محاضرات شواطئ النجاة : 2 - الإخلاص . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠04محاضرات شواطئ النجاة - قطر
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

محاضرات شواطئ النجاة : 2 - الإخلاص .


2016-04-17

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألوِيَتِه ، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات .

الإقبال على الله عز وجل لنهتدي بهديه :

مرة ثانية أشكر لكم هذه الدعوة الكريمة التي إن دلت على شيء فعلى حسن الظن بي ، وأرجو الله أن أكون عند حسن ظنكم .
شيء آخر ؛ تعلق أهل هذا البلد الطيب بالعلم والعلماء هذا والله وسام شرف لكم ولا أقوله مادحاً بل محققاً .
الإقبال على الله عز وجل لنهتدي بهديه
الموضوع الثاني الذي ينبغي ان أقدمه لكم موضوع الإخلاص ، وكأننا في مدارج السالكين ، وهذه السلسلة مئة موضوع في موقعي ، مدارج السالكين في الاستعانة برب العالمين، هذه المدارج هي الطريق إلى الله ، هناك سلسلتان كبيرتان ؛ الأولى أسماء الله الحسنى ، والثانية مدارج السالكين ، أي بعد أن عرفنا الله من خلال خلقه ، ومن خلال كتابه ، ومن خلال أفعاله كيف نتصل به ؟ أو كيف نصل إليه ؟ كيف نقبل عليه ؟ كيف نستنير بنوره ؟ كيف نهتدي بهديه ؟ كيف نسعد به ؟ كيف نطمئن بدفاعه عنا ؟ هناك معاني لا توصف ولا تعد ولا تحصى من نتائج الإقبال على الله عز وجل ، لذلك الحديث الشريف :

((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))

[ابن ماجه وأحمد والدارمي عَنْ ثَوْبَانَ]

بعضهم قال لن تحصوا الخيرات ، يا ترى الإنسان إذا آمن يتمتع بحالة أمن ؟ حالة الأمن التي يتمتع بها المؤمن ينفرد بها ، ولن تكون لغير المؤمن والدليل قال تعالى :

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ ﴾

[ سورة الأنعام:81-82]

دقق في اللغة ، ما قال الأمن لهم ، لو قال لهم ولغيرهم ، لما قدمنا شبه الجملة الخبر على المبتدأ صار هناك قصر وحصر ، لو أنك قرأت في الفاتحة نعبد إياك ، لا تعني نعبد إياك ألا نعبد غيرك ، أما إياك نعبد أي لا نعبد غيرك ، لما نقدم المفعول على الفعل صار قصر وحصر .

 

المؤمن سريرته كعلانيته وظاهره كباطنه :

لذلك أخواننا ؛ هذا الموضوع الذي نحن في صدده موضوع الإخلاص . كم من عمل عظيم افتقر إلى الإخلاص فكان هباءً منثوراً . المؤمن سريرته كعلانيته وظاهره كباطنه

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صِفْهُمْ لَنَا ، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]

عندما يكون للمؤمن موقف يقفه أمام الناس ، موقف في خلوته ، و موقف في جلوته، انتهى عند الله عز وجل ، من لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله . المؤمن سريرته كعلانيته ، وظاهره كباطنه ، وباطنه كظاهره ، لا يحابي ، لا يمثل ، لا يبالغ ، لا يكذب ، والحق ما هو الحق ؟ كلمة الحق جاءت في القرآن مئات المرات ، كلمة متداولة ، الحق هو الشيء الثابت والهادف ، ما الباطل ؟ الشيء الزائل والعابث ، تأسيس جامعة حق ، هذا البناء أنشئ ليبقى ، أحمل دكتوراه من جامعة في أوربا عمرها خمسمئة عام ، الحق شيء وجد ليبقى ، أما السيرك فيبقى أسبوعين ، ويصنع من القماش ، ألعاب بهلوانية ، فيه بعض الوحوش ، الحق شيء مهم جداً ، الله هو الحق ، الشيء الثابت والهادف ، الباطل الشيء الزائل والعابث ، طوبى لمن كان مع الحق والذي مع الحق في أعلى عليين .

 

من تولى الله حفظه فهو في حصن حصين :

لذلك أخواننا الكرام ؛ اللقاء السابق كان عن محبة الله ، لا بد من كلمة قصيرة جداً ؛ من تولى الله حفظه فهو في حصن حصين
الله عز وجل بيده حياتنا ، بيده موتنا ، بيده صحتنا ، بيده مرضنا ، بيده سعادتنا ، بيده شقاؤنا ، بيده من حولنا ، بيده من فوقنا ، بيده الكبار ، بيده الصغار ، بيده الجراثيم ، كل شيء بيده ، لكن حينما يتولى الله حفظك أنت في حصن حصين .
يا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟
ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء .
أموات غير أحياء وصف ذكر في القرآن  لمن غفل عن ذكر الله
والله الذي لا إله إلا هو لا أبالغ إن لم تقل : ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني عندك مشكلة ، لأنك مع من ؟ مع الخالق ، مع الرب ، مع المسير، مع الرحيم ، مع الودود ، مع اللطيف ، أسماء الله كلها حسنى ، فلذلك أخواننا الكرام ؛ أنا لا أقول أن الذي غفل عن الله يعيش ، قال تعالى :

﴿ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء ﴾

[ سورة النحل: 21 ]

﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

[ سورة المنافقون: 4 ]

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الفرقان : 44]

﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾

[ سورة الجمعة: 5 ]

أوصاف قرآنية لمن غفل عن ذكر الله ، لمن شرد عن الله ، لمن آثر الدنيا على الآخرة ، لمن آثر حظوظ نفسه على مبادئ الشرع ، لمن نسي الموت .
عبدي رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبقَ لك إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا يموت .

 

الزمن هو أثمن شيء يملكه الإنسان :

أنت أيها الإنسان بضعة أيام ، والله ما قرأت تعريفاً جامعاً مانعاً رائعاً للإنسان كتعريف الإمام الجليل الحسن البصري ، قال : " الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ".
الزمن هو أثمن شيء تملكه والبطولة ان تدرك ذلك قبل فوات الاوان
فأنت زمن ، أو رأس مالك هو الزمن ، أو أثمن شيء تملكه هو الزمن ، لذلك أقسم الله لك بمطلق الزمن قال تعالى :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 1-2]

كلام خالق الأكوان ، لأن مضي الزمن وحده يستهلكك ، الإنسان ينشأ في الشباب يوجد ثورة و تألق و قوة ، قد يرى المال كل شيء ، في منتصف العمر يراه شيئاً لكنه ليس كل شيء ، وهو على فراش الموت لا يراه شيئاً ، فالبطولة أن تعيش المستقبل ، من هو العاقل ؟ الذي يصل إلى الشيء بعقله قبل أن يصل إليه بجسمه ، هل هناك إنسان وأنا معكم يستطيع أن يقول : أنا أستيقظ كل يوم كاليوم السابق ؟ مستحيل وألف ألف مستحيل ، عندنا بوابة خروج كالمطار ، وكل واحد منا له بوابة خروج يخرج منها ، أين الذكاء ؟ أين العقل ؟ أين البطولة ؟ أين التفوق ؟ أن تعد لهذه الساعة التي لا بد منها ، وهذا هو الفرق بين المؤمن وغير المؤمن ، المؤمن يأكل ويشرب ويتزوج ويدرس ويتفوق ويتسلم منصباً رفيعاً ويدير إدارة رائعة ، ولكن لا ينسى ساعة المغادرة ، فلذلك الإعداد لهذه الساعة هو العقل والذكاء والحكمة والتفوق .
عبدي رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبقَ لك إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا يموت .

 

الإخلاص :

الموضوع اليوم في مدارج السالكين الإخلاص ، البارحة الحب .
أخواننا الكرام ؛ الآية الأولى :

﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ ﴾

[ سورة البينة: 5 ]

الإخلاص عبادة القلب
العبادة حركة الجوارح ، والإخلاص عبادة القلب ، الحركة حركة الجوارح ، أما النية فمن الداخل ، من القلب ، فالقلب يعبد الله إخلاصاً :

﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾

[ سورة البينة: 5 ]

أخواننا الكرام ؛ هذه الآية الأولى ، والآية الثانية :

﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ﴾

[ سورة الزمر : 2]

المؤمن الصادق هو من أحسن عبادته التعاملية
وكل أمر في القرآن يقتضي الوجوب ، نحن قد نتوهم أن الدين صوم وصلاة وحج وزكاة ، هذه عبادات شعائرية ، العبادة التعاملية خطيرة جداً لها نص فريد من نوعه ، حينما سأل النجاشي سيدنا جعفر عن الإسلام ، أجابه :

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك ، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه ، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ...))

[ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

إن حدثك فهو صادق ، وإن عاملك فهو أمين ، وإن استثيرت شهوته فهو عفيف ، والنسب فوق كل هذا تاج .

(( ...وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ))

[ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

هذا النص الدقيق جداً هو العبادة التعاملية .

 

العبادة الشعائرية لا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية :

أخواننا الكرام ؛ إن هذه الفقرة التي تلي الآن لعلها أخطر فكرة في هذا اللقاء الطيب العبادة الشعائرية لا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية
العبادات الشعائرية منها الصلاة والصيام والحج والزكاة والنطق بالشهادة ، هذه العبادات الشعائرية على أنها فرائض لا تقطف ثمارها ولا تحقق أهدافها إلا إذا صحت العبادة التعاملية ، أنت تقول : مليار وثمانمئة مليون مسلم ليست كلمتهم في الأرض هي العليا ، وليس أمرهم بيدهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل ، وقد يواجه هذا الدين حرباً عالمية ثالثة ، أين الخلل ؟ الإسلام منهج تفصيلي يحيط بجوانب حياتنا كلها
الانتماء الشكلي إلى الدين لا يقدم ولا يؤخر ، تضع الكعبة في صدر بيتك شيء رائع جداً ، تضع مصحفاً في السيارة ، و لكن هذا لا يكفي ، مسبحة في يدك لا تكفي ، منهج تفصيلي يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية ، افعل ولا تفعل ، كسب مالك فيه تشريع ، إنفاق مالك فيه تشريع ، اختيار زوجتك فيه تشريع ، تربية أولادك فيه تشريع ، اختيار حرفتك فيه تشريع ، أصحابك ، تمضية أوقات فراغك فيه تشريع ، هذا منهج يدور معك حيث درت ، يبدأ من أخصّ خصوصياتك وينتهي بالعلاقات الدولية ، هذا الإسلام ، لن تقطف ثماره إلا إذا أخذ من كل أطرافه .
تختار عبادة لطيفة سهلة تقول : أنا ذهبت إلى العمرة ثلاثاً وثلاثين مرة ، ما شاء الله ، تركب طائرة تذهب إلى فندق ، الأكل درجة أولى ، تطوف سبعة أشواط ، عملنا عمرة ، هذه ما كلفت شيئاً ، كلفت مالاً فقط ، أما يا ترى هل هناك غض بصر ؟ ضبط لسان ؟ ضبط عين ؟ ضبط دخل ؟ ضبط إنفاق ؟ هذه البطولة ، منهج تفصيلي لا بد من أن تأخذ به ، ولعل هذه الحقيقة مرة ، سامحوني أنا آثر الحقيقة المرة لأنها عندي أفضل ألف مرة من الوهم المريح أي إذا شخص يحمل شيكاً مزوراً بمليون دينار مثلاً ، إذا عرف أنه مزور بوقت مبكر وما أبرزه للمصرف أفضل أم يتوهمه أنه صحيح ويقدمه ويوضع عشر سنوات بالسجن ، ما رأيك ؟ يجب أن تعرف دينك ما مستواه ، ألا ترى معي أن وعود الله معطلة ؟ معنى ذلك نحن ليس كما ينبغي.

زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين :

اسمع القرآن :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين
بربكم هل نحن مستخلفون في الأرض ؟ لا والله ، هذه الحقيقة المرة .

﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

قانون :

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

هذا الدين ممكن أم يواجه حرباً عالمية ثالثة ؟ هذه الحرب الثالثة كانت تحت الطاولة اليوم فوق الطاولة جهاراً نهاراً :

﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55 ]

فإذا أخلّ الطرف الآخر بما كلفه الله به من عبادة فالله جلّ جلاله في حلّ من وعوده الثلاثة ، إذاً أيها الأخوة ؛ زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين .

 

الخلل الكبير و الخطير الذي أصاب الدين الإسلامي :

أخواننا ؛ نحن مليار وثمانمئة مليون :

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]

الغش هو خلل كبير وخطير تغلل في مجتمعنا الإسلامي
عندنا خلل كبير وخطير ، أي ديننا فولكلور ، كعبة ، مسبحة ، مصحف ، بسملة ، تكبير ، الدخل حلال ؟ معمل مواد غذائية ، فيه مادة غذائية إن وضع فيها مادة مسرطنة يبيض لونها ويرتفع سعرها ، يقول لك : أصلي خمسة أوقات وأتابع الدروس كلها في المساجد ، يضيف إلى هذه المادة الغذائية مادة مسرطنة حتى يبيض لونها ويرتفع سعرها هل يكون هذا قد عرف الله عز وجل ؟ لا والله ما عرف الله .
فلذلك أخواننا الكرام ؛ لا يمكن لإنسان عرف الله أن يؤذي مخلوقاً ، لا يغش المسلمين ، لا يستطيع أن يكذب ، لا يستطيع أن يقدم بضاعة بمواصفات غير صحيحة ، لا يستطيع أن يطلب من الشركة أن تضع له على هامش القماش أنه صنع في بريطانيا وهو صنع في تايوان ، لا يفعل هذا ، الغش شيء خطير ، وقول الزور ، إذا كانت معظم بضاعتنا فيها غش ، أكثر البضاعة يكتب : صنع في اليابان ، وهي صنعت في الصين ، وأنت تبيعها على أنها قطع سيارات ، على أنها ألمانية وهي غالية جداً ، فأنت عندما تخالف الشرع في بيعك وشرائك أين بقي دينك ؟ عندنا إسلام فلكلوري ، زرت جامعاً في الدار البيضاء مئذنته جامعة فوق البحر، وأنت في الحرم ترى الحرم تحتك ، كلف ألف مليون دولار ، لا يوجد التزام في العالم الإسلامي ، لا يوجد استقامة ، لا يوجد توجه إلى الله ، لا يوجد إخلاص ، العالم الإسلامي المفروض أن تكون بيوتنا جنة ، امرأة مؤمنة وشاب مؤمن ، غض بصر ، ضبط لسان ، لا يوجد أشياء متفلتة في البيت ، في البيت الوضع ليس كذلك ، نحن اكتفينا من الإسلام باسمه ومن القرآن برسمه .

﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ﴾

[ سورة الزمر : 2]

الإخلاص عبادة القلب والخضوع لله عبادة الظاهر :

الإخلاص عبادة القلب ، والخضوع لله عبادة الظاهر ، يا ترى لو إنسان قال : أنا مخلص ؟ أنا أقول لك كلمة دقيقة جداً ، قال تعالى :

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[ سورة القيامة: 14-15 ]

الإخلاص عبادة القلب والخضوع لله عبادة الظاهر
قيل : يمكن أن تخدع بعض الناس لكل الوقت ، ويمكن أن تخدع كل الناس لبعض الوقت ، أما أن تخدع كل الناس لكل الوقت فهذا مستحيل وألف ألف ألف مستحيل .
أخواننا الكرام ؛ حتى الإنسان يطبع بطاقة وقبل اسمه حرف دال ، ما معنى دال ؟ دكتور ، معه ابتدائية ، وإعدادية ، وثانوية ، وليسانس بالآداب أو بكلوريوس في العلوم ، دبلوم أول ودبلوم ثان ، وماجستير و دكتوراه ، عشرون سنة دراسة حتى يضع حرف د ، تريد أن تكون مؤمناً ؟ أن تصل إلى جنة عرضها السموات والأرض ؟ إلى أبد الآبدين من دون أي جهد ؟ بلا التزام ؟ بلا ثمن ؟ بلا بيت إسلامي ؟ بلا دخل إسلامي ؟ بلا إنفاق إسلامي ؟ أريد أن أعلق تعليقاً ظريفاً ، كان هناك عالم في الشام إذا بدأ الصلاة هو إمام قال : استووا واعتدلوا - هذه الكلمة مشهورة - وأطفئوا هواتفكم إن إطفاء الهواتف من إقامة الصلاة . إذا أخ معه هاتف وأغلق هاتفه يكون قد فضّل علينا .
أخواننا الكرام ؛

﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ﴾

[ سورة الزمر : 2]

إخلاص ، تقول لي : كيف أعلم أنني مخلص ؟ أعظم شيء في هذا الدين أن الله قال:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[ سورة الشمس:7-8]

ممكن أن تفهموا الآية على الشكل التالي ؛ أي جعلها فاجرة ؟ مستحيل ، ألهمها إن فجرت أنها فجرت ، وألهمها إن اتقت أنها اتقت ، قال تعالى :

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[ سورة القيامة: 14-15 ]

الإنسان مفطور على منهج الله لتمييز الصواب والخطأ
هذا من فضل الله علينا ، يلقي في روعك أنك مؤمن ، أو أن هذا العمل فيه نفاق ، هذا فيه كذب ، هذا فيه دجل ، هذا فيه تزوير ، هذه الكآبة ، قال لي أستاذ في جامعتنا يعد أستاذاً كبيراً جداً : نسب الكآبة في العالم الغربي مئة واثنان وخمسون ، بالمئة مئة واثنان وخمسون، نسبة عجيبة ، بالمئة ثلاثون ، خمسون ، تسعون ، بالمئة مئة ، قال : مئة شخص معهم كآبة واثنان وخمسون معهم كآبتين ، الإنسان عندما يعصي الله عنده فطرة ، فطرته تعذبه ، لو أن شخصاً أمه جائعة جداً وأحضر طعاماً يكفي لشخص واحد و أكله وحده ألا يشعر بكآبة ؟ إذا ما تلقى درس دين بحياته كلها يشعر بكآبة ، أنت عندك فطرة سليمة ، والدليل قوله تعالى :

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

[سورة الروم:20]

أنت مبرمج ، مولف ، مفطور على منهج الله ، فكل أمر أمرك الله به فطرك على محبته ، وكل نهي نهاك عنه فطرك على كراهيته ، قال تعالى :

﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾

[ سورة الحجرات : 7]

طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب :

أخواننا الكرام ؛

﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ﴾

[ سورة الزمر : 2]

طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب
إنسان قال لي : ما الإخلاص ؟ خطر في بالي مثل دقيق لو أن شخصاً زار طبيباً وجد عنده ثلاثين مريضاً في العيادة ، وكل مريض يدفع ألف دينار مثلاً ، أي في آخر النهار يكون قد حصّل ثلاثين ألف دينار ، والله دخل كبير جداً ، قال له أحدهم كيف أكتب وصفة ؟ قال له : تدرس ابتدائي ، وإعدادي ، وثانوي ، وتأخذ علامات عالية جداً وتدخل كلية الطب ، سبع سنوات ، ثم ماجستير ، ثم دكتوراه ، ثم بورد من أمريكا ، خمس وعشرون سنة دراسة من أجل أن تضع الدكتور فلان ، تريد مؤمناً بلا مقابل ؟ أن تعيش كما تريد ، تتابع أي فضائية وتلتقي مع أي جهة ، لا يوجد غض بصر ، ولا ضبط لسان ، وتريد الجنة ؟ قال العلماء : طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب . ذنب كبير من غير عمل .
أخواننا الكرام ؛ الآيات حوالي عشر :

﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ﴾

[ سورة الزمر : 2]

العبادة سلوك ، والإخلاص عبادة القلب .

 

لا يكلف الله نفساً إلا وسعها :

لكن هناك نقطة دقيقة جداً حينما قال الله عز وجل :

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾

[ سورة الكهف: 110 ]

الآن دقق لولا أن النبي بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر، النبي بشر يشتهي ، يحب أن ينام ، لكن حمل نفسه على طاعة الله ، الشرع ضمن إمكانيتنا ، قال تعالى :

﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا ﴾

[ سورة البقرة: 286 ]

لا يكلف الله نفساً إلا وسعها
أقول لكم كلمة دقيقة : أي إنسان يتوهم أن تطبيق الشرع لا يستطيعه فهو واهم ، لأن القرآن يكذبه قال تعالى :

﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا ﴾

[ سورة البقرة: 286 ]

لكن الشيء الذي نتوهم أننا لا نستطيعه هو الشيء الذي لا نريد أن نفعله ، فلذلك إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلّما تنقضه الأيام ، إذا كان صادراً حقاً عن إرادة و إيمان .
حدثنا عالم جليل في الشام عن قصة رجل ، يسكن في صعيد مصر ، صعيد مصر تبعد عن القاهرة ألف كيلو متر ، أرسل ابنه إلى الأزهر بعد سبع سنوات عاد يحمل هذه الشهادة، خطب في جامع القرية الأب بكى بكاء شديداً ، كل من رآه يبكي توهموا أنه يبكي فرحاً لابنه ، والحقيقة ليست كذلك ، بكى أسفاً على جهله ، والقصة تكاد لا تصدق . ركب جحشته في اليوم التالي واتجه نحو القاهرة ، وهو لا يعرف أن القاهرة تبعد عن الصعيد ألف كيلو متر ، يقول : أين الأزعر ؟ لا يحفظ اسمه ، قالوا له : ما الأزعر ؟ قال : مكان التعلم ، قالوا : اسمه الأزهر ، أين هذا ؟ والقصة طويلة جداً ، أنا أختصرها ، النتيجة أوصلوه إلى الأزهر ، وفي الخامسة والخمسين بدأ في تعلم القراءة والكتابة ، وتابع الدروس - والله شيء لا يصدق - وما مات إلا شيخ الأزهر .
إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلّما تنقضه الأيام ، إذا كان صادراً حقاً عن إرادة و إيمان .

 

قابلية الإسلام للتطبيق في كلّ مكان وزمان :

يا شباب لو قلت : يا رب أرني فضلك ، أرني علمك ، أرني قدرتك ، زوال الكون أهون على الله من ألا يستجيب لك ، قال تعالى :

﴿ وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾

[ سورة إبراهيم : 34 ]

لذلك ما أنت فيه صدقك ، وما لست فيه تمنياتك ، التمني هو الشيء الذي لم تصل له ، قال تعالى :

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾

[ سورة النساء: 123 ]

قابلية الإسلام للتطبيق في كلّ مكان وزمان
مع الله لا يوجد تمنيات ، قال تعالى :

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ ﴾

[سورة الإسراء: 19]

لا يكفي :

﴿ وَسَعَى لَهَا ﴾

[سورة الإسراء: 19]

لا يكفي :

﴿ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا* كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾

[سورة الإسراء: 19-20]

إذاً نحن في بشرية النبي الكريم ؛ لولا أنه بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر ، هذا الإسلام قابل للتطبيق في مكان وزمان ، لأن الله تعالى قال :

﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا ﴾

[ سورة البقرة: 286 ]

قال تعالى :

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾

[ سورة النساء : 125]

أكاد أقول لكم بالقرآن يوجد تفاصيل جميلة جداً ، وأحياناً كلمات موجزة أجمل ، مثلاً قال تعالى :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ ﴾

[ سورة الأنبياء: 25 ]

العبادة فحوى دعوة الأنبياء جميعاً :

العبادة فحوى دعوة الأنبياء جميعاً
الآن القرآن سيلخص لك فحوى دعوة الأنبياء جميعاً من دون استثناء :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء: 25 ]

العقيدة ، بتعبير آخر المنطلق النظري ، بتعبير ثالث الإيديولوجيا ، التفكير ، النظريات ، كلها أفكار ، إيمان بالله موجوداً وواحداً وكاملاً ، إيمان بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى ، إيمان بنبوة الأنبياء ونبوة سيد الأنبياء إلى آخره ، هذا الإيمان والعمل هما العبادة التي ضغطت فحوى دعوة الأنبياء جميعاً بقوله تعالى :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء: 25 ]

المخلص من استوى عنده مدح الناس و ذمهم :

أخواننا الكرام ؛ الشيء الدقيق جداً يا ترى هل أنا مخلص ؟ اللقاء إخلاص ، قال بعض العلماء : إن استوى عندك مدح الناس وذمهم فأنت مخلص .
المخلص من استوى عنده مدح الناس و ذمهم
أنت ترضي الله عز وجل ، ترضي خالق الأكوان ، ترضي الواحد الديان ، دققوا قليلاً كل بلد في العالم الإسلامي له معطيات ، حيثيات ، معلومات ، مقولات ، قواعد ، هذه القواعد والمقولات مستنبطة من واقع الحياة في هذا البلد ، أي بلد طبعاً ، أحياناً هذه المعطيات والمقولات تتوافق مع الشرع وهذه نعمة كبيرة جداً ، وأحياناً تتناقض مع الشرع ، دققوا الآن يأتي المؤمن يخاف من الله لا يستطيع أن يأكل الربا ، أو يعصي الله عز وجل ، والوضع العام هكذا، إيمانه ، ورعه ، حبه لله يغلب عليه ، فيركل بقدم هذه المصلحة المادية القريبة المتوهمة التي تحجبه عن الله ، يأتي النص النبوي ، والله زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين :

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

لا تقلق ، أقول لكم كلمة أخرى : لا تقلق على هذا الدين ، إنه دين الله ، ولكن اقلق ما إن سمح الله لك أو لم يسمح أن تكون جندياً له ، هنا القلق هذا دين الله ، لذلك قال تعالى :

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[ سورة القيامة: 14-15 ]

خطورة الإخلاص :

أخواننا الكرام ؛ هذا الموضوع لماذا هو خطير ؟ لأنه قد يكون لإنسان أعمال كالجبال لكن بلا إخلاص يجعلها الله هباءً منثوراً ، والدليل قوله تعالى :

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ﴾

[ سورة الفرقان: 23]

من اقترب من الشبهات فقد خاطر بدينه وعرضه
أحياناً الإنسان يحب أن يعالج موضوعاً خطيراً له عمل كالجبال لكن يبتغي الدنيا بهذا الموضوع ، يبتغي به السمعة ، يبتغي به الوجاهة ، صرف وجوه الناس إليه ، يبتغي به المديح ، يبتغي به الرفعة ، هذا الموضوع إلى المزالق - من مزالق الأقدام - لذلك قبل أن تدخل في عمل قل : " اللهم إني تبرأت من حولي و قوتي ، و التجأت إلى حولك و قوتك يا ذا القوة المتين " قبل الإقدام على أي عمل قل : بسم الله الرحمن الرحيم هل هذا العمل يرضي الله ؟ هل يقربني من الله ؟ هل يبعدني ؟ لعل قدمي تزل به ؟ لذلك قالوا : ما الورع ؟ أن تدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس .
نهر عميق وأنت أيها الشاب مثلاً لا تحسن السباحة ، له شاطئ مائل زلق ، وله شاطئ مستو جاف ، السير على الشاطئ المستوي الجاف لا يوجد به مشكلة ، أما الشاطئ المائل الزلق فاحتمال السقوط بالنهر خمسون بالمئة ، لذلك : من اقترب من الشبهات فقد خاطر بدينه وعرضه .

(( إن الحلال بين وإن الحرام بين ، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه....))

[متفق عليه عن النعمان بن بشير]

الحلال بين واضح لا اختلاف فيه ، والحرام بين واضح لا مشكلة فيه ، لكن المشكلة بالشبهات ، سميت الشبهات شبهات لأنه يشتبه بها ، تشبه الحق من زاوية والباطل من زاوية ، بيع وشراء ، أخي تدفع الآن بسعر والشهر القادم بسعر آخر ، أنت دون أن تشعر حددت للزمن ثمناً ، هذه شبهة في البيع والشراء ، فأنت عندما لا تدقق عندك محاسبة عسيرة .

 

من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً :

أقول لكم هذه الكلمة ؛ من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً ، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً .
على الإنسان أن يحاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً
وقبل أن تصل دقق ، قبل أن تقطع ، قبل أن ترضى ، قبل أن تغضب ، قبل أن تسالم ، قبل أن تحارب ، قبل أن تتحرك ، قبل أن تسكن ، فكر ، مثلاً زعيم غطفان من كفار قريش بمعركة الخندق جالس ، نعيم بن مسعود جالس بخيمة قبيلته ليحارب النبي صلى الله عليه وسلم ، فكر ، خاطب نفسه ، هذا اسمه بالمسرحيات مونولوج - حوار ذاتي - قال : يا نعيم . ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ أو لما جئت إلى هنا ؟ لحرب هذا الرجل الصالح - يقصد رسول الله؟ ماذا فعل ؟ هل قتل نفساً ؟ هل انتهك عرضاً ؟ هل سلب مالاً ؟ أين عقلك يا نعيم ؟
أنا حسبتهم بالثواني أربعين ثانية ، حوار مع الذات لمدة أربعين ثانية ، انتقل من مشرك يستحق النار إلى صحابي جليل ، وقف وتوجه إلى خيمة النبي صلى الله عليه وسلم ، دخل عليه عدواً ، نعيم بن مسعود ؟ قال : نعم يا رسول الله ، قال : ما الذي جاء بك إلينا ؟ قال: جئت لأشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك عبد الله ورسوله - بكى النبي - فمرني بما شئت ، قال له النبي : خذِّل عنَّا ما استطعت ، وأنا اعتقادي اليقيني أن إسلامه كان أحد أسباب انتصار المسلمين في الخندق ، هم لا يعلمون إسلامه ، بلغهم شيء وأبلغ قريش شيئاً آخر ، أوقع بينهم وانفضت المعركة .
أخواننا الكرام ؛ فكر أربعين ثانية فقط ، كلنا نحن مع بعضنا ، هل من الممكن ألا يموت واحد منا ؟ هذه النقلة من بيت إلى قبر قليلة ، من منصب رفيع إلى قبر قليلة ، من ثروة كبير إلى قبر قليلة ، القبر ما به ؟ عبدي رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبقَ لك إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا يموت .

العاقل من يعدّ لساعة الموت عدتها :

والله العقل والذكاء والتفوق أن تعد لهذه الساعة التي لا بد منها العاقل من يعدّ لساعة الموت عدتها
أنا شخصياً شيعت جنازة فلما وضع الميت في القبر ، وكشف عن وجهه ، ودار وجهه نحو القبلة ، ثم وضعوا البلاطة ، وأهالوا التراب ، والله ما وجدت على وجه الأرض إنساناً أذكى وأعقل ممن يعمل لهذه الساعة ، المغادرة ، والإنسان بضعة أيام ، الآن الواحد منا إذا بلغ الأربعين يا ترى هل بقي له بقدر ما مضى ؟ فإذا مضى الذي مضى كلمح البصر في الأعمّ الأغلب أن الذي بقي يمضي كلمح البصر أيضاً ، أي يغمض يفتح على مشارف الموت ، من بيت إلى قبر ، أين الذكاء ؟ أين العقل ؟ أين التفوق ؟ هنا أن تعد لهذه الساعة التي لا بد منها ، والله عز وجل بقرآنه العظيم يقول :

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة القصص: 50 ]

الذي يدرسون الشريعة يعلمون ، المعنى المخالف الذي يتبع هواه - شهوته - وفق هدى الله لا شيء عليه ، أنا أخاطب الشباب في الإسلام لا يوجد حرمان ، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل قناة نظيفة طاهرة تسري خلالها .

 

الإخلاص محصلة إيمان الإنسان واستقامته وعمله الصالح :

يا معاذ , أخلص دينك , يكفك القليل من العمل . العمل مع الإخلاص يكفيه منك قليله وكثيره ، ومن دون إخلاص لا ينفعك لا قليله ولا كثيره .
الإخلاص محصلة إيمان الإنسان واستقامته وعمله الصالح
محور هذا اللقاء الطيب الإخلاص ، والإخلاص ليست كلمة ، الإخلاص محصلة إيمانك واستقامتك وإقبالك وعملك الصالح ، تماماً ماذا أفعل حتى أكتب وصفة ؟ يجب أن تأخذ شهادات كثيرة جداً ، أنت بالنهاية يكون خيارك صحيحاً ، تحتاج إلى معلومات ، درس علم ، يجب أن تطلب العلم ، أما لا يوجد شيء إلا ويحتاج إلى دورة ، ثلاثة أشهر ، ثمانية أشهر ، لماذا كل شيء يحتاج إلى دورة وهذا الإسلام ما فكرت أن تعمل دورة فيه ؟ من أنت ؟ أنت المخلوق الأول ، أنت المخلوق المكرم ، المخلوق المكلف ، هناك موت ، وهناك مغادرة للدنيا .
أرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون قد قدمت شيئاً من هذا الموضوع الإخلاص .

((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً))

[مسلم عن أبي هريرة]

الإخلاص و الصواب شرطا العمل الصالح المقبول عند الله :

العمل الصالح الذي يرضاه الله ما كان خالصاً وصواباً
لكن كخاتمة لهذا اللقاء الطيب ، قال تعالى :

﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾

[سورة النمل: 19 ]

وهذا الكلام أهم ما في هذا اللقاء ، متى يكون العمل الصالح يرضي الله عز وجل ؟ قال العلماء : العمل الصالح الذي يرضاه الله عز وجل ما كان خالصاً وصواباً ؛ خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة .
أي عمل بخلاف السنة هدفه رعاية الأيتام عن طريق يانصيب مثلاً ، نحن نريد أن يكون العمل وفق السنة ، نريد هدفاً نبيلاً مع وسيلة نبيلة ، لذلك الأهداف النبيلة لا بد لها من وسائل نبيلة .

 

 

تعريفات الإخلاص :

 

من تعريفات الإخلاص : تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين ، التوقي من ملاحظة الخلق حتى عن نفسك ، ومن شهد في إخلاصه الإخلاص - لا تتشاءموا - فإخلاصه يحتاج إلى إخلاص .
التقيت بأربعين صحابياً - أحد التابعين - ما منهم واحد إلا وهو يظن نفسه منافقاً ، هذا قلق مقدس ، هناك شخص راض عن نفسه وعنده مئات الأخطاء ، كلما ارتقيت عند الله تسيء الظن بنفسك ، التقيت بأربعين صحابياً ما منهم واحد إلا وهو يظن نفسه منافقاً .
الإخلاص استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن
أنت تعامل خالق الأكوان ، إله يعلم السر وأخفى ، علم ما كان وعلم ما يكون وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون .
أخواننا الكرام ؛ لذلك الحديث الأول في السنة المتواتر :

(( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))

[ متفق عليه عن عُمَر بْن الْخَطَّابِ]

الآن الإخلاص استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن ، المؤمن خلوته كجلوته ، وسره كعلانيته ، وظاهره كباطنه ، لا يوجد عنده ازدواجية .
إنسان زار طبيباً نفسياً قال له : هل تستطيع أن تعمل لي انفصام شخصية ؟ قال له: عجيب ما هذا السؤال هذا مرض ، قال له : نعم ، والله ضاق خلقي لوحدي نصبح شخصين.
ازدواج الشخصية مرض خطير ، جالس بجوّ ديني يتكلم بالقرآن والسنة والدروس والخطب ، يجلس مع أناس آخرين يتكلم عن الممثلين والممثلات ، يدخل في موضوع ثان ، هو في كل جلسة يتلون .
الإخلاص الذي بينك وبين الله لا يعلمه أحد
وذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهاً . لذلك تستوي عبادة المؤمن في خلوته كجلوته، ويستوي عمله في سره كعلانيته ، ويستوي ظاهره مع باطنه ، هذا الحد الأدنى من الإخلاص .
الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الحق .
أقول لكم : من تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله ، وسقوط الإنسان من عين الله أهون منه أن يسقط إلى الأرض فتنحطم أضلاعه .
قيل لأحد العلماء الكبار : أي شيء أشدّ على النفس ؟ قال : الإخلاص لأنه ليس للنفس فيه نصيب .
هناك أشياء كثيرة عبادة لكن لك نصيباً منها ، ما شاء الله يصلي بالجامع كل وقت، مدحوك بها ، هناك كثير من العبادات لها أثر طيب في المجتمع ، أما الإخلاص فلا أحد يعلمه، الإخلاص ليس له أثر اجتماعي بينك وبين الله .
الإخلاص عبء على النفس ، ربما ألزمك الإخلاص أن تفعل شيئاً مخالفاً لرغبتك .
الإخلاص ألا تطلب لعملك شاهداً غير الله ، هناك حاجة اسمها التمتع بإعجاب الناس ، أي اشترى بيتاً ممتازاً كلما جاء ضيف يريه البيت كله ، أكرمك الله بهذا البيت وهذا الذي زارك فقير لا يوجد عنده بيت واسع ، هذا إظهار ما عندك ، هذه كلها أمراض نفسية يا أخوان .

 

علامات الإخلاص :

لذلك الملخص : علامة الإخلاص أن يستوي العمل في السرّ والعلانية ، في الباطن والظاهر ، وأن يستوي المدح والذم أنت أرضيت الله لا تعبأ بمن يمدحك ولا بمن يذمك ، فالإنسان إذا عمل عملاً أهدافه نبيلة عليه أن يبين هدفه ، لأن البيان يطرد الشيطان .

فليتك تحلو و الـحيــاة مريــــــــــرة و ليتك ترضى و الأنام غضاب
إذا صحّ منك الوصل فالكل هين وكل الـذي فوق التراب تـــــــــراب
***

من علامات الإخلاص ألا تطلب شهوداً على عملك إلا الله
العلامة الثالثة والأخيرة ألا تطلب شهوداً على عملك إلا الله ، وألا تطلب جزاءً على عملك إلا الله ، فأنت كمخلص لست محتاجاً لمن يشهد لك عملك .
إنسان دخل إلى جامع ، وجد شخصاً يصلي صلاة متقنة جداً ، أعجبته صلاته ، هذا الرجل الذي دخل إلى الجامع كان يريد أن يحج بيت الله الحرام ، فشاهد خشوع هذا الرجل بصلاته فقرر أن يضع عنده أمانة ، قال له : والله أنا أعجبتني صلاتك ، ومعي مبلغ أريد أن أضعه عندك أمانة ، فقال له : أنا أيضاً صائم ، فقال له : أنا صيامك ما أعجبني ، والسلام عليكم .

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018