الخطبة : 0908 - القلق . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0908 - القلق .


2003-12-12

الخطبة الأولى
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ، ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

القلق :

 أيها الأخوة الكرام : لاشك أنكم تعلمون أن قلقاً عاماً أصاب العالم الإسلامي ، قلقًا على أرزاقهم ، و قلقًا على ثرواتهم ، وقلقًا على أمنهم ، وقلقًا على وجودهم ، القلق أيها الأخوة كالملح في الطعام ، إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده ، القلق في حدوده المعتدلة ضروري ، لأنه باعث إلى النجاح ، لكنه إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده ، فالقلق على الحاضر والمستقبل ضروري ، ولكن في حدود ، حيث لا ينتهي هذا القلق بالإنسان إلى التعاسة و السوداوية والتشاؤم والشقاء ، لكن بعض الناس أيها الأخوة يهرب من القلق ولا يواجهه فيقع في قلق أشد ، ويقع في مصيبة أكبر ، هذا شأن النعامة تغمس رأسها في الرمل وتتجاهل الأخطار المحدقة بها.
 هناك من لا يقلق ، وهو ساذج ، وهناك من يقلق وهو مبالغ ، فالمبالغة في القلق تدمر الحياة النفسية ، وترك القلق كلياً سذاجة وبلاهة ما بعدها بلاهة .

وسائل دفع القلق :

1 ـ ألا تكلف نفسك فوق ما تستطيع :

 أيها الأخوة : من وسائل دفع القلق ألا تكلف نفسك فوق ما تستطيع ، لا على مستواك الشخصي ، ولا على مستوى الأمة ، فالذين يحملون أنفسهم هموماً أكبر من إمكانياتهم وطاقاتهم وأكبر مما خصهم الله بها من قدرات إنهم يدمرون أنفسهم .
 أيها الأخوة : كطرفة يروى أن أعرابياً كانت عنده أَمة فقيل له : " هل تتمنى أن تذهب هذه الأمة وأن تكون خليفة المسلمين ؟ قال : لا والله ، قيل : ولمَ ؟ قال : أخشى أن تذهب الأمة ، ولا أكون خليفة المسلمين " عندك شيء حافظ عليه ، ليس هناك من إنسان إلا وعنده قدر من النجاح ينبغي أن يلتفت إليه .

2 ـ أن تنظر إلى واقعك بعين الرضا :

 ثانياً أيها الأخوة : من وسائل دفع القلق انظر إلى واقعك بعين الرضا ، ارض عن الله ، يقول الله عز وجل :

﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾

[ سورة المائدة : 119]

 ارض عن الله فيما أقامك ، في كل ما أقامك ، في كل الحظوظ التي منحك إياها ، ارض عن الله في واقعك ، إن كان بالإمكان أن تحسن واقعك فافعل ، أما إذا بذلت المستطاع ولك واقع لا تتجاوزه فارضَ به ، رجل يطوف حول الكعبة يدعو ويقول : يا رب هل أنت راض عني ؟ فكان وراءه الإمام الشافعي قال : يا هذا هل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك ؟ قال له : سبحان الله كيف أرضى عن الله وأنا أتمنى رضاه ؟ فقال الإمام الشافعي : إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله عز وجل . اقبل واقعك ، اقبل إمكاناتك ، اقبل من حولك ، هؤلاء قدرك ، الرضا يسبب السعادة ويبعد القلق .
 أيها الأخوة الكرام : لا تقسوا على أنفسكم ، إن لنفسك عليك حقاً ، فلا تحملها فوق ما تطيق ، لا يعني أن تستسلم ، ولا يعني أن تكون شقياً ، هذا مما يدفع القلق ، لكن هذا لا يمنع أن تكون طموحاً ، من أروع ما قاله سيدنا عمر بن عبد العزيز قال : " إن لي نفساً تواقة ، تاقت إلى الإمارة ، فلما بلغتها تاقت إلى الخلافة ، فلما بلغتها تاقت إلى الجنة " .
 مرة ثانية أيها الأخوة : ما منا واحد إلا وقد حقق قدراً من النجاح ، هذا القدر من النجاح ينبغي أن يشكر الله عليه ، ينبغي أن يستوعبه ، ينبغي أن يستمتع به ، ينبغي أن يحمده، يحمد الذي أعطاه هذا النجاح ، لذلك من أوتي القرآن فظن أن أحداً أوتي أكثر منه فقد حقّر ما عظمه الله :

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾

[ سورة النساء : 113]

 إذا كنت قد اهتديت إلى الله ، قد طبقت شرع الله عز وجل وأنت على عقيدة سليمة فهذه نعمة عظمى يفتقر إليها معظم المسلمين في البلاد .

3 ـ ألا تحقد على أحد من الناس :

 من علامات الرضا عن الله أنك لا تحقد على أحد من الناس ، فالله عز وجل فضله واسع و عميم ، فالزوجة التي ترى أختها لها زوج غني ينبغي ألا تحقد عليها :

﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾

[ سورة المائدة : 54]

 المطلقة إذا قابلت زوجة سعيدة ينبغي ألا تحقد عليها ، فضل الله عظيم يؤتيه من يشاء ، البنت التي خطبت أختها ولم تخطب ينبغي ألا تحقد عليها ، الحقد والحسد من علامات ضعف الإيمان .

4 ـ ألا تندم على الماضي :

 شيء آخر : لا تعش الماضي أبداً ، ما مضى فات ، الندم على الماضي والحديث عن الماضي ، وما فاتك فيه من فرص هذه كلها متاعب لا تقدم ولا تؤخر ، ما مضى فات و المؤمل غيب و لك الساعة التي أنت فيها ، يروى أن ابن حزم رحمه الله تعالى نظر إلى الناس مسلمهم وكافرهم ، برهم وفاجرهم ، عربهم وعجمهم ، فقال : " رأيتهم قد أطبقوا واتفقوا على أمر واحد ، هو أنهم جميعاً على مطلب واحد يتعلق بمدافعة الهموم وإزالتها عن نفوسهم " أنا أعبر عن هذه الفكرة بالعبارة التالية : من ستة آلاف مليون من بني البشر ما منهم واحد إلا و يتمنى السلامة والسعادة ، هذا مطلب ثابت لكل بني البشر ، ابن حزم رحمه الله تعالى قال : " ثم بحثت عن سر ذلك ، وعن أعظم ما يتحقق به دفع الهم والغم فلم أجد أعظم من عبادة الله تعالى ومن محبته والانطراح بين يديه ، فعلمت بذلك أن هدي الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام قد احتوى على طرد الهموم في الدنيا وفي الآخرة " ، لأن الله عز وجل يقول :

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾

[ سورة الطلاق : 2-3]

 لذلك قالوا : توقع المصيبة مصيبة أكبر منها ، أنت من خوف المرض في مرض، من خوف الفقر في فقر ، توقع المصيبة مصيبة أكبر منها .
 أيها الأخوة الكرام : من علامة استقامتك على أمر الله أنك بعيد عن القلق للمستقبل، وعن الخوف منه ، وعن الندم عما مضى ، بدليل أن الله عز وجل يقول :

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾

[ سورة فصلت : 30]

 لا تخافوا من المستقبل ، ولا تحزنوا على الماضي ، ففي آية واحدة غطي الماضي والمستقبل :

﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾

[ سورة فصلت : 30]

 قال بعض الحكماء :

دع الـمقادير تجري في أعنتـــــــــها  و لا تبيتـــن إلا خالي البال
ما بين غمضة عين و انتباهتها  يغير الله من حال إلى حال
***

 أحد العلماء قال : ضاق بي أمر أوجب لي هماً وغماً لازماً دائماً ، و قد أخذت أبالغ وأفكر كيف أتخلص من هذا الأمر بكل حيلة وبكل وجه ، فما رأيت طريقاً للخلاص منه ، ثم عرضت لي الآية الكريمة :

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾

[ سورة الطلاق : 2]

 فعلمت أن التقوى سبب للمخرج من كل هم و غم .

 

تاريخ الأمة الإسلامية و عوامل قوتها :

 أيها الأخوة الكرام : لو ألقينا نظرة سريعة على تاريخ هذه الأمة ، لقد بلغت ذروة صعودها في قرون الخيرية التي أشار إليها النبي عليه الصلاة والسلام ، فعن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ . . .))

[ متفق عليه عن عمران بن حصين]

 وقد بشر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله سبحانه وتعالى لا يهلك هذه الأمة هلاك استئصال ولكن هلاك ضعف ، تضعف وتقوى ، تكبو وتقف ، لذلك :

((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ . . .))

[ مسلم عن ثوبان ]

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا أَعْلَمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا))

[ أبو داود عن أبي هريرة ]

 أيها الأخوة : في أيام الأزمات الحالكات قد ينسى المسلم خصائص هذا الدين العظيم ، هذا الإسلام أيها الأخوة الذي شرفنا الله به وأكرمنا به هو الدين الخاتم ، هو آخر صلة بين السماء و الأرض ، هو المهيمن على جميع الشرائع و الرسالات :

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾

[ سورة الأعراف : الآية 158]

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾

[ سورة الأنبياء : 107]

 هذه الأمة التي ننتمي إليها تملك منهجاً وحيداً صحيحاً لن تمتد إليه يد البشر بالتزوير أو التحريف ، وقد تكفل الله عز وجل بحفظ هذا الدين ، وهذا الدين هو الوحيد القادر على إصلاح ما فسد في حياة البشرية جمعاء ، هذه الأمة التي ننتمي إليها تمتلك المنهج الوحيد الذي له رصيد من التجربة ، لقد طبق هذا المنهج و بلغت به هذه الأمة أوج العلياء والتفوق ، هذه الأمة من خصائص منهجها أنها قادرة على استيعاب غير المسلمين داخلها وفق معايير منطقية ومقبولة وقابلة للتطبيق ، ليس على أساس التناقض والتضاد والكيل بمكيالين ، فالتقوى أساس التفاضل بين المسلمين ، والبر والإحسان أساس التعامل مع غيرهم .
 أيها الأخوة الكرام : هذه الأمة لا ترى الدنيا هي كل شيء كغيرها من الأمم ، الدنيا مزرعة الآخرة ، هذه الدنيا يعطيها الله لمن يحب ، ولمن لا يحب ، ولكن الآخرة وعد صادق ، يحكم فيه ملك عادل ، ما هي مصادر قوة هذه الأمة ؟ هذه الإيجابيات غفل عنها المسلمون ، مصادر قوة هذه الأمة الله عز وجل ، سبحانه و تعالى أكبر وأعز من أن يتخلى عن عباده المؤمنين ، لقد اتصف الله سبحانه و تعالى بكل صفات الكمال والعزة والقهر والقوة والجبروت ، بيده مقاليد الأمور ، إليه يرجع الأمر كله ، هو الذي إذا أراد شيئاً أن يقول له : كن فيكون ، هو الذي يغير ولا يتغير ، يحيي ويميت ، هو المعز ، وهو المذل :

﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾

[ سورة محمد : 7]

 يجب أن يكون الأمل معقوداً على الله وحده ، ومن إيجابيات هذه الأمة أن الكتاب والسنة ما إن نتمسك بهما فلن نضل بعدهما أبداً ، من خصائص هذه الأمة أن المنهج الإلهي منهج كامل شامل ، واقعي وسطي ، مرن عالمي ، رباني متوازن ، يلبي نداء الفطرة ، ولا يتصادم معها ، وهو الذي طبق في حياة البشر ، فحلق بهم في سماء المثل والقيم ، وأحاطهم بأخلاقيات و محاسن لم تر البشرية نظيراً لها .
 أيها الأخوة : قرأت قصة عن سفينة غرقت و نجا بعض ركابها بقارب النجاة ، وكانوا يزيدون على خمسين إنساناً ، من أجل التقاتل على الماء المحدود في هذا القارب قتل بعضهم بعضاً ، ووصل إلى الشاطئ اثنان فقط ، أما في تاريخ هذه الأمة فأربعة جرحى على وشك الموت جاء من يسقي أحدهم فأشار إلى أخيه لعله أحوج مني إلى الماء ، فانتقل إلى الثاني فأشار إلى أخيه فانتقل إلى الثالث ، فأشار إلى أخيه ، ثم مات الثالث ، عاد إلى الثاني فرآه قد مات ، وعاد إلى الأول فرآه قد مات ، هذا المجتمع الإسلامي فيه خصائص كبيرة جداً ، من ضعف المسلمين اليوم ، ومن تكالب أعداء المسلمين عليهم كأنهم غفلوا عن خصائص دينهم .
 أيها الأخوة الكرام : من عوامل قوة هذه الأمة أنها أمة واحدة ، ربها واحد ، إلهها واحد ، نبيها واحد ، قرآنها واحد ، مبادئها واحدة ، قيمها واحدة .
 أيها الأخوة : من عوامل قوة هذه الأمة أنهم يقتربون من ثلث سكان الأرض ، ويحتلون أهم المواقع الجغرافية ، و بيدهم ثروات طائلة ، هذه كلها إيجابيات هذه الأمة .

 

الإسلام العظيم خلاص البشرية :

 أيها الأخوة الكرام : لا يسعني في الحديث عن قيمة هذه الأمة ، وعن قيمة دينها ، ومبادئها أن هذا العالم الذي هداه الله إلى الإسلام في أمريكا ، وقد زار بريطانيا ، والتقى بالجالية الإسلامية فقال : أنا لا أصدق أنه في المدى المنظور يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب لاتساع الهوة بينهما ، ولكنني مؤمن إيماناً قطعياً أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين إذا أحسنوا فهم دينهم ، وأحسنوا تطبيقه ، وأحسنوا عرضه ، لأن في هذا الإسلام العظيم خلاص البشرية .
 إن البشرية الآن تتخبط ، فلا المادة أسعدتها ، ولا الجماعية أسعدتها ، ولا الفردية أسعدتها ، ولا الشرق أسعدها ، ولا الغرب أسعدها ، ولا الخرافة أسعدتها ، ولا الملذات أسعدتها ، إن كل المبادئ الوضعية هي في الوحل الآن ، ولم يبق في ميدان المبادئ والقيم إلا الإسلام ، مع أن الإسلام يحارب في كل بقاع الأرض .

حجم الإنسان عند ربه بحجم عمله الصالح :

 أيها الأخوة الكرام : هناك مرض خطير ذكره الله في القرآن الكريم اتصف به بعض أهل الكتاب ، يقول الله عز وجل :

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[ سورة البقرة : 246]

 الحالة المرضية أن الإنسان يتحمس إلى شيء لا يستطيعه ، لكنه يغفل عن حجم صدقه ، و عن حجم إصراره ، وعن حجم قدرته :

﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾

[ سورة البقرة : 246]

 تمنيات المسلمين كثيرة جداً ، ولكنك إذا وضعتها على المحك تراجع المسلمون عن هذه التمنيات ، في مجالسهم يتكلمون ، يتصايحون ، ينظرون ، يقيمون ، يتراشقون التهم ، أما السلوك العملي فهو المحك :

﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾

[ سورة البقرة : 246]

 فالحديث لا قيمة له ، و النقد لا قيمة له ، و التنظير لا قيمة له ، و أن تنصب نفسك وصياً على المسلمين لا قيمة له ، حجمك عند الله بحجم عملك لا بحجم تمنياتك ، لا بحجم طموحاتك ، لا بحجم مركزك ، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح .

 

ربط عطاء الله عز وجل بسعي الإنسان :

 أيها الأخوة :

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾

[ سورة البقرة : 247]

 أين الاستسلام لله ؟ أين الرضا بما خصك الله به ؟

﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾

[ سورة البقرة : 247]

 أرأيتم إلى هذه المقاييس التي تحكم هؤلاء ، قال :

﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

[ سورة البقرة : 247]

 أيها الأخوة : هؤلاء القلة الذين ساروا مع طالوت أمامهم امتحان آخر ، هذا الامتحان :

﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾

[ سورة البقرة : 249]

 التمنيات مع الله لا تجدي ، لا يجدي مع الله إلا أن تكون صادقاً ، لذلك عطاء الله عز وجل ربط بالسعي :

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾

[ سورة الإسراء : 19]

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

[ سورة الكهف : 110]

 أيها الأخوة الكرام : هذا نموذج بشري ، في حالات الرخاء نتمنى أن نفعل ، وأن نفعل ، فإذا وضعنا على المحك تراجعنا ، هذا التراجع دليل ضعف النفس ، فهذا الذي يتبجح ، ويعلو صياحه قد يكون أشد الناس خوفاً حينما تأتي الأزمة الحقيقية .
أيها الأخوة الكرام : مثل آخر من حياة المسلمين : قال تعالى :

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

[ سورة النساء : 77]

 هذا مرض متفشٍّ في المسلمين ، الصياح والضجيج والحماس ، ثم عند المحك الحقيقي التراجع والخمول ، فينبغي أن نعلم أنفسنا ، ينبغي أن نحيط علماً بقدراتنا ، ينبغي ألا نتطاول على أحد ، ينبغي أن نعرف حجمنا ، وأن نقف عنده ، فرحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده .
 أيها الأخوة الكرام : كأنه يستنبط من أن أشد الناس حماسة واندفاعاً قد يكونون هم أشد الناس جزعاً وانهياراً وهزيمة عندما يجد الجد .
 يقول بعض الأدباء : " لي صديق كان من أعظم الناس في عيني ، وكان رأس ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينيه ، فكان خارجاً عن سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد ، ولا يكثر إذا وجد ، و كان خارجاً عن سلطان الجهالة ، فلا يتكلم بما لا يعلم ، ولا يماري فيما علم ، وكان أكثر دهره صامتاً ، فإذا تكلم بزّ القائلين ، وكان يرى ضعيفاً مستضعفاً ، فإذا جد الجد فهو الليث عادياً "
 يكاد المسلمون يشكلون ظاهرة صوتية ليس غير ، حماس واندفاع وصوت مرتفع وتهديد ووعيد وإدانة واستنكار ، وفي النهاية لا يفعلون شيئاً ، هذا مرض اجتماعي أصيب به بنو إسرائيل ، و قد ذكرت قصتهم ، وأصيب به بعض المسلمين ، فحجمك عند الله بحجم عملك الصالح ، أقلل من الكلام ، وأكثر من العمل ، اسأل نفسك كل يوم : ماذا قدمت للمسلمين لا ماذا قلت ؟ لا ماذا تبجحت ، ماذا قدمت للمسلمين من عمل ؟ لأن الله عز وجل يقول :

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة التوبة : 105]

 و يقول أيضاً :

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

[ سورة الأنعام : 132]

العلم و العمل أساس الترجيح بين المسلمين :

 أروع ما في القرآن : إن القيم التي ذكرت في القرآن و عدت أساس الترجيح بين المسلمين هي قيم العلم وقيم العمل :

﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[ سورة الزمر : 9]

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾

[ سورة المجادلة : 11]

 لأن العلم طريق للعمل الصالح ، ثم يقول تعالى :

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

[ سورة النعام : 132]

 فما لم نعتمد في حياتنا العلم والعمل لا يمكن أن نتفوق ، وما لم يُقيم الإنسان فقط بعلمه وعمله لا بحسبه ولا بنسبه ولا بإنجازاته الموهومة فلن يتقدم هذا المجتمع .
 أيها الأخوة الكرام : تنبيه قرآني دقيق ، يقول الله عز وجل :

﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

[ سورة النعام : 108]

 أنت حينما تفعل شيئاً ، ويسبب هذا الشيء متاعب لا حصر لها للمسلمين ، أنت في النهاية ما فعلت شيئاً ، بل كنت سبباً في إلحاق الأذى الشديد بالمسلمين ، فهذا العمل غير المدروس و غير المؤصّل بالأدلة الشرعية ربما سبب متاعب لا تعد ولا تحصى .
 أيها الأخوة الكرام : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

 

* * *

الخطبة الثانية :

 

 

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة و السلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

على المسلم ألا يتعدى الحدود التي رسمت له :

 أيها الأخوة الكرام : حقيقة دقيقة أرجو الله أن أوضحها لكم ، ما من شيء نهى الله عنه أو نهى رسوله عنه إذا خولف له مضار لا تعد ولا تحصى في الحياة النفسية والاجتماعية ، هذه الآيات القرآنية التي تتحدث عن الحدود التي ينبغي ألاّ نتعداها ، وعن هذه الحدود التي ينبغي ألا نصل إليها ، أن يكون بيننا وبينها هامش أمان ، هذه لو خولفت لرأيت مفاسد لا تعد ولا تحصى ، يقول الله عز وجل يصف النساء المؤمنات الطاهرات :

﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾

[ سورة النور : 31]

 الزينة التي شرحها العلماء التي يمكن أن تبدى لهؤلاء عبروا عنها بثياب الخدمة ، أي الرأس واليدان إلى المرفقين ، واليدان إلى المرفقين وما تحت الركبة ، هذه سماها العلماء ثياب الخدمة ، فالمرأة أمام أبيها وأخيها وابنها وابن أخيها وابن اختها وعمها وخالها ينبغي ألا تظهر أمامهم بما يزيد عن ثياب الخدمة ، فإن تكشفت ، وإن أبرزت بعض مفاتنها ، ولو لمحارمها نتج عن هذا أضرار وأضرار ، ولو أنكم مطلعون عما يجري من مشكلات يعاني منها المسلمون بسبب عدم تطبيق هذه الآية لهالكم الأمر ، ولكن كل واحد يعنيه من المجتمع ما هو متصل به ، أما كصورة شمولية لما يجري في المجتمع فهذه حدود الله ، وحينما يفهم المؤمن أن هذه الحدود هي حدود لسلامته ، وليست حداً من حريته يكون فقيهاً ، وإذا أحب الله عبداً فقهه في الدين ، من علامات الفقه في الدين أن ترى أن حدود الله ليست حدوداً لحريتك ، ولكنها ضمان لسعادتك . فكل انحراف في البيوت ، أو بين الأقارب ، أو بين النساء أنفسهن ، لأن عورة المرأة على المرأة كعورتها على محارمها بالضبط ، فما لم تراعَ هذه الحدود في عورة المرأة على محارمها ، وعلى بنات جنسها فإن مفاسد لا تعد ولا تحصى قد تتفجر من هذا التقصير ، والأمثلة أيها الأخوة كثيرة جداً لا تعد ولا تحصى .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا و تعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام ، وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، اللهم وفق السيد رئيس الجمهورية بشار الأسد لما فيه خير البلاد والعباد ، وهيئ له بطانة خير ووزراء صدق ، يا رب العالمين ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018