الخطبة : 0915 - الحب في الإسلام1 ، مقدمة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0915 - الحب في الإسلام1 ، مقدمة


2004-02-13

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
 اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الحُبّ في الإسلام :

 أيها الإخوة الكرام: من المسلَّمات التي لا يختلف فيها اثنان، أن الإنسان عقل يدرِك، وقلب يحِب، وجسم يتحرك، وأن العقل غذاؤه العلم، وأن القلب غذاؤه الحب، وأن الجسم غذاؤه الطعام والشراب.
 وكلمةُ الحب، لعلها أكبر كلمة تأتي بعد كلمة الإيمان، فكيف مُسِخت في هذا الزمان إلى علاقة آثمة بين شاب وفتاة؟ وكيف أن الدنيا تقوم ولا تقعد لتعزيز هذا المعنى الضيق المحدود؟
 أيها الإخوة الكرام: الإنسان إن لم يشعر بحاجة إلى أن يُحِب، وإلى أن يُحَبّ، فليس من بني البشر، لأنه ألغى جزءاً كبيراً من كيانه.
 الإنسان عقل يدرِك، وقلب يحِب، وجسم يتحرك، وغذاء العقل العلمُ، وغذاء القلب الحبُ، وغذاء الجسم الطعامُ والشراب.

 

بناء الكون على الحب :

 إن خلق السماوات والأرض بُنيَ على الحب، يقول الله عز وجل:

 

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

( سورة المائدة : 54)

 إن علاقة الإنسان بربّه مبنية على الحب، ولو أراد الله أن يجبرنا على طاعته لفعل:

﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ﴾

( سورة يوسف : 99)

 ولكنه أراد أن يأتيه الإنسان محباً، أراد أن يأتيه مختاراً، أراد أن يأتيه بمبادرة شخصية، لذلك ما من كلمة في الدين أكبر، بعد كلمة الإيمان، من كلمة الحب.
 وقد نفهم أحياناً بُعْداً جديداً لمسخ الإنسانَ إلى قرد أو خنزير، فهذه أكبر كلمة بعد كلمة الإيمان التي هي الحب، مسخت إلى علاقة آثمة بين شاب وفتاة، وأقيم لها يوم يحتفل العالم كله به عيداً.

موقف الإسلام من الحب :

 أيها الإخوة الكرام: هذه الكلمة، كلمة الحب، تهتز لها أفئدة المؤمنين، وتلهج بذكرها ألسنة العابدين، يوصي بها الأطباء والمصلحون، ويسعى الدعاة إلى الله إلى غرسها في نفوس المسلمين أفراداً وجماعات.
 هذه الكلمة الساحرة ذات الظلال الرقيقة في النفس الإنسانية، ما موقف الإسلام منها؟ هل يعترف الإسلام بعاطفة الحب؟
 إن الإسلام كلَّه حب، فإذا أحبَّ الإنسان فإنه يصبح طاقة تفوق حدَّ الخيال، وإذا أحبَّ فإنه يصبح مرجلاً يغلي، وإذا أحبَّ فإنه يصنع المعجزات.
 وبماذا تميز عصر الصحابة؟ تميز بالحب، فبالحب بذلوا الغالي والرخيص، وبذلوا النفس والنفيس، وبالحب فتحت البلاد، وبالحب انتشر العدل في الآفاق.
 أيها الإخوة الكرام: لا أعتقد أن كلمةً في الإسلام من حيث الأهمية تأتي بعد كلمة الإيمان ككلمة الحب، ولكنها مسخت إلى معصية آثمة، وإلى علاقة محدودة محدودة.
 أيها الإخوة الكرام: المشكلة الخطيرة في المصطلحات، أن كلمة: حب، إذا ذكرت لا تعني إلا ذلك الحب الذي تلهج به أجهزة الإعلام، وتتحدث عنه الأغاني، هذا النوع من الحب بين المرأة والرجل كجسدٍ فقط، ولكن كلمة الحب كلمة أكبر بكثير، إنها غذاء قلب كل إنسان، إنها علة اختياره، إنها سرّ وجوده، إن المحبوبية نظام كبير في هذا الكون.

 

مستويات الحب :

 أيها الإخوة الكرام: الحب مستويات، يبدأ بمحبة الله الذي منحك نعمةَ الإيجاد، ونعمةَ الإمداد، ونعمةَ الهدى والرشاد.
 ثم يأتي كاشتقاق من هذا الحب، حبُّ ذلك الإنسان الذي كان قمّةً في الكمال، حب ذاك الإنسان الذي أجرى الله على يديه هداية البشر.
 حب الله، وحب رسوله.
 ثم حب هذا الكتاب الذي نوَّرَ الله به هذا الكون، قال تعالى:

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ ﴾

( سورة الأنعام : 1)

 وقال أيضاً:

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

( سورة الكهف : 1)

 ثم حب هذه الأسرة التي أنت أحد أفرادها، قال تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ﴾

( سورة الروم : 22)

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَر ُ﴾

( سورة فصلت : 37)

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾

( سورة الروم : 21)

 إن المودة والرحمة بين الزوجين، من آيات الله الدالة على عظمته، ولكن إنسان العصر الذي مُسخ قرداً وخنزيراً يكرس ويعزز الحب الآثم، ويضعف الحب الذي أراده الله بين الزوجين.
 ورد في الأثر:
 أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: الحمد لله الذي رزقني حب عائشة.
 أحبَّ خديجة، وأحبَّ عائشة، وأحبَّ زوجاته، وأحبَّ بناته، هذا الحب أكبر كلمة بعد كلمة الإيمان.
 أيها الإخوة الكرام:
 قال بعض الفلاسفة: أنا أفكر، إذاً أنا موجود.
 ويمكن أن نقول: أنا أحب، إذاً أنا موجود.

 

الحب سرّ المناهج الناجحة :

 أيها الإخوة الكرام: أي دعوة، وأي منهج، وأيّ أطروحة تطرح بين الناس، لا تعتمد أنّ الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، لا تنجح.
 أيّ دعوة لا تخاطب العقل في الإنسان، ولا تخاطب العاطفة في الإنسان، دعوة لا تنجح، دققوا في قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾

( سورة الانفطار : 6)

 إنه يخاطب عاطفته، يخاطب قلبه.

﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾

( سورة الانفطار : 7)

 وهنا يخاطب عقله.

 

 فلا تنجح دعوة على سطح الأرض، إلا إذا اعتمدت أن الإنسان عقل يدرك، وأنه قلب يحب، وأنه جسم يتحرك، يحتاج إلى طعام وشراب، ومأوى وثياب وزوجة.

المعنى الواسع للحب :

 أيها الإخوة الكرام: للحب معنىً واسع جداً.
 هذا العصر فيه تقدم علمي يفوق حدَّ الخيال، قبل قرون، من أجل أن توصل رسالة، كنت تحتاج إلى أشهر، الآن، العالم كله بين يديك، وتحت أصابعك، العالم كله غرفة واحدة، لكن هذا العالم مشحون بالبغضاء، بالحقد، بالكراهية، بالأثرة، فكل جهة، وكل فرد، وكل أمة تريد أن تعيش وحدها، وأن يموت مَنْ حولها، وإذا كان لهذا العصر من سمة صارخة، فهي سمة الكراهية.
 أحياناً يقولون: تطهير عرقي.
 لقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام ماذا يجري الآن فقال:

(( لَيأْتينَّ على الناس زمان، لا يدري القَاتِلُ في أَيِّ شيء قَتَلَ، ولا يدري المقتولُ في أَي شيء قُتِلَ؟ ))

[ من حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 وتشاهدون أنتم كل يوم مئات وألوف البشر يموتون بلا سبب، بل بسبب الكراهية، بسبب الحقد، بسبب البغض، ما هكذا صممت الحياة؟
 أيها الإخوة الكرام: الإنسان حينما يعيش لغيره يسمو عند الله، وحينما يعيش الناس له يسقط من عين الله، فينبغي أن تعيش لغيرك.
 في الحد الأدنى، ينبغي أن تعيش لأسرتك، ولأبناء جلدتك، ولأبناء أمتك، وفي الحد الأعلى أن تعيش لكل الناس:
 قال عليه الصلاة والسلام:

(( لو تعلمون ما أعلم، لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً ))

[ من حديث صحيح، أخرجه الحاكم في المستدرك ]

 لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحمل همَّ البشرية جمعاء.
 لكن الشيء المؤسف الآن، أن كل أمة تتمنى أن يعيش شعبها فقط برفاه، ولو سَحَقَت بقية الشعوب، ولو دمرتهم، ولو أبادتهم، ولو سلبت خيراتهم، تريد أن تعيش وحدها فقط.

 أيها الإخوة الكرام:
 ما من عصر غلبت عليه الأنانية والبغض والحقد كهذا العصر، فلذلك، العلاج هو أن نسمو بأنفسنا إلى الحب الذي أراده الله عز وجل.

 أيها الإخوة الكرام:
 أن يحب الإنسان نفسه لا ضير في ذلك، لأن الإنسان مجبول على حب وجوده، وعلى حب سلامة وجوده، وعلى حب كمال وجوده، وعلى حب استمرار وجوده، ولكن لا يمكن أن يبني وجوده على وجود الآخرين، ولا أن يبني محبته لذاته على بغض الآخرين، ولا أن يبني حرصه على سلامته، على تدمير الآخرين، وينبغي ألاّ يبني حبه في الاستمرار على إنهاء حياة الآخرين.

توجّه القلب الصحيح :

 أيها الإخوة الكرام: القلب محل العواطف، هناك عاطفة الحب، هناك عاطفة البغض، هناك عاطفة الرغبة، هناك عاطفة الرجاء، القلب مفعم بعواطف كثيرة، لكن السؤال الكبير: هذا القلب لمن ينبغي أن يكون؟
 أنا لا أصدق أن على وجه الأرض من لدن آدم عليه السلام إلى يوم القيامة رجلين تحابا كمحبة سيدنا الصديق لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( لو كنتُ متخذاً من أُمَّتي خليلاً، لاتَّخذتُ أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ]

 أهم سؤال: مَن الذي ينبغي أن تحبه؟
 من الذي ينبغي أن تفني شبابك من أجله؟
 من الذي ينبغي أن تجعل صلاتك ونسكك ومحياك ومماتك له؟
 إنه الله رب العالمين، هو أهل التقوى وأهل المغفرة، هو الذي ينبغي أن تحبه وحده، وأن تشتقَّ محبةَ من يلوذ به من محبته.
 حب الله عز وجل هو الأصل، ومن فروع محبة الله حب رسوله:
 قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

(( يا رسولَ الله، لأَنْتَ أَحَبُّ إِليَّ مِن كل شيء، إِلا نَفْسي، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لا، والذي نَفْسي بيده، حتى أكون أحبَّ إِليكَ مِن نَفْسِكَ، فقال له عُمَرُ: فَإِنَّه الآن، والله لأنت أحبُّ إِليَّ مِن نَفْسي، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: الآنَ يا عمرُ ))

[ من حديث صحيح، أخرجه البخاري ]

 هذه المرأة الأنصارية التي بلغها أن النبي عليه الصلاة والسلام قُتل، فانطلقت إلى ساحة المعركة، فإذا أبوها بين القتلى، قالت: ما فعل رسول الله؟ فإذا زوجها بين القتلى، قالت: ما فعل رسول الله؟ فإذا أخوها بين القتلى، قالت: ما فعل رسول الله؟ فإذا ابنها بين القتلى، قالت: ما فعل رسول الله؟ إلى أن وقعت عينها عليه، فقالت: يا رسول الله، كل مصيبة بعدك جلل يا رسول الله.
 هذه امرأة بطلة.

 هذه الماشطة التي أمسك فرعون بأحد أولادها، والقصة في الحديث:
 عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( لما أسريَ بي، مرت بي رائحة طيبة، فقلت: ما هذه الرائحة؟ فقالوا: هذه رائحة ماشطة ابنةِ فرعون وأولادها، كانت تمشطها فوقع المشط من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت ابنته: أبي؟ فقالت: لا بل ربي وربك ورب أبيك، فقالت: أخبر بذلك أبي؟ قالت: نعم، فأخبرته، فدعا بها وبولدها، فقالت: لي إليك حاجة، فقال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنه جميعاً، فقال: ذلك لك علينا من الحق، فأتى بأولادها فألقى واحداً واحداً، حتى إذا كان آخر ولدها وكان صبياً مرضعاً، فقال: اصبري يا أماه فإنك على الحق، ثم ألقيت مع ولدها ))

[ حديث صحيح، أخرجه الحاكم في المستدرك ]

 هذه عرفت من تحب ومن تكره.

 

 قلْ لي ما تحب، أقل لك من أنت.
 قل لي من الذي تحب، وما الذي تحب، أقل لك من أنت.
 أنت مخلوق لمحبة الله، وحينما تحب غيره تحتقر نفسك، أنت مخلوق لمحبة الله، وحينما تتجه إلى غيره تكون قد ازدريت نفسك، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾

( سورة البقرة : 130)

 قد ترفض أشياء كثيرة، لأنك تحتقرها، أو تزدريها، أما إذا رفضت محبة الله فإنك تزدري نفسك، وتحتقر نفسك.

حب المرأة في الإسلام :

 أيها الإخوة الكرام: هل في الإسلام حبُّ المرأة؟
 الجواب: نعم، إِي وربِّي، المسلم يحب المرأة بنتاً من صلبه، يحب المرأة أمّاً كانت سبب وجوده، يحب المرأة أختاً غاليةً عليه، يحب المرأة زوجةً يسكن إليها.
 أما أن تحب امرأةً لا تحلُّ لك، أما أن تحب امرأةً لتعتديَ عليها، فهذا الذي انتهى إليه العالم من الجهل والإثم.
 وبَعد يومين ستكونُ الإعلاناتُ طافحةً بعيد الحب، أيّ حب هذا؟ الحب الآثم، الحب خارج نطاق الزوجية.
 ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها، ليس في الإسلام حرمان إطلاقاً، ولكن في الإسلام تنظيم.
 أيها الإخوة الكرام: الإنسان يحب نفسه، ولكن ينبغي أن لا يحمله حبه لنفسه على أن يهضم حقوق الآخرين.

 

مراقي الحب عند الله :

 أيها الإخوة الكرام: ترقى عند الله بقدر دوائر الحب التي تهتم بها:
 هناك أسرة متفككة، هناك أسرة كل واحد فيها يغنِّي على ليلاه، هناك أسرة كل واحد فيها يبني مجده على أنقاض الآخرين، هذه أسرة ساقطة من عين الله.
 لكن هناك أسرة متماسكة، متحابة، هذا نوع من الحب المشروع، أن يحب الإنسان أهله، أن يحب أولاده، أن يحب بناته، أن يحب أصهاره، هذا نوع من الحب المشروع، وقد حضَّ الإسلام عليه، ولكن يبقى في دائرة ضيقة.

 

 إلا أن الأنبياء أحبوا المجتمع الإسلامي كله، ففي الطائف قال مَلَكُ الجبال:

(( يا محمد، إن الله قد سمع قولَ قومِكَ، وأنا مَلَكُ الجبال، وقد بعثني ربُّك إِليك لتأمرني بما شئت ))

 بالَغوا في الإساءة إليه، بالَغوا في التنكيل به، بالَغوا في تكذيبه، بالَغوا في السخرية منه، وجاء دور الانتقام، جاء مَلَكُ الجبال، وقال:

(( يا محمد، إن الله قد سمع قولَ قومِكَ، وأنا مَلَكُ الجبال، وقد بعثني ربُّك إِليك لتأمرني بما شئت، إنْ شئتَ أطبقتُ عليهم الأخشبين؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرِجَ الله من أَصلابهم مَنْ يَعبد الله وحده لا يُشْرِكُ به شيئاً ))

[ من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 الدين كله حب، وحينما تلغي الحب يصبح الدين جثة هامدة لا معنى له، هذا هو التصحر في الدين، قلب لا يعرف كيف يحب الله، قلب غرق في الجزئيات، قلب غرق في قضايا لا تقدم ولا تؤخر.

آلية عمل الحب :

 أيها الإخوة الكرام: لكي أكون متوازناً، القلب محرك لهذه المركبة، والمحبة حركة تحتاج إلى قيادة من العقل، وقيادة العقل تقتضي أن تبقى المركبة على الطريق الذي هو منهج الله عز وجل.
 كلام دقيق:
 القلب محرك، والعقل مِقوَد، والشرع هو الطريق.
 فإذا استطاع العقل أن يقود النفس إلى شرع الله ومنهجه القويم، مستعيناً بالقلب الذي هو المحرك، فقد حقق الإنسان الهدف من وجوده.
 أمّا من دون محرك فلا قيمة للمِقوَد، ومن دون مِقوَد يكون المصيرُ الحادثَ الأليمَ، ومحرك ومِقوَد من دون طريق معبد لا قيمة لهما.
 العقل هو المِقوَد، والقلب هو المحرك، وشرع الله هو الطريق.
 مهمة العقل أن يقود الإنسان بقوة الحب إلى الهدف الذي رسم له، وأن يبقى على منهج الله عز وجل:

فأحبابنا اختاروا المحبةَ مذهباً  وما خالفوا في مذهب الحب شرعنا

 ليس الولي الذي يمشي على الماء، ولا الذي يطير في الهواء، ولكن الولاية كل الولاية أن يجدك الله وقافاً عند الحلال والحرام، أن يجدك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك.

مراتب الحب الواجب :

 أيها الإخوة الكرام: ينبغي أن نحب الله، لأنه منحنا نعمة الوجود، ثم أمدنا بما نحتاج، ثم هدانا إليه.
 ينبغي أن نحب هذا الإنسان العظيم، الذي هو قمة الكمال البشري، الذي أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور.
 ينبغي أن نحب هؤلاء الصحابة الذين الْتفّوا حوله، وجاهدوا في سبيل الله، وقدموا الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، حتى وصل الإسلام إلى هذه البلاد.
 وينبغي أن نحب المؤمنين، لأن مئات القواسم المشتركة تجمعنا بهم.

 ولو سألتني عن قانون علمي يوضح معنى الحب لأجبتك: إن القواسم المشتركة بين خصائص الشخصيتين كلما ازدادت كلما نما الحب بينهما.
 أنت لا تستطيع أن تجلس مع إنسان يتناقض معك في فكره، وفي قيمه، وفي مبادئه، وفي أهدافه أكثر من دقائق، لكنك تجلس مع أخ مؤمن ساعات طويلة، ولا تشعر بمضي الوقت، لماذا؟
 الجواب: لكثرة القواسم المشتركة بين الشخصيتين.

 

 أيها الإخوة الكرام: وتجب بعد محبة الله، وبَعْد محبة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبعد محبة أصحابه، محبةُ المؤمنين في كل زمان ومكان، فلا تكون مؤمناً حتى تنتمي إلى مجموع المؤمنين، وتحبهم.
 هذا الذي ينتمي إلى فقاعات صغيرة في العالم الإسلامي، ويعادي من سواها، لا لشيء، إلا أنهم ليسوا من جماعته، هذا أفُقُه ضيّق جداً، هذا جاهل جهلاً مطبقاً، إنما المؤمنون إخوة، وما لم يكن انتماؤك لمجموع المؤمنين فلست مؤمناً.

أدلة وجوب حب المؤمن لله :

 أيها الإخوة الكرام:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾

( سورة البقرة : 165)

 أَبَعْدَ هذه الآية آية؟ أبعد هذه الآية دليل؟

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾

( سورة البقرة : 165)

 أيها الأخ الكريم: لا يليق بك أن تحب غير الله، إنك إن فعلت ذلك احتقرت نفسك، أنت مخلوقُ لله، وقد ورد في الأثر القدسي:
 خلقت لك ما في السماوات والأرض، ولم أعيَ بخلقهن أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين؟
 لي عليك فريضة، ولك عليّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفْك في رزقك.
 وعزتي وجلالي إن لم ترض بما قسمته لك فلأسلطنَّ عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً.
 أنت تريد، وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد.

 هذا الشاب الذي أخبره أحدهم أن لكل سيئة عقاباً، وأخطأ خطيئة، وزلت قدمه، فانتظر العقاب من الله، انتظر مرضاً أو حادثاً أو مشكلةً، انتظر طويلاً، فلم يأت شيء، فناجى ربه فقال: يا ربّ، لقد عصيتك ولم تعاقبني، فوقع في قلبه: أن يا عبدي قد عاقبتك، ولم تدرِ، ألم أحرمك لذة مناجاتي؟ ألا يكفيك هذا العقاب؟

 المؤمن حينما يشعر أن الطريق بينه وبين الله سالك، وأن الخط حار بينه وبين الله، وأنه يناجيه أحياناً، ويبتهل إليه، ويمرغ جبهته على أعتابه، هذا مؤمن له عند الله مكانة عالية، هذا محب، لذلك:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

( سورة المائدة : 54)

 أي الذي يحب الله، ويحبه الله، لا يمكن أن يرتدَّ عن دينه:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

( سورة المائدة : 54)

 عن أنس بن مالك رضي الله عنه:

(( أَن رجلاً سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال: متى الساعةُ؟ قال: وما أعددتَ لها؟ قال: لا شيء، إِلا أَنَّي أُحِبُّ اللهَ ورسولَه، فقال: أنتَ مع مَن أحببتَ ))

[ من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 فقال أنس: ما رأيتُ أصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَرِحُوا بشيء أشدَّ منه، لأنهم يحبون الله ورسوله.

 أيها الإخوة الكرام: يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه ))

[ من حديث صحيح، أخرجه الحاكم في المستدرك ]

 ويقول الله عز وجل:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾

( سورة آل عمران : 31)

 علامة محبتك لله اتباع النبي عليه الصلاة والسلام، وإلا فهي محبة كاذبة، قد تخوض بحار الهوى، دون أن تبتل قدماك.
 وما هذا إلا دعوى كاذبة بمعرفة الله، كما قيل:

 

خاضوا بها بحـار الهـــــوى دعـوى فما ابتلوا

 

تعصي الإله و أنت تظهر حبه  هذا لعمري في القياس شنيع
لو كان حبك صـادقاً لأطعته  إن المحب لمن يحب مطيـع

المؤمن يحب خلقَ الله :

 أيها الإخوة الكرام: هل تصدقون أن الإنسان المؤمن يحب الطبيعة أيضاً، الدليل: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبل أحد فقال:

(( أُحُد، جَبَل يُحِبُّنا ونحِبُّه ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ]

 وقال أيضاً:

(( إِنَّ بمكةَ حجراً كانَ يُسَلِّم عَلَيَّ ))

[ من حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 وقف على المنبر فحنّ إليه جذع النخلة الذي كان يقف عليه، فوضع يده عليه فسكن.

 دخل إلى بستان فرأى جملاً قد ذرفت عيناه بالدموع، فعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال :

(( أَردَفني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خَلْفَهُ ذاتَ يومٍ، فأسَرَّ إِليَّ حَديثاً، لا أُحَدِّثُ به أحداً من الناس، وكان أَحَبَّ ما اسْتَتَرَ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لحَاجَتِهِ هَدَفاً أو حائِشَ نَخْلٍ، فدخل حائطاً لرَجُلٍ من الأنصار، فَإِذَا فيه جَمَل، فلما رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم حَنَّ، وذَرَفَتْ عَيناهُ، فأتَاهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فمسحَ ذِفْرَاهُ، فسكتَ، فقال: مَنْ رَبُّ هذا الجملِ؟ لِمَن هذا الجَملُ؟ فجاءَ فَتى مِن الأنصارِ، فقال: لي يا رسول الله، فقال له: أَفلا تَتَّقي اللهَ في هذه البَهيمةِ التي مَلَّكَكَ اللهُ إِيَّاها، فَإِنَّهُ شَكا إِليَّ: أَنَّكَ تُجِيعُهُ وتُدئِبُه ))

[ حديث صحيح، أخرجه أبو داود ]

 من أعظم أخلاق المؤمن أنه يحب خَلق الله كلهم، يحب الطبيعة، يحب الجبال، يحب النبات، يحب الأطيار، يحب كل شيء.
 محبته للطبيعة فرع من محبته لله، هذا خَلق الله، والإنسان بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله.
 أيها الإخوة الكرام: بينما الطرف الآخر من البشر يقولون: قهرنا الطبيعة.
 لماذا تقهرها؟ إنها في خدمتك، إنها مسخرة لك، لقد جعل الله الأرض ذلولاً لك، تستخرج المياه، من أودع في الجبال خزانات المياه؟ من أنزل من السماء ماءً فسالت أودية؟ من أخرج النبات من الأرض؟ من خلق من صلبك طفلاً يمرح بين يديك؟
 هذا الإنسان الجاحد يقول: قهرنا الطبيعة، سيطرنا على الطبيعة، والطبيعة في الأصل في خدمتك، مسخرة لك:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾

( سورة الجاثية : 13)

المؤمن يحب الموت :

 هل تصدقون أن المؤمن يحب الموت؟
 واكربتاه يا أبي؟ قال: لا كرب على أبيكِ بعد اليوم، غداً نلقى الأحبة، محمداً وصحبه.
 الموت عرس، الموت تحفة المؤمن:

(( للصائم فرحتان، فرحة عند فِطْره، وفرحة عند لقاءِ ربِّه ))

[ من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 ماذا بقي من الحب؟ نحب الله، نحب رسوله، نحب أصحابه، نحب المؤمنين، نحب كتابه الكريم، نحب بيوته، المؤمن في المسجد كالسمك في الماء، نحب الطبيعة كلها، نحب نهاية الحياة، لأنها منفذ لسعادة أبدية.
 ما من كلمة أكبر بعد الإيمان من الحب، لكنها مسخت إلى علاقة آثمة بين شاب وفتاة، والعالم كله يمجد هذا اليوم، مع أن الإسلام يؤكد أن قلبك ينبغي أن يخفق بالحب كل دقيقة.
 إن كل البطولات في الأرض سببها الحب، إن كل الإنجازات التي تبدو مستحيلة سببها الحب، إن إنساناً واحداً أحب الله، وبعد خمسة وعشرين عاماً عمّ هداه الأرض:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾

( سورة الأنبياء : 107)

 حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، ماذا فعلت؟ ماذا قدمت لهؤلاء المسلمين؟ هذا الذي ينتمي إلى ذاته إنسان لا يحب الله عز وجل، علامة محبتك لله أن تحب المؤمنين، أن تحمل هموم المسلمين، أن تقدم لهم شيئاً، أن تخفف عن كاهلهم، أن تكون في خدمتهم، أن يكون اختصاصك لراحتهم.
 أيها الإخوة الكرام: حقيقة الموت، قال بعض الشعراء عنها:
 وما الموت إلا رحلة غير أنها من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي

 نحن مُركَّب في أعماقنا أن الموت عدم؟ لا: قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ﴾

( سورة الملك : 2)

 والعدم لا يخلق.

﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ ﴾

( سورة آل عمران : 169)

 بكل ما في هذه الكلمة من معنى:

﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾

( سورة آل عمران : 169)

 الموت ليس عدماً:

﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

( سورة هود : 7)

وما الموت إلا رحلة غير أنها من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي

أهمية موضوع الحب :

 أيها الإخوة الكرام: موضوع الحب كبير جداً، بقدر عظمة الإسلام، موضوع الحب مهم جداً، لأنه ثلث الإنسان، واللهِ ما كنت أظن أن مسخ الإنسان قرداً أو خنزيراً له هذا البعد، يبقى على هيئة البشر، ولكن همومه كهمّ القرد أو الخنزير، ليس غير، كأنه مسخ قرداً وخنزيراً.
 أيها الإخوة الكرام: ينبغي أن نحب، وفي خطب قادمة إن شاء الله سأتحدث عن المنهج الذي به تحب الله، وسأتحدث عن الموضوعات التي إذا فعلتها يحبك الله، فإذا وصلت إلى الله وصلت إلى كل شيء:
 ورد في الأثر: ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتُّك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء.
 يا ربّ ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟
 إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟

 

وأخيراً :

 أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين.

* * *

الخطبة الثانية:
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحب في الله :

أيها الإخوة:
 عن أبي مسلم قال: قلت لمعاذ: والله إني لأحبك لغير دنيا أرجو أن أصيبها، ولا قرابة بيني وبينك، قال: فلأي شيء؟ قلت: لله. قال: أبشِرْ إن كنت صادقاً، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

(( المتحابون في الله، في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، يغبطهم بمكانهم النبيون والشهداء ))

 قال: فلقيت عبادة بن الصامت، فحدثته بحديث معاذ، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن ربه تبارك وتعالى:

(( حقت محبتي على المتزاورين فيَّ، وحقت محبتي على المتحابين فيَّ، وحقت محبتي على المتناصحين فيَّ، وحقت محبتي على المتباذلين فيَّ، هم على منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء والصديقون ))

[ حديث صحيح، أخرجه أحمد والحاكم في مستدركه ]

 الإنسان الذي لا يشعر بحاجة إلى أن يُحِب، أو إلى أن يُحَبّ، ليس من بني البشر.
 أيها الأخوة: يقول الله عز وجل:

﴿ الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا الْمُتَّقِينَ ﴾

( سورة الزخرف : 67)

 محبة المتقين محبة أبدية، بينما محبة المنتفعين محبة آنية، تنقضي المحبة بانقضاء المصلحة:

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (*)يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (*)لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ للإنْسَانِ خَذُولاً ﴾

( سورة الفرقان : 27-29)

 أيها الإخوة الكرام: آيات كثيرة، وأحاديث كثيرة، تتحدث عن محبة الإنسان لربه، وعن محبته لإخوانه، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن ننتفع بهذه الحقيقة الأخيرة.

 

أسباب العداوة والبغضاء :

 للعداوة والبغضاء أسباب في القرآن الكريم، قال تعالى:

 

﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾

( سورة المائدة : 14)

 للعداوة والبغضاء أسباب، وللعداوة والبغضاء قوانين:

﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾

( سورة المائدة : 14)

 هذا على المستوى الجماعي، أما على المستوى الفردي:

(( ما توادَّ اثنان فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما ))

[ من حديث أخرجه أحمد بإسناد حسن ]

 ينطبق هذا على الزوجين أيضاً.
 إن رأيت عداوة أو بغضاء على مستوى أممي فابحث عن المعاصي والآثام، وإن رأيت عداوة أو بغضاء على مستوى فردي فابحث عن المعصية والإثم.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال، لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
 اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمةَ الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعزَّ المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، أذل أعداءك أعداء الدين يا رب العالمين.
 اللهم شتت شملهم، فرق جمعهم، خالف فيما بينهم، اجعل الدائرة تدور عليهم، اجعل تدميرهم في تدبيرهم يا رب العالمين.
 اللهم أرنا قدرتك في تدميرهم يا أكرم الأكرمين، انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا يا رب العالمين.
 اللهم وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى، واجمع بينهم على خير، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018