الدرس : 55 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 183 – 185 ما هو القربان؟ - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 55 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 183 – 185 ما هو القربان؟


2002-01-04

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سـيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا ابتاعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الخامس والخمسين من دروس سورة آل عمران، ومع الآية الثالثة والثمانين بعد المائة، وهي قوله تعالى :

﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾

من صفات اليهود معاندة الأنبياء :

﴿ الَّذِينَ ﴾

 أي أهل الكتاب .

﴿ الَّذِينَ قَالُوا ﴾

 أيْ الذين قالوا لأنبيائهم .

﴿ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ﴾

تعليق اليهود الإيمان بالنبي أن يأتيهم بقربان تأكله النار :

 لو رجعنا إلى كتب بني إسرائيل لوجدنا أن أنبياءهم أمروهم بالتقرب إلى الله .

ما هو القربان ؟

 والقُربان بضم القاف كل شيء تتقرب به إلى الله، فالصدقة قربان، والصوم قربان، وإعانة الفقير قربا، وأيّ عمل صالح على الإطلاق تبتغي به وجه الله قربان، والأعمال الصالحة لا تعد ولا تحصى، الكلمة الطيبة صدقة، أن تميط الأذى عن الطريق صدقة، أن ترشد الرجل الضال صدقة، أن تطعم فقيراً، أن تعين أرملة أن تعود مريضاً، أيّ عمل صالح على الإطلاق هو في حقيقته قربة إلى الله، والله عز وجل حينما يقول :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾

( سورة المائدة : 35)

 أي ابتغِ إلى مرضاته سبباً، لو أن الأمور كلها بيد ملك، ولا تستطيع أن تصل إليه ما نفعك منه؟ لا تستطيع أن تقابله، ولا أن تصل إليه، ولا أن تخط له رسالة، لكن الله سبحانه وتعالى وهو ملك الملوك لمجرد أن تسأله يعطيك، أن تدعوه يجيبك، وجعل لك إليه ألف طـريق وطريق، جعل إلـيه طرائق يكفي أن تكون أباً كاملاً ، فهذا طريق إلى الله، يـكفي أن تكوني أماً كاملة فهذا طريق إلى الله، يكفي أن تكوني زوجة صالحة فهذا طريق إلى الله، يكفي أن تكون ابناً باراً طريق إلى الله، يكفي أن تكون مبتلى صابراً فهذا طريق، الصبر طريق إلى الله فهذا طريق، يكفي أن تكون منفقاً والإنفاق طريق إلى الله، يكفي أن تكون ناصحاً النصح للمسلمين فهذا طريق إلى الله، يكفي أن تكون أميناً فهذا طريق إلى الله ، والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، وأي عـمل صالح تبتغي به وجه الله فهو عند الله قربان، أن توزع اللحم على الفقراء قربان، أن تضحي يوم عيد الأضحى المبارك قربان، أن تغض البصر عن محارم الله قربان، فالمؤمن همه الأول التقرب إلى الله، أعطاك الله عز وجل ملايين الوسائل، وأنت في البيت لك إليه ألف طريق وطريق! وأنت في الطريق كلما غضضت بصرك عن امرأة لا تحل لك هي لك قربان، وأنت في كربة عامة، لو وقفت لعاجز كبير السن فهذا قربان، لو أطعمت عصفوراً، لو سقيت كلباً، امرأة بغي غفر الله لها لأنها سقت كلباً .
 حينما تعلم أنه إذا وصلت إلى الله وصلت إلى كل شيء، وإذا لم تصل إليه لم تصل إلى شيء، هذه حقيقة كبيرة، فلذلك المؤمن بعد أن آمن الإيمان الذي أراده الله والإيمان الذي حمله على طاعة الله ليس في حياته شيء أهم من أن يعمل صالحاً، لأن العمل الصالح العملة الرائجة في الآخرة .
 هل تستطيع أن تسافر إلى بـلد بعيد دون أن تحمل من عملته؟ اذهب إلى بلاد بعيدة ، وخذ معك العملة السورية، لا تقبل هناك تقبل، هنا في بلادنا أو بلاد مجاورة لنا تقبل، أما هناك فلا تقبل، العملة المتداولة في الآخرة العمل الصالح، وأكبر دليل على ذلك أن الإنسان إذا شارف الموت لا يندم إلا على عمل صالح فاته .

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا ﴾

(سورة المؤمنون : 99-100)

الإيمان مقرون بالعمل الصالح والتقرب إلى الله :

 بالمناسبة أيها الإخوة، وأنا مضطر لذكر هذه الحقيقة، وهي مؤلمة، لكنها حافزة، أنت حينما آمنت بالله ماذا فعلت؟ أنا أقول لك: ما فعلت شيئاً! توضيح ذلك: الشمس في رابعة النهار، وأنت في أمس الحاجة إلى أشعتها، لو أن واحدًا معه مرض جلدي، دواؤه الوحيد التعرض لأشعة الشمس، فإذا جلس في غرفة قميئة مظلمة، والشمس في خارج الغرفة ساطعة، ثم قال: أنا مؤمن أن الشمس ساطعة، إن شاء الله خير، لم تنتفع بها، يا لها من شمس ساطعة! إنها في كبد السماء! إنها في رابعة النهار! كل هذا الكلام فارغ ما لم تخرج من غرفتك لتتعرض إلى أشعة الشمس، فإيمانك بسطوع الشمس لا يقدم ولا يؤخر، أنت إذا آمنت فقط ما فعلت شيئاً، لأنك إن لم تؤمن اتهمت في عقلك، وإن آمنت ما أضفت شيئاً، لكن الله عز وجل يقول :

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ﴾

(سورة الكهف : 110)

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾

(سورة الإسراء : 19)

 هناك مائتا آية تقريباً ما ذكر الله الإيمان إلا وقرن به العمل الصالح .
 إذاً: حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، وإذا كنت بسيطاً وموفقاً تحاسب نفسك كل يوم، هذا اليوم مضى من عمري ماذا فعلت به؟ أكلت ونمت نوماً مريحاً، نمت ثماني ساعات متواصلة، استيقظت كأنني حصان، أكلت أكلة لم أتذوقها من شهر، هذه لك، اسأل ماذا قدمت للآخرة ؟
 في بعض الآثار: قال: يا رب زهدت في الدنيا، قال: أما زهدك في الدنيا فقد تعجلت الراحة لنفسك، يا رب أنا كنت صادقًا، صدقك أراحك، ورفع مكانتك بين الناس، أنت قبضت الثمن في الدنيا، يا رب أنا كنت أمينًا، الأمين موثوق، جاءتك خيرات كثيرة لأنك أمين، يا رب أنا غضضت بصري عن محارم الله، سعدت بزوجتك، لكن الله يقول لك: ماذا فعلت من أجلي؟
 مثلاً للتقريب: ابن يعاتبه أبوه، يا أبتِ لم أنم حتى أنظف أسناني، قال: لك أسنانك، يا أبتِ كتبت وظائفي، لك شهادتك، يا أبتِ فعلت كذا لك، ماذا فعلت من أجلي؟ ماذا قدمت لله عز وجل؟ هل دللت إنساناً شارداً؟ هل أطعمت فقيراً؟ هل أخذت بيد صديق، أو زميل، أو جار، أو أخ إلى الله عز وجل؟ هل دعوت إلى الله؟ هل بذلت من مالك؟ دائماً اعتقد أن الاستقامة تسلم بها، لكنها لا تسعدك، بينما العمل الصالح تسعد به، استقامة سلبية، ما اغتبت ما أكلت مال حرام ما كذبت كلها ما، لكن ماذا فعلت؟ ماذا قدمت؟ هنا المشكلة الكبيرة، المسلمون يعانون ما يعانون، ماذا فعلت أنت من أجلهم، أحياناً تربي ابنك ليكون عنصراً نافعاً جيد، تربية ابنك هذا عمل جيد وإيجابي، حجبت بناتك لئلا يغروا الشباب في الطريق، هذا عمل إيجابي .

 

 

حجمك عند الله بحجم عملك الصالح :

 

 

 كلما فعلت شيئاً تقرباً إلى الله عز وجل ارتقيت إلى الله حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، لذلك ترى إنسان من ثلاثين سنة لا يغيب درس علم، لكن لم يقدم شيئا للدين، إلى أين؟ إلى المسجد، من أين؟ من المسجد، أنت ماذا فعلت؟ دققوا في هذه الآية :

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

(سورة فاطر : 10)

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

(سورة الأنعام : 132)

 عملك يرفعك عند الله، فهنا يقول الله عز وجل طبعاً هذا الاستطراد بسبب كلمة القربان هل قدمت قرباناً إلى الله عز وجل؟ هل مشيت مع أخ في حاجته ؟
 كان ابن عباس رضي الله عنه معتكفاً في مسجد رسول الله، وهو في أعلى درجات القرب، رأى رجلاً كئيباً قال: << ما لي أراك كئيباً؟ قال: ديون لزمتني ما أطيق سدادها، قال: لمن؟ قال: لفلان، قال: أتحب أن أكلمه لك؟ قال: إذا شئت، فخرج من معتكفه، قال له أحدهم: يا ابن عباس أنسيت أنك معتكف؟ قال : لا والله ولكنني سمعت صاحب هذا القبر، وبكى، والعهد به قريب :

(( والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكاف في مسجدي هذا ))

الترغيب والترهيب عن ابن عمر

 حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، الصحابة الكرام فتحوا البلاد، وصلت رسالتهم إلى أطراف الدنيا، المسلم الآن ماذا فعل؟ محمول لم يفعل شيء، إذا تديّن يقال عنه: ما شاء الله، صاحب دين، شيخ، يكرم، يعظم، يبجل، يدعى إلى الولائم، ماذا قدمت أنت؟ ماذا قدمت؟ الصحابة حتى وصل هذا الدين إلينا بذلوا أرواحهم، ودمائهم، وأكلوا ورق الشجر .
 السؤال الكبير: مـاذا قدمت للمسلمين؟ إنسـان يقدم مـاله، يملك المال، إنسان يقدم علمه، إنسان يقدم خبرته، إنسان يقدم مهارات يتقنها، أمـا ألا تقدم شيئا أبداً وأنت مؤمن ، وتظن نفسك فوق الناس جميعاً؟ إن آمنت دون أن تعمل ما فعلت شيئاً .
 هذه كلمة لعلها قاسية: إن آمنت دون أن تفعل شيئاً فما فعلت شيئاً، لأن الذي يرفعك عند الله عملك الصالح .

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

(سورة فاطر : 10)

لابد من السعي لنفع الناس وإعانتهم:

 ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، تزود مني، فإني لا أعود إلى يوم القيامة ،.
 وفقت بين زوجين، أطعمت يتيماً، رعيت طالب علم، أنفقت من مالك، ساهمت بتأسيس مشفى، أو ميتم، معهد تحفيظ قرآن، معهد شرعي، ألفت كتابًا، وزعت شريطًا، عملت عملا طيبًا، إنسان بلا عمل متصحر القلب، الإنسان بالعمل يتألق .
 هناك مثل أردده كثيراً: مجند التحق بلواء، وفي هذا اللواء من عرف إلى لواء، وحتى اللواء، هل يستطيع هذا المجند الغر بحكم النظام العسكري أن يدخل على قائد اللواء؟ مستحيل، قبله عشرون أو ثلاثون رتبة، لكنه يستطيع بحالة واحدة، إن رأى ابن هذا اللواء يشرف على الغرق، فألقى بنفسه، وأنقذه، في اليوم التالي يدخل على قائد اللواء من دون استئذان، قل له: فلان، قد يقف له، ويرحب به، ويجلسه على مكان تكرمة، ويقدم له ضيافة، وهو جندي، لماذا؟ لأنه قدم عملاً صالحاً، أنت حينما تنفق مالك في سبيل الله، حينما تمسح دمعة من خد بائس، حينما تشبع جائعاً، وتلبي حاجة إنسان تعرفه جيداً، أو صديق لك، المؤمن ضعيف، له عنده قضية، حينما تذهب معه، وتعرض له قضيته، وتشفع له، ترقى عند الله، لا أحب أنا أبذل لأحد، لأنني أناني .
 تعرف شخصًا مهمًا، هذا الشخص بإمكانه أن يحل مشكلة، ويرفع ظلامة، لا تتنازل أن تذهب إليه، لكن هناك من يقول: أنا لا أبذل ماء وجهي، ضننت بهذا العمل، فيضن عليك يوم القيامة، هذا الذي أتمناه على الإخوة المؤمنين .
هذا الكلام واقعي، الآية الفلانية، والحديث الفلاني، والقضية الخلافية هذا شغل المسلمين الشاغل، دعكم من هذا، واعملوا أعمالاً صالحة، الناس لا ينجذبون إلى الدين بفلسفتكم، ولا يتحليلاتكم، ولا بمحفوظاتكم، بل بأعمالكم الطيبة، إن أردت أن تكون داعية كبيراً فأحـسن إلى الناس، الإحسان قبل البيان .
 هذا الكلام سقته من كلمة قـربان، هل لك شيء تتقرب به إلى الله عز وجل؟ هل لك عمل طيب تعرضه على الله يوم القيامة .
 ألخص ما قلته: بعد أن تؤمن الإيمان الذي يحملك على طاعة الله فلا شيء في حياة المؤمن يفوق أن تعمل عملاً صالحاً تبتغي به وجه الله تعالى .
 حدثنا أحد إخوتنا العلماء الأجلاء كان في بلد إسلامي في الشمال، قيل له: إنه يوجد إنسان قدم ثلاثمائة مليون دولار لطلاب العلم، وتأسيس المعاهد الشرعية، مبلغ فلكي، تمنى أن يلتقي به، في اليوم التالي دعي إلى طعام فطور، على أمل أن يلتقيا، ويرى هذا المحسن الكبير، فجاء هذا العالم الضيف، وانتظر ساعة، فلم يأت هذا، أين فلان؟ جاء قبلك، أين هو؟ هذا هو، يجلس بأدب وتواضع .
 حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، بحجم إنفاقك، بحجم دعوتك إلى الله، وبحجم خدمتك للناس، بحجم حل مشكلات الناس، في كل قضية ينسحب، ليس لك مصلحة، أبقى مرتاحًا، امش في جنازة ولا تمش في زواج، لا يقبل أن يسهم في زواج أبداً، أفضل لي، ولا أريد أن أساعد إنسانًا، ولا يقابل إنسانًا مهمًّا، يقول لك: لا يساعدون، الناس ليس فيهم خير، هو وحده الذي ليس فيه الخير، هذا النمط من الإنسان الأناني يحب أن تقدم له الخدمات دون أن يقدم خدمة لأحد، يحـب أن يأخذ جهد الآخرين، دون أن يبذل جهداً لأحد، هذا إنسان صغير عند الله جداً، ويوجد إنسان كبير يعيش هم المسلمين، يدمع قلبه إن جاءت الأخبار على غير ما يريد، يدمع قلبه، لا يشمت أبداً، لا يقول: هؤلاء مقصرون، دمرهم الله عز وجل، ليس هذا من أخلاق المؤمن أبداً، الأنبياء ابتلوا .
 فيا أيها الإخوة، هذا الكلام سيق على كلمة قربان، بنوا إسرائيل قالوا :

﴿ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ﴾

جاءكم قربان أكلته النار فلماذا كذبتم بالأنبياء ؟

 تروي كتبهم أنهم إذا قربوا قربانًا إلى الله عز وجل نزلت نار من السماء فأحرقته، هكذا تروي كتبهم، الذي جاءهم بهذا القربان، وأكلته النار، لماذا عصيتموه؟ انظروا إلى هذه الحجة القوية .

وازن بين عمل المسلم الضعيف وعمل اليهود :

 أحياناً يقول لك إنسان: أنا أحتكم إلى الشرع، جيد، لماذا لم يحتكم إلى القضاء؟ لأنه عنده إدراك عميق أنه لا تحل مشكلته بالقضاء، القوانين ليست في صالحه، يلجأ إلى الشيوخ، وفي موضوع ثان، يأتيه حكم العلماء، فلا يقبل به، لمَ قبلت حكم العلماء في قضية لا حل لها في القانون، وفي حكم آخر لم تقبله؟ فالقضية انتقائية، وهذا الذي ينتقي إنسانًا ليس مؤمناً الإيمان الكامل، فيه زيغ، ومخاتلة، ومخادعة .
 إن كنت صادقاً فتقبل الحكم الشرعي، إن كان لصالحك أو لغير صالحك، قضية مبدأ .
 الله رد عليهم: هذا الرسول الذي جاءكم بقربان أكلته النار لماذا عصيتموه؟ الآن تدعون أن الله عهد إليكم ألا تؤمنوا لرسول حتى يأتيكم بقربان تأكله النار، سابقاً الذي جاءكم بقربان أكلته النار لمَ عصيتموه؟ القضية الانتقائية خطيرة جداً في الدين، يعجبه من الدين العمرة، يركب الطائرة، ينزل في فندق خمس نجوم، يدعى إلى ولائم، يطوف سبعة أشواط، تعجبه العمرة تماماً، لكن لا يعجبه غض البصر‍‍! تعجبه التجارة، ولا يعجبه تحريم الربا، يريد أن يستثمر أمواله، يعجبه أن يضعها عند الكفار، فإذا حدثت أزمة ما جُمّدت، سبعمائة مليار ضاعت على مسلمين وضعوها في بلاد الكفر! فهذا الذي يعجبه، هذا ليس مؤمناً، هذا الذي ينتقي من العبادات ما يعجبه، ويرفض مالا يعجبه، هذا الذي يأخذ من الدين ما يروق له، ويدع مالا يروق له هذا انتقائي، ويعبد ذاته، يعجبه أن يقيم مولدًا، والله شيء جميل، مسبح مختلط، وجاء بالدعاة، وألقوا كلمات، وأثنوا عليه، أبو فلان بارك الله بك، أعجبه أن يقيم مولدًا في المسبح المختلط، لكن ما أعجبه أن يكون هذا محرماً عند الله عز وجل، هذا حال المسلمين، ولا يخفى عليكم، وبسبب هذه الأحوال التي لا ترضي الله هانوا عليه، لأنه هان أمر الله عليهم فهانوا على الله .
 أرأيتم في تاريخ المسلمين إلى حال من الضعف، والتمزق، وتفرق الكلمة، والخوف، والوجل، والخضوع كهذا الوقت؟ لأنهم هان أمر الله عليهم، فهانوا على الله، ولو أنهم اعتزوا بالله لأعزهم، ولو أنهم انتصروا لدينه لانتصر لهم، حينما لا يقام لأمر الله قيمة، وحينما لا يتبع منهج الله عز وجل المصائب كثرة .
 حدثني أخ كان في بلد إسلامي في شمال إفريقيا يطبق هذا القانون، الزوجة إذا طلقها زوجها تستحق نصف أملاكه، أقسم لي بالله، وابنته هناك زارها لم يعد هناك زواج، فصار والد الفتاة يقدم سند أمانة بمبلغ فلكي لخاطب ابنته، فيما لو طالبناك بنصف ثروتك طالبنا بهذا السند ! من أجل أن يرضى أن يتزوج ابنته، قال تعالى :

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

(سورة فاطر : 14)

 خالق الكون وضع نظام المهر، لكن لم يجعل نظام نصف الأملاك، ومع الأسف الشديد نساء مسلمات، وبعضهن داعيات إذا طلقهن أزواجهن يحتكمن إلى قاض مدني، لا إلى قاضٍ مسلم، لتأخذ نصف مال زوجها هناك، فحينما يهون أمر الله على المسلمين يهونون على الله .

﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(182)الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾

هذا حوار منطقي .

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴾

فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ

من السنن الجارية أن يكون للنبي والمسلم أعداء :

 بربكم هل في الأرض كلها من آدم إلى يوم القيامة إنسان أكمل من النبي عليه الصلاة والسلام ؟

خلقت مبرئاً من كل عيب  كأنك خلقت كما تشاء
***

 ومع ذلك ألم يكن له أعداء؟ ألم يكن له مبغِضون؟ لأن معركة الحق والباطل معركة أزلية أبدية .
 ثم يقول الله عز وجل :

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ

حقيقة مهمة : كل مخلوق يموت مهما اعتنى بنفسه :

 هل يستطيع كائن من كان أن يشك في هذه الحقيقة؟ الملوك ماتوا أم لم يموتوا؟ الأنبياء ماتوا أم لم يموتوا ؟ الأغنياء ماتوا أم لم يموتوا ؟ الذين اعتنوا بصحتهم إلى درجة خيالية في النهاية ماتوا .
 سمعت عن رجل من أهل الفن ما ركب طائرة في حياته خشية أن تقع، وما أكل مساء إلا فاكهة طوال حياته، وما أكل إلا لحماً أبيض اللون، لأنه خفيف، ومارس الرياضة، وما ترك شيئاً يحمي له صحته إلا فعله، ثم مات .

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾

 اعملوا ما شئتم، كل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت .

 

والليـل مهما طال فـلابد مـن طلوع الفـجر
و العـمر مهما طال فلا بد مـن نـزول القبر
***

 

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته  يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبور جنـازة  فاعلم بأنك بعدها محمــول
***

 يكون الإنسان ملء السمع والبصر، فإذا في طرفة عين يصبح خبراً على الجدران، المرحوم فلان، المهندس، الطبيب، الحاج، من له منصب رفيع، لذلك سيدنا عمر يقول :
 << اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني >> .
 مرة وجدت شريطًا في بيتي، نسيت ما هذا الشريط، هو رسالات إجابة على الهاتف، استمعت إليه قبل اثني عشر عاماً، فوجئت أن خمسة عشر إنسانًا في هذا الشريط لاقوا وجه ربهم، شريط اتصال هاتفي، هنا فلان؟ لا ليس هنا، سمعت هذه الأسماء خمسة عشر إنسانًا في هذا الشريط لاقوا وجه ربهم، والآن هم تحت أطباق الثرى، ونحن كذلك، وهؤلاء الحاضرون، ونـحن معكم بعد مائة عام هل يوجد أحد منا على سطح الأرض؟ هكذا كل مخلوق يموت، لذلك :

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾

العاقل اللبيب مَن يعدّ لهذه اللحظة عدَّتها :

 من هو البطل؟ والله، ثم والله، ثم والله، ما وجدت إنسانًا أعقل ممن أعدّ لـهذه الساعة التي لابد منها، الإنسان حين يولد كل من حوله يضحك، وهو يبكي وحده، حينما يغادر الدنيا حوله أولاد شباب، وأصهار، وبناته، هم شباب، أما هو فأصبح في جسمه خمسون علة، يريد أن يغادر الدنيا، كل من حوله يبكي، طبعاً إذا كان محسنا، أما إن لم يكن محسنًا فيهنؤون بعضهم .
 مرة إنسان بخيل جداً أصابه مرض فجاؤوا بطبيب، وقبل أن يموت قال لهم: حالة عرضية، فتألم أهله، ماذا تقصد؟ خيب الطبيب ظنهم، أما إذا كان الأب محسنًا فكل من حوله يتمنى بقاءه، فإذا مات كل من حوله يبكي، فإذا كان مع الله على استقامة، وعلى عمل طيب يضحك وحده، المشكلة أن تضحك الآخر لا الأول .
 الذين قصفوا، وقتلوا خمسمائة ألف بريء لا علاقة لهم بالقصف إطلاقاً، وتغطرسوا، وخرجوا يتبجحون، انتصرنا، مثل بطل ملاكمة، ضربه ضربتين ساحقتين، وقال: أنا هكذا، هذا مجنون، انتصرت على من؟ على جهة ضعيفة فقيرة، لا يوجد أي تناسق بين ما عندك وما عندها، هذا ليس نصراً، النصر يكون على عملاق من مستواك، هذا هو النصر .
 على كل، أنت حينما تعد لهذه الساعة التي لابد منها تكون أعقل الناس .
 سمعت البارحة عن إنسان لعله صالح، ولا أشك في صلاحه أبداً، اشترى بيتًا، وكساه في أربع سنوات، ثم ما دخله إلا جثة هـامدة، قبل أن يسكنه بيومين أصيب بأزمة، أخذ إلى المشفى، بقي فيها عشرين يومًا، ثم توفاه الله عز وجل، ثم دخل إلى البيت ليغسل !

احذروا مداخل عدوّكم إبليس :

 هذه الدنيا لا تحتاج إلى هذا الاهتمام، لذلك بماذا الشيطان يوسوس؟ يبدأ بالكفر، فإن رأى العبد على الإيمان ينتقل إلى الشرك، يغريه أن يشرك، فإن رأى العبد على توحيد ينتقل إلى الكبائر، فإن رآه على طاعة يغريه بالصغائر، فإن رآه على ورع ماذا قبل؟ لا بالكفر قبل، ولا بالشرك قبل، ولا بالبدع قبل، ولا بالكبائر قبل، ولا بالصغائر قبل، بقي مع الشيطان ورقتان رابحتان، يغريه بالتحريش بين المؤمنين، يشق صفوف المسلمين، أنت كيف تصلي؟ أنت كيف تحرك إصبعك؟ يقيم عليها مشكلة، المنبر كم درجة؟ يقام عليها مشكلة، يغري بالتحريش بين المؤمنين، فإذا نجا من هذه بقي أمامه ورقة رابحة وحيدة، يغريه بالمباحات، يمضي عمره في تزيين حياته، وقد يأتي ملك الموت قبل أن ينتهي من خططه ونجاحاته .
 فيا أيها الإخوة .

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

معنى توفية الأجر :

 معنى توفون أجوركم: أي تأخذونها كاملة .

الدنيا لا تصلح جزاء وعطاء :

 أما في الدنيا توجد دفعات على الحساب، قد يكافئ بعض المحسنين تشجيعاً لبقية المحسنين، وقد يعاقب بعض المسيئين ردعاً لبقية المسيئين، لكن الحساب الختامي، والترصيد وتوفية الجزاء يوم القيامة .

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

 ولو كنت من أصعب الناس حياة، حياة خشنة، فقر، وضيق، وانتهى بك المقام إلى الجنة، فأنت الرابح الأول .
 للإمام علي كرم الله وجهه قول رائع يقول: << يا بني ما خير بعده النار بخير >>، قال تعالى :

 

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ(205)ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ(206)مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾

(سورة الشعراء : 205-207)

 دعاء سيدنا إبراهيم قال :

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾

(سورة البقرة : 126)

 قال الله له :

﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾

(سورة البقرة : 126)

والله قال :

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

(سورة النساء : 77)

 لأنه محدود، وينتهي بالموت، لأن الإنسان مهما يكن غنياً ينتقل من كل شيء إلى لا شيء، القبر معروف أنه لا فيه رفاه إطلاقاً، والكفن أرخص أنواع الأقمشة، لا بدلة ممتازة للعروس فرضاً، أو كفن خام، أسمر لا جيب فيه، ولا دفتر شيكات، ولا شيء، من كل شيء إلى لا شيء فجأة، في ثانية واحدة .

 

الموت يأتي فجأة :

 قبل أيام الرجل صاحب هذا البيت مصدر أنس للأهل، فإذا فارق الحياة خاف أهله من الدخول إليها ! يتشاءمون من غرفته، هذه المشكلة، كل ما تملك ما دام القلب ينبض، كل ميزات الحياة منوطة بضربات القلب، وباتساع الشريان التاجي، إذا تجلط الدم في العروق مات الإنسان، وإذا وقفت حركات القلب انتهت حياة الإنسان، كل شيء يملكه لغيره .
 سمعت عن واحد عاش ببلد نفطي كبير، جمع خمسة أو ستة آلاف مليون، هو في رحلة إلى تركيا، وهو بالفندق جاءته أزمة قلبية أودت به، كل هذه الأموال انتقلت إلى غيره، هذه الدنيا :

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

(سورة النساء : 77)

 لكن :

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾

(سورة النساء : 113)

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

(سورة القصص : 14)

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

(سورة النساء : 77)

متاع الدنيا قليل :

 أعطى قارون المال، والله لا يحبه، أعطي فرعون الملك، والله لا يحبه، أعطي الأنبياء العلم والحكمة، وهو يحبهم، فانظر عطاءك من أي نوع؟ هناك من يملك الرقاب، وهناك من يملك القلوب، الأنبياء بكمالهم ملكوا القلوب، والأقوياء بقوتهم ملكوا الرقاب، والأنبياء لهم أتباع، والأقوياء لهم أتباع، أنت أتباع من؟ الأنبياء لهم أتباع، والأقوياء لهم أتباع، الأقوياء ملكوا رقاب الناس بقوتهم، والأنبياء ملكوا قلوب الناس بكمالهم .
 أيها الإخوة الكرام، نتابع الآية الكريمة :

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ

هذا هو الفوز العظيم بميزان القرآن الكريم :

 الآن: ما هو الفوز العظيم؟ أن تملك قوة كبيرة جداً؟ لا، أن تنتصر في حروب؟ لا، أن تعيش في حياة ناعمة؟ أن تسكن في أجمل بيت؟ أن تركب أجمل مركبة؟ أن تملك ملايين مملينة؟ لا، أن تتزوج امرأة ساحرة؟ لا، قال :

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾

 هل أنتم مصدقون ربكم ؟

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

 الفوز الحقيقي والفلاح الحقيقي التفوق العقل الذكاء أن تزحزح عن النار وتدخل الجنة . فإذا أكرمنا الله عز وجل، وأوصلنا إلى القبر في عافية من الذنوب فهذه نعمة كبرى أنعم الله بها علينا .
 إخواننا الكرام، هذا المطمح الكبير، هذا شعار كل مسلم، لو كنت فقيراً، لو كنت مريضاً، لو كنت في أمة مقهورة لا مشكلة .

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾

 هذا المقياس الحقيقي، هذا مقياس خالق الأكوان، هذا مقياس القرآن، الدنيا تغر، وتضر، وتمر .
 قد تجد إنسانًا لا يملك ثمن دواء، وقد تجد إنسانًا الصنبور في بيته يعادل ثمن بيت ، هكذا حدثني بعض الإخوة‍! صنبور في بيت يساوي ثمن بيت، قد تجد إنسانًا غارقًا في النعيم، لكن الله لا يحبه، وقد تجد إنسانًا فقيرًا، لكنه مستقيم على أمر الله .
 دخل رجل على النبي فوقف النبي له وقال :

(( أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه، قال: أو مثلي؟ قال: نعم يا أخي، خامل في الأرض علم في السماء ))

ورد في الأثر

 والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( ابتغوا الرفعة عند الله ))

الجامع الصغير عن ابن عمر

 العمل الصالح يرفعك عند الله، إخلاصك يرفعك، استقامتك ترفعك .
 فلذلك أيها الإخوة، شعار كل مسلم، والهدف الأكبر، وهو الفلاح في مقياس القرآن، النجاح عند خالق الأكوان، أن تزحزح عن النار، وأن تدخل الجنة .
 يبدو أن صديقًا له صديق غني مترف، وهو في الجنة، هذا الصديق الأول المؤمن تذكر صديقه، قال :

﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ(51)يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ(52)أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ(53)قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ(54)فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴾

( سورة الصافات )

 الغنى والفقر بعد العرض على الله، الدنيا لا قيمة لها، لو أنها تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء .
 أيها الإخوة، تكاد تكون هذه الآية أهم آية نحن بحاجة إليها :

 

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾

 عندك مطعم خمس نجوم، دخلك اليومي فلكي، تبيع فيه الخمر، ومطعم بطرف المدينة يقدم حمصً فقط، وفلافل، لكن الدخل يكفي مصروف صاحبه، وصاحبه فقير، صاحب هذا المطعم البسيط البَسيط الذي لا يوجد له إلا قليل من رواده، والدخل يكاد يغطي الطعام والشراب أفضل مـن مطعم خمس نجوم فيه خمر، هناك حرف كثيرة، وأموال طائلة، أساساً أغنى أغنياء العالم تجار المخدرات، يقول: غسيل الأموال، ما معنى غسيل الأموال؟ هذه كلها أموال مخدرات، أكبر تجارة الأسلحة كلها عقود لتدمير العالم، أرقام الأسلحة فلكية، ثم الأدوية الزراعية، وقتل الإنسان، والحيوان، والنبات أربح شيء، هكذا .
 على كل حينما تؤمن فلك مقياس، حينما تؤمن فعندك ميزان .

 

الإيمان بالآخرة يقلب الموازين :

 والله أيها الإخوة، حينما نؤمن إيماناً حقيقياً بالدار الآخرة ـ دققوا فيما سأقول ـ يجب أن تنعكس موازيننا، ترى الفلاح في العطاء لا في الأخذ، ترى الفلاح في حياة خشنة، لكنها في طاعة الله، لا يوجد حياة ناعمة، لكنها في سخط الله، لكن على أن تؤمن، إذا آمنت ترى الخشونة مع الطاعة هي السعادة، وترى النعومة مع المعصية هي الشقاء، لذلك في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة .

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

 تغر وتضر وتمر .
 كان عند رجل دعابة؛ يكنس محله بسوق الحميدية، ويضع قمامته في علبة فخمة، ويلفها بورق هدايا، ويجعل لها شريطًا من خيط فخمٍ، ويضعها على الرصيف، فيأتي إنسان فضولي ليرى إن كان فيها قطعة ماس، يحملها، ويعدو، يلحق به، بعد مائتي متر يفك الشريط، ومائتين أخرى يفك الورق، ومائتين ثالثة يجد زبالة المحل بالعلبة فيصعق، هكذا الدنيا والله، لكن عند الموت .
 في بداية الحياة المال كل شيء، في المنتصف هو شيء، أما في النهاية فلا شيء، في البدايات المرأة كل شيء، في المنتصف هي شي، في النهاية لا شيء، فكلما ازددت قرباً من الله صغرت الدنيا في عينيك .
 دخل سيدنا عمر رضي الله عنه على رسول الله وجده نائم على حصير أثّر على خده الشريف فبكى ، قال عمر :

(( دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ، فَجَلَسْتُ، فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ، وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ، وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ، قَالَ: فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ، قَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَمَا لِي لَا أَبْكِي وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ؟ وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى؟ وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفْوَتُهُ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ، فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمْ الدُّنْيَا؟ قُلْتُ: بَلَى ))

البخاري ومسلم

 كل بطولتك أن تكون مطيعاً لله عز وجل، ولا تعبأ بهذه المقاييس المزيفة .

 

والحمد لله رب العالمين

الأسئلة :

 س: سيدنا موسى كيف قالت تلك المرأة ابنة سيدنا شعيب :

 

﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾

( سورة القصص : 26 )

 القوة واضحة، أنه سقى لهما، لكن كيف عرفت أمانته ؟
 ج: من غض بصره، الأمانة لا تتجزأ، الأمين أمين في المال، وفي الأعراض، غض بصره هو أمانة عند الله، هذه المرأة لا تحل له فلم ينظر إليها، عرفت أمانته من غض بصره .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018