الدرس : 59 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 196 – 199 مقاييس الفوز الحقيقي - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 59 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 196 – 199 مقاييس الفوز الحقيقي


2002-02-01

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة الكرام، مع الدرس التاسع والخمسين من دروس سورة آل عمران، ومع الآية السادسة والتسعين بعد المئة، يقول الله عز وجل :

﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 199)

 و قبل هذه الآية :

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 196)

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ

الدنيا مهما طالت فهي لا شيء مقارنة بنعيم الجنة :

 الكافر خاسر، والكافر في مزبلة التاريخ، و الكافر مصيره إلى النار، و لو أعجبك من الكافر ماله، وشكله، وبيته، ومدينته، الكافر غفل عن المهمة التي جاء من أجلها، الكافر لم يحقق الهدف من خلقه، الكافر خسر الآخرة :

﴿ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾

( سورة الحج : الآية 11)

 أيها الإخوة، الدنيا مهما طالت فهي أمام الآخرة صفر، ذلك أن الرقم، أي رقم واحد في الأرض و أصفار إلى الشمس، و كل ميليمتر صفر، كم هذا الرقم؟ تصور أمامك مئة وستة وخمسين مليون كيلومتر، وكل ميليمتر صفر، هذا الرقم إذا نسب إلى اللانهاية فهو صفر، الآخرة لا نهاية، الآخرة أبد، والدنيا مهما طالت فهي محدودة، كل مخلوق يموت، غني أو فقير، قوي أو ضعيف، مثقف أو غير مثقف، صحيح أو مريض، كل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة و الجبروت، إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، و منزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، و لم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، و جعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، و يبتلي ليجزي .
 أنا أؤكد أيها الإخوة أن كل إنسان شاء أم أبى في أعماقه مقياس للتفوق، وهذا المقياس منتزع من عقيدته، و منتزع من إيمانه، و منتزع من مفاهيمه، و منتزع من رؤيته، فحينما ترى المال قيمة كبيرة جداً تسعى إليه و لو على حساب دينك، و حينما تعطي المال حجماً كما حجّمه القرآن، قال عزوجل :

﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾

( سورة الفجر : الآية 15)

 هذا كلامه، و ليس هذا صحيحاً :

﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)كَلَّا ﴾

( سورة الفجر : الآية 15 – 16 )

حظوظ الدنيا حيادية :

 كأن الله عز وجل يقول: يا عبادي، ليس عطائي إكراماً، و لا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء و حرماني دواء، المال حظ قيمته موقوفة على طريقة استخدامه، إذا أنفق في طاعة الله كان سلماً ترقى به، و إذا أنفق في معصية الله كان دركات تهوي بها، المال، والصحة، والذكاء، والحظ، والقدرة التي منحك الله إياها، قد يمنح الله إنساناً وسامة وجمالاً، هذا النبي رأى صورته في المرآة فقال:

(( اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي ))

البيهقي في شعب الإيمان

 هناك إنسان يستخدم شكله الوسيم لإغواء الفتيات مثلاً، إنسان يستخدم ذكاءه للبحث عن الحقيقة، ولإشاعتها بين الناس، وإنسان يستخدم ذكاءه كي يشيع الضلال بين الناس، فيربح من الضلال أموالاً طائلة، وما من خصيصة، ما من قدرة، ما من حظ، ما من شيء منحك الله إياه إلا واعتقد أنه حيادي يمكن أن ترقى به، ويمكن أن تهوي به، عدد إن شئت حظوظ الدنيا، المال حظ، و الوسامة حظ، و الصحة حظ، و الذكاء حظ، و طلاقة اللسان حظ، و الزوجة حظ، والأولاد حظ، و المنزل الواسع حظ، و المركبة حظ، النبي ذكر الخيل قال :

(( ستر ، أو إثم ، أو بر ))

ورد في الأثر

 عندك خير، ولتكن مركبة، إما أن تكون مسخرة في خدمة الحق، وإما أن تسترك أنت و أهلك، و إما أن تكون وزراً عليك إن استخدمتها في معصية الله، أجر و ستر و وزر، والخيل يقاس عليها المركبات.
 هذه فكرة دقيقة: الحظوظ حيادية تُقيّم بعد استعمالك لها، تُقيم وفق توظيفك لها، تُقيم وفق استخدامك لها، فلذلك أيها الإخوة هذا الكافر عنده من حظوظ الدنيا ما شاء، الحقيقة أن الله عز وجل نهانا أن نعجب بأموالهم وأولادهم، ويقاس على أموالهم بيوتهم، ومركباتهم، ومكاتبهم، ورحلاتهم، و حفلاتهم، وسهراتهم، وندواتهم، ولقاءاتهم، هذا كله مؤقت :

﴿ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 197)

 و الله عز وجل نصحنا ، وهو خالق الأكوان قال :

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

( سورة النساء : الآية 77 )

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

( سورة التوبة : الآية 38 )

لا تعتر بدنيا الكافر وبهجتها :

 فالكافر قد يبدو غنياً جداً ، وقد يقيم عقد قران لابنته بمئة مليون، الله قال :

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

( سورة النساء : الآية 77 )

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 196 )

 لا تغتر بتقلبهم، لا تغتر بأحوالهم، ولا بأموالهم، ولا بأولادهم، و لا بعقود قرانهم، و لا بزواجهم، و لا بسفراتهم ... الكافر غفل عن المهمة التي خلق من أجلها، الكافر غفل أن الدنيا دار ابتلاء، فظنها دار جزاء، الكافر غفل عن أن الدنيا دار عمل فظنها دار أمل، الكافر غفل عن أن الدنيا مزرعة للآخرة، جعلها نهاية المطاف، و جعلها مبلغ علمه، و جعلها منتهى طموحه، و هذه مشكلة كبيرة، فلذلك قال تعالى :

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 196)

 قد يتقلبون من منصب إلى منصب، ومن مكان إلى مكان، ومن بيت إلى بيت، ومن مركبة إلى مركبة، ومن مستوى إلى مستوى، لا تغتر أي لهم حجم عند الله أقل مما تراهم .
 عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

الترمذي

نِعم عطاء الدنيا للعبد الصالح المستقيم :

 لكن إذا جاءت الدنيا، وأنت مؤمن فهذه من نعمة الله الكبرى، نعمة لأنك توظفها في الحق، لو أنك مؤمن إيماناً حقيقياً وآتاك الله مالاً أصبحت خيارات العمل الصالح أمامك واسعة .
 الآن موضوع آخر، كل ما أتمناه أيها الإخوة ألا تفهموا من كلامي أن الذي آتاه الله مالاً و كان مؤمناً ليس رابحاً، لا، إن كنت مؤمناً و آتاك الله مالاً ارتقيت به إلى أعلى عليين، المال قيمة إن استخدم في طاعة الله كان صاحبه في أعلى عليين، النبي تمنى أن يكون له مثل جبل أحد لا تأتي عليه ثلاث إلا و قد أنفقها في سبيل الله، فإذا شخص الله أتاه شكلاً وسيماً، أتاه غنى، أتاه علماً، أتاه طلاقة لسان، أتاه زوجة صالحة، و أولادا أبرارا، أتاه اختصاصا نادرا ، له دخل وفير، هذا من نِعم الله لاشك، أنا أتحدث عن الغنى مع الكفر، عن الوسامة مع الكفر، عن القوة مع الكفر، ألا ترون أن القوة من دون إيمان ماذا تفعل في الدنيا الآن؟ هل رأيتم فيما سمعتم ظلماً كهذا الظلم؟ أي الذين يحاربون ما يسمونه بالإرهاب هم أكبر بلد إرهابي في العالم، يستخدمون الإرهاب المنظم، الإرهاب القوي، فهذا الذي ترونه لا يمكن أن يقبل عند الله عز وجل، قال :

﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ﴾

( سورة التوبة : الآية 55)

 و لو ذهبت إلى بلادهم فلا ينبغي أن تعجب بهم، و لا بأبنيتهم العالية، و لا بوسائل مواصلاتهم، و لا باتصالاتهم، و لا بحدائقهم، و لا بأماكن البيع عندهم، هذه دنيا محدودة :

 

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

( سورة النساء : الآية 77)

 قال ربنا :

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾

( سورة النساء : الآية 113)

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾

( سورة يوسف : الآية 22)

لا توازِنْ بين الناس بالماديات :

 عندنا قاعدة في العاطفة، هناك عاطفة عميقة، وهناك عاطفة سطحية .
 مثلاً: لو دخلت إلى بيت أحد تجار المخدرات، ورأيت بيتاً يزيد على أربعمئة متر، وفيه من الأثاث ما لا يوصف، وفيه من الترفيه، والأجهزة الكهربائية ما لا تعرف، هل تعجب بهذا البيت، وتعلم أن صاحبه تاجر مخدرات ؟
 لو دخلت إلى بيت موظف مستقيم على أمر الله تسعين متراً، وأثاثه متواضع جداً، لكن هذا الإنسان يعمل في نشر الخير، في التعليم أي عنصر خير للأمة هل تزدريه على بيته الصغير؟
 إن عظمت تاجر المخدرات فعاطفتك سطحية، و إن احتقرت الإنسان المستقيم الفقير فعاطفتك سطحية، أما إذا احتقرت من جمع هذا المال على حساب شبابنا، وسلامة جيلنا إذا احتقرته فأنت تملك عاطفة عميقة، فربنا عز وجل يقول :

﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ﴾

( سورة التوبة : الآية 55)

 لأنه من هوي الكفرة حشر معهم، و لا ينفعه عمله شيئاً، والحقيقة أن هذا الذي حدث و الذي آلم المسلمين أيما إيلام له إيجابية واحدة، وقد تكون إيجابية، الإيجابية الوحيدة أن مجتمع الكفر خطف أبصار الناس إليه من قبل، هناك الحرية والديمقراطية، والإنسان مكرم، هذه أقنعة كلها مزيفة، والحمد لله كشفت، هذه أقنعة كلها مزيفة، كلها كاذبة، كلها مزورة، وحينما هددت مصالحهم انقلبوا إلى وحوش، أليس كذلك ؟
 إذاً: دائماً فكر في الإيجابيات، المؤمن متوازن، هناك سلبيات، هناك آلام، لكن هناك إيجابيات، لأنه من هوي الكفرة حشر معهم، ولا ينفعه عمله شيئاً، قال الله :

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ﴾

( سورة البقرة : الآية 256)

 لم يقل: فمن يؤمن بالله فقط، لابد أن يسبق الإيمان بالله كفر بالطاغوت، أن تكفر بهم وبحضارتهم، وبنظمهم، وبمنطلقاتهم، وبأساليبهم، وبكذبهم، ودجلهم :

﴿ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾

( سورة آل عمران )

 يوجد آية أخرى :

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

( سورة النساء : الآية 77)

 إلهنا، ربنا، مولانا، خالقنا، بارئنا، مصورنا، الذي مصيرنا إليه يقول لك :

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

( سورة النساء : الآية 77)

هذا هو مقياس الفوز :

 ويقول لك :

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 185)

 ويقول لك :

 

﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾

( سورة الأحزاب : الآية 71)

 يقول لك :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

( سورة الشمس : 9-10)

 هذه مقاييس التفوق في القرآن الكريم، مقياس التفوق أن تزكي نفسك، أن تعرفها بربها، أن تحملها على طاعته، أن تتقرب إليه بخدمة خلقه، مقياس التفوق أن تطيع الله و رسوله، مقياس التفوق أن تنجو من النار.

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

( سورة النساء : الآية 77)

 هذه أشياء خطيرة جداً، لأنك إذا اعتقدت هذا الاعتقاد ترتاح نفسك، وترى نفسك فائزاً، أما إذا كنت غافلاً عن الله تعيش مقاييس أهل الكفر، مقاييسهم المال فقط، القوة فقط، أين بيتك؟ في أي حي، ما مساحته؟ كم كلفك، هل زَيَنته؟ ما نوع الأثاث الذي فيه؟ ما نوع مركبتك؟ لو ذكرت له أعلى نوع يقول لك: رقمها ستمائة أم خمسمائة وخمسون، أم مئتان وثمانون، أم مئة وتسعون؟ في آخر الزمان قيمة المرء متاعه فقط، هكذا قال سيدنا علي، فلذلك :

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ﴾

 لا تنظر إليهم، أنت في زمن فيه إعداد للآخرة :

 

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾

( سورة آل عمران )

مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ

العبرة بمن يضحك في آخر المطاف :

 العبرة من يضحك آخرا، من يضحك أولاً يبكي كثيراً، ومن يضحك آخرا يضحك كثيراً، والإنسان يولد كل من حوله يضحك إلا هو يبكي وحده، فإذا شارف الموت كل من حوله يبكي، فإذا كان مؤمناً يضحك وحده، والله قبل أيام قلت كلمة، شيعت جنازة، ورأيت حالة الدفن، قلت: والله ما من إنسان على وجه الأرض أذكى وأعقل ممن يعد لهذه الساعة التي لابد منها، أبداً، لا ينجو منها أحداً، عمر مديد، تدخل بيتك، وتخرج منه منتصب القامة، وفي مرة واحدة لابد من أن تخرج منه محمولاً .
 كل يوم تقرأ عشرات النعي، ولابد من يوم يقرأ الناس فيه نعيك، شئت أم أبيت، هكذا نحن جميعاً، ما من خروج من البيت إلا والأهل ينتظرونك، لم يأت بعد ، الساعة الثانية عشرة، إلا بعد الدفن فلا أحد يقول: لم يأت فلان، انتهى، ذهب ولم يعد، فهذه الساعة التي لابد منها ينبغي أن نعد لها :

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ﴾

المؤمن محبوب ولو كان مِن أفقرِ الناس :

 لا تستخدم مقاييسهم، أنت إنسان مستقيم تعرف الله عز وجل، قد يكون دخلك محدوداً لو التقيت بواحد من أهل الدنيا لا يقيمك إلا من دخلك، ماذا تعمل يا بني؟ والله أنا موظف، كم يعطونك؟ أنت تأخذ خمسة آلاف، تقول له: أنا آخذ عشرة، استر حالك، فقط عشرة، لا تكفي، كيف تعيش؟ مقياسه مادي محض، لا تصاحب من لا يرى لك من الفضل مثلما ترى له، صاحب أهل العلم، صاحب المؤمنين، يقدرون فيك إيمانك، يقدرون فيك طاعتك لله، يقدرون فيك استقامتك، يقدرون فيك حرصك على الحق، يقدرون فيك طموحاتك، يقدرون فيك بطولتك، أما إن صاحبت أهل الدنيا فلا يقدرون فيك إلا مقاييسهم، أموالهم، لذلك ورد أنه من دخل على الأغنياء ـ طبعاً غير المؤمنين، و الله لا أتكلم عن الأغنياء إلا إذا كانوا بعيدين عن الله، أما و الله المؤمنون تشتهي أن تكون مثلهم، من تواضعهم، و من سخائهم، ومن حبهم لله، و قد أكرمهم الله بهذا الغنى ليكون سلماً لهم إلى الجنة، أنا لا أتحدث إلا عن هؤلاء الشاردين الغافلين، المستكبرين المتغطرسين، أما المؤمنون، والله المؤمن تحبه غنياً من تواضعه وسخائه، و تحبه فقيراً من عفته وتجمله، وتحبه ذا دخل محدود، أو ذا دخل غير محدود، تحبه من الريف، كل الطهر، والبراءة به، وتحبه إذا كان من المدينة، تحبه إن كان من أسرة عريقة متواضعاً، وتحبه إن كان من أسرة متواضعة، أنا أقول كلمة: لا يجوز في عالم الإيمان أن تضيف على كلمة مؤمن و لا كلمة، مؤمن حاجب تحبه، مؤمن مدير عام تحبه، كلاهما متواضع، كلاهما متجمل، كلاهما يعرف حدود الله، كلاهما متأدب، فلذلك أيها الإخوة لا يمكن أن نقوم الحياة إلا على مقاييس القرآن .
 كان شخص من التابعين قصير القامة، أسمر اللون، أحنف الرجل، مائل الذقن، ناتئ الوجنتين، ضيق المنكبين، غائر العينين، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب، و كان مع ذلك سيد قومه، إذا غضِبَ غضبَ لغضبته مئة ألف سيف، لا يسألونه فيم غضب؟ و كان إذا علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه، بطل، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ

(( أَنَّهُ كَانَ يَجْتَنِي سِوَاكًا مِنْ الْأَرَاكِ، وَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ، فَجَعَلَتْ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ، فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مِمَّ تَضْحَكُونَ؟ قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ ))

أحمد

 دخل عليه مرة شخص فوقف له، وقال:

(( أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه، قال: أو مثلي؟ قال: نعم، أنت خامل في الأرض علم في السماء ))

ورد في الأثر

 سيدنا عمر كان يستقبل رسولاً من معركة نهاوند قال له: << حدثني ماذا جرى؟ قال له: والله مات خلق كثير، قال: من هم؟ قال: إنك لا تعرفهم، لو ذكرت لك أسماءهم لا تعرفهم، فبكى عمر، وقال: وما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم >> .
 مجتمع الإيمان مجتمع إخلاص، مجتمع تواضع، مجتمع محبة، مجتمع بذل، مجتمع تضحية، و هذه الحياة الدنيا لا تصلح إلا بالإيمان، لذلك إذا عظم إنسان الكافر لماله، عظمه لقوته، فقد أشرك مع الله، ينبغي أن تبجل المؤمنين، ينبغي أن يكون قلبك مع المؤمنين، ولو كانوا ضعافاً وفقراء، وأن تتبرأ من الكفار، و المفسدين، ولو كانوا أقوياء وأغنياء، هذا الولاء و البراء، أن توالي أهل الإيمان، و أن تتبرأ من أهل الكفر و الفسق و الفجور :

 

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

( سورة النساء : الآية 77)

انظر متى يكون تألق الإنسان في دنياه ؟

 سنوات معدودة، فدقق أيها الإنسان، حتى يستطيع الإنسان أن يتألق في الحياة قليلاً سيكون على الأقل في سن الأربعين، إذا عمل عملاً دؤوباً، و معه شهادات عليا، و درس، أو كان ابن تاجر، واشتهر حتى يتألق تألقه ذاك في الأربعين، و معترك المنايا بين الستين والسبعين، وقلما يجوز ذلك، اسأل أنت كل الذين توفاهم الله يقول لك: في الثامنة والخمسين، في الثالثة والستين، في ست وسبعين، ما شاء الله، أما أكثر الناس فبين الستين والسبعين، والآن أصبح بالثلاثينات، أصبح موديلاً جديداً للموت، أزمة قلبية بالثلاثين، بالخمسة وعشرين، بالاثنين و الثلاثين، يوجد أورام، و يوجد أزمات قلبية تأخذ الشباب الآن، فلذلك هذه الحياة الدنيا ليست مجدية في التمتع بها، لأن الإعداد أربعون، والاستمتاع عشرون، هذا إذا من لم يوجد بحياته منغص بأهل الأرض أبداً ؟
 الإنسان لا يخلو من مشكلة في بيته، أو مع أهله، مع أولاده، بصحته، بعمله، برزقه، بدخله، إذا لم يوجد عنده و لا مشكلة معنى هذا أنه هو مشكلة، لأنه لا يحس هموم المسلمين أصبح هو مشكلة أيضاً، أيمكن أن تكون مرتاحاً، ومن حولك جميعاً يئنون من الجوع، وأن ترتاح أنت بينهم؟ إذاً أنت لست مسلماً، حتى لو لم تكن عندك مشكلة ما تسمع من أخبار المسلمين، ومن آلامهم، ومن قهرهم، ومن ظلمهم لا تحتمل .
 والله حدثني أخ صادق قال لي: والله لا أطيق سماع الأخبار، لا أطيق رؤية هذه المآسي التي نراها كل يوم، فلذلك أيها الإخوة: إن هذه الدنيا دار ابتلاء، دار عمل، دار تضحية، دار كدح :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا ﴾

( سورة آل عمران : الآية 200)

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾

 كان سيدنا عمر بن عبد العزيز كلما دخل مقر عمله يقول :

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ(205)ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ(206)مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾

( سورة الشعراء : 205-207)

 يقول الله :

﴿ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ﴾

( سورة إبراهيم : الآية 30)

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾

( سورة البقرة : الآية 126)

﴿ لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 198)

لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا

 هؤلاء الذين عرفوا ربهم و اتقوا أن يعصوه :

﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 198)

التقي هو الفائز :

 التقي هو الفائز، ولو كنت فقيراً، ولو كنت لا سمح الله مريضاً، ولو كنت بلا زوجة، وبلا ولد، ولو كان بيتك مستأجراً، ولو كنت بوضع يرثى له، ما دمت قد عرفت الله فأنت الفائز :

﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 198)

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ

 أيها الإخوة، ثم يقول الله عز وجل :

﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 199)

تعلَّمْ من القرآن أدبَ الإنصافِ :

 دققوا، إن( من )للتبعيض، أرأيت إلى هذا الأدب الذي يعلمنا الله إياه، إياك أن تعمم، إن من أهل الكتاب، بعضهم :

﴿ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 199)

 النجاشي استقبل المسلمين، ورحب بهم، وطمأنهم، وأقاموا عنده آمنين، وقال: لو أتيح لي أن ألقى النبي لغسلت عن قدميه، والنبي صلى عليه صلاة الغائب، وحينما أمرهم أن يصلوا عليه عجب بعض الصحابة من هذا الذي نصلي عليه؟ فجاء الرد الإلهي :

﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 199)

 الآن دققوا دخلنا في موضوع دقيق، أولاً: تعلم من الله الموضوعية، تعلم أن الموضوعية قيمة ثمينة، هي قيمة علمية، وقيمة أخلاقية في وقت واحد، لست عالماً إذا حشوت ذهنك بالمعلومات، ولكنك تعد عالماً إذا كنت منصفاً في أحكامك، لا تحكم حكماً ظالماً، لا تغفل الإيجابيات، وتبرز السلبيات، هذا هو إمام السوء الذي إذا أحسنت لم يقبل، وإذا أسأت لم يغفر، هذا هو جار السوء الذي إن رأى خيراً كتمه، وإن رأى شراً أذاعه، كن موضوعياً، إن سئلت عن إنسان فاذكر ما له وما عليه، إن سئلت عن جماعة فقل ما لها و ما عليها، إن سئلت عن قريب فقل ما له و ما عليه، إن سئلت عن صديق فقل ما له و ما عليه، لا تعمم، لا تغفل الإيجابيات، و تبرز السلبيات، هذا موقف لا أخلاقي .

 

بعض أهل الكتاب مؤمن بالله وبجميع أنبيائه :

﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾

 الإيمان الصحيح :

﴿ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ ﴾

 أي بشكل أو بآخر لعلي أوفق في هذا المثل: أنت مدير مؤسسة تابع لوزير، الملك غير الوزارة، وأصبحت تابعاً لوزير آخر، لا أقبل هذا الوزير، أنت بهذا تستعصي على أوامر الملك، الملك عَيَن هذا الوزير، وأنت تابع له، لا يقبل، ولا يعقل أن ترفض أن تنتمي لوزير جديد عينه الذي تعظمه أنت، فالمؤمن يقبل أي رسول جديد، فأنت لك رسول جاء رسول آخر ينبغي أن تتبع الآخر، لذلك هؤلاء :

﴿ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ ﴾

 إليكم وإليهم، لأنهم قبلوا الرسالة الجديدة معنى ذلك أنهم يعظمون الله عز وجل، هذا التعظيم لله كان دليله أنهم آمنوا بما أنزل على محمد، و سأقول لكم كلمة دقيقة: أية معرفة ترقى إلى درجة أنها بديهية هل يوجد أب على وجه الأرض إذا دخل إلى البيت، وأنجب أولاداً من سبع سنوات، ووقف أمامه أحد أولاده يقول له: من أنت؟ هل سمعتم بهذا؟ مستحيل، أي لا يوجد معرفة أوضح، وأصدق عفوية كمعرفة الأب بابنه، ماذا قال الله عز وجل؟ قال :

 

﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾

( سورة البقرة : الآية 146)

 يعرفون أنه رسول الله، يوجد أدلة، و علامات، و شواهد، و إخبار عندهم في الكتب، هم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، لكن لم يؤمنوا به، أما الذي آمن به الحقيقة إيمانه بالله قوي، الذي آمن به انطلق من إيمانه بالله، فلذلك :

﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ ﴾

الخشوع صفة بعض أهل الكتاب :

 هذا الإيمان بما أنزل إليهم، وما أنزل إليكم معاً، أي إيمانهم بالله قوي جداً، وهذا الإيمان بالله الصحيح حملهم على خشية الله، وعلى طاعته، قال :

﴿ خَاشِعِينَ لِلَّهِ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 199)

لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا

 أما الصفة الثانية رائعة، قال :

﴿ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾

( سورة آل عمران : الآية 199)

خطورة بيع الدين بالدنيا :

 أنت لك دعوة، ولك جماعة، ولك مكانة بينهم، لو أنك آمنت برسول الله فرضاً يجب أن تتزحزح عن مكانتك، و تعد تابعاً له، هناك من آثر أن يبقى على مكانته مع إغفال هذه الحقائق، إذاً: اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً .
 لو فرضنا مثلاً أوضح من هذا؛ إنسان كلف أن يفتي بموضوع، وله مكانه معينة، فإذا أفتى على خلاف ما طلب منه يخسر هذه المكانة، فأفتى بما يرضي من أمره أن يفتي، مثلاً، هو ماذا فعل؟ اشترى بعلمه ثمناً قليلاً، أفتى بخلاف ما يعلم، المثل واضح؛ أنت بمكانة معينة، بدخل معين، بشكل معين، طلب منك أن تفتي فتوى، فإن لم تكن كما يريدون خسرت هذه المكانة، فالذي آثر هذه المكانة على أن يفتي بخلاف ما يعلم هذا اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً، و الذي آثر طاعة الله على مكانته هذا هو المؤمن، فلماذا أنكر من أنكر؟ لأنهم اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، هم في بحبوحة، وبمكانة كبيرة في مجتمعاتهم، فإذا آمنوا فقدوا هذه المكانة، فيما توهموا، لكن الذي حصل على عكس ذلك، الذين آمنوا من أهل الكتاب النبي أكرمهم إكراماً لا حدود له، ورفع شأنهم، وكسبوا الدنيا والآخرة .
 إذاً :

﴿ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 199)

إياك أن تفتي بعير علم ، وإياك أن تفتي بخلاف ما تعلم :

 كتعقيب أخير على هذه الآية قبل الأخيرة : دعك من ملابسات هذه الآية، وأنت مسلم، إذا سئلت سؤالاً، وتعرف الجواب الصحيح، لو وجدت أن مصلحتك تقتضي أن تقول جواباً غير هذا الجواب فأنت اشتريت بآيات الله ثمناً قليلاً، لو سئلت من إنسان قوي عن شيء، وأدركت بالحاسة السادسة أنك إذا قلت له بما يهوى تعلو عنده فقد اشتريت بآيات الله ثمناً قليلاً، إن أفتيت بخلاف ما تعلم اشتريت بآيات الله ثمناً قليلاً، ضمن الدين الواحد إن نطقت بالباطل تقرباً إلى زيد، أو عبيد، أو إن سكت عن الحق اتقاء لشيء لا تريده، فقد اشتريت بآيات الله ثمناً قليلاً، فلذلك هذه آية دقيقة جداً :

﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ ﴾

 لأنهم آمنوا بالرسالتين، إذاً خشعت قلوبهم لله، اتصلوا بالله، شعروا أنهم قد أرضوا ربهم، وأن هذا الرسول فيه إشارات في كتبهم، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، أما الذين تشبثوا بمناصبهم، ومكاسبهم الدنيوية من خلال زعاماتهم فهؤلاء اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، هؤلاء الذين آثروا الحقيقة، وطاعة الله، ومحبته، قال :
 و إن شاء الله في الدرس القادم ننهي هذه السورة بقوله تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 200 )

و الحمد لله رب العالمين

الأسئلة :

 إخوانا الكرام، هناك موضوع نقل الكلية أي التقدم الطبي، نحن نحترمه كثيراً، لكن لا يعقل أن يعيش أحد على حساب أحد، إنسان عنده فشل كلوي نلزم مثلاً أخته، أو قريبه، أو أخاه أن يتبرع بإحدى كليتيه، لم يثبت قطعاً أن إزالة كلية واحدة ليس لها مضاعفات إطلاقاً، على كل موضوع نقل الكلى اسأل طبيباً مختصاً، فأكثر الحالات لا تنجح، أي الذي نقلت له الكلية لم ينتفع منها، والذي أُخذت منه الكلية عطب، كما أن المعالجة شيء دقيق جداً، ليست ملزمة في بعض الحالات، وتقدّم الطب يوقع الناس في حرج شديد، هناك فشل كلوي، لكن العملية قد تكلف ملايين أو مليونًا، والنجاح بالمئة ثلاثون، وانعطب إنسان، فما كل تقدم طبي ينبغي أن نسايره، لكن نحن عندنا منهج، فالموضوع لا يزال خلافي و شائك، إذا كان ثمة تبرع بين الأقارب فهو موضوع أقل مما لو تباع الكلية، طبعاً أن يبيع الإنسان كليته فهذا شيء غير مقبول إطلاقاً، و بعض القوانين في بعض البلاد تحاسب عليه .
 س : هل تصح توبة المريض الملقى على فراش الموت ؟
 ج : في الحديث عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ َسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ ))

الترمذي ، ابن ماجه ، أحمد

 والغرغرة صوت حشرجة الروح حين خروجها من الحنجرة، إن وصلت الروح إلى هذا المكان، هذه الغرغرة يقفل باب التوبة .
 نقول: إن إنساناً يحب أن يحضر دروس الدين، ولم يستطع ترك المعاصي بشكل كامل، فهل يترك الدروس، ويعود إليها لاحقاً بعد ترك المعاصي؟
 تتفاقم المعاصي بعدها، وأنت في الدرس تستمع إلى الحق، وتتذكر، ويوجد جو ديني، ويوجد شحنة روحية، وتقترفها، فإذا تركت الدروس معنى ذلك قد تنتقل إلى أكبر، لا يجب أن تبقى في الدروس، وأن تضم إليها الاستقامة التامة والتوبة .
 الحاسة السادسة يستعملها بعض علماء النفس إحساسًا عامًّا من دون دليل، يقول لك: هكذا شعرت، هذا شيء يستخدم .
 س : هل صيد العصافير محرم ؟
 ج : العصفور إذا اصطاده إنسان لغير مأكلة أتى يوم القيامة وله دوي كدوي النحل، يقول: يا رب، سله لمَ قتلني؟ هناك صيد محرم قطعاً، أن تصطاد لغير مأكلة، لست مضطراً، كم من عصفور يصطاد الإنسان حتى يشبع؟ لا يوجد شيء إطلاقاً، فلذلك يا رب سله لمَ قتلني؟ و للصيد بحث طويل .
 س : يؤمن المسلم بأن نعيم القبر وعذابه ، والسؤال هل هناك أدلة في القرآن تفسر عذاب القبر ؟
 ج : نعم، قال تعالى :

﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾

( سورة غافر : الآية 46)

 عذاب القبر حق، و يوجد آية قرآنية تؤكد ذلك .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018