الخطبة : 0910 - الصبر1. فلسفة الصبر - العطاء والمنع . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0910 - الصبر1. فلسفة الصبر - العطاء والمنع .


2004-01-02

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعهم إلى يوم الدين، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، يا أرحم الراحمين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
 اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الصبر في حياتنا :

 أيها الإخوة الكرام:
 اخترت موضوعاً لهذه الخطبة هو الصبر، لأنه ما من مرحلة مرت بها الأمة الإسلامية هي في أشد الحاجة إلى الصبر من هذه المرحلة.
 وقد لا يصدق المسلم أن خلاص الأمة في كلمتين، في آية واحدة من كتاب الله، لأنه كلام القوي، كلام العزيز، كلام من بيده الأمر، كلام من إذا قال لشيء كن فيكون، كلام من إليه يرجع الأمر كله، كلام من بيده مقاليد السماوات والأرض، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

( سورة آل عمران : 120)

 لكن ما هو كيدهم؟ قال تعالى:

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

( سورة إبراهيم : 46)

 قرَّبَ الله لنا حقيقة مكرهم، بأن مكرهم يمكن أن يزيل الجبال، ومع ذلك قال تعالى:

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

( سورة آل عمران : 120)

الصبر محور السلوك البشري :

 أيها الإخوة الكرام:
 الصبر من أمهات الأخلاق، ورد ذكره في القرآن الكريم في أكثر من تسعين موضعاً، وما من خُلُقٍ طُلب من المؤمن أن يتحلى به كالصبر، وقد وصلت آياته الدالة عليه إلى أكثر من تسعين آيةً في كتاب الله.
 بل إن هناك من يقول: إن الصبر مفتاح الكون، لأن الله شاءت حكمته أن ينمو الجنين خلال تسعة أشهر، وأن ينمو النبات في وقت طويل، وكل شيء عنده بمقدار، وما هذه الأزمنة الطويلة أو القصيرة التي اختارها الله لتحقيق أفعاله، إلا درس بليغ لنا، نتعلم منه الصبر.

 

 أيها الإخوة الكرام: الصبر نحتاج إليه في الدنيا وفي الآخرة:
 إن أردت أن تتفوق في حياتك العملية، فلابد أن تدرس ثلاثين عاماً.
 إن أردت أن تطيع الله، وأن تبلغ عنده المرتبة العلية، فلابد أن تضبط شهواتك.
 إن أردت أن تدع المعاصي والآثام، فلابد من عزيمة قوية تقاوم بها إغراء المعصية.
 فالصبر مفتاح الفرج، الصبر سنة من سنن الله في خلقه.

 أيها الإخوة الكرام: هل هناك شجاعة من دون صبر؟ هل هناك إعمار بلد من دون صبر؟ هل هناك تفوّق أمة من دون صبر؟ هل هناك برّ والدين من دون صبر؟ هل هناك تنمية اقتصادية من دون صبر؟ هل تستطيع قراءة كتاب كبير من دون صبر؟ هل تستطيع أن تصل إلى شهادة عليا من دون صبر؟

 أيها الإخوة الكرام: ما الذي جعل الزاني يزني؟ الجواب: قلة صبره عن المرأة، لم يصبر حتى يتزوج.
 ما الذي جعل مدمن الخمر يدمن الخمر؟ الجواب: قلة صبره في وقت الفراغ، أو قلة تحمله لمصائب الدنيا، فصار مدمن خمر ومخدرات.

 أيها الإخوة الكرام:
 أكاد أقول عن الصبر: ينبغي أن يكون محور السلوك البشري.
 النفس مطية الإنسان، تسير به إما إلى الجنة، وإما إلى النار، ولجامها الصبر.

فلسفة الصبر :

 أيها الإخوة الكرام:
 لماذا صنعت السيارة؟
 من أجل أن تسير.
 لماذا وضع فيها المكبح؟
 مع أن المكبح يتناقض مع أصل صنعها، المكبح يوقفها.
 فالمصيبة في الحياة كالمكبح في السيارة، خلق الإنسان ليسعد في الدنيا والآخرة، ولكن المصيبة فيما يبدو تتناقض مع السعادة، غير أن المصيبة من أجل أن تقيه من هلاك الدنيا والآخرة، كما أن المكبح في المركبة من أجل أن يُسلّمها من الهلاك.
 أيها الإخوة الكرام: من معاني الصبر: الحبس أو المنع، فإذا قلت: أنا صابر، أي أنا حابس نفسي على طاعة الله، وإذا قلت: أنا صابر، أي أنا حابس نفسي عن معصية الله، فالحبس على الطاعة، وعن المعصية، هو ما تدل عليه كلمة الصبر في اللغة.

 

الصبر يجعلك في معية الله :

 أيها الإخوة الكرام: بادئ ذي بدء، أتحب أن تكون في معية الله؟
 وهل هناك معية تفوق معية الله؟ هل هناك معية في الأرض من آدم إلى يوم القيامة تفوق أن تكون مع الله؟
 يقول الله عز وجل:

﴿ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

( سورة البقرة : 153)

 هذه معية خاصة.

 أيها الإخوة الكرام، إذا قال الله عز وجل:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

( سورة الحديد : 4)

 هذه معية عامة، معية العلم، مع أي إنسان، مع الكافر، مع المجرم، لكن إذا قال الله عز وجل:

﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

( سورة البقرة : 153)

 فهذه معية الهداية والتوفيق، والتأييد والنصر، وما من معية أعلى من معية الله، قال تعالى:

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ ﴾

( سورة المائدة : 12)

 وإذا كان الله معك فمن عليك؟ من يستطيع أن يصل إليك؟
 وإذا كان عليك فمن معك؟ أقرب الناس إليك يتطاول عليك.
 إذا كان الله معك فعدوك اللدود يُسَخَّر لخدمتك، وإذا كان الله عليك فأقرب المقربين إليك يخونك، ويقدم سرَّكَ إلى أعدائك.

 أيها الإخوة الكرام: أتحب أن تكون في معية الله، قال تعالى:

﴿ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

( سورة البقرة : 153)

 أول لفتة من لفتات الصبر: أنك إذا صبرت فأنت في معية الله.

بشارة الله للصابرين :

 إذا قرأت الآية الكريمة التي يتحدث الله بها عن بعض أنبيائه:

﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً ﴾

( سورة ص : 44)

 ألا تهتز مشاعرك؟

 

 شيء آخر، هل تصدق أن للصبر بشارة، يقول الله عز وجل:

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ﴾

( سورة البقرة : 155)

 الخوف أحياناً علاج فعال:

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ وَالأنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (*)الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (*)أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

( سورة البقرة 155-157)

 الصابر في معية الله، والصابر يتلقى بشارة من الله، وإن الله يحب كل قلب حزين، والحزانى معرضون للرحمة، والحزانى في كنف الله، والحزن يصنع البطولة.

 أيها الإخوة الكرام: ما من طاعة إلا ولها حساب معلوم، إنك إن فعلت حسنة فلك عشر أمثالها، وإن أنفقت درهماً فلك سبعمئة ضعف، أما إذا صبرت، فقال تعالى:

﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

( سورة الزمر : 10)

 تصور إنساناً أعطاك شيكاً بمئة ألف، بخمسمئة ألف، بمليون، وإنساناً آخر أعطاك شيكاً بلا رقم، ووقّعه لك، وقال: اكتب أي رقم تريد، هذا معنى:

 

﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

( سورة الزمر : 10)

محبة الله للصابرين :

 اصبر، وغضَّ البصر عن محارم الله، يحبك الله.
 اصبر، وقاوم الانحرافات والمعاصي، يحبك الله.
 اصبر، ودع التدخين، يحبك الله عز وجل.
 اصبر، وبرَّ والديك، يحبك الله عز وجل.
 فضلاً عن أن الصبر يجلب لك معية الله.
 وفضلاً عن أن الصبر يجعلك موضع بشارة من الله عز وجل.
 وفضلاً عن أن الصبر فيه كل هذه المزايا، فهو طريق إلى محبة الله.

 أيها الإخوة الكرام: إن الله يحب الصابرين، هل من مرتبة في الكون أعلى من أن يحبك الله عز وجل؟
 والله سمعت كلمة من خطيب في حفل، ذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لسيدنا معاذ:

((يا معاذ، والله إني لأحبك))

[ من حديث صحيح، أخرجه أبو داود ]

 والله الذي لا إله إلا هو، ما وجدت في الأرض مرتبة تفوق هذه المرتبة: أن يحبك سيد الخلق، أن يحبك المعصوم، أن يحبك حبيب الله عز وجل:

﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾

( سورة آل عمران : 146)

 شيء آخر: هل تحب أن تكون إماماً للناس، قدوةً للناس، في موضع يجري الله الخير فيه على يديك؟
 هل تريد أن تكون لك حسنات كالجبال؟
 هل تريد أن تكون كالأمّ في قلب كل إنسان؟
 قال تعالى:

﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ﴾

( سورة السجدة : 24)

 فإذا صبرت نلت الدرجات العلى عند الله عز وجل.

لا حقد مع الصبر :

 أيها الإخوة الكرام: نقطة دقيقة جداً:
 قال تعالى:

﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾

( سورة لقمان : 17)

 أي: الصبر يحتاج إلى عزيمة، إلى إرادة قوية، إلى وعي كبير، إلى نَفَسٍ طويل، هذا إذا ساق الله البلاء مباشرة، كالزلزال مثلاً.
 لكن أحياناً يسوق الله البلاء على يد بشر، كالاحتلال، كالقهر، كالتعذيب، كهدم البيوت، هنا يوجد عنصر بشري، والإنسان لضعف توحيده يصب حقده على هذا الذي أجرى الله قضاءه على يديه.
 بعيداً عن موضوع أنك ينبغي أن تقاوم هذا الاحتلال، فإنك ينبغي ألا تحقد، ينبغي أن تشعر أن الله سمح لهذا أن يصل إليك لعلة فيك، الكرة في ملعبك، مع التوحيد، ومع اليقين أن الله عز وجل يقول:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

( سورة الشورى : 39)

 هذا لا يمنع أن التوحيد ينزع من قلبك الحقد، ويجعلك تفكر فيما فعلت مع ربك حتى سمح لهذا الظلم أن يصل إليك؟ هذا هو قمة التوحيد، لذلك الآية الأولى:

﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾

( سورة لقمان : 17)

 لكن الآية الثانية:

﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ ﴾

( سورة الشورى : 43)

 أي صَبَرَ على قضاء الله وقدره الذي أجراه على يد إنسان، وغَفَرَ لهذا الإنسان، فلم يحقد عليه لأنه رآه مسيّراً، وعالج أمره مع ربه، وتاب إلى ربه، وأصلح خطأه، ثم قاوم هذا الظالم:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

( سورة الشورى : 39)

 يقاوم البغي والظلم من دون أن يشعر بحقد شديد، لأنه موحِّد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد:
 الآية الأولى:

﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ ﴾

( سورة لقمان : 17)

 الآية الثانية:

﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمُورِ ﴾

( سورة الشورى : 43)

 يوجد لام التوكيد، لذلك حينما يأتي القضاء والقدر على يد مخلوق، فأنت بحاجة إلى صبر أشد، بلا حقد.

 أيها الإخوة الكرام: واللهُ عز وجل، لحكمة بَالغة بالغة، جعل أنبياءه العظام الذين هم قمم البشر معرضين للابتلاء، فصبروا ولم يحقدوا:

 خرج عليه الصلاة والسلام إلى الطائف، ومشى على قدميه ثمانين كيلو متراً تقريباً، واستقبله أهلها بالاستهزاء والتكذيب وإيقاع الأذى به، فلما جاء ملك الجبال، وقال:

((يا محمد، إن الله قد سمع قولَ قومِكَ، وأنا مَلَكُ الجبال، وقد بعثني ربُّك إِليك لتأمرني بما شئت، إنْ شئتَ أطبقتُ عليهم الأخشبين؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرِجَ الله من أَصلابهم مَنْ يَعبد الله وحده، لا يُشْرِكُ به شيئاً))

[ من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 لم يتبرأ منهم، ولم يأمر بإهلاكهم، واعتذر عنهم، ورجا الله عز وجل أن يخرج من أصلابهم من يوحده.

عاقبة الصبر :

 أيها الإخوة الكرام: يقول الله عز وجل:

﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

( سورة هود : 49)

 ألا ترى بعينيك عاقبة الظلم أحياناً؟ ما كل ظالم ينتهي مصيره إلى ما ترون، لكن ألا ترى عاقبة الظلم؟ أين الذي كان فيه الظالم قبل أن يصل إلى هذه النتيجة؟ هذه حقيقة بين أيدينا، يقول الله لك:

﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

( سورة هود : 49)

 البطل من يضحك آخراً، لا من يضحك أولاً، قد تضحك أولاً كثيراً، لكنك ستبكي كثيراً، لو ضحكت قليلاً، ثم ضحكت كثيراً، لكان أولى.

 أيها الإخوة الكرام:

 يقول الله عز وجل:

﴿ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (*)وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (*)فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾

( سورة البقرة 249-251)

 أيها الإخوة الكرام: حينما سأل الصحابة ربهم النصر، اشترط عليهم الصبر، واحدة بواحدة، فقال لهم:

﴿ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾

( سورة الأنفال : 65)

 وكأنه يقول: الصبر مفتاح النصر.

 

الصبر ضياء :

 أيها الإخوة الكرام: من كلمات النبي عليه الصلاة والسلام:

((وَالصَّبْرُ ضِيَاء))

[ من حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 قد يسأل سائل: لمَ لمْ يقل: إن الصبر قوة؟ لمَ لمْ يقل: إن الصبر برهان؟ لمَ لمْ يقل: إن الصبر عزيمة؟ وإنما قال:

((وَالصَّبْرُ ضِيَاء))

 الجواب: لأن المصائب إذا تكاثرت على الإنسان جعلته في ظلمة، كما قال الشاعر:

بلاني الدهر بالأرزاء حتى   فؤادي في غشاءٍ من نبال
فكنت إذا أصابتني سـهام  تكسرت النصالُ على النصالِ

 إذا تكاثرت المصائب على الإنسان كان في ظلمة، كان في ظلمة حالكة، لا يرى بعينيه، ولا يدري ماذا يفعل، فيأتي الصبر، وكأنه ضياء يبدد هذه الظلمة، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:

((وَالصَّبْرُ ضِيَاء))

الصبر صمام الأمان :

 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:

((أنَّ ناساً من الأنصار سألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأَعْطَاهم، ثم سألوه فأَعْطَاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى إذا نَفِذَ ما عِنْدَهُ، قال: ما يكون عنْدي من خير فلَنْ أدَّخِرَهُ عنكم، ومَنْ يَستَعِفف يُعِفُّه الله، ومَن يستَغْنِ يُغْنهِ الله، ومن يتصبَّر يُصَبِّره الله، وما أُعْطِي أحد عطاءً هو خَير وأوسَع من الصبر))

[ حديث صحيح، أخرجه الجماعة ]

 كأن الصبر صمام الأمان، يلغي كل انفجار، وهناك مصائب لا تعد ولا تحصى أساسها قلة الصبر:
 الإنسان قد يقتل إذا لم يصبر، قد يرتكب جريمة إذا لم يصبر، قد يسرق فيكون مصيره السجن، كأن هذا الانفجار الذي يأتي من ضغوطات الحياة إنما صمام الأمان لئلا يكون هو الصبر.
 الصبر صمام الأمان، والذي يدعو للعجب أن المؤمن في كلا الحالين سعيد، لذلك النبي تعجب من شأن المؤمن:

 فعن صهيب رضي الله عنه، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:

((عَجَباً لأمر المؤمن، إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْه سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْه ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له))

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 وورد في الأثر: هو في الرخاء شكور، وفي البلاء صبور.

 

الصبور من أسماء الله الحسنى :

 هل تصدقون؟ أن من أسماء الله الحسنى: الصبور؟
 فإذا كان خالق الكون صبوراً، فعلينا، من باب أولى، أن نتحلى بالصبر.
 يتمنى الواحد منا ألا يكون له عدو، ورد في مناجاة سيدنا موسى أن: يا رب لا تبقِ لي عدواً، فقال: يا موسى هذه ليست لك؟
 الله عز وجل صبور، يؤكد هذا المعنى النبي عليه الصلاة والسلام:

 

 

 فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((لا أحد أصْبَرَ على أذى سَمِعَه من الله، عزَّ وجلَّ: إِنَّه لَيشْرَكُ به، ويُجْعَل له الولد، ثم يعافيهم ويرزُقُهم))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 ومن ذلك أنه في يوم من أيام السنة، ربما تسعون بالمئة من البشر يعصون الله عز وجل، ويرتكبون الموبقات، واللهُ يصبر عليهم، لذلك ورد في الآثار القدسية:

 

 إني والأنس والجن في نبأ عظيم، أخلُقُ ويُعبَد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري على العباد نازل، وشرهم إليَّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي، وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليَّ بالمعاصي، وهم أفقر شيء إليّ، مَنْ أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة بعشر أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها.
 وورد في بعض الآثار أنه:
 ما من يوم إلا ويستأذن البحر ربه: يا رب ائذن لي أن أغرق ابنَ آدم، فإنه أكل رزقك، وعبد غيرك، وتقول الجبال: يا رب ائذن لي أن أطبق على ابنِ آدم، فإنه أكل رزقك، وعبد غيرك، وتقول الأرض: يا رب ائذن لي أن أبتلع ابنَ آدم، فإنه أكل رزقك، وعبد غيرك، فيقول الله عز وجل: دعوهم، لو خلقتموهم لرحمتموهم.

 أيها الإخوة الكرام: الله صبور، ألا نتخلق بخلق الصبر.

الصبر الجميل نصف الإيمان :

 أيها الإخوة: الصبر نصف الإيمان، لأنك دائماً في إحدى حالتين: إما في رخاء فعليك أن تشكر، وإما في شدة فعليك أن تصبر، فالصبر نصف الإيمان، والله عز وجل يقول:

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾

( سورة إبراهيم : 5)

 إن صبرت، وشكرت استكملت الإيمان.
 وينبغي أن تصبر صبراً جميلاً، قال تعالى:

﴿ فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً ﴾

( سورة المعارج : 5)

 أي صبراً بلا ضجر، صبراً بلا قلق، صبراً بلا ضيق، صبراً بلا اعتراض، صبراً مع ضبط اللسان، صبراً مع ضبط القلب، ليس كما نرى، يقول المبتلى: يا رب أين أنت؟ لمَ تفعل بنا هذا؟

﴿ فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً ﴾

( سورة المعارج : 5)

 لذلك قالوا: من اتفق لسانه مع قلبه فهو صابر.
 هو ساكت وقلبه راضٍ، قلبه راضٍ، ولسانه ساكت، مادام اتفق القلب مع اللسان فأنت صابر.

 أيها الإخوة:
 هناك من تأتيه المصيبة فيقعد، ولا يتحرك، ولكن الصبر الجميل له معنى آخر: أن تكون إيجابياً، أن تتحرك، أن تعيد الكرَّة، أن تسعى، أن تبقى على بشاشتك، أن تبقى على ثقتك بالله عز وجل.
 والنبي عليه الصلاة والسلام كان قدوةً لنا، مرَّ بمصائب لا يحتملها بشر، مصيبة الطائف، مصيبة الهجرة، الحروب، المعارك التي خاضها، كان قمةً في الصبر، لذلك هناك كلمة يرددها كل الناس: الصبر مفتاح الفرج.

أبرز أنواع الصبر :

 فيا أيها الإخوة، أنواع الصبر ثلاثة: الصبر عن المعاصي، والصبر على الطاعات، والصبر على الابتلاءات.
 أبرز أنواع الصبر: أن تصبر على طاعة، أو أن تصبر عن معصية، أو أن تصبر على ابتلاء.
 مثلاً: الإنسان إذا جاءه مرض فعليه أن يصبر، لكن سواء عليه أصبر أم لم يصبر فالمرض موجود، وكأن صبره اضطراري، لكنّ أجرَ الذي يصبر على الطاعات أعلى بكثير، لأن صبره اختياري:
 لما دعت زوجة العزيز سيدنا يوسف إلى الفاحشة، كان بإمكانه أن يستجيب دون أن يدخل السجن، ولكنه دخل السجن باختياره، لأنه قال:

 

﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾

( سورة يوسف : 23)

 هناك مصيبة تختارها بطاعتك لله، وهناك مصيبة تفرَض عليك، فالصبر على مصيبة تفرض عليك أجره لا كأجر الصبر على مصيبة تختارها أنت، لأنك أطعت الله عز وجل، هذا صبر دون صبر.

 

 أحياناً: يكون هناك إنسان ميسور جداً، يذهب إلى بلاد بعيدة، فبحكم غناه، بإمكانه أن يفعل كل المعاصي والآثام، ولا أحد يضبطه، لكن الغني المؤمن حينما يذهب إلى بلاد بعيدة ومعه كتلة من المال كبيرة، ويبقى في حدود الأدب والشرع وطاعة الله، فهذا هو الصبر بأعلى مستوى.
 قد يظن الناس أن الفقير يحتاج إلى الصبر، واللهِ الذي لا إله إلا هو، الغني والقوي يحتاج إلى مئة ضعف من صبر الفقير والضعيف، لأن الدنيا بين يديه، والمعاصي بين يديه، ولا أحد يعترض عليه إذا كان قوياً، فأن تلتزم بالشرع وبالحق، وأنت قوي وغني، فهذا يحتاج إلى أعلى درجة من الصبر.

الصبر على موت الأحباب :

 الصبر على موت الأحبة من أعلى أنواع الصبر:

 

 فعن أبي سعيد رضي الله عنه، قال: قال النِّساءُ لِلنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:

((غَلَبَنا عليك الرجالُ، فاجعل لنا يوماً من نَفْسِك، فوعَدَهن يوماً لَقِيهُنَّ فيه، فوعَظَهُنَّ وأمرهنَّ، فكان فيما قال لهنَّ: ما مِنكُن امرأة تقدِّم ثلاثةً من ولدِها إلا كان لها حجاباً من النار، فقالت امرأة: واثنين؟ فقال: واثنين))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 الصبر على موت الحبيب، هذا من أعلى مستويات الصبر.

 أيها الإخوة:
 عن أبي سنان قال: دفنتُ ابني سناناً، وأبو طلحةَ الخَوْلاني جالس على شَفير القبر، فلما فَرَغْتُ قال: أَلا أُبَشِّرك؟ قلت: بلى، قال: حدَّثني أبو موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((إِذا ماتَ ولد العبد، قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثَمَرَةَ فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حَمِدك واسترجع، فيقول: ابْنُوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسَمُّوه بيت الحمد))

[ حديث حسن، أخرجه الترمذي ]

 لذلك:
 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إِنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:

((يقول الله: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إِذا قَبضتُ صَفِيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إِلا الجنة))

[ حديث صحيح، أَخرجه البخاري ]

صبر المؤمن وصبر الكافر :

 حدثني أخ طبيب يحضر معنا، كان طبيباً في مستشفى، وجاء مريض مصاب بمرض خبيث في أمعائه، وآلام هذا المرض في الأمعاء لا تحتمل، يقسم بالله أنه ما دخل عليه إنسان إلا قال له: يا رب لك الحمد، أنا صابر، ولك الحمد، أيها الأخ اشهد عليّ، يعني جعل في المستشفى حركةً إيمانية عجيبة، يئن من ألم لا يحتمل، وما دخل عليه أحد إلا قال: يا رب لك الحمد، اشهد أنني صابر، إذا قرع الجرس يتهافت موظفو المستشفى لتلبية طلبه، وبعد أيام ثلاثة توفاه الله عز وجل، وقدم نموذجاً رائعاً لصبر المؤمن.
 ولحكمة أرادها الله عز وجل جاء بعد يومين مريض بالمرض نفسه، ورم خبيث في الأمعاء، فتكلم كلاماً بحق الله عز وجل وبحق أنبيائه، كلاماً قبيحاً، كفراً صريحاً، الجو مخيف، تخلى الموظفون عن المجيء إلى غرفته، ثم توفاه الله عز وجل.
 مرض واحد، آلام واحدة، انظر إليها في المؤمن، وانظر إليها في غير المؤمن، تجد فرقاً كبيراً.
 واللهِ أخ أعرفه، وهو صديقي، ابتلي بمرض خبيث أيضاً في أمعائه، تقول زوجته لأبيها: سنتان لم نسمع منه كلمة ضجر، وإنما: يا رب، لك الحمد:

 

﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

( سورة الزمر : 10)

الصبر على المرض :

 أيها الإخوة الكرام: جاء في الصبر عند المرض:
 عن جابر رضي الله عنه، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، دخل على أمِّ السائب، أو أمِّ المسيَّب، فقال:

((ما لَكِ تُزَفْزِفين؟ قالت: الحُمَّى، لا بارك الله فيها، فقال: لا تَسُبِّي الحُمَّى، فإنها تُذْهِبُ خطايا بني آدم، كما يُذْهِبُ الكِيرُ خَبَثَ الحديد))

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 عن جندب بن سفيان البجلي، رضي الله عنه قال: كُنتُ مع رسولِ اللّه صلى الله عليه وسلم في غارٍ، فَدَمِيَتْ إِصْبَعُه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

((هَلْ أَنتِ إلا إصْبَع دَميتِ، وفي سبيل اللَّه ما لقيتِ؟))

[ من حديث صحيح، أخرجه الترمذي ]

قلة الصبر ضَعف في الإيمان :

 الصبر علامة الإيمان، الصبر علامة معرفة الواحد الديان، ومثال قلة الصبر رجل أخذ حظه من الغنائم، وقال: هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله:
 فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال:

((لما كان يومُ حُنين، آثرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ناساً في القسمة، فأعطى الأقْرَعَ بن حابِس مائة من الإِبل، وأعطى عُيينةَ بنَ حِصن مثل ذلك، وأعطى ناساً من أشراف العرب، وآثَرَهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: والله إن هذه لَقِسمَة ما عُدِلَ فيها، ولا أُرِيدَ فيها وجه الله، قال: فقلتُ: والله لأُخْبِرنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأتَيتُه فأخبرتُه بما قال، فتغير وجهه، حتى كان كالصِّرْف، ثم قال: فمن يَعدلُ إِذا لم يعدل الله ورسولُه؟ ثم قال: يرحم الله موسى، قد أُوذِيَ بأكثر من هذا فَصَبَرَ، قلتُ: لا جرم، لا أَرفع إِليه بعدَها حديثاً))

[ حديث صحيح، أَخرجه البخاري ومسلم ]

 قال تعالى:

﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ﴾

( سورة الفرقان : 20)

الصبر يكفّر الذنوب :

 أحياناً، إنسان يستفزك، هذا امتحان لك، أحد الأعراب سحب رداء النبي صلى الله عليه وسلم بغلظة، وقد علمّ على عنقه الشريف، فابتسم النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يفعل شيئاً:
 عن أبي سعيد وأبي هريرة، رضي الله عنهما، أنَّهُما سَمِعا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:

((ما يُصيب المؤمنَ من وَصَب، ولا نَصَب، ولا سَقَم، ولا حَزَن، حتى الهم يَهُمُّه، إلا كَفَّر الله به سيئاته))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 من نصب: أي تعب.

 وفي حديث آخر:

 عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:

((ما يَزَالُ البلاء بالمؤمن والمؤْمِنة، في نَفْسِهِ وولده ومالِه، حتى يلقَى الله ومَا عَلَيه من خطيئة))

[ حديث صحيح، أخرجه الترمذي ]

وأخيراً :

 أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين.

* * *

الخطبة الثانية:
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

لا إهانة في الابتلاء :

 أيها الإخوة الكرام: قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا الإنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (*)وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾

( سورة الفجر:15-16)

 لكن المبتلى ليس مهاناً عند الله:
 قال تعالى:

﴿ كلا ﴾

( سورة الفجر : 17)

 أي: يا عبادي، ليس عطائي إكراماً في الدنيا، هذه الدنيا يأكل منها البر والفاجر، بل إن الفجار هم أشد الناس امتلاكاً للدنيا.
 ليس عطائي إكراماً، ولا منعي حرماناً، ولكن عطائي ابتلاء، وحرماني دواء.

 أنت لست مهاناً إذا ابتلاك الله بمرض، أو بفقر، أو بضعف، أو بشكل قبيح، أو بزوجة سيئة، أنت لست مهاناً عند الله، لكنك مبتلى، والكرة في ملعبك، وبإمكانك أن تصل إلى أعلى درجات الجنة بصبرك على ما أنت فيه.

 أيها الإخوة الكرام:
 ورد في الأثر:
 لا يخافنَّ العبد إلا ذنبه، ولا يرجونّ إلا ربه.

 ما من كلام جامع مانع شافٍ كهذا الكلام:

 لا يخافنَّ العبد إلا ذنبه، ولا يرجونّ إلا ربه.

 لأنه ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة:

﴿ إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

( سورة الرعد : 11 )

 أقم أمر الله فيما تملك يكفك ما لا تملك.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
 اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك.
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، مولانا رب العالمين.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
 اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك، يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018