الخطبة : 0914 - الإحسان . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0914 - الإحسان .


2004-01-30

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، ومن تبعهم إلى يوم الدين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
 اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الإحسان :

 أيها الإخوة الكرام: متابعةً للموضوع الذي طرح في الأسبوع الماضي حول الخُلُق الحسن، الذي هو جزء كبير جداً من الدين، وأن الإيمان هو الخُلق، وأن من زاد عليك في الخُلق زاد عليك في الإيمان، نواصل الحديث اليوم عن خُلُقٍ نادر، فُقِدَ من حياة المسلمين، وأصبح غريباً في أرض الإسلام، ونادراً ما تجده ينفذ في العالم الإسلامي، وأصبح الملتزمون بهذا الخُلق قلة، وتجد الذين يتقنون هذا الخُلق معظمهم ليسوا من المسلمين، وهذا مما يدعو إلى الألم الشديد، فما هو هذا الخُلق؟

 

 إنه الإحسان.

المفهوم القرآني للإحسان :

 بالمفهوم البسيط، الإحسان: أن تعطي من مالك للآخرين.
 ولكن الإحسان بالمفهوم القرآني: أن تتقن عملك.
 الإحسان: هو الإتقان، بدليل قول الله عز وجل:

 

﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾

( سورة السجدة : 7)

 أي أتقن كل شيء خلقه.

 

 يقول عليه الصلاة والسلام:

((إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه))

[ حديث أخرجه أبو يعلى، وفيه رجل مختلف فيه ]

 هذا المتقِن لعمله يحبُّه الله، فالإتقان قوة.

 سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مرَّ ببلدة فلم يجد في الفعاليات التي تعمل في حقل الحياة إلا غير المسلمين، فلما عنف المسلمين واعتذروا كما يعتذر الكسالى، قال لهم: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم؟

 أيها الإخوة الأكارم: إن الله يأمر بالعدل والإحسان، والإحسان بأدق مفهوماته القرآنية، هو الإتقان.
 قال تعالى:

﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾

( سورة السجدة : 7)

 أي الذي أتقن كل شيء خلقه.
 قال تعالى:

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

( سورة النمل : 88)

آيات الإحسان في القرآن :

 يقول الله عز وجل:

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران : 134)

﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

(سورة الأعراف : 56)

﴿ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة هود : 115)

﴿ هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إلا الإحْسَانُ ﴾

( سورة الرحمن : 60)

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾

( سورة النحل : 128)

 معهم بالتوفيق، والتأييد، والرعاية، والحفظ، والنصر، قال تعالى:

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

( سورة يونس : 26)

 والزيادة هي رؤية وجه الله الكريم، الحسنى هي الجنة، والزيادة رؤية وجه الله الكريم.

شمولية مفهوم الإحسان :

 أيها الإخوة الأكارم: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، قد تعجبون لهذا التعميم، الإحسان يشمل كل شيء، بدءاً من عبادتك، وانتهاءً بصنعتك، الإحسان هو الدين كله:

 

((إِنَّ الله كتبَ الإِحسانَ على كل شيء، فإِذا قَتَلتم فأَحسِنوا القِتْلة، وإِذا ذَبَحْتُم فأحسنوا الذَّبحَ))

[ من حديث صحيح، أخرجه مسلم والترمذي ]

 هل يُتَصوَّر أن في القتل إحسان؟
 إن أردت أن تقتل حيواناً فينبغي أن تحسن حتى في القتل، إن أردت أن تذبح حيواناً شرع لك ذبحه، فينبغي أن تحسن الذبح.
 لذلك: الإحسان يشمل كل شيء، مفهوم شمولي واسع جداً، من هنا جاءت هذه الآيات العديدة، التي تكاد تبلغ عشر آيات، تتحدث عن أن المحسنين يحبهم الله عز وجل، والله معهم، ولهم الجنة، والله عز وجل يؤيدهم.

نية الإحسان لا تكفي :

 أيها الإخوة الأكارم: شيء دقيق جداً، هو أن نية الإحسان لا تكفي:

 

 عن شداد بن أوس رضي الله عنه، قال : ثِنتان حَفِظتُهُما عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، قال:

((إِنَّ اللهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فَإِذا قَتلتُم فأحسِنُوا القِتلة، وَإِذا ذَبحتُم فأحْسِنُوا الذَّبحَ، وليُحدَّ أحدُكم شَفرَته، ولْيُرِحْ ذبيحَته))

[ حديث صحيح، أَخرجه مسلم والترمذي ]

 لابدَّ من أدوات الإحسان، ولابدَّ من أن يكون الإحسان عملياً، وليس نوايا طيبة فحسب.

من عجائب الإحسان الإلهي :

 أيها الإخوة الأكارم: الله عز وجل يقول:

 

﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾

( سورة السجدة : 7)

 وهذه نماذج من إحسان الله عز وجل في خلقه:

حماية العين من البرودة :

 قد يعيش الإنسان في بلاد الشمال، حيث تنخفض الحرارة فتصل إلى سبعين تحت الصفر، فكل شيء يغطى بأقمشة وأصواف، وقفازات، وقبعات، وجوارب، وألبسة صوفية، ولكن هل يستطيع الإنسان في تلك البلاد أن يغطي عينيه؟
عيناه تلامس هواءً درجته سبعون تحت الصفر، لذلك أودع الله في ماء العين مادةً مضادةً للتجمد، لأن الله أحسن كل شيء خلقه.

 

تمدد الماء عند التجمد :

 هذا الماء شأنه كشأن أي عنصر في الأرض، إذا تبرد انكمش، لكنه ينفرد من بين كل العناصر أنه إذا وصل إلى درجة أربعة تنعكس الآية، ويتمدد، ولولا هذه الخصيصة في الماء لما كنا في هذا المسجد، ولا كانت حياة على سطح الأرض.

 

 

منقار الصوص المؤقت :

 هذا الصوص الصغير في البيضة، كيف يخرج؟
 ينمو له نتوء في منقاره كالإبرة، يكسر بها قشرة البيضة، فإذا خرج، ضمر هذا النتوء وتلاشى، وكأنه لم يكن.

 

 

 لو أردت أن تفكر في ملكوت السماوات والأرض لوجدت دقة في خلق الله تأخذ بالألباب، قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (*)ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾

( سورة الملك : 3-4)

ابتلاع اللعاب أثناء النوم :

 أيها الإخوة الأكارم: وأنت نائم يتجمع اللعاب في فمك، تذهب إشارة إلى الدماغ أن اللعاب تجمع في الفم، فيأتي أمر إلى لسان المزمار، فيفتح المريء، ويغلق القصبة الهوائية، ويمر اللعاب إلى المعدة، وتعاد هذه الكرة، تعاد هذه العملية مئة مرة في الليلة، وأنت نائم غارق في النوم.

 

التقلب أثناء النوم :

 لو دققت في خلق الإنسان، وأنت نائم، هيكلك العظمي مع ما فوقه من عضلات يضغط على ما تحته من عضلات، فتضيق الأوعية الدموية، وإذا ضاقت ضعفت التروية، وشعر الإنسان بتنميل واخضرار، تأتي إشارة من مراكز الضغط في الجسم إلى الدماغ فيعطي الدماغ أمراً، فينقلب النائم من جهة إلى جهة، قال تعالى :

 

 

﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ﴾

( سورة الكهف : 18)

 وأنت غارق في النوم:

﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾

( سورة السجدة : 7)

تحديد جهة الصوت :

 أيها الإخوة الأكارم: خلق الله لك عينين لترى البعد الثالث، لترى العمق، وخلق لك أذنين لتعرف جهة الصوت، ففي دماغ الإنسان جهاز بالغ الدقة، إذا جاءك صوت من الخارج يحسب تفاضل الصوتين في وصولهما إلى الأذنين، والتفاضل واحد على ألف وستمئة وعشرين جزءاً من الثانية، فتعرف أنت جهة الصوت، أليس هذا هو الإتقان بعينه؟

 

آلية كشف الروائح :

 عشرون مليون نهاية عصبية شمية، كل نهاية تنتهي بسبعة أهداب، والهدب مغطى بمادة تتفاعل مع الرائحة، من تفاعلها مع الرائحة يتشكل شكل هندسي يذهب إلى الدماغ، ويعرض على عشرة آلاف بند في الذاكرة الشمية، فإذا توافق الرمز مع رمز في القائمة عرفت أن هذه رائحة الياسمين مثلاً، قال تعالى:

﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾

( سورة السجدة : 7)

كيف نتخلق بخُلق الإحسان :

 أيها الإخوة الأكارم:

﴿ وأحسن كما أحسن الله إليك ﴾

(سورة القصص، 77)

 أحسن في كل شيء، الإحسان هو الدين كله، أحسن عبادتك، وأحسن صنعتك، وأحسن علاقاتك، أحسن إلى كل من حولك، وأحسن كما أحسن الله إليك.

الإحسان في العبادة :

 أولاً، الإحسان في العبادة، فينبغي أن تؤدى العبادة كما قال عليه الصلاة والسلام حينما جاءه جبريل، وعلمه قواعد الإيمان والإسلام، فسأله عن الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
 إذا كان عندك ضيف ذو شأن، كيف ترتدي أجمل ثيابك أمامه؟ كيف تنتقي أجمل الكلمات في مخاطبته؟ كيف تنتقي له أطيب ضيافة دون أن تشعر؟
 مادمت في حضرة إنسان له شأن في الحياة تعتني بهندامك وبكلامك وبضيافتك، فمن باب أولى أن تكون كذلك أثناء العبادة.
 يقول النبي عليه الصلاة والسلام حينما سأله جبريل: ما الإحسان؟ قال:

((أن تعبدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تَراه، فإنه يَراكَ))

[ من حديث صحيح، أخرجه مسلم والترمذي ]

 لو أن الإنسان يشعر أن الله يراقبه دائماً، لكان كلامه غير الكلام الذي يتفوه به، ولكانت جلسته ولكان حديثه، ولكانت حركاته وسكناته في شكل آخر.

الإحسان مع الوالدين :

 أيها الإخوة الأكارم: قال تعالى:

 

﴿ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾

( سورة الأنعام : 151)

 لعلماء البلاغة وقفة رائعة عند الباء، هذه الباء باء الإلصاق، يعني ينبغي أن يكون الإحسان إلى والديك من قبلك بالذات، لا أن تكلف إنساناً ليقدم لهما هدية، أو يأخذهما إلى مكان جميل، عليك أن تقوم أنت بخدمتهما.

 أيها الإخوة الأكارم:
 عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال:

((أقبل رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبَايِعُكَ على الهجرة والجهاد، أبتَغِي الأجرَ من الله، قال: فهل من والديك أحد حَيٌّ؟ قال: نعم، بل كلاهما حَيٌّ، قال: فتبْتَغِي الأجرَ من الله؟ قال: نعم، قال: فارجع إلى وَالِدَيْكَ فأحْسِنْ صُحْبَتَهُما))

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 الإحسان في العبادة، والإحسان إلى الوالدين:

((ما برَّ أباه من سدَّدَ إليه الطرف بالغضب))

[ حديث أخرجه الطبراني، وفيه رجل متروك ]

 يعني: نظرك إلى أبيك وأمك، يجب أن يكون مؤدباً، كلامك مع أبيك وأمك يجب أن يكون مؤدباً، لو أن في اللغة كلمة أقل من: أف، لقالها الله عز وجل:

﴿ فلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾

( سورة الإسراء : 23)

الإحسان مع البنات :

 عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((ما من مسلم تدرك له ابنتان، فيحسن إليهما ما صحبتاه أو صحبهما، إلا أدخلتاه الجنة))

[ من حديث صحيح الإسناد، أخرجه الحاكم في مستدركه ]

 الإحسان إلى البنت والأخت معاً.
 قد يكون الأب متوفى، وقد تكون الأخت عانساً، وليس لها إلا أخوها، فإذا كانت عنده ينبغي أن يحسن إليها كما يحسن إلى ابنته.

 أيها الإخوة الأكارم: لما تزوجت السيدة فاطمة من سيدنا علي كرم الله وجهه، كان البيت بعيداً عن المسجد، وعن بيوتات النبي عليه الصلاة والسلام، فذهب النبي عليه الصلاة والسلام إلى أحد أصحابه ممن كان يمتلك بيتاً بجوار المسجد النبوي، وقال له النبي عليه الصلاة والسلام: إني لا أطيق فراق فاطمة، فهل أشتري منك البيت؟
 يعني أراد أن يكرم ابنته بأن تكون إلى جواره، هذا من الإحسان إلى البنت.

الإحسان في التحية :

 قال تعالى:

﴿ َإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾

( سورة النساء : 86)

الإحسان في الجدال :

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((أنا زعيم ببيت في رَبَض الجَنَّة، لمن ترك المِراء وإن كان مُحِقّاً))

[ من حديث أخرجه أبو داود بإسناد صحيح ]

 لأن الله عز وجل يقول:

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾

( سورة النحل : 125)

 الموعظة حسنة، أما الجدال فبالتي هي أحسن.
 الجدال فيه خصومة، الجدال فيه نفوس، وكل إنسان ربط أفكاره بكرامته، لا يتراجع بسهولة مادام الموقف موقف جدال، قال تعالى:

 

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾

( سورة النحل : 125)

 النبي عليه الصلاة والسلام جاء من يعرض عليه طبيباً يشفيه من جنون، توهمته قريش مجنوناً، جاء من يعرض عليه ملكاً أو مالاً، فقال عليه الصلاة والسلام:
 قل يا أبا الوليد، أنا أستمع لك.
 فلما انتهى من كلامه قال:
 يا أبا الوليد، أفرغت من كلامك؟

 أرأيت إلى هذا اللطف في الحديث مع الآخرين؟ الإحسان في الكلام، الإحسان في الجدال، الإحسان إلى الزوجة، الإحسان إلى البنت، الإحسان إلى الأخت، الإحسان إلى الوالدين، الإحسان في العبادة، قال تعالى:

﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾

( سورة الإسراء : 53)

 ينطق إنسان بكلام فيه سخف، فإذا قلت: هذا سخف بسخف جرحته، انتقِ كلمةً لا تجرحه، قل مثلاً: لي رأي آخر سأسمعك إياه، قل الذي تريده بقالب لطيف، بقالب فيه إحسان، فيه رقة، فيه تلطف، قال تعالى:

﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾

( سورة الإسراء : 53)

الإحسان في الدعوة :

 تروي كتب السيرة أن رجلاً صحب النبي عليه الصلاة والسلام اسمه زاهر، كان دميم الخلق، وقاسياً في المعاملة:
 عن أنس:

((أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهراً، وكان يهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الهدية فيجهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن زاهراً باديتنا ونحن حاضروه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه، وكان دميماً، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال: أرسلني، من هذا؟ فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من يشتري العبد؟ فقال: يا رسول الله، إذاً تجدني كاسداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لكنك عند الله لست بكاسد، أو قال: لكنْ عند الله أنت غالٍ))

[ حديث أخرجه أحمد، ورجاله رجال الصحيح ]

 ما هذه الرقة؟ ما هذه المداعبة لرجل عاش في البادية؟

 أيها الإخوة الأكارم: قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

( سورة فصلت : 33)

 حتى إذا دعا إلى الله بإحسان، قال تعالى:

﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

( سورة فصلت : 34)

 هناك فرق كبير بين أخلاق الجهاد وأخلاق الدعوة، أخلاق الجهاد أساسها قول الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾

( سورة التوبة : 73)

 أما أخلاق الدعوة فقال تعالى:

﴿ ولا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

( سورة فصلت : 34)

الإحسان في الزواج :

 أيها الإخوة الأكارم: الإحسان يكون في الزواج، فالبطولة كل البطولة أن تحسن اختيار زوجتك، أن تختارها ذات عقل ودين، ذات إيمان وخلق، لا أن تختارها لأسباب أخرى.

 

 أيها الإخوة الأكارم: الإحسان في اختيار الزوجة، والإحسان في معاملة الزوجة، قال الله عز وجل:

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

( سورة النساء : 19)

 فسَّر بعض العلماء هذه الآية أن المعاشرة بالمعروف لا تعني أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها، بل تعني أيضاً أن تحتمل الأذى منها.

 أيها الإخوة الأكارم: أزواج النبي عليه الصلاة والسلام كنَّ يسكنَّ معه حول المسجد، والمنطقة صحراوية، فلما تزوج مارية القبطية، وهي من مصر بلد النيل، بلد النبات الأخضر حول النيل، هيأ لها مسكناً في أجمل واحات المدينة، حيث الخضرة والماء، مراعاةً لبيئتها التي كانت عليها، اختيار المسكن فيه إحسان.
 حتى أن الإحسان يكون في الطلاق، قال تعالى:

﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾

( سورة البقرة : 229)

 فهذا القاضي شريح حينما لقيه صديقه الفضيل قال: يا شريح كيف حالك في بيتك؟ قال: والله منذ عشرين عاماً لم أجد ما يعكِّر صفائي، قال: وكيف ذلك يا شريح؟ قال:
 خطبت امرأةً من أسرةً صالحة، فلما كان يوم الزفاف وجدت صلاحاً وكمالاً، فصلّيت ركعتين شكراً لله على نعمة الزوجة الصالحة، فلما سلَّمت من صلاتي وجدت زوجتي تصلي بصلاتي، وتسلم بسلامي، وتشكر شكري، فلما خلا البيت من الأهل والأحباب دنوت منها فقالت لي: على رِسْلِكَ يا أبا أمية، ثم قامت فخطبت، وقالت:
 أما بعد، فيا أبا أمية، إنني امرأةٌ غريبة لا أعرف ما تحب، ولا ما تكره، فقل لي ما تحب حتى آتيه، وما تكره حتى أجتنبه، ويا أبا أمية، لقد كان لك من نساء قومك من هي كفء لك، وكان لي من رجال قومي من هو كفء لي، ولكن كنت لك زوجةً على كتاب الله وسنة رسوله فاتقِ الله فيَّ، وامتثل قوله تعالى:

﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾

( سورة البقرة : 229 )

 هذا الإحسان في معاملة الزوج.

 

الإحسان في الاستماع :

 قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾

( سورة الزمر : 18)

 حضرتَ درس علم، استمعتَ إلى خطبة، ماذا قيل في هذه الخطبة؟ ينبغي أن تتَّبع أحسن ما قيل فيها من تطبيقات، ومن وسائل، ومن أحكام شرعية.

 أيها الإخوة الأكارم: أن تحسن إلى زوجتك، يقابله أنها في بيتها أيضاً هي عند الله مسؤولة:
 ورد في الأثر:
 اعلمي أيتها المرأة وأعلمي من دونك من النساء، أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله.

 والرجل عليه أن يكون محسناً لأهله، فإنه يسأل عنهم.

الإحسان مع الحيوان :

 أيها الإخوة الأكارم: النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً أضجع شاةً، ثم أخذ يحِدُّ شفرته، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام:

 

((أتريد أن تميتها موتات؟ هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها؟))

[ من حديث صحيح، أخرجه الحاكم في مستدركه ]

 هذا هو الإحسان للحيوان.

 

 أيها الإخوة الأكارم: إن صحَّ أن هناك جهاداً بنائياً فهو الإتقان.

 الأعداء أتقنوا أعمالهم، لأنهم يعبدون المال من دون الله، أتقنوا أعمالهم فملكوا ناصية الأرض، وفرضوا إرادتهم على كل الشعوب، لأنهم أتقنوا، والإتقان جزء من هذا الدين العظيم.
 رجل نصراني هداه الله إلى الإسلام، ونوَّر الله قلبه بالإيمان، ثم جاء إلى بلاد المسلمين، وخالطهم فقال: الحمد لله أني أسلمت قبل أن أرى المسلمين.
 لأنه رأى إساءة، ولم ير إحساناً.

الإحسان في الحرب :

 أيها الإخوة الأكارم: الإحسان يكون حتى في الحرب، يقول عليه الصلاة والسلام، وقد أوصى صحابته الكرام قبيل غزوة مؤتة:

 

((انطلقوا باسمِ اللهِ، لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طِفلاً صغيراً، ولا امْرأةً، ولا تَغُلُّوا، وضمُّوا غَنائمَكم، وأَصلِحُوا وأحْسِنُوا، إن اللَّهَ يُحِبُّ المحْسِنينَ))

[ حديث صحيح، أخرجه أبو داود ]

 هذا الإحسان في القتال، فما الذي يحصل الآن؟

 يقول بعض العلماء: الإحسان هو لُبُّ الإيمان، وروح الإسلام، وكمال الدين، ولو جمعنا فضائل الأعمال كلها، من صلاة وذكر وصيام، لدخلت تحت الإحسان.
 الإحسان في العبادة، الإحسان في المعاملة، في الحقوق الشخصية، في الواجبات الإسلامية، هذا كله يشمله الإحسان.

 أيها الإخوة الأكارم: يقول عليه الصلاة والسلام:

((لا تكونوا إمَّعة))

[من حديث حسن، أخرجه الترمذي]

 من هو الإمعة؟ هو الذي إن أحسن الناس أحسن، وإن ظلموا ظلم، وإن أساؤوا أساء، ولكن يقول عليه الصلاة والسلام في حديثٍ عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((لا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا))

[ حديث حسن، أخرجه الترمذي ]

 أيها الإخوة الأكارم: كما قلت في خطبة سابقة: الأضواء كلُّها مسلَّطة على المؤمن، فحركاته، وسكناته، وعمله، وبيعه، وشراؤه، ولهوه، ومرحه، وجده، وهزله، وحزنه تحت الأضواء الكاشفة، ويمكن أن يكون المسلم داعيةً صامتاً باستقامته على أمر الله، بالإحسان، وإتقان كل شيء، بدأً من العبادة، وانتهاءً بالحرفة.

وأخيراً :

 أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين.

 

* * *

الخطبة الثانية:
 الحمد لله رب العالمين، و أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الإحسان مع القدوة :

 أيها الإخوة الكرام: بقي الإحسان في معاملة النبي عليه الصلاة والسلام، ومن ينوب عنه في نقل العلم؟

 

نماذج ومواقف :

 هذه مواقف من واقع الصحابة الكرام في تعاملهم مع النبي صلى الله عليه وسلم:

 

شرِبَ حتى ارتويت :

 سيدنا الصديق رضي الله عنه قال: كنا في طريق الهجرة، وأنا عطش جداً، فجئت بمذقة لبن، فناولتها للنبي صلى الله عليه وسلم، وقلت له: اشرب يا رسول الله، يقول أبو بكر: فشرب النبي عليه الصلاة والسلام حتى ارتويت.
لم يقل: حتى ارتوى، وهذه إشارة دقيقة جداً، حينما ارتوى النبي عليه الصلاة والسلام، فمن شدة محبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعلقه به قال: حتى ارتويت.
 كيف أن الأم أحياناً إذا أكل ابنها وشبع، كأنها أكلت هي وشبعت؟
 قال: فجئت بمذقة لبن فناولتها للنبي صلى الله عليه وسلم، وقلت له: اشرب يا رسول الله، يقول أبو بكر: فشرب النبي عليه الصلاة والسلام حتى ارتويت.

 

 

لو كان أبا طالب :

 سيدنا الصديق، حينما فتحت مكة، أسلم أبوه، وكان إسلامه متأخراً جداً، وكان قد عمي، فأخذه سيدنا أبو بكر، وذهب به إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليعلن إسلامه، وليبايع النبي عليه الصلاة والسلام، دققوا في لطف النبي، فقال عليه الصلاة والسلام: يا أبا بكر، هلا تركت الشيخ في بيته فذهبنا نحن إليه، فقال أبو بكر: لأنت أحق أن تؤتى يا رسول الله.
 وأسلم أبو قحافة، فبكى أبو بكر الصديق، فقالوا له: هذا يوم فرح، أبوك أسلم، ونجا من النار، فما الذي يبكيك؟ ماذا قال أبو بكر؟ قال: والله كنت أحب أن الذي بايع النبي أبو طالب، وليس أبي.
 تمنى أن الذي بايع النبي ليس أبوه الذي نجا من النار، ولكن أبو طالب، لأن هذا يسعد النبي عليه الصلاة والسلام أكثر.
 أيها الإخوة الأكارم: كان بينهما حب، ونحن عندنا كل شيء، مساجد رائعة، مؤلفات، ندوات، مؤتمرات، ولكن ليس هناك حبّ بين المسلمين.

 

 

الآن يا عمر :

 سيدنا عمر قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنا بعض الصحابة، وأخذ رسول الله بيدي، ومشى، يقول عمر: فوجدت نفسي أقول: والله يا رسول الله إني أحبك، فقال عليه الصلاة والسلام: يا عمر انظر ماذا قلت؟ قلت: والله إني أحبك، فقال: تحبني أكثر من ولدك يا عمر؟ قلت: نعم، قال: تحبني أكثر من أهلك يا عمر؟ قلت: نعم، قال تحبني أكثر من مالك يا عمر؟ قلت: نعم، قال: تحبني أكثر من نفسك يا عمر؟ قلت: لا.
 ليس هناك كذب، ولا مداهنة، ولا دجل، ولا نفاق.
 قال: قلت: لا، فقال: لا يا عمر، لا يكمل إيمانك حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك، يقول عمر: فخرجت، ففكرت، ثم عدت أهتف بها، أهتف بنفسي: والله يا رسول الله، لأنت أحب إلي من نفسي، فقال عليه الصلاة والسلام:

((الآن يا عمر))

[ من حديث صحيح، أخرجه البخاري ]

 قال عبد الله بن عمر: يا أبتِ، ماذا فعلت حتى عدت بها؟ ذهبت، خرجت، ورجعت، وقلت للنبي: أنت أحب إلي من نفسي، ما الذي جرى؟ فقال عمر: يا بني خرجت أسأل نفسي من أحتاج يوم القيامة أكثر، نفسي أم رسول الله؟ فوجدت حاجتي إليه أكثر من حاجتي إلى نفسي، وتذكرت كيف كنت في الضلال، وأنقذني الله به من النار، فقال له عبد الله بن عمر: يا أبتِ، إن نسيت كل شيء عن رسول الله، فما هو الشيء الذي لا تنساه أبداً؟ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن نسيت ما نسيت، فلا أنسى يوم ذهبت إليه أقول له: ائذن لي أن أخرج إلى العمرة يا رسول الله، فقال لي رسول الله: لا تنسني يا أخي من صالح دعائك.
 أرأيتم إلى هذا التواضع؟ وإلى هذا الود؟

 

المرء مع من أحب :

 أيها الإخوة الأكارم: سيدنا ثوبان غاب النبي صلى الله عليه وسلم عنه طوال اليوم، وهو خادمه، وحينما جاء قال له ثوبان: أوحشتني يا رسول الله، وبكى، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: أهذا يبكيك؟ قال ثوبان: لا يا رسول الله، ولكنني تذكرت مكانك في الجنة، ومكاني، فذكرت الوحشة، فقال عليه الصلاة والسلام: يا ثوبان، المرء يحشر مع من أحب.

 

الإحسان مع المؤمنين :

 أيها الإخوة الأكارم:

﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾

( سورة السجدة : 7)

﴿ هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إلا الإِحْسَانُ ﴾

( سورة الرحمن : 60)

 كما أن الله أحسن إليك فمنحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، ينبغي أن تحسن إلى خلقه:
 ورد في الأثر: وإذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي.

 ويجب أن نُمتّن العلاقة بين المؤمنين، ونحن على مشارف العيد.

 أيها الإخوة الكرام: يقول عليه الصلاة والسلام:

((إِيَّاكُمْ وسُوءَ ذَاتِ البَيْن، فَإِنَّهَا الحَالِقَةِ))

[ حديث صحيح، أخرجه الترمذي ]

 وفي رواية:

((أمَا إنَّي لا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعْرَ، ولكن تَحْلِقُ الدَّينَ))

[ من حديث حسن، أخرجه الترمذي ]

 نحن في العيد أيها الإخوة الأكارم، يزور بعضنا بعضاً، هذه الزيارة التقليدية التي هي رفع عتب، وتتمنى أن تضع البطاقة دون أن تجد أخاك في البيت، هذه زيارة مرفوضة، يجب أن تزوره، وأن تجلس إليه، وأن تتفقد شؤونه، وأن تعينه على حاجاته، ثم أن تأخذ بيده إلى الله، أما الزيارات التي فيها ذكر لله عز وجل فهي نوع من العبادة:

﴿ فاذكروني أذكركم ﴾

( سورة البقرة : 152 )

 عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((ما من قوم يقومون من مَجلس لا يَذكرونَ اللهَ فيه، إِلا قاموا عن مثلِ جيفة حمارٍ، وكان عليهم حَسْرَة))

[ حديث صحيح، أخرجه أبو داود ]

 في هذه الأيام القادمة هناك زيارات، وهناك أحاديث، فالأحاديث التي لا جدوى منها، ولا طعم لها، ولا فائدة منها، فضلاً عن أن فيها معصية أحياناً، هذه ينبغي أن نمتنع عنها، وأن يكون ذكر الله عز وجل وما والاه مضمون أحاديثنا كلها.

 قبل أن أختم أيها الإخوة الأكارم، يقول عليه الصلاة والسلام:

((من وجد سعة فلم يذبح فلا يقربن مصلانا))

[ حديث صحيح الإسناد، أخرجه الحاكم في مستدركه ]

 معنى ذلك: أن الأضحية سنة مؤكدة، وعند الأحناف واجبة، فإطعام الطعام عليه أجر كبير في الإسلام، ثم إن توزيع اللحم أفضل من توزيع ثمنه، وهذا العيد مناسبة لذبح الأضاحي، وتقديم بعضها للفقراء الجياع، والله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
 اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمةَ الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، أذلَّ أعداءك أعداء الدين، يا رب العالمين.
 اللهم شتت شملهم، فرق جمعهم، خالف فيما بينهم، اجعل الدائرة تدور عليهم، اجعل تدميرهم في تدبيرهم، يا رب العالمين.
 اللهم أرنا قدرتك في تدميرهم يا أكرم الأكرمين، انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك، حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا، يا رب العالمين.
 اللهم وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى، واجمع بينهم على الخير، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018