصل بالله فيمتلئُ رحمةً؛ الرحمة إحساس داخلي مُنْعَكَساتها اللين واللطف والخدمة والتواضع؛ قال تعالى:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (159) ﴾

( سورة آل عمران )

أي بسبب رحمةٍ استقرت في قلبك يا محمد من خلال اتصالك بنا كنت لهم لَيِّناً، فلما كنت ليناً معهم التفوا حولك وأحبّوك، ولو كنت منقطعاً عنا لكان قلبك قاسياً، والقسوة من لوازمها الفظاظة والغِلظة:

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (159) ﴾

( سورة آل عمران )

قوانين، تتصل بالله يمتلئ القلب رحمةً، إذا امتلأ القلب رحمةً كنت ليناً مع الناس رحيماً بهم، منصفاً متواضعاً، مُعطياً كريماً، سخياً عفُوَّاً فأحبك الناس والتفّوا حولك؛ أما إذا كنت منقطعاً عن الله امتلأ قلبك قسوةً.

قسوة القلب علامة البُعد ورقَّة القلب علامة الرحمة:

قسوة القلب علامة البُعد عن الله
مؤشِّر الإيمان يتحرك تماماً مع مؤشِّر الرحمة، أنت رحيمٌ بقدر ما أنت مؤمن، وأنت قاسي القلب ـ لا سمح الله ـ بقدر بُعْدِكَ عن الله.

﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22) ﴾

( سورة الزمر)

وفي آيةٍ أخرى:

﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ (74) ﴾

( سورة البقرة )

قلب الكافر كالصخر، لا يرحم، ولا يعطف، ولا يتألَّم، يبني مجده على أنقاض الآخرين، يبني غناه على إفقارهم، يبني حياته على موتهم، يبني أمنه على خوفهم، قلبٌ كالصخر؛ فهؤلاء الذين خاضوا حروباً عالمية خَلَّفت خمسين مليون قتيل ـ الحرب العالمية الثانية ـ قلوبهم كالصخر من البعد عن الله؛ كلما ابتعدت عن الله كلما قسا القلب، فقسوة القلب علامة البُعد، ورقَّة القلب علامة الرحمة.
" يا أمير المؤمنين إن الناس خافوا شدتك "، قال: " والله يا أبا ذر لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه، ولكن هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى ".
وقالوا لسيدنا الصديق " أتولي علينا عمراً !؟ " قال: أتخوِّفونني بالله ؟ أقول: يا رب ولَّيْتُ عليهم أرحمهم، هذا علمي به فإن بدَّل وغيَّر فلا علم لي بالغيب ".

 

مواقف تدل على رحمة سيدنا عمر رضي الله عنه:

" أيُّها الناس: إن الناس خافوا شدتي وبطشي، إن هذه الشدة على أهل البغي والعدوان أما أهل العفة والإيمان فأنا أَلْيَن لهم من أنفسهم، سأضع لهم خدي ليطؤوه بأقدامهم ـ هذا قول سيدنا عمر ـ أيها الناس خمس خصالٍ خذوني بها: لكم عليّ ألا آخذ من أموالكم إلا بحقها، وألاَّ أنفقها إلا بحقها، ولكم عليَّ ألا أُجَمِّركم في البعوث ـ ترسله لمهمة سنة، فيدع زوجته وأولاده ـ ولكم عليّ أن أزيد عطاياكم إن شاء الله تعالى، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا ".
من رحمة سيدنا عمر أنه كان يتجوَّل في المدينة ليلاً مع سيدنا عبد الرحمن بن عوف فرأوا قافلةً قد استقلَّت في ظاهر المدينة، فقال: تعال نحرسها.
بكى طفل فقال عمر إلى أمه: أرضعي طفلك؛ أرضعته فسكت، ثم بكى فقام إليها وقال: أرضعي طفلك؛ أرضعته فسكت؛ ثم بكى، فغضب عمر، قال لها: يا أمة السوء أرضعي ابنكِ. فقالت له: وما شأنك بنا ؟ ـ ما دخلك ـ إنني أفطمه. قال: ولِمَ ؟ قالت: لأن عمر لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام ـ أي التعويض العائلي ـ فضرب جبهته، وقال: ويحك يا ابن الخطاب كم قتلت من أطفال المسلمين.
عندما صلَّى سيدنا عمر صلاة الفجر ما عرف أصحابه قراءته من شدة بكائه من شدة خوفه من الله، قال: يا ربِّ هل قبلت توبتي فأهَنِّئ نفسي، أم رددتها فأعزيها ؟
قلب رحيم، اشتهى أن يأكل اللحم في عالم الرَّماد، ولكنه قال لبطنه: " قرقر أيها البطن أو لا تقرقر، فو الله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين ".
تقرّحت يد السيدة فاطمة من الطحن، ومن سحب الماء بالدلو، وتعبت تعباً شديداً، فشكت إلى زوجها سيدنا علي، قال: اذهبي إلى أبيك واطلبي منه خادمةً ـ كل شيء بيد أبيك ـ فذهبت إليه، فقال: ما الذي جاء بك يا بُنيتي ؟ استحيت وقالت: جئت لأسلِّم عليك؛ عادت إلى البيت وقالت لزوجها: ائتِ معي ـ استحيت أن تطالب أباها بخادمة ـ فجاءت مع سيدنا علي، تكلم سيدنا علي مع النبي عن حاجتها إلى خادمة وعن تعبها وعن مشقتها، فقال: والله يا بُنَيَّتي لا أُؤثرك على فقراء المسلمين، لا أدع أهل الصفة يتضوَّرون جوعاً، قولي: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله "، وانتهى الأمر.
رحمة في القلب شملت المؤمنين جميعاً بدون تمييز.

(( مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ ))

[ البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي:

(( الراحمون يرحمهم الرحمن ))

[ الترمذي عن عبد الله بن عمرو]

مواقف من الكتاب والسنة عن القاسية قلوبهم:

(( دخلت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ))

[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه عن ابن عمر]

قال تعالى:

﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ (22) ﴾

( سورة الزمر )

قد يموت القلب، يقول الله عزّ وجل :

﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) ﴾

( سورة الأنعام)

الذين ماتت قلوبهم:

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) ﴾

( سورة المطففين)

هذا الرّان، فالشهوات والمعاصي والأخطاء تجعل طبقة تحول بين القلب وبين معرفة الحقيقة.

﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ (88) ﴾

( سورة البقرة )

قلوبهم مُغَلَّفة:

﴿ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ (88) ﴾

( سورة البقرة )

كُفْرُهم ومعاصيهم وانحرافهم سبب تغليف قلوبهم.

تبدأ أمراض القلب بعد الموت ويتعذَّب صاحبها بها إلى أبد الآبدين:

وقال تعالى:

﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً (10) ﴾

( سورة البقرة )

القلب يمرض، القلب المُتَكَبِّر مريض، والقلب الجاحد مريض، والشُح مرض، والأنانية مرض، وأن تظلم الناس مرض، وأن تَبْخَـسَ الناس أشياءهم مرض، هذه كلها أمراض.
أخواننا الكرام، أمراض الجسم مهما تكن عُضالة؛ سرطان، تَشَمُّع كبد، فشل كلوي تنتهي مع الموت، فإذا كان المرء مؤمناً فإلى الجنة، وتبدأ أمراض القلب بعد الموت ويتعذَّب صاحبها بها إلى أبد الآبدين، فمليون مرض بالجسم ولا مرض واحد بالقلب، والدليل:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾

( سورة الشعراء)

قلبك السليم رأسُ مالك، هناك كِبْر، وهناك حسد، وبَغْي، وعدوان، واستعلاء، وجحود، وهضم حقوق الآخرين، وهناك أن تَبْخَسَهُم حَقَّهُم، أمراض القلب لا تُعَدُّ ولا تحصى، وكل هذه الأمراض تبدأ آلامها بعد الموت، الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا.

 

ربنا عزّ وجل يعاوننا على الإيمان:

حدثني أخ: إنسان كان يقود سيارة بسرعةٍ طائشة في الساعة الثانية ليلاً في مدينة مجاورة في بيروت، دهس طفلاً، يبدو أن في قلب هذا السائق حياة، لم يذق طعم النوم عشرين يوماً، تألَّم، زار طبيباً نفسياً فنصحه أن يدفع ديَّةً لأهل الطفل، ليرتاح ضميره وينام، فإذا كان في القلب حياة فهذه نعمةٌ كُبرى، أما إذا كان القلب مغلفاً ومليئاً بالمعاصي عندئذِ انتهى، وقال الله تعالى في الضيق :

﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً (125) ﴾

( سورة الشعراء )

وهذه نعمةٌ كُبرى:

(( إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.))

[الترمذي عن أنس بن مالك]

أي أن ربنا عزّ وجل يعاوننا على الإيمان، فإذا اتخذ الإنسان قراراً صحيحاً يشرح الله له صدره، تجده مبسوطاً، وإذا اتخذ قراراً آخر غير صحيح يضيق صدره:

 

﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ (7) ﴾

(سورة الحجرات)

قلب المؤمن طاهر بفطرته مصطبغ بكمال الله :

قلب المؤمن صافٍ , بريء , مطمئن
القلب قضية كبيرة.

(( أعرف في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ))

[ متفق عليه عن النعمان بن بشير ]

رأس مالك قلبك، قلب المؤمن نظيف، قلبه صاف، قلبه بريء، قلبه مطمئنٌ لعدالة الله، لا يحمل حقداً على أحد، ولا يحسد، ولا يبغي، ولا يتكبر، قلبه سليم وهو موصول بالله، طاهر بفطرته، مصطبغ بكمال الله، باتصاله بالله، هذا قلب المؤمن، والطبع :

﴿ فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3) ﴾

( سورة المنافقون)

هذا الطبع حكمي أيضاً، مثلا: انتسب إنسان إلى الجامعة بضغطٍ من أبيه، ولم يحضر أي درس ولا ساعة، وما قَدَّم أي امتحان، ولا قرأ ولا صفحة، هل يفقه هذا شيئاً ؟ لماذا لا يفقه ؟ لأنه أغلق بيده منافذ المعرفة، لو سمع درس يتعلَّم كلمة، لو قرأ كتاباً ليتعلم، لو زار الأستاذ ليتعَلَّم، فلما أعرض عن حضور أي درس، وعن سماع أية محاضرة ولو بالشريط، وعن قراءة أي موضوع، فإنه أغلق بيديه منافذ المعرفة، إذاً ختم قلبُه ختماً حكمياً.

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ (5) ﴾

( سورة الصف)

إذا عُزيت الإزاغة إلى الله، أو عُزيَ الإضلال إلى الله، أو عُزي الخَتْمُ إلى الله، أو عزي (ران على قلوبهم ) إلى الله هذا كله زيغ جزائي مبني على اختيار؛ وأوضح مثل: قلت هذا قبل قليل: طالب لم يقدم أي امتحاناً، ولا حضر ولا مادة ولا قرأ، جاءه إنذار من إدارة الجامعة؛ إنذار ثانٍ، إنذار ثالث، ولم يستجب، صدر قرار بترقين قيده من الجامعة، هل في هذا القرار افتراءٌ عليه ؟ أم هو تجسيدٌ لاختياره ؟

 

حبُّ الكفار للدنيا واختيارهم للشهوات وإصرارهم عليها جعلها كغشاوةٍ على أعينهم وعلى سمعهم:

قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ (5) ﴾

( سورة الصف)

إذا عُزي الإضلال إلى الله فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلالٍ اختياري، وإذا عُزي الخَتْمُ إلى الله فهو الختم الجزائي المبني على سد منافذ المعرفة باختيارك، فقوله تعالى:

﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) ﴾

هو الخَتْمُ الحُكْمِي، لأن:

﴿ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ(7) ﴾

الختم من صنع أيديهم؛ حبُّهم للدنيا، واختيارهم للشهوات، وإصرارهم عليها جعل هذه الشهوات كغشاوةٍ على أعينهم وعلى سمعهم، ولأن العينين والسمع منافذ للفكر، والفكر موَرِّد للقلب فصار القلب مختوماً عليه حكماً:

﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) ﴾

أنواع العذاب:

يوجد بالقرآن عذاب أليم، ويوجد عذاب مهين، ويوجد عذاب عظيم، هؤلاء الذين أضلّوا الناس وتبعهم الناس على إضلالهم، هؤلاء لهم يوم القيامة عذابٌ مهين، يُعذَّبون أمام أتباعهم الذين أضلّوهم، والعذاب المهين أشدُّ من العذاب الأليم.
لو كان الإنسان له مكانة كبيرة جداً وأهنته أمام الناس جميعاً، كأَنْ تضربه ضرباً مهيناً أمام أتباعه جميعاً فإن هذا عذاب مهين؛ ويوجد عذاب أليم له ألم حسِّي شديد؛ العذاب المهين معنوي، والعذاب الأليم حِسي، أما العذاب العظيم منسوبٌ لقدرة الله؛ أنت إن أردت أن تعذِّب إنساناً يوجد حدود ينتهي عندها العذاب، مات فلا تستطيع إكمال العذاب، تنتهي قدرتك على تعذيبه بعد أن يموت، لكن الله عزّ وجل قادر على أن يُعَذِّب الإنسان إلى أبد الآبدين:

﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ (56) ﴾

( سورة النساء )

هذا عذاب عظيم، ويوجد عذاب مهين، ويوجد عذاب أليم؛ العذاب المهين أن يعذِّبه أمام من خضعوا له بكفره، أي إنسان أنكر وجود الله عزّ وجل وقال: الشهوة هي كل شيء، يوجد علماء هكذا، يوجد طغاة هكذا، فهؤلاء الذين أضلّوا الناس وحملوهم على الكفر يعذَّبون عذاباً مُهيناً أمام أتباعهم، والذين كفروا وجحدوا يعذَّبون عذاباً عظيماً، أي عذاباً مستمراً لا ينتهي، أما الإنسان إذا عَذَّب فَله حد ينتهي عنده التعذيب، عندما يموت من يعذبه.

 

ملخص لأهم نقاط الدرس:

أيها الأخوة، افتتح ربنا عزّ وجل هذه السورة العظيمة بوصف المؤمنين، ووصف الكافرين؛ أما المؤمنون فهم:

﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا (6) ﴾

الإيمان تصديق، والكفر تكذيب، الإيمان إقبال، الكفر إعراض، الإيمان شكر، الكفر جحود:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا (6) ﴾

وانتفعوا بكفرهم، وجعلوه مَطِيَّةً لشهواتهم:

﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) ﴾

مكان العقل القلب:

﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ (7) ﴾

لأن مَنفَذي القلب هما السمع والبصر:

﴿ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018