الدرس : 54 - سورة آل عمران - تفسير الآيتان 181 – 182 الله يعلم ويعاقب - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 54 - سورة آل عمران - تفسير الآيتان 181 – 182 الله يعلم ويعاقب


2001-12-28

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، و زدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 مع الدرس الرابع والخمسين من دروس سورة آل عمران، ومع الآية الواحدة والثمانين بعد المئة .

لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ

 أيها الإخوة، قال تعالى :

﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 181)

اليهود توهّموا أن الله فقير فطلب القرض :

 هذه مقالة قالها اليهود حينما أمرهم الله أن يتصدقوا، توهموا أن الله فقير، وهم أغنياء ، قال تعالى :

﴿ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا ﴾

( سورة آل عمران : الآية 181)

سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا

مراقبة الله أعلى مستويات الإيمان :

 أولاً: إن أعظم مستوى من مستويات الإيمان أن تشعر أن الله معك، وأن الله عليم بما في نفسك، سميع لقولك، يرى حركتك، و يسمع كلامك، و يعلم ما في قلبك، حينما قال الله عز وجل :

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾

( سورة الطلاق : الآية 12)

الكون يدل على الله الخالق المسيّر :

 هذه الآية عجيبة، علة خلق السماوات والأرض بالنسبة للإنسان :

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾

( سورة الطلاق : الآية 12)

 معنى ذلك أن هذا الكون العظيم مهمته أن يعرفك بالله، العين لا ترى الله، ولكن العقل يراه، فهذا الكون فيه أسماء الله الحسنى، و فيه صفاته الفضلى تجسيد لأسماء الله الحسنى، ومظهر لها، فأنت إن أعملت عقلك في الكون توصلت إلى خالق هذا الكون، من الخلق إلى الخالق، من التسيير للمسير، من النعمة للمنعم، من النظام للمنظم، من الحكمة للحكيم، هذا هو الفرق بين المؤمن و الكافر، المؤمن مع المنعم خلق النعمة إلى المنعم .
 لكن الكافر مع النعمة يتذوقها، ويقتنصها، ويستمتع بها، لكنه حُجب عن المنعم، الكافر مع النظام، لكن لم يخرق هذا النظام إلى المنظم، وبطولة الإنسان كلُّها أن يخرق النظام إلى المنظم، والحكمة إلى الحكيم، والخلق إلى الخالق، والجمال إلى الجميل، إلى مبدع الجمال .
 حين تتأمل وردة فواحة عطرة جميلة فيها ألوان تأخذ بالألباب ينبغي أن تنتقل منها إلى الجميل، القضية كلها أن تعبر هذا الكون إلى مكونيه، وأن تعبر هذا النظام إلى منظميه، وأن تنتقل من النعمة إلى المنعم :

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾

( سورة الطلاق : الآية 12)

علمُك بأن الله يعلم يجعلك منضبطًا :

 من أجل أن تعلموا أن الله على كل شيء قدير، و أن الله قد أحاط بكل شيء علماً، هل تستطيع أن تفعل شيئاً أمام مسؤول عن الأمن؟ لا تستطيع، فحينما تعلم أن الله يعلم هل تقتل طفلاً؟ هل تهدم بيتاً؟ هل تسرق مالاً؟ هل تحتال على مسلم؟
 كأنني أقول: إن كل أخطاء الناس سببها أنك لا تعلم أن الله يعلم، وأن كل الانضباط الذي نطمح إليه، الانضباط القومي، والعملي، والانضباط في كسب المال، وفي إنفاق المال، وفي ممارسة الشهوات التي سمح الله لنا بها، لا يمكن أن ننضبط إلا إذا علمنا أن الله يعلم، وهناك آية أخرى :

﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾

( سورة المائدة : الآية 97)

 فحينما تعلم أن الله يعلم صار هناك انضباط ذاتي، لأن أي إنسان في الأرض لا يمكن أن يقترف مخالفة أمام من بيده أن يعاقبه عليها .
 هناك مثال بسيط جداً: لن تعبر الإشارة الحمراء في رابعة النهار، والشرطي واقف، ومعه كتاب الضبوط، لن تستطيع، لكنك تعبرها في الليل الساعة الثالثة، لأن واضع النظام غير موجود، واضع النظام يمثله هذا الشرطي، أما في الساعة الثالثة ليلاً فواضع النظام ليس له عين يراك بها، إذاً تعبر هذه الإشارة، أو أن تكون أقوى منه فلا تعبأ بنظامه .
 متى ينضبط الإنسان بشكل علمي؟ ينضبط حينما يعلم أن الله يعلم، و أنه سيحاسب، وأنه سيعاقب، والله الذي لا إله إلا هو، أي انضباط آخر متوهم، يقول لك: وازع داخلي، ضمير مسلكي، تربية بيتية، كله كلام فارغ، ما لم تعلم أن الله يعلم، وما لم تعلم أن الله سيعاقب لا يمكن أن تنضبط .
 بالمناسبة تنضبط مع إنسان من جلدتك من جنسك، قد يكون أصغر منك سنًّا، لكنه أقوى منك، أنت حينما ترى أن هذا الذي تخالفه يعلم وسيعاقب، من يجرؤ من التجار على أن يخفي من حساباته صفقة خارجية؟ لا أحد، لأن هذه الصفقة الخارجية تأتي نسبة منها إلى المالية، فإذا أغلفتها غدرت حساباتك، وكُلفت بضريبة فوق طاقتك، وأيّ تاجر حينما يعلم أن هذه الصفقة الخارجية هناك ورقة منها تذهب إلى المالية فلا يمكن أن تغفلها من حساباتك، وإلا يعاقب، فأنت تنضبط مع مخلوق من مثلك، من جنسك، لكنه أقوى منك فكيف للخالق .
 أيها الإخوة الكرام .

﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ﴾

المتفلِّت يتوهمّ أوهاما هي سراب بقيعةٍ يحسبه ماء :

 هذا الذي يغش المسلمين كيف تغشهم؟ والله لو علم أن الله يعلم، وسوف يدفع الثمن باهظاً من صحته، أو من أولاده، أو من أقرب الناس إليه لما فعل ذلك، ما من معصية تقترف في الأرض إلا بسبب توهم أن الله لا يعلم، أو يعلم و لا يحاسب، يقول لك: الله غفور رحيم، لا تسعنا إلا رحمته، هذا كلام فارغ، تسعنا رحمته حينما نطيع أمره :

﴿ قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

( سورة الزمر : الآية 53)

 تسعنا رحمته إذا أنبنا إليه، و إذا عدنا، و إذا تبنا إليه، و إذا اصطلحنا معه عندئذ تسعنا رحمته، أما إنسان مقيم على معصية، مقيم على مخالفة، مقيم على دخل حرام، مقيم على علاقة محرمة مع امرأة، مقيم على تفلت، ويقول: لا تسعنا إلا رحمة الله عز وجل، لا يمكن أن تستهزئ بدين الله، وأن تنجو من عقاب الله، هذا استهزاء، لو قال شخص من باب الدعابة: أنا أكسب مالاً حراماً، و أدفع جزءاً منه صدقة، والصدقة بعشرة أمثالها، إذاً أنجو، لا تنجو أبداً .

 

احذروا الاستهزاء والتلاعب بالدين :

 بالمناسبة، قضية دقيقة في الفقه الوقت مناسب جداً أن نبحثها: حينما تقول: أنا إذا حججت بيت الله الحرام ، ما جزاء من حجّ دون أن يرتدي ثياب الإحرام ، عليه هدي، و إنسان ميسور، وغني كبير قال لك: أنا أقدم عشرة أغنام هدياً لارتداء الثياب العادية، لو يدفع مليون رأس غنم فحجه باطل، أما إذا دخل الميقات خطأ من غير ثياب إحرام فعليه هدي، هذه ترمم .
 مثلاً: اتفق فقيران على أن يدفع كل منهما زكاة فطره للآخر، هذا عبث بدين الله، كأنهما لم يدفعا شيئاً، لكن ممكن أن تدفع زكاة فطرك، وأنت فقير، وأن تأتيك زكاة فطر دون أن تشعر، أو دون أن تخطط، ودون أن تعلم .
 الفكرة لا يمكن أن تستباح محارم الله بشيء، قد يحدث أن حاجاً يحج أول مرة في حياته، ويركب الطائرة أول مرة في حياته، وقد وضع لباس الإحرام في حقائبه الكبيرة، وبعد أن صعد إلى الطائرة، وانطلقت الطائرة إلى بيت الله الحرام أذيع أن هذا المكان هو ميقات الإحرام، فقال: آتوني بالمناشف، لا يفهم بأن موضوع الحقائب لا يمكن أن تصل إلينا في الطائرة، فهي موضوعة في مكان آخر، ماذا حلّ بهذا الحاج؟ دخل الميقات من دون ثياب إحرام، قضية محلولة، عليه هدي، أو أن يعود إلى الميقات فيحرم، أما لو جاء غني، وقال: أنا أدفع ثمن مئة رأس غنم على أن أبقى مرتدياً غير ثياب الإحرام فالحج باطل .
 مثل آخر: الواجب في الصلاة إذا ترك يسجد سجدتين سهواً، أحدهم قال: أنا لن أقعد القعود بين الأربع ركعات، وصلى أربع ركعات ثم سجد للسهو، صلاته باطلة، لو أنه سها هناك سجد للسهو، أما أنه قصد ذلك، وعبث بدين الله فهذا غير مقبول منه ذلك إطلاقاً .
 أيها الإخوة، ذكرت هذا الكلام لأنه لا يمكن أن تستباح محارم الله بشيء، لا بصدقة، ولا بهدي، ولا بأي عمل، أما إذا وقع الإنسان سهواً، أو غير قاصد فلكل مخالفة كفارتها، أما أن تدفع الكفارات سلفاً تبريراً لانتهاك الحرمات فهذا مستحيل :

﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ﴾

الله يعلم ويعاقب :

 هم ما عرفوا أن الله يسمعهم، أو علموا أن الله يسمعهم، ولكن لا يعاقبهم، و الحقيقة نقطتان لابد منهما: يعلم و يعاقب، الذي نشأ في بلاد إسلامية يعلم أن الله يعلم، لكن يتوهم أن الله يعلم لكن لا يعاقب :

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة الحجر : 92-93)

 و كيف حال ذاك الإعرابي الذي سأل النبي أن يعظه، ويوجز، فتلا عليه قوله تعالى :

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ﴾

( سورة الزلزلة : 7-8 )

 قال: كفيت، بربك لو أن لكل سيئة عقاباً، لو أنك مؤمن بها إيماناً قطعياً، هل ترتكب سيئة؟
حدثني صديق توفي رحمه الله، جاء إنسان ليصلح مركبته، مركبة جديدة، فيها خلل، وهو يجهل دقائقها، فالذي قُدمت له هذه المركبة كي يصلحها ذكي جداً، أدرك أن هذه المركبة جديدة، وأن صاحبها لا يفقه فيها شيئاً، والقضية تحل في عشر دقائق، طلب منه عشرة آلاف ليرة، فصدقه، وعده أن يأتيه بعد يومين، هذا الإنسان أول يوم أخذ أهله إلى مكان جميل، وثاني يوم إلى مكان آخر، وأصلحها في دقائق معدودة، وأخذ على تصليحها عشرة آلاف ليرة عداً ونقداً، له جار صديق لي عاتبه، قال له: هكذا العمل، أنت إنسان مغفل، أنا أدركت أن هذا الإنسان يجهل دقائق هذه المركبة، وهو حريص على سلامتها، و غني، جاء من بلد خليجي، هو يعلم أن الله يعلم، لأنه ناشئ في بلد إسلامي، ولكن ظنه أن الله لا يعاقب، له ابن يعمل في مخرطة، دخلت نثرة فولاذ في عينه، كلفته ستة عشر ألف ليرة لبنانية يوم كان اللبناني بمئة وستين قرشاً، أي قريبًا من اثنين وعشرين ألف ليرة، لو كان يعلم أن هذا المال الحرام الذي سوف يدفعه مضاعفاً ما فعل ذلك، فالقضية قضية علم .
 أحدهم ركب مركبته، وجد جرواً صغيراً على طرف طريق المطار، أراد أن يُعبّر عن براعته في القيادة فقطع يديه فقط، دون أن يدهسه كله، وأطلق ضحكة هستيرية، يقسم لي شخص يركب معه في الأسبوع الثاني، وفي المكان نفسه أصاب العجلة خلل، فوقف يبدلها، رفع المركبة بآلة الرفع، وفجأة وقعت المركبة على العجلة، والعجلة على رسغيه فهُرِستا، أُخذ إلى المستشفى اسودت كفاه، ولابد من قطعهما، يقسم لي و هو حي يرزق، قال لي: والله بعد أسبوع أصبح بلا كفين .
 حينما يعلم الإنسان أن الله يعلم، وسيعاقب يعد للمليار قبل أن يعصيه، أو قبل أن يعتدي على أحد .

 

هؤلاء هم الأغبياء فلا تكن مثلهم :

 من هم الأغبياء اليوم في العالم؟ والله أغبى أغبياء العالم الآن الذين يدمرون، ويقصفون، ويقتلون، هناك تقدير أن هناك ثلاثمئة إنسان قُتل ظلماً في بلاد شرق آسيا، ثلاثمئة ألف قتلوا بالقصف، ولا علاقة لهم بما حدث، من هم الأغبياء؟ هؤلاء الذين يتلذذون بالقتل، وهدم البيوت، وقتل البريئين، وقتل الأطفال، هؤلاء يظنون أنهم حققوا مجداً، لو أنهم يعلمون أن الله يعلم وسوف يخلدون في جهنم إلى أبد الآبدين، لأن الله عز وجل يقول :

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

( سورة إبراهيم : الآية 42)

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾

( سورة آل عمران )

 قل :

 

﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾

( سورة فصلت : الآية 40)

 هذا تهديد من الله عز وجل، العبرة أن تعلم أن الله يعلم، قبل أن تأكل المال الحرام، قبل أن تطالب الإنسان الذي وثق بعلمك بتحليل لا جدوى منه، أو قبل أن تطالبه بتعويض لا يقابله شيء، كم مهنة مبنية على الكذب، والخداع، والمماطلة، وغش المسلمين، والاحتيال عليهم؟
 هذا الانحراف الشديد في سلوك المسلمين ما سببه؟ انحراف شديد في عقيدتهم، هم لا يعلمون أن الله يعلم، أما حينما تعلم أن الله يعلم سينضبط .
 والله اليوم سمعت أن أحد الورثة، وهو أكبرهم اغتصب المال كله، و حرم إخوته كلهم من حصصهم في الميراث، وهو في مقتبل العمر أصيب بمرض خبيث، وهو الآن على فراش الموت .
 حينما تعلم أن الله يعلم تعد للمليون قبل أن تعصيه، قبل أن تظلم إنساناً، قبل أن تكتسب درهماً حراماً، قبل أن تحتال على الناس، قبل أن تبالغ في إيذائهم .
 من هو السعيد؟ الذي يعمل عملاً في نفع المسلمين، من هو أشقى الخلق؟ هو الذي يبني عمله و رزقه على إخافة المسلمين، و على ابتزاز أموالهم، و على هتك أعراضهم، هؤلاء الذين يروجون الفسق، والفجور على أي شيء يعيشون؟ على أخلاق الشباب .
 لي طالب قديم قال لي: إن له خالاً يملك إحدى دور السينما في دمشق، قال لي: في مقتبل العمر في الأربعين سنة أصابه مرض عضال، دخل عليه فرآه يبكي، لمَ تبكي يا خالي؟ قال له: جمعت ثروة طائلة كي أستمتع بها في خريف عمري، ها قد عاجلني المرض دون أن أستمتع بها، هذا بنى هذه الثروة على إفساد أخلاق الشباب، كلما كان الفيلم فيه إثارة أكثر يروج أكثر، ويربح أكثر، كان يبحث عن أفلام فيها إثارة شديدة، يأتيه الشباب يستمتعون بالحرام، و قد تنتهي هذه المشاهدة إلى فعل حرام، أو إلى زنا، أو إلى ما شاكل ذلك .
 حينما لا تعلم أن الله يعلم، أو تعلم أن الله يعلم، لكن لا يعاقب، هذا خلل خطير في العقيدة، وسوف يدفع الإنسان ثمنه باهظاً، فأخطر شيء في الدين هو أن تستقيم على أمر الله، إنك بالاستقامة تسلم، لكن بالعمل الصالح تسعد، بالاستقامة تسلم :

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾

( سورة فصلت : 30-32 )

 بالاستقامة تسلم، لكن :

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾

( سورة الكهف : الآية 110)

 فيا أيها الإخوة، جوهر الدين أن تكون وقافاً عند كتاب الله، أن تأتمر بما أمر، وأن تنتهي عما عنه نهى وزجر، وأن يكون عملك صالحاً، فالمسلم لا يكذب، ولا يأكل مالاً حراماً، ولا يحتال، ولا يغش، ولا يبتز أموال الناس، ولا يفسد أخلاقهم، ولا يقبل عملاً مبنياً على إيذاء المسلمين، أو إخافتهم، أو ابتزاز أموالهم .
 أيها الإخوة، أردت من خلال هذه الآية أن تهتز قناعاتنا نحو الأصلح، أي هذا السلوك الإسلامي نؤدي العبادات الشعائرية، وفي أمورنا التعاملية لا نعبأ، هذا كله يؤكده حديثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

 

(( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ، هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

 

مسلم ، الترمذي ، أحمد

 فالمفلس من خالف منهج الله، و أقام شعائر الله، هذا مفلس، فحتى يكسب الوقت والعمر أهم شيء في الدين بعد الإيمان بالله أن تستقيم على أمره، و لن تستقيم على أمره إلا إذا علمت أن الله يعلم، هذا أكبر رادع يردعك عن معصية الله، أن تعلم أن الله يعلم .
 هؤلاء :

﴿ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ﴾

﴿ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا ﴾

( سورة آل عمران : الآية 181 )

 هذه مقولة كُتبت عليهم، كم من عمل يفعله الإنسان المسلم وهو يرتكب أكبر معصية دون أن يشعر ؟

 

وَقَتْلَهُمْ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ

﴿ وَقَتْلَهُمْ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 181)

 هذا من خصائصهم أيضاً :

﴿ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ(181)ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 181 )

ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ

 أي :

﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾

( سورة الأنبياء : الآية 47)

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾

( الزلزلة : 7-8 )

 هذا ملخص الملخص، وهذا هو الدين، هذا الأعرابي الذي امتحنه سيدنا عمر قال له: << بعني هذه الشاة، قال: ليست لي، قال: قل لصاحبها: ماتت، قال: والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها: ماتت، أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله >> ؟
 هذا البدوي الراعي الأعرابي وضع يده على جوهر الدين، ما لم تقل: أين الله؟ ولن أفعل هذا، لأنني أخاف الله، فكل عباداتك الشعائرية لا وزن لها إطلاقاً، ما لم تقل إذا جاءك شيء، أو عرضوا عليك أمراً لا يرضي الله، ما لم تقل حينئذ: إني أخاف الله رب العالمين، لا أفعل هذا، فكل عباداتك الشعائرية لا وزن لها إن لم تستقم على أمر الله .

والحمد لله رب العالمين

الأسئلة :

 هناك سؤال يأتيني كثيراً :
 س: هل يجوز للمرأة بقصد تعليمي أن تقرأ القرآن ولو كانت في الدورة ؟
 ج: طالبة في مدرسة، وهناك حصة قرآن، أو معلمة، فلأسباب تعليمية يجوز في المذاهب كلها أن تقرأ القرآن .
 س: هل يجوز لمجرد أن يذكر إنسان غير مسلم أن نشتمه ؟
 ج: ما هذا الكلام :

﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ﴾

( سورة التوبة : الآية 7 )

﴿ لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾

( سورة الممتحنة : الآية 8 )

 لك أن تزوره، و لك أن تهنئه بمولود، أو بنجاح في شهادة، و لك أن تعينه، و له أن يزورك دون أن تخترق حدود الشرع .

﴿ لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾

( سورة الممتحنة : الآية 8 )

﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ﴾

( سورة التوبة : الآية 7 )

 هذا كلام الله، من أين يأتي هذا الكلام ؟ أساساً هذا التطرف الذي وقع فيه بعض المسلمين سبب ما يجري في العالم اليوم .
 س: إنسان اشترى معطفاً، ثم تبين له أنه من جلد الخنزير ؟
 ج: الأولى ألا يستخدمه، هناك من يذكر أن دباغة الجلد تطهره، لكن رأي الجمهور ألا تستخدمه .
 س: كيف نجمع بين قوله تعالى :

﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا(23)إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾

( سورة الكهف : 23-24)

 و بين أن الله خلق الإنسان مخيراً ؟
 ج: أنت مخير فيما كلفت، فهناك أمور أنت مخير بها، وهناك أمور لست مخيراً فيها، هل أنت مخير في أمك و أبيك؟ هل أنت مخير في مكان ولادتك و في زمن ولادتك؟ لا، هل أنت مخير في إمكاناتك و في شكلك؟ لا، لكن أنت مخير فيما كلفت، أمرك أن تكون صادقاً أنت مخير تصدق أو لا تصدق، فالتسيير في الأمور لا يتناقض مع التخيير في التكاليف، فأنت مخير فيما كلفت، ومسير فيما لا تكلف به، وهذا التسيير لصالحك قطعاً، ليس في الإمكان أبدع مما كان، و لو كشف الغطاء لاخترتم الواقع، أي الله سيرك إلى أفضل شيء يناسبك، المكان المناسب والوقت المناسب والأم المناسبة والشكل المناسب، والإمكانات المناسبة، ليس في الإمكان بالنسبة لك أبدع مما كان، كل شيء أنت مسير به هو لصالحك، و التخيير أنت مخير بين أن تطيع الله وأن تعصيه .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018