الخطبة : 0909 - المؤاثرة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0909 - المؤاثرة .


2003-12-26

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ، ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الإيثار :

 أيها الأخوة الكرام : في الإسلام خلق يكاد ينفرد به إنه خلق الإيثار ، لأنك لا تجد ما يقابل هذه الكلمة في اللغات الأجنبية ، وقد أخذ هذا الخلق من قوله تعالى :

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾

[ سورة الحشر : الآية 9]

 من خصائص المؤمن أنه يؤثر أخاه المؤمن في حظوظ الدنيا على نفسه طلباً لثواب الآخرة .
 أيها الأخوة : هناك سؤال كبير يأتي في عقل المؤمن الباطن ، لماذا هذه الكثرة الكثيرة من المسلمين ولم يتحقق من وعود الله لها شيء ؟ ولماذا هذه القلة القليلة من أصحاب رسول الله وقد وصلت راياتها إلى المشرقين ؟ الله هوَ هو ، والقرآن هوَ هو ، المنهج هوَ هو ، ما هذه المفارقة العجيبة بين تأييد الله ونصره وتوفيقه وإعزاز جنده للثلة الأولى من أصحاب رسول الله وكأنه يبدو أن الله تخلى عن المؤمنين ؟

 

نماذج من خلق أصحاب رسول الله :

 أيها الأخوة الأكارم : أضع بين أيديكم نماذج من خلق أصحاب رسول الله ، وعلى رأسهم سيد الخلق ، وحبيب الحق ، في جانب واحد من جوانب مكارم الأخلاق ، ألا وهو المؤاثرة.
 المدينة المنورة أيها الأخوة في الشتاء شديدة البرد ، ففي ليلة من ليالي الشتاء القارص نسجت امرأة من الأنصار عباءة من قطيفة ، وجاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام تعطيه هذه العباءة ، فأخذها النبي عليه الصلاة والسلام ، ولبسها لاحتياجه لها في هذا الجو البارد ، فخرج بها أول مرة على أصحابه فنظر إليه رجل من الأنصار ، وقال : يا رسول الله ما أحسن هذه العباءة أعطني إياها ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : نعم ، فإذا هو يخلعها في الحال، فنظر الصحابة الكرام لهذا الأنصاري ، وكأن لسان حالهم يقول : ما هذا الذي فعلته مع رسول الله ؟ إن النبي يحتاجها ، فقال هذا الرجل : ولكنني أشد احتياجاً لها من النبي عليه الصلاة والسلام ، إنني أريد أن أجعلها في كفني عندما أموت.
 طبعاً بصرف النظر عن هذا الأنصاري أكان صحيحاً أو غير صحيح ، لكن الضوء يسلط على موقف النبي عليه الصلاة والسلام ، هو سيد الخلق ، وحبيب الحق ، وقمة المجتمع البشري ، لكن هذا الذي قال له : أعطني إياها ، قال : هي لك. فحينما تؤثر أخاك في حظ من حظوظ الدنيا تبتغي به رضوان الله عز وجل فأنت مشمول بخلق المؤاثرة .
 حينما فتحت مكة ، وفتحت الطائف كثر المال ، وجاءت الغنائم ، ومن هذه الغنائم غنم ، وبين جبلين رجل نظر إلى هذا الغنم ، وقال : ما أكثر هذا الغنم ، فقال له النبي : أتعجبك ؟ قال : نعم ، فقال : هي لك ، قال : يا محمد أتهزأ بي ؟ قال : هي لك خذها إن شئت، فقام الرجل يجري إلى الغنم ، ويلتفت حوله فأخذها ، وعاد بها إلى قومه ، وقال : يا قوم أسلموا لقد جئتكم من عند خير الناس ، إن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
 في بعض الروايات أن قومه أسلموا جميعاً ، أنت حينما تتخذ الدنيا وسيلة لامتلاك القلوب ، أنت حينما تتخذ المؤاثرة بمعناها الشمولي أداةً لفتح القلوب ، فأنت من الدعاة إلى الله الكبار ، ما كل دعوة تنجح بالكلام ، ولكن دعوة الإحسان أكبر ألف مرة من دعوة الكلام ، إنك بإحسانك تفتح القلوب المقفلة ، إنك بإحسانك تجعل قلب المدعو يمتلئ محبةً لك ، يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم ، فإن النفوس جبلت على حبّ من أحسن إليها ، لذلك قالوا : الإحسان قبل البيان ، قبل أن تتحدث حديثاً رائعاً ، وقبل أن تتفاصح ، وقبل أن تأتي بالحجج الدامغة ، وقبل أن تأتي بالتحليلات العميقة ، وقبل أن تحلق في سماء الفكر ، هذا الذي أمامك هل أحسنت إليه ؟ هل ناله منك شيء ؟ هل أكرمته ؟ هل فتحت قلبه المغلق ببرك وإحسانك ؟ الإحسان قبل البيان ، كأن النبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا أن هذا الذي سأل عن هذا الوادي أدرك أنه استعظمه لما قال : إنه لك ملك قلبه ، فلما ملك قلبه تكلم بهذا ، أنت حينما تحسن تكون أكبر داعية ، أنت حينما تعيش للناس ولا يعيش الناس لك تكون أكبر داعية ، لذلك هذا الذي أخذ ما بين الجبلين من غنم أسلم على يده قومه جميعاً ، لأنه امتلأ إعجاباً بعطاء النبي عليه الصلاة والسلام ، وبكرم النبي ، وبسماحة النبي ، وبجود النبي عليه الصلاة والسلام .
 جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال : يا رسول الله إنني مجهد – أي جائع - فأرسل عليه الصلاة والسلام إلى بعض زوجاته هل عندكم من شيء ؟ الشيء الذي لا يصدق أن النبي عليه الصلاة والسلام قمة المجتمع ، رأس المجتمع دنيا وآخرة ، هو زعيم هذه الأمة ونبي هذه الأمة ، لا يجد في بيته شيئاً يؤكل !! هذا شيء يكاد لا يصدق ، لما جاء رسول أذربيجان إلى سيدنا عمر ، وخيره بين أن يأكل معه في البيت وأن يأكل مع فقراء المسلمين ، على البديهة قال : لا ، آكل عندك يا أمير المؤمنين ، توقع الطعام الطيب النفيس الغالي ، فقال لها : يا أم كلثوم ماذا عندك من طعام ؟ قالت : والله ما عندنا إلا خبز وملح ، فقال : هاته لنا ، ثم اكتشف هذا الرسول أن الفقراء يأكلون اللحم ، لذلك عندما عمت المدينة مجاعة واشتاق إلى أكل اللحم سيدنا عمر قال : أيها البطن قرقر أو لا تقرقر فو الله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين ، وحينما قدم له سنام الناقة ، وهو أطيب ما فيها بكى ، وقال : بئس الخليفة أنا إذا أكلت أطيبها ، وأكل الناس كراديسها .
 وحينما رأى إبلاً ثمينة ، قال : لمن هذه الإبل ؟ قالوا : هي لابنك يا أمير المؤمنين، لعبد الله ، فلما جاء به وجد الابن أباه غاضباً ، قال له : لمن هذه الإبل ؟ قال : هي لي يا أبت اشتريتها بمالي ، وبعثت بها إلى المرعى لتسمن ، فماذا فعلت ؟ قال : ويقول الناس : ارعوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين ، اسقوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين ، وهكذا تسمن إبلك يا بن أمير المؤمنين ، بع هذه الإبل ، وخذ رأسمالك ، ورد الباقي لبيت مال المسلمين .
 فكأن الزوجات جميعاً يقلن لرسول الله : والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا الماء .

الفقر في الدنيا يظهر عظمة الإكرام و المؤاثرة :

 قد يسأل سائل : ألم يكن من الممكن أن يكون عهد النبوة عهداً مفعماً بالخيرات والأموال والغنى والترف ؟ كان من الممكن ذلك ، ولكن ما حكمة الله عز وجل في أن يكون الجو العام الذي أحاط بهذه الدعوة العظيمة جو فقر ؟ جو تقشف ؟ جو حاجة ؟ في أرض قفر الماء فيها نفيس جداً ؟ أصحاب النبي الذين هاجروا ولا يملكون إلا ثيابهم ما الحكمة ؟
 أيها الأخوة الكرام : قديماً قالوا : المصائب محك الرجال ، والحزن خلاق ، أنت حينما تولد في نعم لا تعد و لا تحصى تختفي الفضائل ، كل شيء ميسور ، أما حينما تكون في ضائقة و أخوك يحتاج إلى مبلغ من المال ، و تقدم له هذا المبلغ ، و تؤثره على نفسك فأنت ترقى إلى أعلى عليين ، الحزن خلاق ، المصائب محك الرجال ، الفضائل والبطولات التي تظهر بين صفوف الفقراء تكاد لا تصدق ، بينما المال والغنى المفرط وكل شيء ميسور ، هذا الغنى وهذه البحبوحة تجد فيها إعراضاً عن الله عز وجل ، لذلك كنت أقول : حينما تأتي الدنيا بكل مباهجها على مجتمع تكون هذه الدنيا حجاباً بينهم وبين الله ، ولكن حينما تكون الشدة في مجتمع ما لعل هذه الشدة تفتق الفضائل التي ما كان لها أن تظهر لولا هذه الشدة ، لذلك الفقر في الدنيا أحياناً يظهر عظمة الإكرام ، يظهر عظمة المؤاثرة .

الفرق بين الحكم الشرعي و الموقف البطولي :

 قالت الزوجات جميعاً : والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا الماء ، فقام النبي عليه الصلاة والسلام في أصحابه وقال لهم : من يضيف هذا ؟ فقام رجل من الأنصار وقال : أنا يا رسول الله أضيفه ، وأخذه ، وأسرع إلى زوجته ، وقال لها : هل عندك من طعام ؟ قالت : لا و الله إلا قوت صبياني ، فقال : علليهم بشيء فإذا أرادوا العشاء نوميهم حتى يأتي الضيف ، ثم دعي الطعام ، وأطفئي السراج كي أشعره أنني آكل معه كي يأكل ، ففعلت ذلك ، و جلس الضيف ، و أكل ، و في صلاة الفجر ذهب إلى المسجد فإذا بالنبي عليه الصلاة و السلام ، وقد جاءه الوحي من السماء ، قال : لقد عجب الله من صنيعك وضيفك الليلة .

[ البيهقي في السنن الكبرى]

 ماذا فعل ؟ آثر الضيف على أهله ، طبعاً دائماً و أبداً أفرق بين الحكم الشرعي والموقف البطولي ، ما كل موقف بطولي يعد حكماً شرعياً ، ما كل موقف بطولي يعد تشريعاً ، بينما انطلق سيدنا عمر مهاجراً جهاراً ومتحدياً ، هذا موقف شخصي ، لكن الحكم الشرعي بينه النبي حينما سرى مختفياً ومساحلاً ، وكلف من يمحو له الآثار ، لأنه لو فعل كما فعل عمر لعدّ اقتحام الأخطار واجباً ولعدّ أخذ الحيطة حراماً ، لذلك هلكت أمته من بعده ، لك أن تفعل شيئاً بطولياً ، لكن الحكم الشرعي شيء آخر.
 أخوتنا الكرام : في الإسلام عظمة لا توصف ، مسيلمة الكذاب قبض على رجلين من أصحاب رسول الله قال للأول : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : ما سمعت شيئاً ، فقطع رأسه لتوه ، ثم قال للثاني : أتشهد أني رسول الله ،؟ فشهد الثاني أن مسيلمة الكذاب هو رسول الله ، قد لا تتوقعون موقف النبي ، لما بلغ النبي هذه القصة قال لأصحابه : أما الأول فقد أعز دين الله فأعزه الله ، موقف بطولي ، تصرف شخصي ، قال : و أما الثاني فقد قبِل رخصة الله ، ما كلفنا الله فوق ما نطيق ، فالحكم الشرعي هو الحد الأدنى الذي ينبغي ألا تنزل عنه ، لكن الحد الأعلى بحسب محبتك وإخلاصك وإيمانك ، وبحسب مؤاثرتك ، أنت لست مكلفاً أن تؤثر ضيفاً على طعام أولادك ، ليس هذا هو الحكم الشرعي ، ولكن يعد هذا بطولة ، لذلك قيل بحق : إن عصر الصحابة الكرام كان عصر البطولات .

 

كمال الإيمان لا يبلغه الإنسان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه :

 أيها الأخوة : يقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم والبخاري عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ))

[ متفق عليه عن أنس ]

 قال شراح الحديث : لا يؤمن أحدكم تمام الإيمان ، ولا يبلغ كمال الإيمان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه .
 أبو دجانة يؤثر النبي عليه الصلاة والسلام بروحه في غزوة أحد ، حينما رأى السهام تأتي إلى النبي من كل مكان ، فيجعل نفسه ترساً على رسول الله ، فرآه أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، وقال : نظرت إلى ظهر أبي دجانة فإذا ظهره كالقنفذ من السهام ، انكب على النبي ليجعل من جسمه ترساً لرسول الله .
 سيدنا طلحة يقول للنبي : اخفض رأسك يا رسول الله ، لا يصبك سهم ، نحري دون نحرك ، صدري دون صدرك ، ويقذف النبي عليه الصلاة والسلام بسهم فيراه طلحة ، فيضع يده حتى لا يصل السهم إلى رسول الله ، فيخرق السهم يد أبي طلحة ، هذه مؤاثرة ما بعدها مؤاثرة ، بهذا الحب وبهذه المؤاثرة استحقوا أن يكونوا قادةً للأمم بعد أن كانوا رعاةً للغنم .
 يقف النبي عليه الصلاة والسلام يوم أحد ، ويقول : من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ؟ فيأتي شاب من الأنصار ، وشاب ، وشاب حتى يكونوا عشرة ، وكلهم يموت في سبيل الله، أما آخرهم فاسمه يزيد بن السكن يموت على قدم النبي عليه الصلاة والسلام ، وهو يدافع عنه فيقول عليه الصلاة والسلام : اللهم إني أشهدك أن يزيد بن السكن قد وفى ، أنت حينما تقرأ قوله تعالى :

﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾

[ سورة النجم : 37]

 ألا تشعر بقشعريرة في جلدك ، وفى الذي عليه ، أطاع الله ، آثر آخرته على دنياه، آثر مرضاة الله على حظوظ نفسه .
 أيها الأخوة الأكارم : الشيء الذي لا يصدق أن المهاجرين كانوا تجاراً ، فلما قدموا المدينة خسروا كل شيء ، تركوا أموالهم ، وبيوتهم ، وتجارتهم ، وأتوا بثيابهم فقط ، تصور أنت في مدينة لا تملك شيئاً إلا ثيابك ، فالنبي لما آخى بين الأنصار والمهاجرين ، وأراد أن يجعل كل مهاجر عند أنصاري ، من كثرة الطلب على رسول الله باستضافة هؤلاء المهاجرين اضطر النبي إلى القرعة ، ما قولكم ؟ فكلما ذَكَرَ مهاجرًا اقترع المتنافسون على ضيافته ، والبذل له فيما بينهم ، من أشهر هذه القصص أن سعد بن الربيع رضي الله عنه وعبد الرحمن بن عوف تآخيا في الله ، فقال له سعد بن الربيع : يا أخي هذه أموالي بين يديك جمعتها كلها ، اقسمها بيني وبينك قسمين ، لي دكانان ، خذ واحدةً منهما ، لي بيتان خذ واحداً منهما ، لكن هذه العفة التي عند المهاجرين أيضاً تكاد لا تصدق ، قال له : بارك الله في مالك ، ولكن دلني على السوق ، وفيما تروي الروايات أن التاريخ في هذه المرحلة لم يثبت حادثةً واحدة أن مهاجراً واحداً أخذ من أنصاري شيئًا ما هذا المجتمع ؟ يتحدثون عن المدينة الفاضلة أي مجتمع في قمة البذل ، والطرف الآخر في قمة العفة ، والله لو عرضت مالاً لتعطي به الفقراء لتهافت الأغنياء قبل الفقراء على أخذه ، لتهافت الذين ليسوا بحاجته الآن ، ويؤثرون أنفسهم على إخوانهم ، إذاً هم وقعوا في الأثرة لا في المؤاثرة .

 

القصة التالية تبين خلق الإيثار في ذروته :

 أيها الأخوة الأكارم : خلق الإيثار يصل إلى ذروته في هذه القصة ، كان الأنصاري يعمل في أرضه السنة الكاملة ، طبعاً المهاجرون تجار ، ولكن الحصار الذي أحكم حول المدينة منعهم من الخروج ، لذلك كان الأنصاري يعمل في أرضه طوال السنة ، ثم يأتي بالمحصول ، ويذهب به إلى بيت أخيه الأنصاري قبل أن يذهب إلى بيته ، ويقول له : اختر من هذا المحصول ما تشاء ، وإني سأتركك ساعة ، أي سلوك هذا ؟ أنت اختر ، انتق من هذا المحصول أكبر الحجم ، وأجمل اللون ، وأطيب الشيء ، هكذا فعل الأنصار ، جهد عام بأكمله قدمه لهذا المهاجر ليختار من هذا الإنتاج الزراعي أطيبه وأجوده ليأخذه لنفسه .
 لما فتحت خيبر قال النبي عليه الصلاة والسلام للأنصار : جزاكم الله خيراً ، قد وفيتم ، فقالوا : يا رسول الله اشترط علينا شرطاً ، ونشترط عليك شرطاً ، اشترط علينا وقد وفينا، وإن لنا عندك الشرط الجنة ، فقال عليه الصلاة والسلام : لكم بما وفيتم ، أي لكم الجنة بما وفيتم ، اشترط عليه الصلاة والسلام شرطاً أن ينصروه ، واشترطوا عليه شرطاً أن تكون لهم الجنة ، فحينما قالوا : اشترط علينا شرطاً فوفينا بقي شرطنا ، قال : ما شرطكم ؟ قالوا : الجنة ، قال : لكم الجنة.
 حينما جاء مال من البحرين كثير ، قال النبي عليه الصلاة والسلام : هذا للأنصار وحدهم ، فجاء الأنصار ، وقالوا : لا نأخذها يا رسول الله حتى تقسمها بيننا وبين إخواننا ، أعطاهم مال البحرين فرفضوا ، لا نأخذها حتى تقسمها بيننا وبين إخواننا ، النبي عليه الصلاة والسلام رأى فضلهم على هذه الدعوة ، ورأى نصرتهم ، فأبوا أن يأخذوا المال وحدهم ، ثم قال المهاجرون : يا رسول الله ما رأينا قوماً أبذل من كثير ولا أحسن مواساة من قليل من قوم نزلنا بين أظهرهم - يقصدون الأنصار - لقد كفونا كل مؤونة ، وأشركونا في المهنأ ، حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله .
 أي مجتمع هذا ؟

الأثرة سبب ضياع الأمة الإسلامية :

 الآن تجد الابن اليتيم له عم يملك الملايين ، ولا يعطيه شيئاً ، والله كل قصة في المجتمع الإسلامي يندى لها الجبين ، شح ما بعده شح ، أنانية ما بعدها أنانية ، إمساك المال ما بعده إمساك ، بخل ما بعده بخل ، أنانية ما بعدها أنانية ، هذا هو المجتمع المسلم ، لكنه يصلي في المساجد ، البطولات التي ظهرت من الصحابة ، والتي استحقوا بها رضوان الله عز وجل استحقوا بها أن ينصرهم الله عز وجل ، ولكن الظلم الذي بين المسلمين ، ولكن الأثرة التي بين المسلمين ، ولكن الشح الذي بين المسلمين ، همّ الإنسان أن يعيش وحده ، وأن يأكل وحده، وأن يستمتع بالحياة وحده ، وأن يعلو في نظر الناس وحده ، ولا يعبأ بمن حوله ، هذا الموقف الذي فيه أثرة هو سبب ضياع هذه الأمة .

 

أعمال رفعت الصحابة إلى علياء المجد :

 أخواننا الكرام : في معركة اليرموك كانوا يضعون جرحى المسلمين في مكان قريب، وكانوا من شدة المعركة قد نسوهم ، وكان من ضمن الجرحى عكرمة بن أبي جهل ، وكان ابن عمه في السقيا ، فيقول : بحثت عن ابن عمي عكرمة فوجدته في الجرحى يئن ، ويتألم ، يكاد يموت من شدة العطش ، وفي جواره عشرة من جرحى المسلمين ، فقلت : أسقيه ، فأخذت الماء، وجريت إلى عكرمة ، وقلت : اشرب فقال لي : نعم ، فأخذ الماء فبينما هو يشرب سمع أخاه الذي هو في جواره يقول : آه ، يريد أن يشرب ، فقال : والله لا أشرب حتى يشرب أخي ، فذهب إليه ، فحدث مع العشرة مثل ذلك ، كل واحد يكاد يموت من العطش يسمع أخاه يئن يقول : اسقِ أخي قبلي ، حتى وصل إلى العاشر ، فقال :" والله لا أشرب حتى يشرب عكرمة ، فعاد إلى عكرمة فإذا هو قد مات ، هم على فراش الموت ، هم يموتون ، والجريح يتوق إلى الماء بشكل لا يتصور ، ومع ذلك يؤثر أخاه عليه ، القصة لها عدة روايات ، مجمل هذه الروايات تؤكد أنهم ماتوا جميعاً ، ولم يشربوا شيئاً ، كل واحد آثر أخاه .
 هذه الأعمال التي رفعت هؤلاء الصحابة إلى علياء المجد في أحد الأيام .
 أيها الأخوة الأكارم : صحابي جليل اسمه عبد الله بن عمر اشتهى سمكاً ، وكان يحب السمك المشوي ، فبحثت زوجته زمناً حتى استطاعت أن تأتي بسمكة مشوية ، ووضعتها أمام عبد الله ، وإذا بمسكين يطرق الباب في وقت وضع السمكة أمامه ، فقال عبد الله : أعطه السمكة ، قالت زوجته : عندنا في البيت لحماً وطعاماً ، ولعل الرجل يستفيد باللحم ، فقال : ولكنني أحب السمكة ، وفعلاً أعطت السمكة لهذا الرجل ، فهو آثر هذا المسكين في طعام يشتهيه ، هذا نموذج قال تعالى :

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

[ سورة آل عمران : 92]

 سيدنا عمر طعنه أبو لؤلؤة المجوسي ، وسقط مضرجاً بدمائه ، وعلم عمر أنه الموت فقال لابنه عبد الله : اذهب إلى أم المؤمنين عائشة ، وقل لها : عمر بن الخطاب ، ولا تقل : أمير المؤمنين ، فلم أعد أمير المؤمنين لأنه على وشك الموت ، قل لها : عمر بن الخطاب يستأذنك في أن يدفن مع صاحبيه ، فقالت السيدة عائشة رضي الله عنها : كنت أريد هذا المكان لنفسي ، ولأؤثرن به عمر .
 الحقيقة يوجد للقصة تتمة أنه قال لابنه ثانيةً بعد أن أموت ، وبعد أن أكون بالنعش مر بنعشي على بيت عائشة ، وقل لها : إن عمر يستأذنك ، فلعلها استحت مني وأنا حي قبل أن أموت ، أما الآن فاستأذنها ، وأنا في النعش ، فإن أذنت فادفني هناك .

تكثير الطعام من معجزات النبي الحسية :

 طبعاً الآن هناك قصص هي من المعجزات بالأوضاع العادية لا تصدق ، إلا أنها من معجزات النبي عليه الصلاة والسلام ، أبو هريرة يقول : كنت أجوع جوعاً شديداً حتى أصرع من شدة الجوع ، ويقولون : مجنون ، والله ما بي من جنون ، إنما هو الجوع ، فكنت أجلس بجوار منبر النبي عليه الصلاة والسلام ، ويمر بي الرجل من المسلمين أستقرئه آيات الإنفاق حتى يلين قلبه ، ويشعر بي ، فمر بي أبو بكر فقرأها عليه ، ومرّ بي عمر فقرأها عليه ، ومرّ بي النبي فنظر إليّ فعرف حالي فتبسم ، وقال : يا أبا هريرة الحق بي ، فدخل صلى الله عليه بيته ، واستأذن ، وقال لزوجته : هل عندنا من شيء ؟ قالت : جرة لبن تكفي رجلاً أو رجلين ، فقال لي النبي عليه الصلاة والسلام : يا أبا هريرة اذهب ، وائتني بأهل الصفة ، وكانوا مئة رجل، فاغتمت نفسي ، وأصبحت مهموماً ، وقلت : أين هذه الجرة من أهل الصفة ؟ ولكن لابد من طاعة رسول الله ، فذهبت ، وأتيت بهم فنظر إلي النبي مبتسماً ، وقال لي : اسقهم فأخذت الجرة أمر بها على الرجل يشرب حتى يرتوي . هذه قصة إيمانية لا تصدق إلا بالإيمان ، لا تصدق إلا بإيمان أن الله سبحانه وتعالى يجري على يد النبي ما يفوق طاقة البشر .
 فأخذت الجرة أمر بها على الرجل يشرب حتى يرتوي أقول : ما بقي شيء ، فيأخذها الثاني فيشرب حتى يرتوي ، أقول : ما بقي شيء ، والنبي يبتسم ، وقال : يا أبا هريرة لم يبق إلا أنا وأنت ، قلت : صدقت ، فقال : اشرب يا أبا هريرة ، وهل يبقى شيء بعد كل هذا؟ فشربت ، ثم أعطيتها له ، فقال : اشرب يا أبا هريرة ، فشربت حتى أعطيتها له ، فقال : اشرب يا أبا هريرة ، فشربت حتى أعطيتها له ، فقال : اشرب يا أبا هريرة ، فشربت ، فما زال يقول : اشرب حتى قلت : " والله والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكاً " فأخذها النبي عليه الصلاة والسلام فشرب الفضل .

 

[ البخاري ومسلم ]

 

تكثير الطعام من معجزات النبي الحسية .

 أيها الأخوة الأكارم : من معاني الإيثار إذا خيرت بين شيئين ينبغي أن تختار أقلهما ، وأن تعطي أفضلهما لأخيك ، والصحابة الكرام مكثوا خمسة عشر يوماً يحفرون الخندق ومن شدة الجوع ربطوا على بطونهم الحجارة ، فجاء جابر بن عبد الله وقال للنبي عليه الصلاة والسلام : يا رسول الله عندنا في البيت دجاجة ، وبقية شعير ، فتعال يا رسول الله وكُلْ معي، فنظر إليه النبي عليه الصلاة والسلام وقال : وحدي ؟ قال جابر : لا ، ومعك رجل أو رجلان ، طعام قليل جداً ، فوقف النبي عليه الصلاة والسلام وقال : يا معشر المهاجرين ، ويا معشر الأنصار ، غداؤنا اليوم عند جابر ، يقول جابر : تسللت سريعاً إلى البيت أقول لزوجتي : أنجديني ، رسول الله قادم ، ومعه الجيش ، فقالت المرأة المؤمنة المسلمة : أخبرت النبي بحجم الطعام ؟ قال : نعم ، قالت : فالله ورسوله أعلم ، فذهب النبي إلى جابر فقال النبي الكريم : يا جابر أنت بوابنا اليوم ، وبلغ النبي أصحابه ، وأخذ جابر يدخل عشرةً عشرة يطعمهم ويخرجون ، وهكذا من بعدهم فطعم الجيش كله ، ثم دخل جابر عليه فرأى ما رأى ، وأخذ من الدهشة .
هذه من المعجزات ولا يقبلها العقل من دون إيمانه بالمعجزات .

 

مستويات الإيثار :


 أيها الأخوة الأكارم : الإمام الغزالي رحمه الله تعالى قال : الإيثار على ثلاثة مستويات ، إما أن تنزل غيرك منزلة الخادم ، تعطيه ما يبقى منك ، وإما أن تنزل أخاك منزلة نفسك ، فتأخذ كما تعطي ، وإما أن تنزل الآخرين فوق نفسك ، فتفضل حاجتهم على حاجتك ، فاختر أي المنازل ، لكن الله سبحانه وتعالى يقول في الآية الكريمة :

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾

[ سورة الحشر : الآية 9]

 أقول قولي هذا ، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم ، فيا فوز المستغفرين .

 

* * *

 

الخطبة الثانية :
 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة و السلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

لا مؤاثرة في الخير والخير كله في المؤاثرة :

 أيها الأخوة الكرام : لهذا الموضع تتمة مهمة جداً ، قلت في أول الخطبة : المؤاثرة أن تؤثر أخاك في حظوظ الدنيا طمعاً بثواب الآخرة فقط ، أما أن تؤثر أخاك بحظوظ الآخرة فهذا مرفوض أشد الرفض ، ويدل على جهل كبير في الإنسان ، أن تؤثر أخاك بأداء فريضة الحج ، أن تؤثر أخاك ببر والديك ، برهما أنت من أجل أن تكسب الأجر ، أنا أؤثرك على نفسي ، هذا كلام فيه خطأ كبير ، لا مؤاثرة في الخير ، والخير كله في المؤاثرة ، أي لا مؤاثرة في حظوظ الآخرة ، معك مبلغ يكفي أن تطلب العلم ، وتنال أعلى درجة علمية ، آثرت أخاك ، وتبقى أنت جاهلاً ؟ معك مبلغ يكفي أن تحج بيت الله الحرام ، تؤثر أخاك في الحج ، وتبقى من دون أداء الفريضة ؟ تؤثر أخاك في بر الوالدين وتنسحب أنت ، وتدعي أنك تؤثره في عمل صالح ، لا يقبل ، ولا يعقل أن تؤثر أحداً في عمل صالح ، ولا في بر والديك ، ولا في إنفاق ، ولا في أداء عبادة ، ولا في أداء فريضة ، هذا كله مرفوض ، وهناك من يفهم المؤاثرة فهماً معكوساً ، لا مؤاثرة في الخير ، لا مؤاثرة في العمل الصالح ، لا مؤاثرة في الطاعة ، لا مؤاثرة في البر ، لا مؤاثرة في أداء فريضة ، هذا كله ممنوع ، لكن المقبول أن تؤثر أخاك في حظوظ الدنيا رغبة بما عند الله ، وأنت حينما تعطي مما أعطاك الله ، وحينما تنفق مما أعطاك الله تشعر أنك فعلت شيئاً ، فالمؤاثرة من أقرب الطرق إلى الله عز وجل ، ومن أجل الأعمال ، وتكاد الأمة الإسلامية تنفرد بهذا الخلق بأن هذه الكلمة بالذات ليس هناك ما يقابلها في اللغات الأخرى .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا و تعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام ، وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، اللهم وفق السيد رئيس الجمهورية بشار الأسد لما فيه خير البلاد والعباد ، وهيئ له بطانة خير ووزراء صدق ، يا رب العالمين ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018