عطر السنة - الندوة : 11 - الصبر 1 - حقيقة الصبر . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠06برنامج عطر السنة - قناة إقرأ
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

عطر السنة - الندوة : 11 - الصبر 1 - حقيقة الصبر .


2014-09-11

مقدمة :

المذيع:
 أعزائي المشاهدين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، مرحباً بكم إلى حلقة جديدة من :"عطر السنة" ، في هذه الحلقة المباركة نتفيأ حدائق النبوة العطرة ، ونستنشق من عبيرها الكريم ما ييسر الله عز وجل من فم أستاذنا الكريم الدكتور محمد راتب النابلسي ، أرحب بكم فضيلة الأستاذ .
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم ونفع بكم .
المذيع:
 أعزائي المشاهدين حديثنا اليوم عن الصبر ، وعن حديث النبي صلى الله عليه وسلم :

((الصبر شطر الإيمان ))

[ صحيح عن عبد الله بن مسعود]

 وفي حديث آخر متفق عليه ، عن أبي سعيد الخدري يقول النبي صلى الله عليه وسلم :

(( ومن يتصبر يصبره الله ))

[متفق عليه عن أبي سعيد الخدري]

 أستاذنا الكريم نريد أن نستنشق هذا العطر المحمدي على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم ، أقام النبي صلى الله عليه وسلم بنيان الإسلام على الصبر ، وعظّم هذه الشعيرة العظيمة ، وهذا مبدأ من مبادئ التدين ، ما هو الصبر ؟

 

حقيقة الصّبر :

الدكتور راتب :
 لو جلس مريض يشكو من أسنانه عند طبيب الأسنان ، وكان سن هذا المريض لا يسمح له بالمخدر ، وأقنع الطبيب مريضه بهذا ، الآن هناك ألم ما الذي يحمل هذا المريض على الصبر ؟ قناعته أن هذا الألم لابد منه ولصالحه ، لأن قلبه لا يتحمل المخدر ، فأنا أفهم أن الإنسان حينما يفهم على الله حكمته يفهم على الله أفعاله وقد تكون سلبية ، وقالوا : الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين . فأحياناً الإنسان تقتضي الحكمة أن يكون في وضع معين قد لا يرضيه ، أو أن يكون بحاجة إلى مال يكفيه ، أو إلى صحة تسعده ، تكون الأحوال التي يمر بها الإنسان ليست كما يتمنى أي إنسان ، لكن لأن المؤمن يفهم على الله حكمته ، ويفهم أن كل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، فحينما نوحد نصبر ، حينما نرى أن يد الله تعمل وحدها نصبر ، حينما نرى أنه لا ظلم اليوم نصبر .
المذيع:
 المؤمن يصبر لأنه يفهم على الله حكمته
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :

((الصبر شطر الإيمان ))

الدكتور راتب :
 لذلك :

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

[ سورة هود: 123 ]

 الأمر ، ال الجنس أي أمر من دون استثناء ، كله توكيد ، فاعبده ، متى أمرك أن تعبده ؟ بعد أن طمأنك ، فالإنسان حينما يؤمن بالله واحداً كاملاً موجوداً ، ويؤمن بأسمائه الحسنى وصفاته العلا يؤمن بكماله المطلق ، هو ذات كاملة ، لا يقع شيء في الكون إلا بأمره وبعلمه ، لذلك قالوا هذه المقولة : التوحيد ، كل شيء وقع في القارات الخمس من آدم إلى يوم القيامة أراده الله ، أي سمح به ، أريد أن أوضح كلمة سمح به ، طبيب تزوج وأنجب لكن هذا الطفل آية في الجمال تعلق به تعلقاً مذهلاً ، ثم اكتشف الأب أنه بحاجة إلى استئصال الزائدة ، فهذا الطبيب على الرغم من محبته المفرطة لابنه يسمح بشق بطن ابنه ، وتخديره ، واستئصال الزائدة ، وكل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع .
المذيع:
 أستاذنا هذا صبر مع إدراك لحقيقة سبب الصبر .

 

إدراك حقيقة الصبر يدفع الإنسان إلى الإيمان العميق بالله :

الدكتور راتب :
 مع إدراكه لحقيقة الصبر ، أما قد لا يفهم حكمة ما أصابه :

﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾

[سورة التغابن: 11]

 

وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ

إلى حكمتها ، أنا حينما أؤمن أنه لا فعال إلا الله ، ولا شيء يقع إلا بأمره ، وبحكمته ، وبرحمته ، وبعدله ، هذا الإيمان الدقيق والعميق ، هذا يحملني على أن أرضى ، لذلك الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين.
المذيع:
 أستاذنا أحياناً يكون الصبر ملكة ، وأحياناً يكون تكلفاً ، وأحياناً يكون شاقاً ، وأحياناً يكون يسيراً ، لماذا هذا التفاوت في وجود الصبر بين الناس ؟

 

تفاوت الصبر عند الناس :

الدكتور راتب :
 والله أنا مضطر أن أعزو هذا التفاوت إلى تفاوت الإيمان ، الذي آمن بأن الله وحده هو المتصرف ، ولا يد تعمل إلا يد الله عز وجل :

﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾

[ سورة الأنفال : 17 ]

 الذات الكاملة لا يمكن أن يصدر عنها شيء ناقص ، كمال الخلق يدل على كمال التصرف ، لو فرضنا اشترينا من شركة عملاقة كمبيوترات ، مئة ألف كومبيوتر ، صفقة كبيرة لدولة ، هذه الصفقة الكبيرة لا يمكن أن تجري كما يجري شراء بطيخة ، تعطيه مبلغاً يعطيك البطيخة ، يكون هناك إجراءات معقدة ، أمر شراء ، مواصفات ، ضمانات ، تعليقات ، كمال الخلق يدل على كمال التصرف ، أنا حينما أؤمن أن الله عظيم وحكيم وعادل ، ولا يد إلا يد الله، ولا فعال إلا الله ، ولا معطي إلا الله ، ولا مانع إلا الله ، ولا معز إلا الله ، ولا مذل إلا الله ، حينما أؤمن بهذا الإيمان أفهم المصائب فهماً آخر .
 كمال الخلق يدل على كمال التصرف
لذلك هناك مصائب الأنبياء ، مصائبهم مصائب كشف ، ينطوي هذه النبي على كمال لا يبدو بالحالة العادية ، أنت تركب سيارة ، مئة وعشرون حصاناً ، هذه لا تبدو بالطريق الهابطة ، ولا في الطريق المستوية، بالطريق الصاعدة ، فهناك صفات لا تظهر إلا عند المصائب ، إنسان يمشي على قدميه إلى الطائف ، يمشي ثمانين كيلو متراً ليدعوهم إلى الله لهدايتهم ولسعادتهم في الدنيا والآخرة ، فبالغوا بتكذيبه ، وبالسخرية منه ، وأغروا صبيانهم أن يضربوه ، حتى سال الدم من قدميه الشريفتين . لأنه يتألم على بني البشر هؤلاء الذين تفننوا في تكذيبه ، وفي السخرية منه ، بل تفننوا في ضربه ، حتى سال الدم من قدمه الشريف ، الله عز وجل سوف يرينا من هو النبي ، فأرسل له ملك الجبال ، ملك الجبال قال : يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك ، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين ، فقال: لا يا أخي :

(( اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمونَ ))

[ متفق عليه عن عبد الله بن مسعود ]

 مصائب المؤمنين دفع ورفع
هذا صبر الأنبياء ، أما صبر المؤمنين فدفع أو رفع ، مصائب المؤمنين من نوع آخر ، مصائب الأنبياء من نوع الكشف ، أما المؤمنون فدفع ورفع ، هو يمشي إلى الله بسرعة بطيئة ، فإذا أراد الله أن يسعده بالآخرة يلوح له شبح مصيبة فيضاعف السرعة ، صلى قيام الليل، غض بصره غضاً حازماً ، ضبط لسانه ضبطاً شديداً ، مصائب المؤمنين مصائب دفع إلى مزيد من طاعة الله ، إلى مزيد من الورع ، إلى مزيد من العمل الصالح ، دفع ورفع ، قد يستطيع الإنسان أن يعمل عملاً كبيراً رضي بعمل قليل ، تأتي مصيبة للمؤمن يرفع مستوى عمله ، مصائب الأنبياء كشف ، مصائب المؤمنين دفع ورفع ، أما الطرف الآخر فردع وقصم تأتي مصيبة لإنسان كفر بالله لعله يرتدع بها إن لم يرتدع يقصم :

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾

[ سورة الأنعام: 44]

 لذلك المصائب مصائب خاصة بالأنبياء ، ومصائب للمؤمنين :

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ*أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 155-157 ]

 مصائب المؤمنين دفع ورفع ، الأنبياء كشف ، الطرف الآخر ردع أو قصم .
المذيع:
 أستاذنا هناك من يقول : إن الصبر يهون لمن تعلق برب الأشياء ، ولا يهون على من تعلق بالأشياء ، إذا تعلق بالأشياء اشتدت حاجته وعلاقته بها فيفقد صبره إذا فقدها ، أو إذا فاتته ، بينما من تعلق برب الأشياء علم أن فوات هذه الأشياء لحكمة الله عز وجل ، أو لعلاج نفسه ، أو لغير ذلك .

 

الأخذ بالأسباب و الاعتماد على الله :

الدكتور راتب :
 النبي صلى الله عليه وسلم انتقل من مكة المكرمة إلى بيت المقدس على براق بلمح البصر البطولة أن تأخذ بالأسباب وتتوكل على الله
لكن أراد الله أن يغادر مكة إلى المدينة بالطريقة العادية ، فأخذ بكل الأسباب ، أولاً ذهب مساحلاً ، وأقام في غار ثور أياماً ثلاثة ، ومع ذلك وصلوا إلى الغار ، ما حكمة وصولهم إليه ؟ يقول له الصديق :

((... يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إِلى قَدَمْيه أبْصَرَنَا تحت قدميه . فقال : يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ ))

[متفق عليه عن أنس بن مالك ]

 أي لو أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمد على الأسباب لفقد صبره ، إنه يعتمد على مسبب الأسباب ، هو أدى الذي عليه بالأخذ بالأسباب وعلى الله الباقي ، ولذلك قيل: المؤمن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، ويتوكل على رب الأرباب وكأنها ليست بشيء ، هذه بطولة الغرب أخذ بالأسباب ، واعتمد عليها ، وألهها ، فوقع في وادي الشرك ، والشرق الإسلامي لم يأخذ بها أصلاً فوقع بالمعصية ، أما البطولة فأن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .

 

خاتمة و توديع :

المذيع:
 أحسن الله إليك أستاذنا ، لم يبق من هذه الحلقة إلا أن أشكرك جزيل الشكر ، وأسأل الله عز وجل أن يجازيك خيراً على صبرك معنا ، وأشكركم أعزائي المشاهدين على حسن المتابعة ، ألقاكم في حلقة قادمة إن شاء الله من برنامجكم :"عطر السنة" ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018