الخطبة : 0906 - الوقت. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0906 - الوقت.


2003-11-14

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الوقت :

 أيها الأخوة الكرام : خطب الجمعة في رمضان لها موضوعات مناسبة ، و هذه الجمعة هناك عدة موضوعات تناسب هذه الجمعة من رمضان ، و لكن الذي لفت نظري انقضاء الوقت ، نظرت إلى التقويم فإذا نحن نقترب من العشرين من رمضان ، كيف مضت هذه الأيام العشرون وسوف تمضي أيام العمر كلها ؟ لذلك أيها الأخوة اخترت موضوع الخطبة موضوع الوقت ، الله عز وجل يقول :

﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾

[سورة المؤمنون : 112-116]

 أيها الأخوة ، الزمن يمضي سريعاً ، و بين غمضة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال ، ولو أن الإنسان سأل نفسه هذا السؤال المحرج : كم بقي لي من عمري ؟ من تجاوز الأربعين في الأعم الأغلب الذي بقي أقل مما مضى ، فإذا مضى الذي مضى كلمح البصر ففي الأعم الأغلب أيضاً أن الذي بقي يمضي كلمح البصر .
 أيها الأخوة : ما من تعريف جامع مانع للذكاء كهذا التعريف ، الذكاء هو التكيف ، والتكيف يكون مع المستقبل ، و أخطر حدث في المستقبل مغادرة الدنيا ، فكيف نتكيف مع هذا الحدث الذي لابد منه ؟ لا يدع كبيراً ولا صغيراً ولا صحيحاً ولا مريضاً ولا غنياً ولا فقيراً ولا ملكاً ولا عملاقاً ولا نبياً إلا والموت ينتظره ، فكل مخلوق يموت ، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت .

 

والليل مهما طــــال  فلا بد من طلوع الفـــجر
والعمر مهما طــــال  فلابد من نــــــزول الـــــقبر
* * *
وكل ابن أنثى وإن طالت سلامت ه يوماً على آلة حدباء محمول
فــإذا حملت إلى القبور جنــــــــازة  فــــــــــــاعلم أنك بعدها محمول
* * *

 

معاني النذير :

أيها الأخوة الكرام : في آية ثانية يقول الله عز وجل :

﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾

[سورة فاطر : 37]

 هذا النذير أين هو ؟ يقول الله عز وجل :

﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾

[سورة فاطر : 37]

  لعل النذير هو النبي عليه الصلاة و السلام ، هذا معنى من معاني النذير ، ولكن هناك معان أخرى ، النذير هو القرآن الكريم ، ففيه مشاهد من يوم القيامة ، فيه مشاهد مما سيكون ، فالنذير هو القرآن الكريم :

﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾

[سورة فاطر : 37]

 بالفعل الماضي ، والنذير أيها الأخوة سن الأربعين ، فمن دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة ، و النذير سن الستين ، و النذير الشيب ، عبدي كبرت سنك ، و ضعف بصرك ، و انحنى ظهرك ، و شاب شعرك فاستحِ مني ، فأنا أستحي منك .

 

إلى متى وأنت باللذات مشغول  و أنت عن كل ما قدمت مسؤول
***

 و النذير المصائب إنها رسائل من الله ، أن يا عبدي قد اقترب اللقاء فهل أنت مستعد له ؟ المصائب رسائل من الله عز وجل ، بدليل أن الله عز وجل يقول :

 

﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾

[ سورة القصص : 47]

 المصيبة رسول معه رسالة :

﴿فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾

[سورة طه : 134]

 أيها الأخوة : و النذير موت الأقارب ، هذه كلها نذر من أجل أن يستعد الإنسان لهذه الساعة التي لابد منها ، فالوقت يمضي سريعاً .

 

الإنسان عند الموت أمام خيارين لا ثالث لهما :

 أيها الأخوة الأركام : كان من الممكن أن يبقى الإنسان شاباً إلى نهاية الحياة ، و لكن شاءت حكمة الله أن يضعف بصر الإنسان ، و أن ينحني ظهره ، و أن يشيب شعره ، و أن يشعر بتبدلات في جهازه الهضمي ، و أن يشعر بتبدلات في جهاز القلب والدوران ، وأن يشعر بمتاعب في مفاصله ، هذه الأعراض التي تعتور الإنسان إذا تقدمت به السن لها معنى دقيق ، أن يا عبدي قد اقترب اللقاء بيننا فهل أنت مستعد له ؟ يقول الله عز وجل :

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾

[ سورة الأنعام : 94]

 الإنسان في الدينا قد يكون له جماعة كبيرة ، قد يكون حوله أتباع كثيرون ، قد يكون قوياً ، قد يغضب لغضبته مئة ألف سيف ، قد يشير إشارة كي ينهي حياة إنسان :

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾

[ سورة الأنعام : 94]

 أيها الأخوة الكرام : يقول الله عز وجل :

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾

[سورة الملك : 2]

 بدأ بالموت ، لأن أمام الإنسان عند الموت خيارين لا ثالث لهما ، فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار ، لذلك قال تعالى :

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾

[ سورة آل عمران : 106]

 عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ ))

[ البخاري عن ابن عباس ]

 هذا الفراغ الذي تنعم به ، أتيت إلى البيت الساعة الثانية والربع ماذا تفعل حتى صبيحة اليوم القادم ؟ هذا الفراغ سوف تُسأل عنه ، كيف أمضيته ؟ في معصية أم في طاعة ؟ في طلب علم أم في طلب لهو ؟ كيف أمضيت هذا الفراغ ؟ في عمل صالح أم في شهوة .

﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾

[ سورة التكاثر : 8]

 بل إن بعض العلماء يقول : لتسألن عن الماء البارد ، لتسألن عن نعمة الصحة ، لتسألن عن نعمة الفراغ ، لتسألن عن نعمة الأمن ، لتسألن عن نعمة الكفاية .

 

إدراك الوقت من صفات الموفقين في الحياة :

 أيها الأخوة الكرام : من أدق الأحاديث المتعلقة بالزمن :

(( اِغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ : شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ ، وَفَرَاغِكَ قَبْلَ شُغْلِكَ ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ))

[الحاكم والبيهقي عن ابن عباس وأحمد عن عمرو بن ميمون ]

 البطولة في الإنسان ألا يندم ، فإذا ندم فمعنى ذلك أنه فرط أو أفرط .
 أيها الأخوة الكرام : سيدنا عمر رضي الله عنه يقول :" عجبت لثلاث : لمؤمل والموت يطلبه " . قد تضع خطةً لعشرين عاماً قادمة ويكون الأجل بعد غد ، وقد تشتري بيتاً ولا تسكنه ، وقد تقتني مركبةً ولا تركبها ، وقد تتزوج امرأةً ولا تدخل بها ، من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت .
 يقول سيدنا عمر بن الخطاب : " عجبت لثلاث : " لمؤمل والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه ، وضاحك ملء فيه ولا يدري أساخط عنه الله أم راض ؟" .

 

أتيــــــت القبور فناديتـهـــــــــا  أين المعظـــم والمحتــــــــــقر؟
تفانوا جميعاً فما مخبـــــــــــــر  وماتوا جميعاً ومات الخبـــر
تروح وتغدو بنات الثــــــــــرى  فتمحو محاسن تلك الصور
فيا سائلي عن أناس مضوا  أمالك فيما تـــــــرى معتبــــــــر
***

 سئل سفيان الثوري : اجلس معنا نتحدث ، فقال : كيف نتحدث والنهار يعمل عمله؟ ما طلعت الشمس إلا كانت شاهدةً على العباد فيما فعلوا . وقال بعضهم لأحد العلماء : اجلس معنا فقال : احبسوا الشمس لأجلس معكم .
إدراك الوقت من صفات الموفقين في الحياة ، إدراك قيمة الوقت من صفات المؤمنين ، إدراك قيمة الوقت من صفات الموفقين ، الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما .

 

 

دقات قلب المرء قائلة له  إن الحياة دقائق وثوان
***

 اعمل عملاً صالحاً يكن لك ذخراً يوم القيامة .

 

 

أسعد الناس من لا يحمل أوزار الآخرين يوم القيامة :

 أيها الأخوة الكرام : قيل للجنيد وقد حضرته الوفاة ، فأخذ يقرأ القرآن في سكرات الموت ، ويبكي فقالوا له : تقرأ القرآن وأنت في سكرات الموت ؟ قال : سبحان الله من أحوج مني إلى قراءة القرآن وقد أصبحت لحظات تعد عليّ ؟ يروى أن سكرات الموت جاءت عبد الملك ، فأخذ يتجرع كأس الموت ، ويذوق الموت ، ويشرب الموت ، ويأكل الموت ، وهو في تلك الساعة التي يذل فيها الجبار ، ويذعن فيها المتكبر ، ويفتقر فيها الغني ، سمع غسالاً بجانب قصره في الوادي يغسل ملابسه ، وينشد نشيداً ، وما علم هذا الغسال بموت عبد الملك ، وما أدراه بموت عبد الملك ، فأخذ عبد الملك يقول وهو يبكي : يا ليتني كنت غسالاً ، يا ليتني ما عرفت الخلافة ، يا ليتني ما توليت الملك ، هذا الخفيف الذي لم يحمل أوزاراً هو أسعد الناس:

((إذا أصبح أحدكم آمناً في سربه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا))

[البخاري عن عبد الله بن محصن ]

 فخذ من الدنيا ما شئت ، وخذ بقدرها هماً ، وخذ بقدرها مسؤوليةً ، وخذ بقدرها حسباً ، وخذ بقدرها عقاباً .

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

[ سورة الحجر : 92-93]

 دخلت زوجة عمر بن عبد العزيز إلى مصلاه فرأته يصلي ويبكي تقول له : ما أبكاك ؟ فقال : دعيني وشأني ، فلما ألحت عليه قال : علمت أن الله سيسألني عن المسكين ، وعن الفقير ، وعن ابن السبيل ، وعن الشيخ الكبير ، وعن ذي العيال الكثير والدخل القليل ، وعن المريض ، وعن الأرملة ، وعن اليتيم ، فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً ، وأن حجيجي دونهم رسول الله ، فلهذا أبكي ، دعيني وشأني .
 أيها الأخوة الكرام : قضية الموت قضية مخيفة ، يروى أن الوليد بن عبد الملك الذي تولى الملك والخلافة لما حضرته الوفاة نزل عن كرسي الملك ، ومرغ وجهه في التراب ، وأخذ يبكي ، ويقول : ما أغنى عني ماليَه ، هلك عني سلطانيَه . أما هارون الرشيد الذي ملك الدنيا من المشرق إلى المغرب ، والذي كان يقول للسحابة : اذهبي أينما شئت يأتني خراجك ، فهذا الخليفة بنى قصراً ، وقال لبعض الشعراء : انظم في هذا أبياتاً ، فقال هذا الشاعر الذي عرف بموضوع الزهد :

 

عش ما بدا لك سـالماً  في ظل شاهقات القصور
يجري عليك بما أردت  مــــــــع الــغدو مـــع البكور
فإذا النفوس تغلغـلــت  بزفير حشرجــــت الصدور
فهناك تـعلــم موقنـــــــاً ما  كـنــــــــت إلا في غرور
***

 الدنيا ساعة اجعلها طاعة ، والنفس طماعة عودها القناعة :

 

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾

[ سورة فاطر : 5]

 فبكى ، ونزل عن كرسيه ، وما لبث أياماً إلا وقد فاجأه الموت .

 

لا تأمن الموت في طرف ولا نفس  وإن تمـنـعت بالحراس والحجــــــــــــب
فما تزال سهــــام المـــــــــــــوت نافذةً  في جنـــب مدرع منها ومتـــــــــــــــرس
أراك لســـت بوقـــــــــــــــــــــاف ولا حذر  كالحاطب الخابط الأعواد في الغلس
ترجو النجاة ولم تسـلك مسالكــــها  إن الـسفينة لا تجري على اليـبــــــس
***

 

الدنيا دار بلاء و امتحان :

 أيها الأخوة الكرام : مادمنا أحياء ، مادام القلب ينبض ، مادام في عمرنا بقية ، يقول الله عز وجل :

﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾

[ سورة آل عمران : 135-136]

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾

[ سورة الزمر : 53]

((أيها الناس ، لا خير في العيش إلا لعالم ناطق ، أو مستمع واع ، أيها الناس إنكم في زمن هدنة))

[الأربعون الودعانية الموضوعةعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 أرأيتم إلى العام الدراسي ، هذا زمن هدنة ، الطالب يغدو ويروح ، طالب يدرس ، وطالب لا يدرس ، متى الخزي ؟ في ساعة الامتحان ، فالعام الدراسي زمن هدنة ، لا ترى فرقاً بين الطالب الكسول ، والطالب المجد ، كلهم يرتدي الثياب التي كلفوا أن يرتدوها ، ويغدو ، ويروح ، لكن الذي يدرس يفوز ، وينجح ، ويبيض وجهه ، والذي يتكاسل يخسر ، ويرسب ، ويسود وجهه .

((أيها الناس ، لا خير في العيش إلا لعالم ناطق ، أو مستمع واع ، أيها الناس إنكم في زمن هدنة ، وإن السير بكم لسريع ، وقد رأيتم الليل والنهار يبليان كل جديد ، ويقربان كل بعيد ، ويأتيان بكل موعود ، فقال له المقداد : يا رسول الله وما الهدنة ؟ قال دار بلاء وانقطاع))

[الأربعون الودعانية الموضوعة عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 دار بلاء وامتحان ، تمتحن بالمال ، تمتحن بالوسامة ، تمتحن بالذكاء ، تمتحن بزوجتك ، تمنحن بأولادك ، تمتحن بمنصبك ، تمتحن باختصاصك ، تمتحن بفقد المال ، تمتحن بفقد الصحة ، الامتحان مواده الأشياء التي أنالك الله إياها ، والأشياء التي زواها عنك ، امتحان إيجابي ، وامتحان سلبي ، تمتحن بالقوة وتمتحن بالضعف ، وتمتحن بالغنى وتمتحن بالفقر ، وتمتحن بالصحة وتمتحن بالمرض ، وتمتحن قبل الزواج وتمتحن بعد الزواج .

((أيها الناس ، لا خير في العيش إلا لعالم ناطق ، أو مستمع واع ، أيها الناس إنكم في زمن هدنة ، وإن السير بكم لسريع ، وقد رأيتم الليل والنهار يبليان كل جديد ، ويقربان كل بعيد ، ويأتيان بكل موعود ، فقال له المقداد : يا رسول الله وما الهدنة ؟ قال دار بلاء وانقطاع))

[الأربعون الودعانية الموضوعة عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 دار امتحان ، وسوف تنقطع ، الغني يموت ، والفقير يموت ، والصحيح يموت ، والمريض يموت ، والقوي يموت ، والضعيف يموت ، انقطاع ، دار بلاء وانقطاع .

(( . . .فإذا التبست عليكم الأمور ))

[الأربعون الودعانية الموضوعة عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 كما هي الآن فتن كقطع الليل المظلم ، شبهات ، وترهات ، وضلالات ، وفكر ، ونظريات ، ومقولات ، وطروحات ضلالات ، وفتن بعضها فوق بعض .

(( . . . فإذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن ))

[الأربعون الودعانية الموضوعة عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

القرآن نور و ذكر :

 القرآن نور أيها الأخوة ، القرآن ذكر ،" فإنه شافع مشفع ، وشاهد مصدق ، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة ، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار ، وهو أوضح دليل إلى خير سبيل، من قال به صدق ، ومن عمل به أجر ، ومن حكم به عدل ".
إذا التبست عليكم الأمور ، فكر غربي ، وفكر شرقي ، وفكر إلحادي ، وفكر إيماني ، و شرائع لا يعلمها إلا الله ، وطروحات لا تنتهي في هذه الزحمة ، في زحمة الضلالات، في زحمة الشبهات ، في زحمة الطعن بالدين ، في زحمة تزوير الدين ، في زحمة تفجير الدين من داخله ، في زحمة اصطناع مذاهب دينية ما أنزل الله بها من سلطان ، في زحمة هذه الضلالات عليكم بالقرآن .

الإنسان مخير :

 أيها الأخوة الكرام : يقول الله عز وجل :

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾

[ سورة البقرة : 148]

 أنت مخير ، (هو) تعود على الإنسان ، بدليل : فاستبقوا الخيرات ، الآن أن تكون حيًّا ترزق ، وأن ينبض قلبك ، وأن يكون لك متسع في حياتك ، لم يأت الأجل بعد ، وأنت مخير من خلال اختيارك ، بإمكانك أن تتوب أو لا تتوب ، بإمكانك أن تصلي أو لا تصلي ، بإمكانك أن تكون صادقاً أو أن تكون كاذباً ، بإمكانك أن تخلص :

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾

[ سورة البقرة : 148]

﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾

[ سورة الإسراء : 84]

 ولأنك حي ترزق ، ولأن في العمر بقية ، ولأن القلب ينبض ، ولأن الأجل لم يأت بعد ، قال تعالى :

﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

[ سورة البقرة : 148]

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾

[ سورة آل عمران : 133]

﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾

[ سورة البقرة : 148]

 في أي مكان كنتم ، في حصن حصين ، في طائرة عملاقة ، في بارجة ، في حاملة طائرات ، في بيت مريح ، أينما تكونوا ، وقال بعض علماء التفسير : في أي مكان كنتم، وفي أي مكانة أنتم ، ملك الملوك لابد من أن يموت ، أغنى أغنياء الأرض لابد من أن يموت ، أقوى أقوياء الأرض ، أينما تكونوا يأتي بكم الله جميعاً ، قال تعالى :

﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾

[ سورة الغاشية : 25-26]

آيات كثيرة تصور وضع الإنسان عند الموت :

 أيها الأخوة الكرام : الإنسان متى يعرف قيمة الوقت ؟ متى يتقطع وقته حيث أمضى وقته بالعبث ؟ متى يعتصر قلبه ؟ حينما يأتيه ملك الموت ، الله عز وجل يقول :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

[سورة المنافقون : 9-11]

﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾

[سورة المؤمنون : 99-100]

﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾

[ سورة إبراهيم : 44]

 آيات كثيرة تصور وضع الإنسان عند الموت .

﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾

[ سورة الفجر : 24]

﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾

[ سورة الفرقان : 27]

﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً﴾

[ سورة الفرقان : 28]

 ويذكر الموت مرةً ثانية ، ويذكر الوقت مرةً ثانية يوم القيامة ، قال تعالى :

﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾

[سورة يونس : 45]

نقاط متعلقة بالوقت :

 أيها الأخوة الكرام : نقاط دقيقة متعلقة بالوقت ، ما مضى منه لا يعود ولا يعوض ، فما من يوم ينشق فجره إلا وينادي : يا بن آدم ، أنا خلق جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة ، ما دام الوقت لا يعوض ، ولا يدخر ، ولا يجمع ، ولا يشترى بالمال ، ما دام الوقت لا يعوض ، ولا يجمع ، ولا يشترى ، ولا يعوض ، لذلك كان الوقت أثمن شيء نملكه ، وأنفس شيء نملكه ، هو وعاء العمل ، هو رأس مال الإنسان الحقيقي، إن الحياة من ساعة الميلاد إلى ساعة الوفاة هي الوقت ، لذلك يا أيها الإنسان أنت بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك ، مَن جهل قيمة الوقت فسيأتي عليه حين يعرف قيمته ونفاسته .
 أيها الأخوة الكرام : ساعة الاحتضار حينما يودع الدنيا ، ويستقبل الآخرة ، ويتمنى لو منح مهلة من الزمن ، وأجلاً قريباً يدرك فيه ما فاته ، ليصلح ما فسد ، وليتدارك ما فات ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

[سورة المنافقون : 9-11]

الغفلة عن قيمة الوقت :

 أيها الأخوة الكرام : القرآن الكريم يحذر من الغفلة ، الآن ماذا يقابل إدراك قيمة الوقت ؟ الغفلة ، الموضوع الإيجابي في الوقت إدراك قيمته ، والموضوع السلبي الغفلة عن قيمة الوقت ، قال تعالى :

﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾

[ سورة الأعراف : 179]

تزود من التقوى فإنــــــــك لا تـدري  إذا جـــــن ليل هل تعيش إلى الفجـر؟
فكم من سليم مات من غير عـلة  وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر
وكم من فتى يمسي ويصبح آمناً  وقـــــــــــد نسجت أكفانه وهو لا يـدري
***

 أيها الأخوة الكرام : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، و سيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

تقييم العمر بحجم العمل الصالح :

 أيها الأخوة الكرام : تعليق لطيف لمن يدعو لك ، ويقول : أطال الله عمرك ، العمر لا يطول ، ولا يقصر ، لك عند الله عمر لا يزيد ثانية ، ولا يقل ثانية ، ولكن العلماء وجهوا هذا الدعاء لأن قيمة الوقت ليس بهذا الوقت الزمني الذي يحدد من ولادتك إلى مغادرتك للدنيا ، العمر يقيم بحجم العمل الصالح ، فإذا قلنا لإنسان : أطال الله عمرك ، أي وهبك الله أعمالاً صالحة تغني هذا العمر ، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم أقسم الله بعمره ، لأنه في أعوام محدودة قلب وجه الأرض ، في أعوام محدودة عمت الهداية الخليقة ، فأنت عند الله حجمك بحجم عملك الصالح ، فإطالة العمر تعني أن تزداد عملاً صالحاً .
 لو أن الدولة حددت وقتاً محدداً دقيقاً لافتتاح محلات التجارة ، ووقتاً لإغلاقها ، فجميع المحلات تفتتح الساعة التاسعة ، وتغلق الساعة التاسعة ، التفاوت بينها لا بمدة الوقت ، ولكن بالغلة ، فمن يفتح ساعةً ويكسب مليونًا غير الذي يفتح عشر ساعات ويكسب مئة ليرة ، فقيمة عمرك بحجم عملك الصالح ، وأقوى دليل أن الإنسان إذا وافته المنية يقول :

﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾

[سورة المؤمنون : 99-100]

 لذلك قال صاحب الحكم : رب عمر اتسعت أمداده ، وقلّت أمداده ، ورب عمر قليلة آماده ، كثيرة أمداده ، ومن بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمن من المنن ما لا يدخل تحت دائرة العبارة ، ولا تلحقه ومضة الإشارة .
 أحياناً ربنا عز وجل يبارك لك في وقتك ، فتفعل في الزمن المحدود ما لا يستطيع خمسون إنساناً أن يفعلوه في هذا الزمن ، من أدى زكاة وقته بارك الله له في عمره .
 أيها الأخوة الكرام : ورد في بعض الأدعية : " أن لا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله علماً ، ولا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله قرباً ". البطولة أن تزداد كل يوم علماً وقرباً من الله عز وجل .
 أيها الأخوة الكرام : بعد الإيمان بالله لا شيء يعلو على العمل الصالح ، لكن هذا العمل قال بعض العلماء : كلما اتسعت رقعة العمل شملت أعداداً كبيرة من البشر حتى دخلت فيه الأمم والشعوب ، وكلما امتد أمد العمل وطال توارثت ثماره أجيال وأجيال ، وكلما تغلغل العمل في كيان الإنسان كله المادي والنفسي والاجتماعي والروحي تحقق به وجود الإنسان ، وتألقت من خلال إنسانيته ، إذاً كلما اتسعت رقعة العمل ، وعمّ خيره ، وطال أمده ، واشتد تأثيره كان أعظم عند الله . لذلك الذي ألف كتاباً عن المئة الأوائل في تاريخ البشرية جعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو – أي المؤلِّف - ليس مسلماً ، جعله - صلى الله عليه وسلم - على رأس القائمة ، لأن دعوته اتسعت رقعتها ، وامتد أمدها ، وعظم تأثيرها ، فكان بحق الإنسان الأول .

 

ازدياد قيمة العلم في ميزان الحق كلما كثرت المعوقات في سبيله :

 أيها الأخوة الكرام : تزداد قيمة العلم في ميزان الحق ، وتتضاعف قيمته ومثوبته كلما كثرت المعوقات في سبيله ، ولا يوجد عصر كثرت فيه المعوقات كهذا العصر ، مليون معوق يحول بينك وبين أن تسير إلى الله ، وكلما عظمت الصوارف عن الحق ، وما من عصر كثرت فيه الصوارف عن الحق والأشياء التي تلهي وتغري وتبعدك عن الدين ، وأشياء تقف أمامك عقبة كؤود تمنعك من أن تسير إلى الله كهذا العصر ، لذلك في هذا الوقت تعظم قيمة الأعمال الصالحة :

((عبادة في الهرج كهجرة إلي))

[ مسلم عن معقل بن يسار ]

 أيها الأخوة الكرام : وتزداد قيمة العمل الصالح حينما تفسد المجتمعات ، وتضطرب الأحوال ، فيجور الأمراء ، ويتجبر الأقوياء ، ويترف الأغنياء ، ويداهن العلماء ، وتشيع الفاحشة ، ويظهر المنكر ، ويختفي المعروف ، في مثل هذه الأزمان تزداد قيمة العمل الصالح.

أعظم عمل صالح ما امتد أثره بعد الموت :

 ولكن أعظم عمل صالح ما امتد أثره بعد الموت ، لذلك إذا مات ابن آدم انقطع عمله .
 فالمصيبة أن يموت الإنسان ، وينتهي عمله ، ولكن المصيبة الكبرى أن يموت الإنسان وليس له عمل ، هذا الذي له عمل صالح عند الموت ينقطع عمله ، أما الذي يموت وليس له عمل صالح فمصيبته أكبر ، و من يموت وعليه أوزار لا يعلمها إلا الله فمصيبته أكبر و أكبر، بين أن يموت الإنسان وعليه أوزار ومعاص وآثام وحقوق ومظالم لا يعلمها إلا الله ، وبين أن يموت الإنسان وليس له عمل صالح ، وبين أن يموت وله عمل صالح ، ولكنه سينقطع، لكن هذا الذي سوف يموت وعمله مستمر بعد وفاته هناك مثل بسيط ، قد أمسك بكتاب تفسير ، وقد مات صاحبه قبل ألف عام ، أنتفع بهذا الكتاب ، وقد يعم الخير الأخوة الحضور ، فهذا الذي ألّف هذا التفسير وهو في قبره يرقى عند الله ، وقد تستمع إلى درس ديني رائع من عالم قد توفاه الله ، كنتم مع المرحوم الدكتور فلان مثلاً ، هذا عمل مستمر ، الآن أعظم الأعمال الصالحة ما استمرت بعد الموت ، الآن أعظم الأعمال الشريرة ما استمرت بعد الموت ، أغنية تبقى إلى مئات السنين تغري الإنسان بالمعصية ، وقد مات صاحبها قبل سنوات وسنوات ، ملهى أسس ، توارثه الأبناء ، فكل من دخل هذا الملهى ، وكل من عصى الله في هذا الملهى في صحيفة من بناه ، وأسسه ، وتركه لأولاده ، لذلك أيها الأخوة الكرام : أكبر مصيبة أن يكون هناك عمل سيئ يستمر بعد الموت ، وفي حديث أكثر تفصيلاً :

(( إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علمه ونشره ، أو ولداً صالحاً تركه ، أو مسجداً بناه ، أو بيتاً لابن السبيل بناه ، أو نهراً كراه ، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته ، تلحقه من بعد موته ))

[إسناده حسن لغيره ورد في صحيح ابن خزيمة في باب فضائل بناء السوق]

 الإمام علي كرم الله وجهه يقول : "إنه ليس شيء شراً من الشر إلا العقاب ، وإنه ليس خيراً من الخير إلا الثواب ، وكل شيء في الدنيا سماعه خير من عيانه ، وكل شيء في الآخرة عيانه أعظم من سماعه ، فليكفكم من العيان السماع ، ومن الغيب الخبر ، واعلموا أن ما نقص من الدنيا وزاد في الآخرة خير مما نقص في الآخرة وزاد في الدنيا ، فكم من منقوص رابح، وكم من مزيد خاسر ، واعلموا أن الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه ، وما أحل لكم أكثر مما حرم عليكم ، فذروا ما قل لما كثر ، وما ضاق لما اتسع ، وقد تكفل لكم بالرزق ، وأمركم بالعمل ، فلا يكن المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم ، فبادروا العمل ، وخافوا بغتة الأجل" .
 وأنهي هذه الخطبة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لو أن الإنسان أراد الدنيا وأصر عليها وترك الآخرة ماذا ينتظره من الدنيا ? فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوْ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوْ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ))

[الترمذي عن أبي هريرة ]

الدعاء :

 اللهم أعل كلمة الحق والدين ، اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، و تولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، و إنه لا يذل من واليت ، و لا يعز من عاديت ، تباركت ربنا و تعاليت ، و لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا، مولانا رب العالمين ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، و اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، و اجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، و بطاعتك عن معصيتك ، و بفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، و لا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، و انصر الإسلام ، وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، اللهم وفق السيد رئيس الجمهورية بشار الأسد لما فيه خير البلاد والعباد ، وهيئ له بطانة خير ووزراء صدق ، يا رب العالمين ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018