الدرس : 052 - العقيدة أخطر شيء بالإسلام . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 052 - العقيدة أخطر شيء بالإسلام .


2014-11-06

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

الشبهات و الشهوات أخطر شيء بحياة الإنسان :

أيها الأخوة الكرام ؛ ورد أن حسن الظن بالله ثمن الجنة ، والإنسان لا يستطيع بعقله وحده أن يثبت عدل الله ، إلا بحالة مستحيلة ، أن يكون له علم كعلم الله ، وهذا مستحيل ، فلابد أن يكون إيماننا بعدل الله تصديقاً لا تحقيقاً .
لذلك الإنسان حينما يواجه شبهة ، أخطر شيء بحياة الإنسان الشبهات والشهوات أخطر شيء في حياة الإنسان الشبهات والشهوات
الشبهات مقولة تشبه الحق من جهة ، والباطل من جهة ثانية ، أي أنا لو قلت لك : أعط فلاناً ألفاً و خمسمئة درهم ، هذا كلام محكم لا يحتمل التأويل ، ولا التفسير ، ولا التعليل ، ولا التوجيه ، ولا التعميق ، كلام واضح كالشمس ، لكني لو قلت : أعط فلاناً ألف درهم ونصفه ، الفاء على من تعود؟ إن أعدتها على الدرهم كانت ألفاً ونصف درهم ، إن أعدتها على الألف كانت ألفاً وخمسمئة ، هذه عبارة فيها شبهة ، تشبه أن تفهمها ألفاً وخمسمئة ، وتشبه أن تفهمها ألفاً ونصف درهم .
الآيات المتشابهات في القرآن لها حكمة بالغة ، قال تعالى :

﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ﴾

[ سورة آل عمران : 7]

واضحات جليات .

﴿ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾

[ سورة آل عمران : 7]

إذاً الله عز وجل في هذه الآية في سورة آل عمران بيّن أن آيات القرآن منها ما هو محكم ، واضح ، جلي ، قطعي ، ثابت ، ومن هذه الآيات ما هو متشابه .

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ﴾

[ سورة آل عمران : 7]

يقول لك : ما كتب الله لي الهداية ، مقيم على شهواته ، محقق مصالحه ، بعيد عن الدين بعد الأرض عن السماء ، الله ما كتب لي الهداية ، لِمَ ؟ لأن الله قال :

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

[ سورة النحل : 93]

طلب الهداية يبدأ من الإنسان والباقي على الله تعالى
من قال لك : إن فاعل يشاء يعود على الله ؟ يعود عليك .

﴿ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

الهداية .

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ﴾

الآية الكريمة :

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

[ سورة الكهف : 29 ]

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

[ سورة الإنسان : 3 ]

الخيار لك ، أنت مخير ولست مسيراً ، أنت مسير لما اخترت ، الفعل فعل الله ، أما الاختيار فاختيارك ، الانبعاث انبعاثك ، قلت : يا رب أريد أن أصلي ، اخترت الصلاة ، أمدك الله بقوة منه .

 

العقيدة أخطر شيء بالإسلام :

لذلك أيها الأخوة ، أخطر شيء بالإسلام العقيدة ، إن صحت صحّ دينك ، وإن فسدت العقيدة فسد دينك ، من هنا :

﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾

[ سورة آل عمران : 7 ]

إن صحت عقيدتك صح دينك وإن فسدت فسد دينك
سوف آتيكم بمثل من الآيات المتشابهات ، قال تعالى :

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ ﴾

[ سورة السجدة : 13]

ولكن لم يشاء .

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾

[ سورة السجدة : 13]

هذه الآية على ظاهرها من الآيات المتشابهات ، أي لو شاء الله لهدى الناس جميعاً لكن ما شاء ذلك .
الحقيقة أيها الأخوة ؛ هذه الآيات لها دور إيجابي في حياة المؤمن ، الذي يقرؤها ظاهر الآية يحدث مشكلة فكرية ، عقدية ، تصورية ، لو قرأ التفسير ، قرأ المدلولات الدقيقة لها يختلف الأمر معظم الناس تنسب الخطأ إلى الله والنجاح إلى النفس
أي الإنسان مخير ، لكن أي إنسان يرتكب المعاصي والآثام ، يقول لك : الله كتب عليّ ذلك ، كل شيء من سلبيات الحياة الإنسان يعزيه خطأ إلى الله عز وجل ، أما إذا حقق الإنسان نجاحاً بالتجارة يقول لك : أنا تابعت الأمر ، تابعت الأسعار ، اشتريت أرخص بصاعة ، حققت أرباحاً عالية .

﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾

[ سورة القصص : 78]

هذا كلام قارون ، كل الإيجابيات بحياته يعزيها إلى ذكائه ، وخبرته ، وفطنته ، وما يتمتع به من خصائص ، لكن إذا ما صلى ، يقول : الله لم يرد لي ذلك ، لماذا في السلبيات تقول : الله ما أراد لي ذلك ، لماذا ؟ لماذا الإيجابيات تعزيها لنفسك ؟ فلذلك لحكمة بالغة بالغة الله عز وجل جعل في القرآن آيات محكمات ، واضحات ، جليات .

﴿ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾

[ سورة آل عمران : 7]

مسؤولية كل إنسان عن عمله لأنه مخير :

مرة ثانية : أعطِ فلاناً ألف درهم ونصفه ، هذا نص متشابه ، إذا أعدت الضمير على الألف كان المبلغ ألفاً وخمسمئة ، إن أعدناه على الدرهم كان ألفاً ونصف درهم .

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾

[ سورة آل عمران : 7]

لأن الإنسان مخير فإنه مسؤول عن أفعاله
أي أنتم يا عبادي تزعمون أنني أجبرتكم على عملكم السيئ ، الجواب : لو كنت مجبركم على عمل ما أجبرتكم إلا على الهدى ، لو أردت أن ألغي اختياركم ، أن ألغي هذه الخصيصة الرائعة أنك مخير ، لك أن تصلي ، ولك ألا تصلي ، لك أن تتصدق ، ولك ألا تتصدق ، لأنك مخير سخر الله لك :

﴿ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾

[ سورة الجاثية :13 ]

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب : 72 ]

لأنك مخير كنت مسؤولاً .
لو أن أباً قال لأولاده : من يعمل عندي في المعمل له عشرة آلاف دينار كل شهر وسيارة ، وبيت ، لكن الذي يأتي بدكتوراه في إدارة الأعمال من أمريكا أعطيه نصف المعمل ، لكن هذا الذي اختار أن يأخذ نصف المعمل لو لم يدرس هناك لعاقبه أبوه بالحرمان التام من إرثه .

 

تسخير الكون للإنسان تسخير تعريف و تكريم :

فلما عرض الله الأمانة على السموات ، والأرض ، والجبال ، المخلوقات أشفقن منها وحملها الإنسان ، فلما حملها الإنسان سخر الله له :

﴿ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾

[ سورة الجاثية :13 ]

بيد الإنسان أن يرقى فوق مستوى الملائكة
تسخير تعريف وتكريم ، فإذا نجح في حمل الأمانة وصل إلى ما فوق الملائكة .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

[ سورة البينة : 7 ]

أي خير ما برأ الله .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾

[ سورة البينة :6 ]

فالإنسان بين أن يكون فوق الملائكة ، وبين أن يكون أسوأ من أحقر حيوان ، والآية تقول :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

[ سورة البينة : 7 ]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾

[ سورة البينة :6 ]

فالإنسان حينما تصح عقيدته يصح عمله ، وإن فسدت العقيدة فسد العمل ، أخطر شيء في الدين العقيدة .
إن هذا العلم دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم ، ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك خذ عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين مالوا .

 

تأويل المنقول بما لا يخالف المعقول :

للإمام الغزالي رحمه الله تعالى كلمة قال : " إذا ورد المنقول بما يخالف المعقول وجب أن نؤول المنقول بما لا يخالف المعقول " فالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام يقول :

(( لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ))

[البزار عن أبي سعيد الخدري ]

ماذا يعني هذا الحديث ؟

(( لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم ))

معقول الحديث معناه أن أدرك نفسك بذنب ؟ مستحيل هذا الكلام .

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الأعراف : 28 ]

إذا شعرت بالذنب كنت حيا عند الله
لكن الحديث وجهه علماء كبار لو لم تشعروا بذنوبكم ، أي إنسان اغتاب إنساناً ، لم ينم طوال الليل خوفاً من الله ، هذا مؤمن ، شعر بذنبه ، أما يأتي إنسان آخر يرتكب جريمة ثم يقول: ماذا فعلت ؟ يبث ضلالة ، ماذا فعلت ؟ فالبطولة أن تشعر بالذنب ، إذا شعرت بالذنب كنت حياً عند الله ، وإن لم تشعر بالذنب الوصف كما يلي :

﴿ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ ﴾

[ سورة البقرة : 154 ]

فحينما تشعر بذنبك فأنت حي ، لذلك كلما صغر الذنب عند الإنسان كبر عند الله ، وكلما كبر عند الإنسان صغر عند الله ، فالإنسان حينما يشعر بذنبه هذه حالة صحية جيدة جداً أما الإنسان الذي لا يعبأ ورد في بعض الآثار أن ذنب المنافق كالذبابة طردها ، لكن ذنب المؤمن كالجبل الجاثم على صدره ، كلما كبر الذنب عندك صغر عند الله ، وكلما صغر عندك كبر عند الله.

 

حسن الظن بالله ثمن الجنة :

الآن لا بد من توضيح الصغيرة والكبيرة ، إنسان يركب سيارة ، والطريق عرضه يقدر بستين متراً ، وعن يمين هذا الطريق واد سحيق ، وعن يساره واد سحيق ، الآن إذا حرك المقود سنتمتراً واحداً كان مصيره إلى الوادي ، هذا السنتمتر بتحريك المقود يميناً مع الاستمرار ينقلب إلى سقوط بالوادي ، لكن لو حركته تسعين سنتمتراً وأنت على طريق عريض تستطيع أن ترجعه ، فلا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار ، هذه حقائق يا أخوان خطيرة جداً ، حينما تسلم عقيدة المرء يسلم له دينه ، وإذا ظن بالله ظن السوء هنا مشكلة كبيرة جداً ، الله ما هدانا ، الله ما كتب لنا الهدى ، من قال لك هذا الكلام ؟ هداك وانتهى الأمر .

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾

[ سورة الروم : 40 ]

سوء الظن بالله مشكلة كبيرة جدا
فعل ماض ، الكون هداية ، والأنبياء هداية ، والرسل هداية ، والدعاة هداية ، وأفعال الله هداية ، وكل ما يجري هداية ، أنت معك جهاز راديو البث مستمر ، لكن أنت ينبغي أن تحرك الإبرة على المحطة التي تعطيك الهدى ، فإذا أنت ما بدأت أنت مخير ، لست مسيراً ، وأنت قيمتك باختيارك ، لو ألغي الاختيار الغيت الجنة والنار ، ألغي الثواب والعقاب ، كلام الحسن رضي الله عنه :" لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب ، ولو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة ، إن الله أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً ، وكلف يسيراً ، ولم يكلف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً ، ولم يعص مغلوباً ، ولم يطع مكرهاً " .
إنسان سأل سيدنا علي ، قال له : أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله وقدر ؟ قال له : ويحك لو كان قضاءً لازماً ، وقدراً حاتماً ، إذاً لبطل الوعد والوعيد ، وألغي الثواب والعقاب ، إن الله أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلف يسيراً ولم يكلف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً .
الذي أريده أخواننا الكرام ؛ أن حسن الظن بالله ثمن الجنة ، والآيات المتشابهات قال الله عنها :

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل : 43]

أنواع اليقين :

اعتقد يقيناً أنه ما من سؤال يخطر في بالك إلا وله جواب ، إلا إذا سألت في ذات الله، تفكروا في مخلوقات الله ، ولا تفكروا في ذات الله فتهلكوا ، لأنك أنت محدود ، أنت أعطاك الله عقلاً، بهذا العقل يمكن أن تصل إلى الله ، لا أن تحيط بالله ، فرق كبير .
العقل محدود وهو يوصلك إلى الله لكن لا يمكن أن يحيط بالله
أنت راكب سيارتك وذاهب إلى العقبة بالعيد للنزهة ، فهذه السيارة كالعقل تقلك إلى العقبة ، توصلك إلى البحر ، لكن لن تستطيع هذه السيارة أن تخوض في البحر ، لذلك قالوا : عين العلم به عين الجهل به ، كيف ؟ واقف أمام المتوسط في بيروت ، سألك أحدهم كم لتراً البحر ؟ أي رقم تقوله غلط ، الصواب أن تقول : لا أدري ، كلمة لا أدري هي العلم ، العجز عن إدراك الإدراك إدراك ، تقول : لا أعلم فأنت ذكي وعاقل ، أي رقم تعطيه خطأ ، فلذلك أنت أمام أشياء محددة ضمن إمكانية العقل .
البارحة قلت : عندنا يقين حسي ، هذه الثريات متألقة ، لأنني رأيت تألقها بعيني ، أداة اليقين الحسي الحواس الخمس واستطالاتها ، هنا بعمان أخ معه ميكروسكوب للفضاء ، رأيت بعيني هذه الكوكب الذي حوله أحزمة ، أعتقد المشتري حوله أحزمة ، هذه استطالة ، التليسكوب استطالة العين ، والميكروسكوب استطالة ، فاليقين الحسي هو اليقين الذي تتأكد منه عن طريق الحواس الخمس أو استطالاتها هذا يقين حسي ، لكن الكهرباء لا ترى ، في المسجد كهرباء هذا يقين عقلي ، لولا الكهرباء ما تألقت المصابيح ، ولا عملت هذه المكيفات ، ولا كبر الصوت ، تكبير الصوت أثر، والمكيفات أثر ، والتألق أثر إذا ذهبت عين الشيء وبقي أثره فإن العقل هو طريق اليقين
فإذا ظهرت عين الشيء وآثاره أداة اليقين به الحواس الخمس ، فإذا ظهرت آثاره وغابت عينه ، أداة اليقين به العقل ، فإذا غابت عينه وآثاره الماضي السحيق لا أحد يعرفه ، المستقبل البعيد لا أحد يعرفه ، فإذا غابت عينه وآثاره معاً أداة اليقين به الخبر الصادق ، في القرآن يقين حسي ، ويقين عقلي ، ويقين إخباري ، لكن إياك ثم إياك ثم إياك أن تجادل ملحداً بالإخباريات ، معك دليل أن الله أخبرك بها – أي بالإخباريات - هناك جن ؟ أنا مؤمن بالجن ، لأن الله أخبرني أن هناك جناً .

﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ﴾

[ سورة الأنعام: 130]

لكن لا يوجد معي دليل علمي على وجود الجن ، فالدليل إخباري .
لعلي أثقلت عليكم بهذا الدرس ، لكن القضية خطيرة ، أخطر شيء سوء الظن بالله ، اعتقد يقيناً أن لكل سؤال جواب ، جواب مقنع .

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

الموضوع المتعلق بالذات الإلهية هذا خط أحمر ، تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ، إذاً :

﴿ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾

[ سورة آل عمران : 7]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018