الخطبة : 0902 - الصيام. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0902 - الصيام.


2003-10-17

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الصيام :

 أيها الأخوة الكرام : نحن على أبواب عبادة عظيمة ؛ عبادة الصيام ، فقد امتن الله جل جلاله على عباده بمواسم الخيرات ، ففيها تضاعف الحسنات ، وتمحى السيئات ، وترفع الدرجات ، تتوجه فيها النفوس إلى مولاها ، فقد أفلح من زكاها ، وقد خاب من دساها ، وإنما خلق الله الخلق لعبادته حيث يقول :

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

[ سورة الذاريات : 56]

 ومن أعظم هذه العبادات الصيام الذي فرضه الله على العباد قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[ سورة البقرة : 183]

 ورغبهم فيه فقال :

﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة البقرة : 184]

 وأرشدهم إلى شكره على فرضه فقال :

﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

[ سورة البقرة : 185]

 وحببه إليهم ، وخففه عليه ، لئلا تستثقله النفوس ، وتهجر المألوفات ، فقال تعالى:

﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾

[ سورة البقرة : 184]

 ورحمهم ، ونأى بهم عن الحرج والضرر ، فقال سبحانه :

﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾

[ سورة البقرة : 184]

 فلا عجب أيها الأخوة أن تقبل القلوب على هذا الشهر الكريم ، ففيه موسم للطاعة، وفيه موسم للقربات ، وفيه موسم للنفحات ، نحن على أبواب عبادة كبرى ، ولكنها عبادة شعائرية ، ومعنى شعائرية أنه يقابلها عبادة تعاملية .

 

العبادات الشعائرية لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحت العبادات التعاملية :

 لا بد من وقفة قصيرة حول أن العبادات الشعائرية لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحت العبادات التعاملية ، إليكم الأدلة من كتاب الله فقط :

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾

[سورة العنكبوت : 45]

 علتها أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فإذا لم تنهَ عن الفحشاء والمنكر كيف يقطف الإنسان ثمرات الصلاة ؟ وفي الحديث عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

((لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا))

[ ابن ماجه عن ثوبان]

 هذه واحدة .
 النبي عليه الصلاة والسلام عليه الصلاة والسلام سأل أصحابه من المفلس ؟ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((هَلْ تَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ قَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 أليست هذه أدلةً صحيحة نقلية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى ؟
 الصيام : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ))

[البخاري عن أبي هريرة]

 الحج : إذا حج الإنسان بمال حرام ، ووضع رجله في الركاب ، وقال : لبيك اللهم لبيك نودي أن : لا لبيك ولا سعديك ، وحجك مردود عليك .
 الزكاة قال تعالى :

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾

[ سورة التوبة : 53]

 هذه الزكاة ، وهذا الحج ، وهذا الصيام ، وهذه الصلاة ، هذه العبادات الشعائرية لا تقطف ثمارها إلا إذا استقامت العبادات التعاملية .
 والعبادات التعاملية أيها الأخوة كالعام الدراسي ، والعبادات الشعائرية كساعات الامتحان ، فما لم يجتهد الطالب ، ويبذل قصارى جهده في القراءة والمراجعة والبحث والدرس والمذاكرة لا ينجح في هذه الساعات الثلاثة هذه أول حقيقة .
الصيام عبادة من أَجَلِّ العبادات ، وقربة من أعظم القربات ، وموسم من مواسم الخيرات ، فيه ترتقي درجات المؤمن ، وتسمو نفسه ، ولكن لابد أن يرافق الصيام انضباط تعاملي ، ولابد من أن يرافق الصيام انضباط تعاملي ، هذه حقيقة .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ))

[البخاري عن أبي هريرة]

صوم شهر رمضان فرض لا شك فيه :

 أيها الأخوة الكرام : أجمعت الأمة على أن صوم شهر رمضان فرض لا شك فيه ، لقوله تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[ سورة البقرة : 183]

 التقوى الطاعة ، لكن متى تطيع ؟ إذا عرفت الحق .
 أيها الأخوة : التقوى أن تتقي الشيء ، التقوى أن تتقي الخطر ، أن تتقي العطب ، أن تتقي الشقاء ، يتقى الخطر بطاعة الله ، يتقى الشقاء بطاعة الله ، يتقى الهلاك بطاعة الله ، لعلكم تتقون ، وبشكل دقيق أراد الله جل جلاله أن يمنعنا في رمضان عن المباحات ، عن الطعام والشراب ، وعن شيء أبيح لنا خارج الصيام فلأن يدع المسلم المحرمات من باب أولى ، عندئذ يختل توازنه ، هو يدع ما هو مباح رضاءً لله عز وجل ، فكيف يقترف ما ليس مباحاً ؟ عملية عميقة جداً لتربية الإرادة ، أنت في رمضان تصلي الفجر في المسجد ، وفي رمضان تغض البصر ، وفي رمضان تدع الغيبة والنميمية ، وفي رمضان تتحرى الحلال ، هذا ينبغي أن يكون في كل شهور العام ، إن الله في هذا الشهر أراد أن يربي إرادتك ، فبدأ بمنعك من المباحات تمهيداً لتمتنع عن المحرمات طبعاً .
 أيها الأخوة : لكل منا رمضان ، هناك إنسان في رمضان يدافع التدني ، وهناك إنسان في رمضان يتابع الترقي ، وهناك إنسان يتوب في رمضان ، وإنسان يتوب من صغائر في رمضان ، وإنسان يرتقي في رمضان ، وإنسان يبلغ درجةً عالية من الإيمان ، فلكل منا رمضان ، ولكن المنافق مثله كمثل الناقة عقلها أهلها ثم أطلقوها ، فلا تدري لا لمَ عقلت ؟ ولا لمَ أطلقت ؟

 

الأوامر والنواهي جلية واضحة لصالح المسلم :

 أيها الأخوة الكرام : في الحديث القدسي : عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ :

((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ . . . . ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 أن معظم الأوامر والنواهي تبدو جليةً واضحةً لصالح المسلم ، نهى عن الكذب أمر بالصدق ، نهى عن أكل المال الحرام أمر بتحري الحلال ، نهى عن الغيبة أمر بالصفح ، فهناك أوامر ، وهناك نواه ، الأوامر ترقى بك ، والنواهي تضعك في أسفل سافلين ، الأمر واضح ، كما لو أن أباً أمر ابنه أن يعتني بأسنانه ، ثمرة هذا الأمر واضحة جداً ، لكن الأب إذا قال لابنه : لا تأكل ، والطعام طيب ، والابن جائع ، والمائدة مائدة أبيه ، هذا الأمر يكشف عبودية الإنسان لله ، فإذا قال الابن : سمعاً وطاعةً يا أبت دون أن يكشف الحكمة فهذا في مستوى راق جداً .
 فيا أيها الأخوة الكرام :

(( . . . الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ . . .))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 والحقيقة كأن الله أرادنا في هذا الشهر أن نكتشف إخلاصنا ، أي الأيام حارة ، وأجمل شيء في اليوم الحار الماء البارد ، وأنت في البيت وحدك ، ولا أحد يراك ، وصنبور الماء بين يديك فلا تشرب ، لأنك تعلم علم اليقين أن الله يراقبك ، وهو معك ، هو يعلم إخلاصك ، ولكنك تكتشف إخلاصك في رمضان ، تكتشف إيمانك أن الله معك دائماً ، وأنه يراقبك ، لعل بهذه الثقة المتجددة في شهر الصيام ترقى إلى الواحد الديان .

 

المؤمن منضبط بمنظومة قيم :

 أيها الأخوة الكرام : إن دعوة الصائم لا ترد ، كما قال عليه الصلاة والسلام : الصائم قريب من الله ، كأن الصيام نافذة مفتوحة إلى السماء ، وكأن النفحات تتأتى في رمضان إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ، هذه واحدة ، أيضاً إننا في هذا الشهر نتعرض لنفحات الله عز وجل ، إن للصائم فرحتين ، إذا أفطر فرح بفطره ، وإذا لقي بربه فرح بصومه ، هل من سبيل في التقرب إلى الله ؟ هل من سبيل منطقي في التقرب إلى الله إلا بترك شيء تحبه ؟ هذا الإنسان الذي فعل ما يشتهي دون ضابط ، دون قيد أو شرط هو كالبهيمة ، لكن حياة المسلم تتميز بالممنوعات ، في حياته خطوط حمراء ، في حياته شيء نهى الله عنه ، في حياته شيء حرم عليه ، ما دام يأتمر بما أمر ، وينتهي عما عنه نهى وزجر فهذه ميزة في نفس المؤمن ، منضبط بمنظومة قيم .
 أيها الأخوة الكرام : حينما تدع شيئاً تحبه لوجه الله تعالى كأنك فعلت شيئاً يعينك إلى أن تقبل عليه ، ترك طعامه وشرابه من أجلي ، ماذا فعل هذا الصائم ؟ ترك طعامه وشرابه من أجلي .
 أيها الأخوة : إن النفس إذا امتنعت عن الحلال طمعاً في مرضاة الله تعالى وخوفاً من عقابه فالأولى أن تنقاد إلى أن تمتنع عن الحرام هذه واحدة .
 الثانية أنت في رمضان تعرف ضعفك ، الإنسان يظن أنه شيء كبير ، كل سلامته متعلقة بكأس ماء ، فلو أن الصيام في شهر حار بعد الساعة الثانية عشرة ظهراً تتمثل الماء البارد والشراب البارد والجو البارد ، تشتهي الطعام ، أنت تأكل وتشرب ، وهذا من علامات ضعفك ، الأنبياء بشر ، كيف وصفوا بأنهم بشر ؟ يأكلون الطعام ، ويمشون في الأسواق ، أنت تجوع ، لكنك ستأكل عند المغرب ، أما هذا الفقير الذي لا يجد ما يأكله عند المغرب فإنه تعريف بافتقارك إليه ، وإنه أيضاً تعريف لجوع الفقير ، تعريف أنك عبد مفتقر .
 تروي الكتب أن خليفة سأله وزيره ، وقد قدم له كأس ماء ، قال : يا أمير المؤمنين بكم تشتري هذا الكأس إذا منع عنك ؟ قال : بنصف ملكي ، قال : فإذا منع إخراجه ؟ قال : بنصف ملكي الآخر . أنت في رمضان تعرف قيمة كأس الماء ، تعرف قيمة طعام الفطور ، تعرف قيمة أنك إذا جعت تأكل ، هذا كله في رمضان تكشف إذاً أنت مفتقر إلى الله عز وجل .
 شيء آخر ، وهذا أدق ما في هذا الشهر ، أنك إذا امتنعت عما هو مباح لك ، ولا شيء عليك في تناوله خارج الصيام فلأن تدع ما هو محرم عليك من باب أولى ، فأي إنسان لا يتوازن إلا إذا ترك المعاصي مع الطعام والشراب ، وإلا ضحك على نفسه ، وإلا سقط من عين الله عز وجل ، يصوم ويغتاب ؟ يصوم ويطلق بصره في الحرام ؟ يصوم ويفعل الموبقات ؟ مستحيل ، كأن الله بهذا أمرك ، بترك ما هو محبب إليك ، وترك ما هو مباح لك ، تمهيداً كي تعقد مع الله توبةً بترك ما نهيت عنه ، لكن البطولة كل البطولة أن تفطر في واحد شوال على الطعام والشراب والمباحات التي منعت عنك ، وتبقى صائماً إلى نهاية العام على كل معصية وإثم حرم عليك .

شهر رمضان يربي إحساس الإنسان بافتقاره إلى الله عز وجل :

 شيء آخر أيها الأخوة : النظام حضارة ، النظام رقي ، أمة بأكملها تتناول الطعام في وقت واحد ، وفي دقيقة واحدة ، وتمسك عن الطعام في وقت واحد و في دقيقة واحدة ، هذا يرسخ ويعزز في المجتمع النظام .
 في رمضان نظام آخر ، الأهل يجتمعون على مائدة الإفطار ، ويجتمعون على طعام السحور ، يأكلون معاً ، ويمتنعون عن الطعام والشراب معاً .
 وهناك ترتيب آخر ، أن تصلي الفجر في مسجد ، فعَنْ جُنْدَبِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ فَلَا يَطْلُبَنَّكُمْ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ))

[مسلم عن جندب بن عبد الله ]

 أنت برمضان تألف أن تصلي في مسجد ، وتألف أن تصلي صلاة الفجر في المسجد ، ولو يعلم الناس ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً ، هذه ساعة الرحمات ، ساعة البركات ، ساعة التجلي ، قال تعالى :

﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾

[ سورة المزمل : 6]

 فيا أيها الأخوة : تتعود على ترك ما تقصر في تطبيقه خارج رمضان ، إذا ربيت إرادتك في رمضان تشعر بضعفك في رمضان ، تحس بألم الجوع ، قرأت عن عالم كبير أستاذ في الرياضيات كان ملحداً ، فهداه الله إلى الإسلام ، وكان اليوم طويلاً ، وشديد الحر ، فمن الساعة الثانية عشرة ترك مكتبه في الجامعة ، وعاد إلى البيت ، لأن ألم الجوع وألم العطش لا يحتمل ، يتابع الأخبار على الشاشة ، فقد رأى في إفريقيا المجاعات ، وازن أنه في حالة من الجوع لا تحتمل ، لكنه بعد ساعات سيأكل ، لكن الذي يراه على الشاشة جوع دائم .
 لعل هذا الشهر يربي الشعور الجماعي ، يربي إحساس الإنسان بجوع الفقراء ، يربي إحساس الإنسان بافتقاره إلى الله عز وجل .
 بالمناسبة أيها الأخوة : الدين كله افتقار إلى الله ، والبعد عن الدين كله اعتزاز بالنفس ، وأوضح دليل أن الصحابة الكرام وفيهم سيد الأنام حينما أخطؤوا فقالوا : لن نغلب من قلة تخلى الله عنهم ، وحينما كانوا مفتقرين إلى الله تولاهم الله ، فمناسبة في رمضان كي تكتشف عبوديتك لله ، مناسبة في رمضان كي تعرف أنك من نوع البشر ، مهما كنت ذكياً ، مهما كنت عالماً ، مهما كنت قوياً أنت مفتقر إلى كأس ماء ، مفتقر إلى كأس عصير ، مفتقر إلى طعام يقيم أودك .

 

فوائد الصيام :

 للصيام فوائد لا تعد ولا تحصى ، ولكن من أجلها أنه كما قال الله عز وجل :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[ سورة البقرة : 183]

 التقوى يعني أنك في خطر نتقي الخطر ، كيف نتقي الخطر ؟ الحقيقة الدقيقة أن الخطر يتقى عندما تراه ، يتقى الخطر بالرؤية ، أنت تقود مركبة في الليل ، ومعك أضواء كاشفة ، رأيت حفرةً ابتعدت عنها ، رأيت مطباً خففت السرعة ، رأيت صخرة ابتعدت عنها ، رأيت مكاناً قذراً تجنبته بسبب هذا الضوء ، من دون هذا الضوء وقعت في الحفرة ، وارتطمت بالصخرة ، وسرت فوق المادة القذرة دون أن تشعر ، إذاً التقوى من موازينها النور .
 أنت حينما تصوم رمضان ، وتقوم رمضان أنت بهذا تقبل على الواحد الديان ، وما من اتصال محكم مع الله عز وجل إلا ومن ثماره نور يقذف في قلب المؤمن ، لذلك المؤمن يرى الحق حقاً فيتبعه ، ويرى الباطل باطلاً فيجتنبه ، وما من عمل أيها الأخوة إلا وقبله رؤيا ، لو شققت على صدر اللص لماذا يسرق ؟ لأنه رأى رؤيا خاطئة ، أنه كسب المال الكثير بجهد قليل ، ونسي العقاب والحساب ، ونسي السجن ، ونسي السنوات الطويلة يقضيها في السجن ، دائماً الإنسان ما من عمل يعمله إلا وراءه رؤيا ، فالبطولة أن تكون رؤيتك صحيحة مستقيمة ، أنت حينما تتصل بالله يقذف الله في قلبك هذا النور ، فترى فيه الحق حقاً والباطل باطلاً ، فكرة دقيقة جداً ، تتقي الخطر برؤيتين ، تراه من خلال اتصالك بالله عز وجل ، والدليل على ذلك أقوى من الشمس قال تعالى :

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾

[ سورة البقرة : 185]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾

[ سورة الحديد : 28]

 إذاً أوضح حكمة للصيام قوله تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[ سورة البقرة : 183]

 تتقون الهلاك في الدنيا ، وتتقون شقاء الآخرة ، تتقون الهلاك في الدنيا حينما ترون رؤيا قلبية لقوله تعالى :

﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾

[ سورة الحج : 46]

 سيدنا يوسف حينما قال : معاذ الله ماذا رأى ؟ وراء هذا الموقف رؤيا ، ولما يرتكب إنسان جريمة الزنا أيضاً يرى أنها مغنم كبير ، شخص رأى الزنا خطراً كبيراً فقال : معاذ الله ، شخص رأى الزنا مغنماً كبيراً فوقع فيه ، قضية رؤيا . تأكدوا أيها الأخوة : ما من عمل يعمله الإنسان إلا وراءه رؤيا ، فإن كانت صحيحةً سعد في الدنيا والآخرة ، وإن كانت خاطئة شقي في الدنيا والآخرة ، هذا الذي يغش ماذا رأى ؟ أنه يضاعف ربحه دون أن يشعر به أحد ، لكنه حارب الله ورسوله ، انقطع عن الله عز وجل ، فكان في عمى ، والأعمى يخبط خبط عشواء .
 نبقى مع الآية :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[ سورة البقرة : 183]

 لعل بهذا الاتصال المحكم وقت تركت الطعام والشراب وسائر المباحات ، وتركت الكذب والغيبة والنميمة والحلف غير الصحيح ، وتركت كل شيء يحجبك عن الله عز وجل ، لعلك بإقبالك على الله ، ولاسيما في صلاة الفجر ، وفي صلاة التراويح ، هذا الاتصال بالله المحكم وهذه النفحات التي عرضت نفسك إليها لعل من ثمارها أن الله يقذف في قلبك نوراً ترى به الخير خيراً والشر شراً هذه واحدة .

آداب الصيام :

 أيها الأخوة الكرام : من آداب الصيام الحرص على السحور وتأخيره ، الشيء المؤسف جداً أن هذا الشهر العظيم شهر العبادة والإنابة والتوبة والقرآن والإنفاق والدعوة إلى الله، هذا الشهر المصطفى من بين كل الشهور ، بالمناسبة إن الله اصطفى بعض الأزمنة وخصها بنفحات خاصة كشهر رمضان ، واصطفى بعض الأمكنة كبيت الله الحرام ، واصطفى بعض خلقه كسيد الأنام ، يوجد اصطفاء مكان ، اصطفاء زمان ، اصطفاء إنسان ، هذا الشهر اصطفاه الله من بين كل الشهور ليكون هذا الشهر شهر نفحات من الله ، كيف أصبح بأيدي المسلمين شهر الأفلام والمسلسلات والحزازير وشهر السهر إلى منتصف الليل ؟ وشهر ولائم وشهر مضاعفة الطعام والشراب ؟ هذا الجسم يحتاج إلى دورة وقائية ، إلى دورة وقائية في العام مرة واحدة ، فحينما تدع الطعام والشراب هذا شيء ثابت بأقوال الأطباء أن هذا الجسم تتجدد أجهزته ، ترتاح أجهزته من عبء الهضم ، ماذا يفعل الناس ؟ هذه الوجبات الثلاثة التي يأكلونها في نهار رمضان جعلوها في ليل رمضان ، له طعام نفيس جداً يأكله عند الإفطار ، وبعده يبرك ، لا يقوى على صلاة المغرب والعشاء ، والتراويح يصليها قاعداً ، لأنه أكل فوق طاقته ، و هناك وجبة بعد أن يأتي إلى البيت بعد سهرة طويلة ، وهناك وجبة قبل الفجر ، ثلاث وجبات كانوا في النهار أصبحوا في الليل ، وإذا كان يتابع هذه المسلسلات وفيها المعاصي والآثام أين هو الإقبال على الله ؟ أين هو غض البصر ؟ أين هو ضبط اللسان ؟ أين هو ضبط الجوارح ؟
 يا أيها الأخوة : رمضان مع الأسف الشديد انقلب بين أيدي المسلمين المقصرين إلى شهر فولكلوري ، شهر صرعات ، شهر فكاهات ، شهر تمثيليات ، والأنكى من ذلك هناك خيام في رمضان تبدأ من أذان المغرب وطعام الفطور ، وتنتهي بالرقص من الراقصات ، وهو في عبادة ، هو في فندق يمضي هذه الساعات في برامج منوعة ، هذا حال المسلمين ، هكذا آلت حال المسلمين ، ماذا يمنع في رمضان أن تجعله شهر عبادة ؟ شهر دعوة إلى الله ، شهر تلاوة للقرآن ، شهر إنفاق للأموال ، شهر صلاة نافلة ، شهر الحفاظ على الصلاة في المسجد .
 أيها الأخوة : الحرص على السحور وتأخيره ، أما هذا الذي يسهر ويأكل الساعة الثانية عشرة ، ويستيقظ الساعة العاشرة في اليوم التالي هو تسحر مبكراً ، من السنة تأخير السحور إلى ما قبل الفجر ، عَنْ أَنَسِ بْن مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك]

 و تعجيل الفطر ، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ ))

[ متفق عليه عن سهل بن سعد]

واجبات الصائم :

 بالمناسبة أيها الأخوة ، والله مرة استمعت إلى سؤال طبي أجاب طبيب بالتغذية هذا الإنسان أكول قال له : كل قطعة من الفاكهة ، وانتظر ربع ساعة ، أنا أستمع بعناية إلى تعليل هذا الطبيب ، قال : لأن سكر الفواكه أسرع أنواع السكر امتصاصاً وانتقالاً إلى مركز الشبع ، فإذا تناولت قطعة فاكهة وانتظرت ربع ساعة ، وبعدها كُلْ تأكل باعتدال ، هكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام كان يفطر على تمرات ، ثم يصلي المغرب والسنة ، وبعدها يأكل ، لأن سكر التمر أسرع سكر في انتقاله من الفم إلى الدم ، الآن يجلس إلى الطعام في رمضان ، وهو بحالة طبيعية ، بحالة معتدلة ، بل إن بعض العلماء يرى أن تؤكل الفاكهة على مدى العام قبل الطعام، لأن سكر الفاكهة يصل إلى مركز تنبه الشبع .
 بالمناسبة أيها الأخوة ، الإنسان إذا كان جائعاً لا يشبع إلا إذا امتلأت معدته إلى أقصاها ، السبب أن المواد الدسمة لا تهضم قبل ثلاث ساعات ، فحتى يصل تأثير هذه المواد إلى مركز الشبع في المخيخ يحتاج إلى ثلاث ساعات ، أما إذا أكل مواد سكرية طبيعية عن طريق الفاكهة هذا السكر ينتقل من الفم إلى الدم بعشر دقائق ، إذا انتقل السكر من الفم إلى الدم بعشر دقائق تنبه مركز الشبع فشعر باكتفاء ، فإذا أكل أكل باعتدال هذا أيضاً من السنة .
 فكان عليه الصلاة والسلام يفطر قبل أن يصلي على تمرات ، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من الماء . وكان من دعائه :

((ذهب الظمأ ، وابتلت العروق ، وثبت الأجر إن شاء الله ))

[ أبو داود عن ابن عمر ]

 ثم من واجبات الصائم أن يدع كل صغيرة ، أن يدع الرفث ، كلمة متعلقة بالنساء ، ينبغي أن يدع كل هذه المثيرات ليبقى صافياً مع الله عز وجل .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

 وفي الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ ))

[ ابن ماجه عن أبي هريرة ]

 هناك عالم في بعض الكتب سماه صيام الكلاب ، جوع فقط ، ومعه صيام المؤمنين امتناع عن المعاصي والآثام ، ومعه صيام الأتقياء متابعة الترقي إلى الله عز وجل .

 

مستحبات الصيام :

 الآن من مستحبات الصيام الجود بالعلم والمال والجاه والبدن والخلق ، ففي الصحيحين عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :

((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ))

[ البخاري عن ابن عباس]

 فكان يجمع بين الصيام والإطعام ، والصيام والقرآن ، والصيام والبذل والعطاء ، فهذه أخلاق الصائم .
 أيها الأخوة الكرام : من فطر صائماً كان له مثل أجره ، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء ، الإكرام ، جاءك ضيف من مكان بعيد أفطرته في رمضان لك مثل أجره .
 أيضاً ينبغي أن تهيئ النفوس في رمضان ، لماذا جعلت هذه الخطبة قبل رمضان ؟ كي نهيئ أنفسنا لرمضان .
 أيها الأخوة الكرام : لا أزيد عن أن أقول هذا شهر العبادة ، شهر القرب ، شهر الذكر، شهر الصفاء ، شهر الإنفاق ، شهر الموعظة ، شهر الإحسان ، شهر المساجد ، هذه بعض نفحات من رمضان .
 أيها الأخوة الكرام : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا و سيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، و عمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها ، و تمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الروح الجماعية تعين الفرد على أن ينتصر على نفسه :

 أيها الأخوة الكرام : شيء لفت نظري ، أنه عقد في القاهرة مؤتمر لمنع التدخين ، وقد توصل هذا المؤتمر لتوصية رائعة ، وقبل أن أقولها هناك مسلمة في الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة ، أن الأصل هو القرآن والسنة ، فنحن نثني على العلم إذا وافق الكتاب والسنة، ولا يمكن أن نثني على الكتاب والسنة إذا وافقا العلم ، هذه قضية في العقل الباطن ، من هو الأصل عندك القرآن والسنة أم العلم؟ هناك توافق ، لكن هذا التوافق يدعوني إلى أن أثني على العلم ، لأنه وصل إلى هذه الحقيقة بالتجريب ، بينما هي في الكتاب والسنة حقيقة مسلم بها ، فهناك من يعتقد أن العلم هو الأصل ، فإذا وافق العلم القرآن فالقرآن كلام الله ، لا ، هذا منطلق خاطئ ، الأصل هو الوحيان الكتاب والسنة ، فإذا وافقا العلم فنعطي العلم شهادة قبول ، لأنه اقترب من الحقيقة .
عقد مؤتمر في القاهرة لمنع التدخين ، وكان ممن تحدث في هذا المؤتمر خبير من بلاد بعيدة له شأن كبير ، أشار إلى تجربة نجحت عندهم ، وهي الامتناع الجماعي عن التدخين، وبيّن في محاضرة مسهبة كيف أن الروح الجماعية تعين الفرد على أن ينتصر على نفسه ، وشيء بين أيديكم لو أن إنساناً أراد أن يصوم خارج رمضان يجد صعوبة كبيرة جداً ، لكن في رمضان شيء مألوف ، حتى الذي يدمن على التدخين لا يدخن في رمضان ، حتى الذي يدمن على الطعام والشراب لا يأكل في رمضان ، شيء طبيعي ، معنى ذلك أيها الأخوة الكرام أن العبادة الجماعية لها دور خطير في تربية الإرادة الإنسانية ، دور خطير ، أحياناً يجتمع أناس لصلاة الفجر ، يجتمع أناس لمهمة معينة ، هذا الاجتماع يقوي إراداة أفراد هذا المجتمع ، فنحن في رمضان نمتنع كلياً عن الطعام والشراب، شيء مألوف جداً ، لكنك لو صمت يوماً خارج رمضان تجد أنك في صعوبة ، تصوم هذا يضيفك ، هذا لا يعلم أنك صائم ، تدخل إلى بيت فيه طعام نفيس ، أما في رمضان فهناك عبادة جماعية ، هذه تعين على تقوية الإرادة ، هذا العالم الذي أدلى بهذا الاقتراح أن يتفق أناس يدخنون على ترك التدخين جماعياً هذا أعون لقوة إرادتهم على أن يكون العمل فردياً ، فنحن في رمضان نصوم جميعاً ، ونضبط لساننا جميعاً ، ونغض البصر جميعاً ، ونصلي في المسجد جميعاً ، إلا أن أعداءنا وقد تواتر هذا عنهم يخافون منا في حالة واحدة ، أن يجتمع الناس في الصلوات الخمسة كما يجتمعون في صلاة الجمعة ، أما في الجمعة فعشرة آلاف مصلّ و في الصلوات الخمسة سبعة أو ثمانية ، وعندئذ لا يخافوننا إطلاقاً ، هذا دين فلكلور ، دين تقاليد وعادات ، أما حينما يقبل الناس على المساجد في الأوقات الخمس وتراها ممتلئة فذاك هو الدين الصحيح .
 زرت بلداً إسلامياً ، أضخم مسجد خارج رمضان صلاة الظهر تقريباً ثلثا المسجد ممتلئ ، هذه ظاهرة رائعة جداً ، فنحن نتمنى على الله أن الأشياء الذي اكتسبناها في رمضان تستمر بعد رمضان ، من صلاة في المسجد ، من تلاوة للقرآن ، من دقة في غض البصر ، من ضبط للسان ، من إنفاق للمال ، من طلب للعلم ، من حضور مجلس علم ، هذا الذي أراده الله عز وجل ، أن تنسحب العادات العبادية في رمضان على أشهر العام ، لا على أن يعود الإنسان كما كان عليه قبل رمضان ، عندئذ ما استفدنا شيئاً ، رمضان ليس مدافعة التدني ، بل هو متابعة الترقي .

الدعاء :

 اللهم أعل كلمة الحق والدين ، اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحا يقربنا إليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام ، وأعز المسلمين ، و خذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، اللهم وفق السيد رئيس الجمهورية بشار الأسد لما فيه خير البلاد والعباد ، وهيئ له بطانة خير ، ووزراء صدق يا رب العالمين ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018