الدرس : 49 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 166 – 171 الازدواجية مرض خطير - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 49 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 166 – 171 الازدواجية مرض خطير


2001-11-09

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس التاسع والأربعين من دروس سورة آل عمران، ومع الآية السادسة والستين بعد المائة، وهي قوله تعالى :

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ(166)وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 166-167)

مقدمة :

شتان بين فهم القرآن وقطف ثماره :

 أيها الإخوة، هناك حقيقة إن آمنت بها امتلأ قلبك أمنا وأمانا، ولكن قبل الحديث عنها يجب أن تعلم علم اليقين أن آيات القرآن الكريم أن تفهم معانيها شيء، وأن تعيش معانيها شيء آخر، وشتان بين من يفهم معنى الآية، وبين من يعيشها و يقطف ثمارها، ولا أدل على ذلك من قوله تعالى :

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾

(سورة الأحزاب : الآية 71)

 لو أن مؤمنا طائعا لله ورسوله وكان فقيرا، و له صديق عاص لله ورسوله، و كان غنيا، الآية معناها واضح :

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾

(سورة الأحزاب : الآية 71)

 ولكن بمجرد أن يقول: هنيئا لصديقي فهو أسعد مني، إذًا ما عاش الآية، ولا قطف ثمارها، ولا استقر في قلبه شيء من معانيها إطلاقا .
المشكلة أيها الإخوة أن آيات القرآن الكريم قد نفهمها، لكن لا نعيشها، حينما قال الله عزوجل

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 126)

 المعنى واضح، لكن المسلمين اليوم لا يعيشون هذا المعنى، يرون النصر أن ترضى عنك جهة قوية فتنتصر، وإذا رفعت عنك الغطاء تنهزم، هناك شرك، فالبطولة لا أن تفهم المعنى، أن تعيش هذا المعنى .

 

موازين الترجيح في القرآن الكريم :

 هذه مقدمة مهمة جدا، القرآن الكريم فيه آيات كثيرة فيها قوانين، لكن الناس في واد، وهذه الآيات في واد آخر، أوضح مثل :

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾

(سورة الأحزاب : الآية 71)

 هل ترى نفسك فائزا إن صحت عقيدتك؟ وإن صح عملك؟ وإن انضبطت في حركاتك وسكناتك، أن ترى الفوز هو الغنى، أن ترى الفوز هو القوة، هناك قيم تعتمد في داخل الإنسان، قيم مرجحة، من هو المؤمن الراقي؟ إذا توافقت قيمك في تقييم الأشياء، وتقييم الأشخاص، وتقييم ذاتك مع تقييم القرآن الكريم، أما إذا كانت منظومة قيمك في واد، وقيم القرآن في واد، القرآن رجح العلم، قال تعالى :

 

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾

(سورة النساء : الآية 113)

 قال :

 

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾

(سورة المجادلة : الآية 11)

 وقال تعالى :

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾

(سورة الزمر : الآية 9)

 ورجح قيمة العمل فقال :

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

(سورة الأحقاف : الآية 19)

 وقال تعالى :

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾

(سورة الكهف : الآية 110)

 فالغنى غنى العمل، والفقر فقر العمل، وتجد الناس يعظمون الأغنياء لقيمة المال، ويعظمون الأقوياء لقيمة القوة، ويعظمون الأذكياء لقيمة الذكاء، هذه قيم ليست في القرآن الكريم .

 

التوكل والأخذ بالأسباب :

 

 أردت من هذه المقدمة أن فهم الآية سهل جدا، لكن أن تعيش هذه الآية شيء صعب، فهل من الممكن لإنسان أن يضع زوجته وابنه في واد غير ذي زرع، لا ماء فيه، ويتوكل على الله، نحن نقول :

﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾

(سورة الطلاق : الآية 3)

 لكن لا يمكن إلا أن نأخذ بالأسباب، السبب الذي نأخذ به يطمئننا، ولا يطمئننا أننا على الله متوكلون، ينبغي أن نأخذ بالأسباب ولا شك، لكن ما الذي يملأ قلبك طمأنينة؟ أنك بالأسباب، أم أنك توكلت على الله رب الأرباب؟ فلذلك تجد العالَم الآن منقسم إلى قسمين، قسم أخذ بالأسباب واعتمد عليها، وألّهها فوقع في الشرك، وقسم لم يأخذ بها و توكل على الله توكلا غير صحيح سُمِّي تواكلا وقع في المعصية، لكن أن تجمع بين الأطراف جميعا هذه بطولة .

 

وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ

 إذًا: هذه الآية آلام لا تنتهي ولا تعد، لو عقلنا هذه الآية لزالت من أنفسنا كل هذه الآلام :

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 166)

لا يقع في الكون إلا ما أراد الله :

 كل شيء وقع أراده الله، ولا يقع في كونه إلا ما يريده الله، لا يليق بمقام الألوهية أن يقع في ملكه شيء ما أراده، لا يستطيع الكافر أن يسبق الله عزوجل، قال تعالى :

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾

(سورة الأنفال : الآية 59)

 لا يمكن لكافر مهما كان كفره كبيرا أن يفعل شيئا ما أراده الله .

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 166)

 ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن .
 ليس في العالم المادي شر مطلق، هل تقبلون هذه الكلمة؟ معي الدليل، العالم المادي فيه حوادث، ما دامت هذه الحوادث وقعت إذًا سمح الله بها، والله عزوجل قدرته مطلقة، لا يقع شيء في ملكه إلا إذا أراده، و إرادة الله متعلقة بحكمته المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، ولكن عقولنا في الأعم الأغلب لا تستطيع أن تستوعب حكمة الله، وهذا الذي جرى في العالم ربما بعد سنوات، أو بعد عقد من الزمان، تنكشف الحكمة المطلقة في الذي حدث، وكأنه قفزة نوعية للمسلمين، وكأنه تمحيص للمؤمنين، وكأنه فرز للمسلمين ، وكأنه دعوة للتمسك بهذا الدين ، قد لا نجد الآن الحكمة واضحة ، لكن المؤمن يقيس على ما سبق، قال بعضهم :

كن عن همومك معرضا  و كِلِ الأمور إلى القضا
و أبشر بخير عاجــل  تنسى به ما قد مضـى
فرب أمر مسخـــط  لك في عواقبه رضـى
و لربما ضاق المضيق  و لربما اتسع الفضــا
الله يفعل ما يشـــاء  فلا تكن معترضـــا
الله عوّدك الجميــل  فقِس على مـا قد مضى
***

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 166)

 أي النبي كان يتمنى أن يبقى في المدينة، لكن أصحابه أشاروا عليه أن يخرج، فخرج بإذن الله، وخرج بمشيئة الله، و أمر الرماة ألاّ يغادروا فغادروا، فالتف عليهم العدو من خلفهم بإذن الله .

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 166)

 يقع مرض أحيانا، يقع فقر مفاجئ، تأتي حالة لم تكن في الحسبان، يقع حجر من بناء فيصيب إنسانًا .

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 166)

 سهل جدا أن نفهم معنى هذه الآية، سهل جدا أن نفهم معنى هذه الآية، ولكنه ليس من السهل أن نعيشها، ليس من السهل أن ترى يد الله تعمل في الخفاء، قال تعالى :

 

﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾

(سورة الأنفال : الآية 17)

 اقرأ قوله تعالى :

 

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

(سورة الفتح : الآية 10)

﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾

(سورة الأنفال : الآية 17)

 هذا هو التوحيد، التوحيد يملأ قلبك أمنا وطمأنينة، محنة قاسية أن ينهزم المسلمون، محنة قاسية أن يعصي الرماة أمر النبي، منة قاسية أن يلتف العدو حول المسلمين، محنة قاسية أن يُقتل عدد كبير من صحابة رسول الله يوم أحد، لكن ما دام وقع فهو لصالح المؤمنين، ولحكمة كبيرة جدا، وقس على معركة أحد أية معركة أخرى، و أي جفاف، وأي زلزال، وأي صاعقة، و أي حرب، و أي اجتياح، و أي عدوان .

 

إِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ:

 لكن إياكم ثم إياكم، ثم إياكم أن تفهموا أنه إذا جاء قضاء على يد البشر أن ترضاه، أو ألا تقاومه، هذا كلام يتناقض مع أصول العقيدة، لو أن عدوا اجتاح أرضنا نقول: هكذا أراد الله؟ لا، نحن راضون بمشيئته، لا، هذا عكس ما أراده الله عزوجل، فعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ :

(( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))

رواه أبو داود
 هذا حينما تُغلب، حينما تبذل كل ما تستطيع، ولا تأتي النتائج كما تتمنى، عندئذ تقول: حسبي الله ونعم الوكيل .

 

الحاجة ماسّة إلى هذه الآية بسبب طبيعة العصر :

 بالمناسبة أيها الإخوة، يبدو أننا نحن نعيش عصرا غريبا جدا، هذا التواصل بين البشر، وارتباط المصالح بين المجتمعات جعل العالم بعد أن كان قرية صار العالم بيتا، وبعد أن كان بيتا صار غرفة، العالم الآن كله غرفة واحدة، من سلبيات هذا التشبيه أن كل شيء يحدث في طرف العالم يتأثر له المسلمون أيما تأثر في الطرف الثاني، طبيعة ها العصر عجيبة، هناك قطب واحد وقوي، ولا يرحم، وكل ما يجري في العالم ينتقل أثره إلى كل أنحاء الأرض، لذلك ما من حدث يقع في طرف الدنيا الآخر إلا و له انعكاس في أي مكان في العالم، لذلك هذه الآية نحن الآن في أمسّ الحاجة إليها :

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 166)

كل شيء وقع عن علم وحكمة :

 شيء وقع، رهيب غيّر مجرى التاريخ بإذن الله، زلزال هدم مدينة بإذن الله، بركان أحرق قرية بإذن الله، جفاف أمات الحرث والنسل، بإذن الله، ليس معنى هذا أنا لا نتألم نحن، نتألم، ولكن لا نتهم الله في حكمته، ولنصبر، ونغير ونصحح، و نتوب، ولكن لا يحملنا ما جرى على أن نشك في حكمة الله ورحمته، وفي وحدانيته .

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 166)

 أتمنى أن أضع بعض الأمثلة بين أيديكم: أب، ورحمة الأب لا يُشك فيها إطلاقا، وعالم، وطبيب جراح، وقد التهبت زائدة ابنه، ولا بد من إجراء عملية فورية، لو أن هذا الأب الطبيب الجراح أخذ ابنه إلى المستشفى، وأعطى أمرا لمساعديه أن يفتحوا بطن الابن، خدروه، و جاؤوا بالمشرط، وفتح البطن، وهو ينظر، لو أن واحدا يراقب سكوت الأب، فهناك حكمة بالغة جدا، لأن الأب عالم رحيم في آن واحد، قد تجد عالما لا يرحمك، وقد تجد رحيما لا يعلم حالك .
 أنا ضربت مثلا قبل قليل: الأب المثقف الطبيب الجراح يجتمع فيه العلم والرحمة، فحينما ترى الأب وابنه على طاولة العملية يرى ويسمع وهو صامت، معنى ذلك أن هذا الذي يجري بعلمه وتوجيهه، وبرحمته، ولحكمة بالغة بالغةٍ :

 

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾

 

(سورة آل عمران : الآية 166)

 إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، ولكن عافيتك أوسع لي، حجم أي مصيبة عند الله بأدق دقائقها، بأدق ميزاتها، لماذا ساق الله هذه المصيبة؟ لأن الله عزوجل أول هدف من أهداف الدنيا أنه دار ابتلاء، لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي .

 

وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا

 قال تعالى :

﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ﴾

(سورة آل عمران : الآية 167)

 إذًا الموضوع موضوع فرز، قال تعالى :

 

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 179)

ضرورة الفرز والامتحان كما في غزوة أُحُدٍ :

 الموضوع موضوع فرز .
 شيء آخر في هذا الفرز ينكشف الإنسان في وقت مبكر، فلعله يصحو، إذا ألِفَ طالبٌ أن يغش في الامتحان، ولم يكشفه، يستمرئ هذه الطريقة فلا يدرس، ويأخذ شهادة بشكل مزوّر، وقد يؤذي الناس بشهادته، فإذا كُشف الطالب الذي يغش في الامتحان في وقت مبكر، وتلقى عقابا أليما، وارتدع عن هذا، أليس في هذا خير له ولمجتمعه ؟
 إذًا :

﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ﴾

(سورة آل عمران : الآية 167)

 هناك منافقون ما كانوا ظاهرين، فلما ساق الله هذه المصيبة، فلما انهزم المنافقون في أحُد ظهر نفاقهم وجبنهم وتخليهم عن رسول الله .

 

﴿ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 167)

 إذا كان عندك مكعبات إسمنتية، هي طبخات، وتريد أن تعمر بناء شاهقا، وخيرت أي هذه الطبخات تأخذ؟ ماذا تفعل أنت؟ ما دمت تنوي بناء شامخا تحتاج إلى أعلى مواصفات في الإسمنت، فتأتي بآلة رأيتها في بعض معامل الإسمنت، كلما طبخت طبخة يصب منها مكعب، هذا المكعب يربط من أعلى، وفي أسفله كفة ميزان توضع فيه الأوزان بالتسلسل، على أي وزن انقطع هذا المكعب، فهذه مقاومة هذه الطبخة بالضبط، معنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد بالمؤمنين خيرا، وإذا أراد أن يكلفهم عملا عظيما، وأن يستخلفهم في الأرض، وأن يجعلهم قادة للأمم، لا بد أن يمتحنهم، تأتي هذه الشدائد كي تمتحن المؤمنين .
 كان في القاهرة مثلا ألف طبيب في المستشفيات فرضا، لما جاء زلزال القاهرة هكذا سمعت أو قرأت، هؤلاء الأطباء فروا، منهم من هرب شطر الشمال حيث الأمن والدعة، ومنهم من عمل عشرين ساعة في اليوم لإنقاذ الجرحى والمصابين، فلولا هذا الزلزال لم تكن الأمور غير منكشفة، كلهم أطباء .
 التجار: تأتي أزمة اقتصادية، فهناك من يركب هذه الأزمة، ويثري ثراء فاحشا على حساب مصالح المسلمين، وهناك من يقنع بالربح المحدود فلا يأخذ ما ليس له .
 إذا: الشدائد أو المصائب محك الرجال، تظهر حقيقة الرجال في المصيبة، وهذا شيء بديهي جدا، ما منكم واحد يمتحن مركبة في الطريق النازلة، لا تمتحن المركبة إلا في الطريق الصاعدة .

﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ﴾

(سورة آل عمران : الآية 167)

هذا حال المنافقين في غزوة أُحد :

 المنافقون انسحبوا، ولم يتابعوا السير مع رسول الله، فكانت هذه المعركة مناسبة كي يمتحن بها المؤمنون الصادقون، أو المنافقون .

﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا ﴾

(سورة آل عمران : الآية 167)

 عن أنفسكم هذا العدوان .

﴿ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 167)

حقيقة الأعذار لا يعلمها إلا الله :

 الإنسان منطقي، ويعتذر دائما، ولكن مصداقية هذا الاعتذار لا يعلمها إلا الله، يعتذر، وكل إنسان آتاه الله جدلا بإمكانه أن يقدم آلاف المعاذير، و لكن مدى صدقها هذا لا يعلمه إلا الله .

﴿ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 167)

 كنت أقول دائما: عوام الناس ما عندهم إلا حالتان متعاكستان، أبيض أو أسود، الأشخاص وليّ أو منحرف، لم يتعودوا على أحكام معتدلة، أحكام بين بينَ، أحكام دقيقة، أحكام واقعية، فإذا قلت: هذا الشيء أبيض أو أسود، فأنت أخذت حالتين حادتين، لكن بين اللونين قد تجد مئات الألوان التي بينهما، فهذا حكم دقيق بين بينَ، قال :

﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 167)

هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ

تعلّم الموضوعية في الأحكام

 هو كافر؟ لا، مؤمن؟ لا، لكنه أقرب إلى الكفر منه إلى الإيمان، تأدب بآداب القرآن، عود نفسك أن تعطي حكما متوازنا، نحن ليس عندنا إلا جيد جدا، أو سيئ جدا، هذا في شؤون الزواج، يخطب الخاطب من أسرة يمدحه من في هذه الأسرة، و يمدحه من يعرفه، و يثنون على أخلاقه، وعلى تقواه، و على ورعه، وعلى ذكائه... ينشأ ظرف بين الأسرتين فيفسخ العقد، فإذا به أسوأ الناس، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أُرَاهُ رَفَعَهُ قَالَ :

(( أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا، مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا ))

رواه الترمذي
 هذه الآية تعلمنا الحكم المتوازن، الحكم الموضوعي، الحكم ما له، و ما عليه، المؤمن من صفاته أن رضاه لا يخرجه عن الحق، وأن غضبه لا يدخله في باطل، أما عامة الناس إذا أحبوا إنسانا تعاموا عن كل أخطائه، وإذا أبغضوا إنسانا هجروا له كل أعماله الصالحة، والحالات الحادة من صفات العوام، هذه الحالات الحادة في الحكم هذه ليست من شأن المؤمن، بل المؤمن يذكر ما له وما عليه .
 سيدنا عمر لما ولاه سيدنا الصديق قيل له : <<أتولّي أشد الصحابة علينا؟ قال: أتخوفونني بالله؟ لو سئلت يوم القيامة أقول: يا رب، وليت عليهم أرحمهم، هذا علمي به، فإن بدّل وغيّر فلا علم لي بالغيب >> .
 ما هذا الكلام الدقيق؟ <<هذا علمي به؟ فإن بدّل وغيّر فلا علم لي بالغيب>> .
 أنا أقول: من معاناة حتى المثقفين يبالغون، أي إذا توسموا الصلاح في جهة أسبغوا عليها العصمة، فإذا عانت ما عانت من أعدائها عتبوا على الله، وإذا كرهوا جهة يجعلونها في أسفل سافلين، فعوّد نفسك أن تعطي الشيء ما له، وما عليه، أن يكون حكمك موضوعيا، فالموضوعية قيمة أخلاقية، و قيمة علمية في وقت واحد .

 

﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 167)

 ليسوا كافرين، كما أنهم ليسوا كافرين، لكنهم أقرب إلى الكفر من الإيمان .

 

يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ

﴿ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 167)

الازدواجية مرض خطير :

 هذا النفاق، ازدواجية، كلام يعلن، و معنى يبطن، ابتسامة في وجه شخص، وحقد عليه في القلب، أمام الناس يظهر ورعا، وإذا خلا في بيته ارتكب معصية، وآفة المسلمين الازدواجية، يظهرون ما لا يبطنون، يعلنون ما لا يخفون، حالتهم في خلوتهم غير حالتهم في جلوتهم، هم مع الناس في حال، وفي خلوتهم في حال آخر .

﴿ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 167)

 لذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه :

 

(( من أسر سريرة ألبسه الله رداءها ))

ورد في الأثر
 شخص ركب في بيته جهاز نقل صوت بين المطبخ وغرفة الضيوف، بنية أنه إذا كان مع الضيوف ينادي زوجته: اصنعي لنا شيئا، فجاءه ضيوف ثقلاء، فجاملهم، وجاملهم، وجاملهم، وابتسم في وجوههم، وأثنى عليهم، فلما وصل إلى المطبخ، وكان الجهاز مفتوحا فسبّهم، وكال لهم كل شيء، هذه سريرته نقلت إليهم في حالة حادة جدا، لكن الإنسان أحيانا يبطن شيئا ، ويظهر شيئا، هذه حالة مرَضية .

 

 

لا ازدواجية  عند المؤمن :

 ما في قلب المؤمن على لسانه، وما ينطق به في قلبه، ليس عنده ازدواجية، سريرته كعلانيته، خلوته كجلوته، باطنه كظاهره، فعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ :

(( وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ حَيْثُمَا انْقِيدَ انْقَادَ ))

رواه أحمد
 الإسلام دين الله، لا يحتاج إلى أقبية، يتحدث عنه تحت ضوء الشمس، لأنه الحق، والحق لا يخشى البحث، والحق لا يحتاج أن تكذب له، ولا أن تكذب عليه، ولا أن تقلّل من خصومه، ولا أن تبالغ به، لا تستح به، والحق لا يخشى البحث، و ليس بحاجة إلى مبالغة ولا إلى كذب، عليه أو له، فلذلك المؤمن علاقته واضحة .
 واللهِ أكاد أقول: ليس في حياة المؤمن سر، كل أموره واضحة، ليس عنده شيء يستحيي أن يعرضه على الناس، وشيء يعرضه .
 إذًا :

﴿ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 167)

 لرجل فقير جدا عمّة تملك الملايين، فتوفيت فجأة، وهو وريثها، الكل يقول: عظّم الله أجركم، وشكر سعيكم، وإن شاء الله خاتمة الأحزان، جاءه صديق قال له: تهانينا، يبدو أن الصديق حكى الحقيقة، فنحن عندنا كلام نقوله كثيرا لا نعنيه إطلاقا، بل نعني عكسه، ولكن التقاليد الاجتماعية تسير على هذا، قال له: <<أتحبني؟ قالها رجلٌ لسيدنا عمر، فقال: والله لا أحبك، قال له: هل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي؟ قال: لا والله، قال له: إذًا إنما يأسف على الحب النساء>> .
 المؤمن واضح، إن أحب إنسانا أحبه، وإن رآه منحرفا لا يحبه، ولا يقول له: أنا أحبك، صار تضليلا، أما الآن فيعدّون الشخصية الجذابة هي الشخصية المنافقة، التي ترضي جميع الناس، بل إنهم قالوا بمصطلح حديث نستخدمه أحيانا جاءنا من الغرب: الدبلوماسية، وهي تعبير عن أسوأ النيات بأحلى الألفاظ .
 هؤلاء :

﴿ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 167)

 ومن أسر سريرة ألبسه الله إياها .
 قال تعالى :

﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾

(سورة آل عمران : الآية 168)

الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا

الكافر يشمت بالمؤمن حين المصيبة :

 وهذا شأن البعيد عن الله، يترصد المؤمن، فإذا وقع في مشكلة قال: نصحتك أنه ينبغي ألاّ تكون كذا، وأنت ما طبقت نصيحتي، وأكبر شامت للمؤمن الكافر، المؤمن الصادق لا يستشير كافرا، ولا يهتدي بنصائحه، ولا يتضعضع أمامه، ولا يعرض عليه مشكلته، ومن اشتكى إلى مؤمن فكأنما اشتكى إلى الله، ومن اشتكى إلى كافر فكأنما اشتكى على الله، لا تضعضع أمام كافر، كن متماسكا، لأنه يشمت بك .

﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾

(سورة آل عمران : الآية 168)

 هم ما قاتلوا، لما انهزم المسلمون قالوا :

﴿ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾

(سورة آل عمران : الآية 168)

 نحن رأينا ألاّ نخرج من المدينة .

﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 168)

 هناك صحابة قتلوا في المعركة، هؤلاء الشامتون لا يموتون، لذلك قالوا: لا شماتة في الموت، هذا قدر إلهي على كل العباد، بما فيهم الأنبياء والمرسلون.

 

حقيقةُ الشهيد في سبيل الله:

 قال تعالى :

﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(168)وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ﴾

(سورة آل عمران : الآية 168- 169)

الشهيد حيٌّ يُرزَق عند ربه :

 إياك، ثم إياك أن تقول عن الميت : فقيد، ويحيا حياة بكل معاني هذه الكلمة إذا كان مؤمنا، إذا مات على الإيمان، بل إذا مات شهيدا يحيا حياة بكل ما في هذه الكلمة من معنى، والدليل هذه الآية :

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 169)

 علامة الحياة أنك تُرزق، تأكل وتشرب، و المؤمن بنمط آخر، بآلية أخرى، بنظام آخر، بقوانين أخرى بعد أن يموت حي يرزق، بل حي بأوسع ما في هذه الكلمة من معنى :

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 169)

الشهيد فرِحٌ بفضل الله :

 ليسوا أحياء فقط، بل هم فرحون .

﴿ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 170)

 لكن لا تقل لي: كشفنا عن هذا الميت في القبر فقد فني، هذا الذي في القبر وعاؤه الذي احتواه في الدنيا، أما هو فشيء آخر، النفس لا تموت، أما الذي يموت فالجسم، فهذا الذي تراه في القبر وقد لُفّ في الأكفان فهذا وعاؤه، أما هو إن كان مؤمنا في أعلى عليين، إن كان مؤمنا في روضة من رياض الجنة، إن كان مؤمنا كما قال الله عز وجل :

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39)فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ(40)عَنِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

(سورة المدثر : الآية 38-41)

 فالمؤمن طليق، أما الكافر فرهينُ عمله السيئ .

 

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 169)

 لكن عند ربهم، لا في هذه الدنيا الفانية، لا في هذه الدنيا المتعبة، التي كلها هموم ومتاعب ومصائب، لذلك فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ :

 

(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ: مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ ))

 

﴿ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 170)

يستبشر بإخوانه الذين لم يلحقوا به :

 كما قال الله عزوجل في حديث قدسي ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ :

(( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَه ))

رواه البخاري
 فهؤلاء حينما عرفوا ما عند الله من نعيم لا يزالون في القبر، قبل الجنة ، القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران، هو حينما توفاه الله على الإيمان، كان في جنة، كان قبره جنة، لذلك فرح بما آتاه الله من فضله، واستبشر باللذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، مؤمن توفاه الله ، له أصدقاء مؤمنون ، رأى ما رأى من عطاء الله وكرمه ففرح ، استبشر بإخوانه الذين لم يموتوا بعد .

 

لا يخاف من المستقبل ولا يحزن على ما فاته:

 

﴿ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 170)

 هكذا الدنيا .
 نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة .

 

﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

(سورة آل عمران : الآية 171)

 هؤلاء المؤمنون الذين توفاهم الله عزوجل ، أو استشهدوا في قبورهم في جنة ، بل إنهم في جنة يتمنون معها لو أن المؤمنين الذين تركوهم يعلمون حقيقتهم ، فهم يستبشرون لهم بهذه الجنة .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018