الدرس : 011 - قال تعالى - (( والليل إذا يغشى ... )) . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 011 - قال تعالى - (( والليل إذا يغشى ... )) .


2014-09-10

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .
اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

السلامة والسعادة .

أيها الأخوة الكرام ؛ في قوله تعالى :

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

[ سورة الليل الآيات : 1-4]

كل الناس تشترك في حب الصحة والمال والأمان
جواب القسم ، والليل واو القسم .

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

أخوانا الكرام ؛ على وجه الأرض ، تقريباً في سبعة مليارات ومئتي مليون إنسان ، هؤلاء جميعاً تنتظمهم قواسم مشتركة :
ما منهم واحد إلا وهو يتمنى سلامته ، ما في إنسان يحب المرض ، أو الفقر ، أو القهر ، أو يكون فاقد حريته .
السبع مليارات ومئتي مليون هذه أول صفة .
الإنسان بحب يكون غني ، أو قوي ، أو يعيش عمر طويل ، لا يحب المرض ، ولا الفقر ، ولا القهر ، بحب السلامة ، والسعادة ، والاستمرار ، لأنه أعقد آلة بالكون ، الإنسان أعقد آلة بالكون ، تعقيد إعجاز لا تعقيد عجر .

خلايا الدماغ :

بالدماغ في مئة وأربعين مليار خلية سمراء استنادية لم تعرف وظيفتها بعد حتى الآن .
في بالقشرة أربعة عشرة خلية ، هذه خلايا قشرية ، فيها المحاكمة ، فيها الذاكرة ، يعني الذاكرة حجمها بحجم حبة العدس ، تتسع إلى سبع مليارات صورة .
فالإنسان أعقد جهاز بالكون ، تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز ، ولهذه الآلة بالغة التعقيد صانع ، ولهذا الصانع تعليمات التشغيل والصيانة فانطلاقاً من حب الإنسان إلى سلامته ، وحبه لسعادته ، وحبه لاستمراره ، يتمنى سلامته ، لا في مرض ، ولا في فقر ، ولا في قهر ، يتمنى سعادته ، ويكون دخله كبير ، بيته واسع ، زوجته تروق له ، وأولاده أبرار ، ويحب أن يعيش مئة وثلاثين سنة ، فهو يحب سلامته ، وسعادته ، واستمراره ، الجواب الدقيق الفيصل :
سلامته باستقامته ، لكن الاستقامة طابعها سلبي ، أنا ما كذب ، ما ، أنا ما أكلت مال حرام ، ما أذيت إنسان ، الاستقامة سلبية ، لكن أنفقت من مالي هذا عمل صالح ، أنفقت من وقتي ، أنفقت من جاهي ، أنفقت ، أنفقت ، السلامة استقامة ، والسعادة عمل صالح ، أما الاستمرار ، الاستمرار بأولادك .
imaاستمرارك يكون بأولادك فاحرص على دينهمge
أذكر مرة أحد خطباء دمشق ، يخطب بالجامع الأموي توفاه الله ، أقيم ل عزاء بالجامع الأموي ، أنا حضرت العزاء أياماً ثلاثة ، في اليوم الثالث قام ابنه فخطب خطبة لا تختلف عن خطبة أبيه ، أمام ملأ كبير ، أنا والله بكيت ، قلت كلمة ، إذاً الأب لم يمت ، ما دام ترك ولد عالم يدعو الله من بعده لم يمت .
فالإنسان لما يستقيم يحقق السلامة ، لما يعمل عمل صالح حقق السعادة ، لما يربي أولاده يحقق الاستمرار ، آلاف الأشخاص يقول لك الوالد الله يرحمه هيك علمنا ، هيك ربانا وهكذا .

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

شتى يعني ، سبع مليارات ومئتي مليون إنسان ، سبع مليارات ومئتي مليون اتجاه ، كل واحد بذهنه شيء ماشي ، هذا بدو يقيم دعوى على فلان طلع من بيته ، هذا بدو يداوم بوظيفته هذا يرغب يعمل عمل صالح .
مرة قصة مؤثرة جداً ، واحد اضطر إلى ثلاث مئة ألف ليرة ، مين يقرضه المبلغ في عنده مزرعة ، يكتبها له كرهن ، ففي إنسان دفع ثلاثة مئة ألف ، وكتب له المزرعة باسمه المزرعة جميلة جداً ، بتسوى ثلاث ملايين المزرعة ، بعد سنة أو سنتين تأمن المبلغ قدمه المدين للدائن ، قال له : لا كل واحد حقه عنده ، أخذ المزرعة بثلاث ملايين مكان القرض ، فهذا صاحب المزرعة من شدة الألم والقهر أصابته جلطة دماغية وتوفي ، فقبل أن يموت كتب رسالة لهذا الذي اغتصب المزرعة ، فهو بيته بشمال دمشق ، وهذا الذي أدانه أعطاه هذا الدين بجنوبها ، فأوصى ابنه أن تمشي الجنازة من شمال دمشق إلى جنوب دمشق أمام محل هذا الرجل ، والرسالة مكتوب فيها :
أنا ذاهب إلى دار الحق ، إن كنت بطلاً لا تلحقني ، هناك القصاص .
هناك قصاص في الآخرة لن ينجو منه أحد
أخوانا الكرام ، صدقوا ولا أبالغ أن حينما تؤمن بالآخرة إن لم تنعكس كل 180 درجة يكون إيمانك غير صحيح ، إن لم تؤمن بالدار الآخرة ، آمنت بها ، إن لم تؤمن بالدار الآخرة آمنت بها ، إذاً في قصاص ، في حسب ، في عذاب ، في مسؤولية ، البنت تقف فيما ورد في الأثر البنت تقف يوم القيامة ، وتقول : يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي ، هو فلتا ، أهمل تربيتها أعطاها سؤلها ، تكشفت ، أظهرت مفاتنها في الطريق ، يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي ، فلذلك :

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر الآية : 92 ـ 93 ]

قسم ، فالبطولة أن تتحرك وفق منهج الله ، أحب أن أطمئن إخوانا الشباب بالإسلام ما في حرمان ، والدليل :

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة القصص الآية : 50]

الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه
عند علماء الأصول المعنى المخالف الذي يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه ، ما في حرمان ، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها فلذلك الآية تقول :

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا ﴾

الآن ، البشر على اختلاف مللهم ، ونحلهم ، وانتماءاتهم ، وأعراقهم ، وأنسابهم وطوائفهم ، هم عند الله نموذجان فقط ، إليكم التفصيل :

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل الآية : 5 ـ 6 ]

الترتيب معكوس .

﴿ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

الحسنى هي الجنة .

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

[ سورة يونس الآية : 26 ]

صدق أنه مخلوق للجنة ، فاتقى أن يعصي الله ، وبنى حياته على العطاء ، هذه أول زمرة .

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل الآية : 8 ـ 9 ]

الأنبياء أعطوا فملكوا القلوب والأقوياء أخذوا فملكوا الرقاب
لأنه كذب بالحسنى ، كذب بالجنة ، آمن بالدنيا ، بخل ، لم يعطِ ، بنى حياته على الأخذ ، فالمؤمن صدق بالحسنى ، فاتقى أن يعصي الله ، بنى حياته على العطاء ، غير المؤمن كذب بالحسنى بنى حياته على الأخذ ، صار في عنا نموذجين ، والفكرة الدقيقة الخطيرة : إن لم تكن مع الطرف الأول فأنت مع الطرف الآخر ، والدليل :

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُم ﴾

[ سورة القصص الآية : 50 ]

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

إذاً :

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

آمن بالجنة ، اتقى أن يعصي الله ، بنى حياته على العطاء .

﴿ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

كذب بالجنة ، آمن بالدنيا ، استغنى عن طاعة الله ، بنى حياته على الأخذ ، لذلك الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، ومعظم الناس يأخذون ويعطون ، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، والأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، وعامة الناس يأخذون ويعطون .
فلذلك واحد ألف كتاب عن رسول الله صلى الله عليهم وسلم ، قدم له بهذا الإهداء قال :
يا من جئت الحياة ، فأعطيت ولم تأخذ ، يا من قدست الوجود كله ، ورعيت قضية الإنسان ، يا من ذكيت سيادة العقل ، ونهنهت غريزة القطيع ، يا من هيأك تفوقك لتكون واحد فوق الجميع ، فعشت واحداً بين الجميع ، يا من كانت الرحمة مهجتك ، والعدل شريعتك ، والحب فطرتك والسمو حرفتك ، ومشكلات الناس عبادتك .

 

الإنسان زمن .

أخوانا الكرام ؛ حياتنا محدودة ، الإنسان فجأة يرى نفسه على مشارف الموت ، فجأة لأن الزمن يمضي سريعاً ، أنت زمن ولأنك زمن ، أقسم الله لك بمطلق الزمن ، قال :

﴿ وَالْعَصْرِ ﴾

[ سورة العصر الآية : 1 ]

الزمن ينقضي سريعا والموت قريب
جواب القصم أنت خاسر .

 

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا ﴾

[ سورة العصر الآية : 1 ـ 2 ـ 3]

أركان النجاة :

 

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر الآية : 1 ـ 2 ـ 3]

يعني عرف الحقيقة ، آمن .

﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

جعل حركته في الدنيا وفق هذه الحقيقة ، ودعا إليها وصبر على معرفة الله ، وعلى طاعته ، وعلى الدعوة إليه ، هذه الآية سورة العصر لو تدبرها الناس لكفتهم :

﴿ وَالْعَصْرِ ﴾

أقسم الله بمنطلق الزمن ، لهذا المخلوق الأول الذي هو في حقيقته زمن ، كان جواب القسم :

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

يستثنى من هذه الخسارة :

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

عرفوا الحقيقة .

﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

تحركوا وفقها .

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضَ عنا وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018