الخطبة : 0901 - أخطار الفضائيات ـ أثر التلفزيون - مومياء فرعون موسى - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0901 - أخطار الفضائيات ـ أثر التلفزيون - مومياء فرعون موسى


2003-10-10

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الإنسان مخير لا مسير :

 أيها الأخوة الكرام : إذا كان من جهة يمكن أن تجبر الإنسان على شيء فهو الله عز وجل ، لأن الأمر كله بيده ، ولأن أمره كن فيكون ، ومع ذلك شاءت حكمة الله أن يكون الإنسان مخيراً ، قال تعالى :

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾

[ سورة البقرة : 256]

 لأن الله لا يريدنا أن نأتيه مقهورين ، يريدنا أن نأتيه محبين ، يريدنا أن نأتيه بمبادرة منا ، يريدنا أن نأتيه باختيار منا ، فلذلك :

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾

[ سورة البقرة : 256]

 وأنبياء الله ورسله لم يجبروا أحداً ، يقول الله عز وجل يخاطب نبيه :

﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾

[ سورة الأنعام : 107]

﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾

[ سورة ق : 45]

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

[ سورة البقرة : 272]

 بل إن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾

[ سورة البقرة : 148]

 (هو) تعود على الإنسان قطعاً ، لأننا لو أعدناها على الله جل جلاله فلا معنى لقوله تعالى :

﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

[ سورة البقرة : 148]

 مادام الله يأمرنا أن نستبق الخيرات إذاً وجهتنا بأيدينا :

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

[ سورة البقرة : 148]

 الإنسان مادام قلبه ينبض ، مادام سمح الله له أن يعيش يومه فهو مخير ، والاختيار فرصة لا تقدر بثمن ، ليختار الصحيح ، ليختار الحق ، ليختار الصواب ، ليختار الخير ، ليختار معرفة الله عز وجل ، ليختار العمل الصالح ، ليختار الصدق و الأمانة :

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

[ سورة البقرة : 148]

 هذه النعمة العظمى ، نعمة أن الله أمد في عمرك ، ومنحك حرية الاختيار ، ليست هذه النعمة مستمرة إلى ما شاء الله ، أينما تكونوا ، في أي مكان كنتم ، بل في أي مكانة أنتم ، أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً ، نحن الآن ما دمنا أحياء نتمتع بنعمة لا تقدر بثمن ، هذه النعمة نعمة الاختيار ، لك أن تختار التوبة ، لك أن تختار الإنابة ، لك أن تختار الطاعة ، لك أن تختار العمل الصالح ، لك أن تختار أن تُكَفّر عما مضى :

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

[ سورة البقرة : 148]

مهمة الأنبياء التبليغ و مهمة العلماء التبيين :

 لذلك إذا كانت مهمة الأنبياء العظام التبليغ فقط فمن باب أولى أن مهمة العلماء لا تزيد على التبيين ، تنتهي مهمة الدعاة إلى الله في التبيين ، والإنسان مخير ، ويدفع ثمن اختياره:

﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾

[ سورة التكاثر : الآية 3-6]

 لترونّ عملكم المنحرف الذي أنتم عليه ، وهو سبب دخولكم الجحيم :

﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾

[ سورة التكاثر : الآية 3-6]

 وحينما يتفضل الله على إنسان كي يسمعه الحق فهذه نعمة لا تقدر بثمن ، بل هي بشارة :

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾

[ سورة الأنفال : 23]

خطر الغزو الثقافي الغربي على المسلمين :

 أيها الأخوة ، هذه مقدمة ، لكن صلب الموضوع أن هذا الغزو الثقافي الذي أصاب المسلمين ، و هو في تقديري و اللهِ أخطر من غزو آخر ، هذا الغزو الثقافي الذي أصاب المسلمين هو أخطر من الغزو العسكري ، ذلك لأنهم كانوا فيما مضى يجبروننا بالقوة المسلحة على أن نفعل ما يريدون ، لكنهم الآن بخبث ما بعده خبث ، يجبروننا بالقوة الناعمة - المرأة - على أن نريد ما يريدون ، فهذا الغزو الثقافي الذي جاءنا من الشرق والغرب حيث تحول كثير من بيوت المسلمين إلى مرتع مفتوح لدعاة الكفر والإلحاد ، ودعاة الشر والفساد ، وزاد تعلق الناس بهذه الثقافة المرئية المصورة التي أتتنا من بلاد بعيدة ، حتى إنها دخلت في تنظيم أوقاتنا ، وتنظيم حياتنا ، وتربية أفكارنا ، وتغيير معتقداتنا ، وتوجيه صغارنا ، وقد يكون زمن الجلوس في بعض البيوت أمام هذا الغزو الثقافي الذي أتانا من بلاد بعيدة شرقاً وغرباً إلى ساعات طويلة ، لو جمعت في عمر الإنسان لكانت عقوداً من السنين ، وهكذا يفقد الناس ما هو أغلى من الذهب والفضة ، ما هو أكثر فائدة ، وأعظم أثراً من أي شيء ، إنه الوقت ، لأن الإنسان وقت ، لأن الإنسان بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه .
 المال أيها الأخوة يعوَّض ، و المال يستثمر ، و المال ينمَى ، و لكن الوقت لا يعوض ، و لا يستثمر ، و لا ينمَى ، ما مضى فات ، و المؤمل غيب ، و لك الساعة التي أنت فيها ، لكنك كلما تحدثت عن هذا الغزو الثقافي الذي يعرض على الشاشات من بلاد بعيدة شرقاً و غرباً فاجأك المستمع بهذا السؤال : ما البديل ؟ أيها الأخوة : البدائل لهذا الوقت الثمين الذي يمضيه معظم الناس بشكل سلبي ، بشكل تلقّ ، بشكل خامل ، بشكل غير فاعل ، كأن الإنسان ألغى وجوده في الحياة ، وكأن الإنسان نسي مهمته ، ونسي هدفه ، ونسي الأمانة التي حمله الله إياها ، ونسي أن الدنيا زائلة ، وأن هناك حياة أبدية باقية ، ونسي أن السعادة الحقيقية في طاعة الله ، أيها الأخوة ، ما البديل ؟ هناك ألف بديل وبديل ، و لكن إذا أردت ، إذا أردت فهناك ألف بديل وبديل ، أما إن لم ترد فليس في الأرض قوة يمكن أن تقنعك بالبديل ، إن ألفت ما أنت عليه ، وعطلت التفكير بالمستقبل ، ونسيت مغادرة الدنيا ، ونسيت ساعة الفراق ، ونسيت وحشة القبر ، ونسيت الحساب الدقيق ، ونسيت خسران الآخرة ، فليس في الأرض من جهة مهما أوتيت من الحجة أن تقنعك بالبديل ، هناك ألف بديل وبديل ، من هذه الألف أن تحقق التقوى في نفسك وفي أبنائك ، وعندها تسعد النفس البشرية بلقاء الله ، في مجال الإيمان سعادة لا يمكن أن ترقى إليها كل متع الأرض ، لو تابعت الجمال بأبهى صوره ، جمال الطبيعة، وجمال المرأة ، لو تابعت كل لذائذ الطعام والشراب ، في القلب فراغ لا يملؤه إلا الاتصال بالله ، لا تملؤه إلا السكينة ، لا يملؤه بمصطلحات العديدين إلا التجلي ، أن يتجلى الله على قلبك ، أن يملأها رضى وسعادة وطمأنينة واستقراراً ورضى بقضاء الله و قدره .

البدائل لهذا الوقت الثمين الذي يمضيه معظم الناس بشكل سلبي :

 أيها الأخوة الكرام :

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾

[ سورة الطلاق : 2]

﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾

[ سورة يوسف : 90]

 ليس ثمن الجنة تافهاً ، ليس ثمن الجنة مبلغاً خفيفاً ، بل ثمن الجنة باهظ ، لكن النتائج لا يمكن أن تقدر بثمن .
 أيها الأخوة ، الحرص على العبادة ، و بخاصة الصلاة في أوقاتها ، والإكثار من النوافل ، نوافل الطاعات ، من صلاة ، وصيام ، وصدقة ، وتلاوة القرآن ، ومذاكرة العلم ، كيف يحس بالفراغ ؟ كان بعض الصالحين يمشي في الطريق ، فرأى مقهى يلعب فيه بالنرد فقال : يا سبحان الله ، لو أن الوقت يشترى من هؤلاء لاشتريناه منهم ، تحري أوقات الإجابة للدعاء والتضرع ، فإن الذي يستغرق في متع الشاشة يحجب عن الله عز وجل ، و تغدو حياته جحيماً لا يطاق ، يجب أن تعرف فتاوى العلماء الصادقين الورعين المخلصين في حكم هذا الجلوس الطويل وراء هذه الشاشات لمتابعة المسلسلات ، وما يعرض فيها من فتن ، و كيف تغرس العقيدة الزائفة ، وكيف يفرغ الدين من مضمونه ، وكيف تغدو الحياة همّ كل إنسان ، و كيف أن الآخرة يعتم عليها تماماً .
أيها الأخوة الكرام : حينما تتعرف على فتاوى العلماء الصادقين في حكم هذه المتابعة وهذا الهبوط يمكن أن تكون هذه الفتاوى معيناً لك على توبتك وطاعتك لله عز وجل ، حينما تقرأ أخطار العكوف على هذه الشاشات الأخطار الجسمية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية ، حينما تقرأ الأخطار ينبغي أن تراجع حساباتك .
 أيها الأخوة الكرام ، أين الواجبات الاجتماعية ؟ أين صلة الرحم ؟ أين بر الوالدين؟ أين تفقد الأرامل و المساكين ؟ أين إعانة أصحاب الحوائج و المحتاجين ؟ هذه الأعمال الصالحة التي ترقى بها إلى الله ألغيت جملة وتفصيلاً ، لأنه لا وقت لدى الإنسان المعاصر إلا أن يكون وعاء يتلقى هذه المياه الآسنة ، وقد أفلح من وصف هذه القنوات بأنها قنوات المجاري.
 أيها الأخوة : الاشتغال بطلب العلم ، وحث أهل البيت على زيادة معلوماتهم الشرعية ، أين يكون هذا ؟ أين الوقت المخصص له ؟ احتلت متابعة المسلسلات كل الأوقات ، ولم يبق وقت لينصح أب ابنه ، ولم يبق وقت لتعاتب زوجة زوجها ، ولم يبق وقت لقراءة مقالة نافعة ، ولم يبق وقت لمتابعة موضوع علمي مثير .
 أيها الأخوة الكرام : كيف يربط الأبناء بسيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ أين علموا أولادكم حب نبيكم و حب أهله و تلاوة القرآن ؟ أين وقت هذا أيها الأخوة الكرام ؟ ما البديل ؟ ينبغي أن تضع برنامجاً لدروس يومية منتظمة بجدول ثابت ، لحفظ آيات من كتاب الله، ولتدبرها ، ولفهمها ، و لو رتب أحدنا وقتاً لمطالعة كتاب الله ، وتلاوته ، و تدبر آياته ، و العمل بها لكان في هذا غنى عن كل شيء آخر ، هل هناك في كل بيت مكتبة فيها كتب قيمة، فيها كتب التفسير ، وكتب الحديث ، وكتب السيرة ، وكتب الفقه ؟ هل ألِف أفراد الأسرة أن يأخذوا كتاباً ليطالعوه أم أن الأسرة بأكملها تقبع كالتماثيل أمام الشاشة ؟ هل في البيت مكتبة إسلامية و لو أنها متواضعة ؟ هل يقوم الأب من مكانه ليمسك بكتاب ويعلم أولاده كيف يراجع هذا البحث في المكتبة ؟
أيها الأخوة الكرام ، الاهتمام بإيجاد مكتبة إسلامية في البيت يعد مرجعاً لأفراد الأسرة ؛ إنْ في السنة الشريفة الصحيحة ، أو في سيرة النبي ، أو في الأحكام الفقهية ، أو في تفسير القرآن ، أو في العقيدة ، هذا واجب كل مسلم ، و الله الذي لا إله إلا هو يمكن أن تجد ألف بديل وبديل ، ويمكن أن تستغرق هذه البدائل كل الوقت ، وتشعر برغبة ملحة في متابعة العلم .
 أيها الأخوة الكرام : وهذا الحاسب الذي هو نتاج هذا العصر يمكن أن يوظف في الحق بشكل لا يصدق ، وهذا بديل أيضاً عن متابعة المسلسلات ، ومتابعة المهرجين والمهرّجات .

 

الوقت هو أثمن شيء يملكه الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام : إدارة الوقت لا يحسنها إلا قلة قليلة ، لأنك وقت ، لأن رأسمالك هو الوقت ، لأن أثمن شيء تملكه هو الوقت ، من منا يدير الوقت ؟ من منا يضع هدفاً ويمشي نحوه ؟ من منا يرسم هدفاً ويحققه ؟ من منا يحاسب نفسه على ساعة مضت لم يذكر الله فيها ؟ من منا يستغل كل دقائق حياته ؟ ألم يقسم الله جلّ في علاه بعمر النبي فقال :

﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾

[ سورة الحجر : الآية 72]

 إن أردت أن تأخذ مثلاً آخراً ؛ هؤلاء العلماء الكبار الذين تركوا مئات الكتب متى طلبوا العلم ؟ ومتى ألّفوا ؟ ومتى كتبوا ؟ ومتى نقحوا ؟ لأن الله بارك لهم في وقتهم ، لأنهم عرفوا قيمة الوقت ، وأقبلوا على الله عز وجل فبارك الله لهم في وقتهم .

 

بدائل أخرى عن الغزو الثقافي الغربي :

 أيها الأخوة الكرام : ما الذي يمنع أن يكون البديل أن تأخذ أهلك إن أمكنك إلى مكان طبيعي ، فيه الطبيعة الجميلة ، و فيه الهواء النقي ، وأن تبتعد عن الناس المتفلتين ، وأن يستمتع الأهل بوجودك معهم ، وبوجودهم معك ؟ هذا أيضاً من البدائل ، أن تخرج إلى مكان جميل ، هذه الطبيعة الجميلة التي حبانا الله بها يمكن أن تستخدم سيارة أجرة ، ليس شرطاً أن تمتلك سيارة ، اجعل في برنامجك أن تأخذ أهلك من حين إلى آخر إلى مكان جميل ، وأن تحدثهم ، وأن تستمع إليهم ، وأن تلاطفهم ، قيادة الأسرة فن أيها الأخوة .
 أيها الأخوة الكرام : ولماذا ننسى الرياضة ؟ لم لا يكون هناك برنامج رياضي لأفراد الأسرة كي تصح الأجسام و تقوى ؟ لأن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى، العقل السليم في الجسم السليم ، هذا الجسم وعاء عملك ، هذا الجسم قوام حياتك ، هناك إهمال ما بعده إهمال ، ترى النساء يصبن بأمراض عضال في وقت مبكر ، منها ترقق العظام لعدم الحركة ، أكل وشرب وجلوس وراء الشاشة حتى ينتهي البرنامج بعد منتصف الليل .
 أيها الأخوة الكرام : زيارة الصالحين ، أليس في هذه البلدة إنسان صالح تعقد معه موعداً لزيارته ، وتستفيد من علمه ، ومن خبرته ، ومن تجربته في الحياة ؟
 أيها الأخوة الكرام : هذه الفتاة حينما تتزوج لا تفقه شيئاً في تدبير المنزل ، تقع في حماقات ما بعدها حماقات ، أين أمها ؟ ليس هناك وقت لتعليمها ، ليس هناك دقيقة لتعلم ابنتها، تقع في أخطاء فاحشة مع زوجها ، ومع أولادها ، وفي إدارة المنزل ، وفي تهيئة الطعام ، وفي تهيئة اللباس ، تشعر أن هذه الأم كانت غارقة في المسلسلات ، أنّى لها أن تعلم ابنتها ؟ وبعد ذلك تسأل عن البديل ؟ هل هناك جدول زمني لحضور بعض المحاضرات الدينية ، إن في تفسير القرآن ، أو في شرح الحديث الشريف ، أو في الأحكام الفقهية ، أو في السيرة النبوية ، حضور درس علم شيء ثمين جداً في حياة المسلمين ، هل لك مساهمة في الأعمال الخيرية وما أكثر الجمعيات الخيرية ؟ هل لك مساهمة و لو متواضعة في عمل دعوي ؟ في عمل خيري ؟ في لجنة بناء مسجد ؟ ميتم ؟ في أعمال البر التي لا تعد و لا تحصى ؟ هل هناك يوم في حياتك يوم مفتوح من أجل أن تعيش مع أولادك حياة ثقافية ؟ أن يعد أحد أولادك موضوعاً ، وأن يتلوه على إخوته وأمه ، وأن تناقشه فيه ، وتسأله عن الأدلة و البراهين ، وعن الأسباب التي حملته على اختيار هذا الموضوع ؟ ألا تعيش الأسرة حياة ثقافية راقية ؟
 أيها الأخوة الكرام : هناك نشاطات لا تعد ولا تحصى ، هل حرصت على أن يحفظ أولادك القرآن ؟ هل ألحقتهم بمعهد تحفيظ قرآن ؟ هل سألتهم مساء ماذا تعلمت يا بني ؟ من هو أستاذك حتى أشكره ؟ هل أقمت علاقة بينك وبين إدارة المعهد كي يشعر الطفل أنه ملاحق من كل الجهات ؟ تسأل بعدها عن البديل ؟

الانحرافات الخطيرة في حياة المسلم سببها المسلسلات الهابطة :

 أيها الأخوة : المشكلة يوجد انحرافات خطيرة جداً سببها المسلسلات كيف ؟ لا أكتمكم أن وضع المسلمين قبل خمسين عاماً يختلف اختلافاً كلياً عن وضعهم الحالي ، فالمرأة في المسلسلات لا يعرض دفؤها إلا في الحرام ، الزوجة مملة ، ليس هناك متعة مع الزوجة إطلاقاً ، إلا أن تكون بالحرام ، هذا مع متابعة المسلسلات أصبح في العقل الباطن للإنسان لا يمكن أن يتصور أنه يستمتع بزوجته إلا بامرأة لا تحل له ، لذلك ارتفعت نسبة الخيانات الزوجية إلى عدد وبائي ، و أنا أعني ما أقول ، وبحكم عملي في الدعوة تصل إلي معلومات دقيقة جداً في نسبة الخيانة الزوجية ، لأن الذي يتابع هذه المسلسلات يصل إلى عقله الباطن أن المرأة لا يمكن أن تكون ممتعة إلا إذا كانت بالحرام .
 أيها الأخوة الكرام : هذه الأعمال الفنية أحياناً تستطيع أن تخترق خطوط دفاع الإنسان ، والإنسان بحسب تربيته الدينية ، وتلاوته للقرآن عنده خطوط دفاع ، هذه الأعمال الفنية يمكن أن تخترق خطوط دفاعه ، ويمكن أن تزين له المعصية .
 كلمة قالها بعض الأدباء : " من حق الأديب أو أي عمل أدبي أن يصور الرذيلة " هذا مسموح في الأدب ، ولكن على نحو نكرهها ، على نحو نشمئز منها ، على نحو نحتقرها ، أما إذا صورت الرذيلة على نحو ممتع متعة فائقة ، وعلى نحو يعد الذي يفعلها بطلاً فإن مجتمعاً بأكمله يمكن أن يسقط من خلال هذا الفن .

على الآباء الاهتمام بهوايات الأبناء و تحصيلهم العلمي :

 أيها الأخوة الكرام : هناك بدائل لا تعد ولا تحصى ، يكفي أن تهتم بعمل دعوي ، يكفي أن تضع لك هدفاً كبيراً يستغرق كل وقتك ، أنت في شباب دائم ، المؤمن لا يشيخ أبداً لأن هدفه هو الله ، و مهما أمضى من الأوقات ليلاً ونهاراً ، صيفاً وشتاء ، قبل الزواج وبعد الزواج ، في الصحة والمرض ، إنه يشعر أنه شاب ، لأن بينه وبين هدفه بون شاسع .
 أيها الأخوة الكرام : أن تهتم بهوايات الأبناء ، قد يتفوق ابنك بالخط ، أو بالخطابة، أو بالمطالعة ، أو بهواية مشروعة صحيحة ، أن تنمي هذه الموهبة ، وأن تجعله متفوقاً فيها ، هذا من البدائل ، أن تعد بحثاً علمياً تقرأ المراجع والمصادر ، والله طالب من طلاب هذا المعهد ألّف كتاباً في التاريخ ، لا يصدق العقل أن هذا الطالب بهذه السن يؤلف هذا الكتاب ، وقد وزع الكتاب ، وروجعت مصادره ، و هو في قمة النجاح ، لقد تعهد أخ كريم بطباعته على نفقته ، هو في الصف الثامن ، هناك هوايات عند الأبناء لو نمت ، وتعهدت ، وصقلت لكانوا أعلاماً في الأمة ، و تقول : أين البديل ؟ لكن لا يوجد وقت ، هذه الشاشة سرقت منكم كل الوقت ، ولم تبق وقتاً لأي شيء ، إلا أن يأكل ، وأن يشرب ، وأن يتلقى ، وهذا الذي يقول : أنا لابد من أن أتابع أخبار اليوم ، فإن هناك مصادر أخرى لا تعد و لا تحصى يمكن أن تأخذ منها أدق الأخبار ، وأدق التفاصيل دون أن تسمح لأسرتك أن تنهار من أجل الأخبار .
 أيها الأخوة الكرام : صدقوا ولا أبالغ هل يمكن أن تختار من بين الساقطين بعض الأشخاص الذين يعتقدون الإلحاد ، وبعض الأشخاص الإباحيين وتجعلهم موجهين لأولادك هل تقبل بهذا ؟ هذا الذي يقع ، حينما تكون الشاشة مصدراً ثقافياً واحداً لأبنائك كأنك تفعل هذا ، كأنك تختار أناساً بلا عقيدة لا يؤمنون بالآخرة ، ولا بهذا الدين ، ولا بأي حرام أو حلال ، تدعوهم ، وترجوهم أن يربوا أولادك ، وتختار فئة أخرى إباحية ترجوها أيضاً أن تربي أولادك ، دقق ، هل تستطيع أن تبقي في بيتك خمسة أشخاص ذكور على مستوى من الوسامة عالية جداً، ومن الخبث والمكر ، وأن تقول : لا تكلموا أحداً من أفراد البيت حتى أعود ؟ هل تكون مطمئناً على ذلك ؟ هذا الذي يحصل .
 أيها الأخوة الكرام : لو أن واحداً أقنعك أن هناك مرضاً خطيراً يصيب عين طفلك من متابعة الشاشة ترفض أشد الرفض ، وتذهب بهذا الجهاز ، تهتم بعينه ولا تهتم بقلبه ، ولا تهتم بعقيدته ، ولا تهتم بسلوكه .

رسالة من والد عن مضار التلفزيون :

 مرة ثانية أيها الأخوة الحقيقة المُرة أفضل ألف مَرة من الوهم المريح .
 أيها الأخوة الكرام : هذا غيض من فيض من مضار الشاشة التي كانت حجاباً بين المسلمين وربهم .
 يا أيها الأخوة الكرام : تدبروا أمركم ، لازلنا أحياء ، لازال القلب ينبض ، لازال في العمر بقية ، يمكن أن نصحح ، يمكن أن نغير ، يمكن أن نستخدم البديل ، وهناك ألف بديل و بديل .
 أيها الأخوة الكرام : شخص ، رب أسرة ، يقول : لقد اكتشفت فجأة أن هذا الوحش الذي يقيم بيننا طوال تلك السنين دون أن ندري لقد كان دائم التجمل أمامنا ليخدعنا ، لقد دخل بيتنا ضيفاً عزيزاً أكرمناه ، وأحللناه في صدر البيت ، راح يتكلم ، ونحن نصغي إليه بانتباه شديد، يعرض علينا ما يشاء من المناظر النافعة والخبيثة ، نتلقاها كلها باحترام ، نحافظ أمامه على الهدوء والسكينة ، لا ينطق أحد بكلمة ، ولا ينبس ببنت شفة ، فلا نقاطعه ، ولا ننتقده ، بل نصغي إليه باستسلام كامل ، ولساعات طويلة كل يوم ، حارمين أنفسنا من التفاعل فيما بيننا وبين الآخرين ، ومضت السنون ونحن على أدبنا الجم في حسن الاستماع إليه وحده ، حتى تنبهنا ذات يوم إلى حقيقة مرعبة ، فخلال هذه السنين الطويلة قام هذا الضيف الذكي ببناء علاقة ودية وفكرية وعاطفية ومزاجية مع كل أفراد الأسرة ، تأصلت ونمت على حساب علاقاتنا الأسرية والاجتماعية التي ضعفت حتى أصبحنا نعيش في بيت واحد كالغرباء ، وأصبح كل منا منسجماً مع هذا الضيف ، ويبني علاقاته بالآخرين لا من خلال المبادئ الدينية الأصيلة ، ولا من خلال القيم الأخلاقية الخالدة ، ولكن من خلال ما يوحيه إليه هذا الضيف ، من خلال حديثه وعروضه ، ولم يترك لنا هذا الضيف وقتاً لنبحث فيه عن الحقيقة ، وعما يسعدنا في دنيانا وأخرانا ، فالوقت وهو أثمن شيء في حياتنا ليس ملكنا ، بل ملك هذا الضيف ، حتى أصبح المصدر الوحيد لثقافتنا ، ولا يسمح لنا بتنويع مصادر هذه الثقافة ، ولم يعد متاحاً لنا كوالدين القيام بمسؤولياتنا التربوية تجاه أولادنا ، بل انحصر همنا في تأمين الطعام لأولادنا ، وانحصر همّ الأولاد بتناول الطعام بصحبة هذا الضيف ، ولكثرة ما عرض عليهم هذا الضيف من مشاهد العنف والإثارة التي راحت تتزاحم في ذاكرة الأولاد ، وتملأ صورها مخيلتهم ، وتجعل فكرهم في انشغال دائم ، بين مختلف المؤثرات الصوتية ، والصور المثيرة فلم يعد أحدهم قادرًا على استيعاب دروسه ، وغلب العنف على تصرفاته ، والأنانية على طباعه ، وسيحتاج كل منهم إلى سنوات طويلة إلى إعادة تأهيله ليتخلص من هذه الأنانية ، وهذا العنف ، ليصبح عضواً صالحاً في الأسرة والمجتمع . وهؤلاء الأولاد هم أعز ما نملك ، ولم يبق لي منهم إلا أجسامهم ، أما أفكارهم وعواطفهم وأخلاقهم فقد أصبحت لشخصيات غريبة عن مجتمعنا ، وعن قيمنا ، وعن مبادئنا ، ولا يجمعني بهم جامع ، وأمام هول هذه الكارثة قررت أن أقوم بمبادرة أخيرة أحاول بها استرجاع أسرتي ، وبقرار حازم أخرجت هذا الوحش من حياتنا مستغنياً عن أناقته ، وجميل طلته ، وبدائع أكاذيبه ، حتى إني استغنيت عن تقاريره العلمية والإخبارية التي يمكن أن آخذها من ألف مصدر و مصدر .

تأثير التلفاز على شريحة في مجتمعنا كبيرة جداً :

 أيها الأخوة : عقد مؤتمر حول الشاشة ، فكان من توصيات هذا المؤتمر : يسهم هذا الضيف بشكل أو بآخر ، عن قصد أو عن غير قصد ، في تدمير القيم الاجتماعية ، ونشر وتكريس التفاهة ، وسلب الحساسية ، وقتل الإبداع ، وتشكيل عقبة كؤود أمام التربية والتعليم ، ونسف ومسح المكتسبات والمنجزات الاجتماعية والتربوية والتعليمية التي تم الحصول عليها ، وإنجازها بصعوبة بالغة ، كذلك فإن أصابع الاتهام تشير إلى أن هذه الأشكال الثقافية التي يصدرها الغرب إلى البلاد النامية تشجع على السلبية والانعزال ، وتعطي الأولوية لثقافة الهروب القائمة على الخمول ، و الانفصال عن الواقع ، و الفردية المناهضة لروح الجماعة ، والعمل الجماعي ، وبخاصة على أغلى شريحة في حياتنا ، إنها الأطفال .
 الطفل أيها الأخوة : لا يتعامل بالفكرة أبداً ، يتعامل بالصورة ، يكفي أن تريه صورة إنسان متدين ثقيل الظل ، وبين أن تريه صورة إنسان متفلت ، ولكنه خفيف الظل ، يكره الدين كله ، هذا التأثير السلبي الخطير على أغلى شريحة في حياتنا على أطفالنا .
أيها الأخوة : هذا الضيف يؤثر على شريحة في مجتمعنا كبيرة جداً ، يسهل التأثير عليها ، إنها شريحة الأطفال ، والحقيقة يوجد إحصاء دقيق أن نسب الأطفال في العالم العربي أربعة و خمسون بالمئة ، أي نصف المجتمع من مجموع السكان ، فهذا الضيف يفعل كل هذه الأفعال في هذا الجيل ، فإن أردنا أن ننتصر على أعدائنا ، وهم يهددوننا كل يوم ، ويتوعدون بمقاطعة اقتصادية تفقرنا ، ما نزل بلاء إلا بذنب ، ولا يرفع إلا بتوبة ، إن أردنا أن ننتصر على أعدائنا ، وأن نقف على أقدامنا ، وأن نثق بوعد الله لنا فلابد من محاسبة هذا الضيف ، أنا أراه عقبةً كؤودًا أمام الصلح مع الله .
 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ،

والحمد لله رب العالمين .
* * *

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

مومياء فرعون موسى :

 أيها الأخوة الكرام : في موقع معلوماتي اطلعت على هذا الموضوع ، أنقله لكم بتفاصيله ، حينما تسلم الرئيس الفرنسي الراحل ميتران زمام الحكم في فرنسا عام ألف وتسعمئة وواحد وثمانين طلبت فرنسا من مصر في نهاية الثمانينات استضافة مومياء فرعون ، لإجراء اختبارات وفحوصات أثرية ، فتم نقل جثمان أشهر طاغوت عرفته الأرض ، وهناك عند سلم الطائرة اصطف الرئيس الفرنسي منحنياً هو وكبار وزرائه ليستقبلوا فرعون ، وعندما انتهت مراسم الاستقبال الملكي لفرعون على أرض فرنسا ، حملت هذه المومياء بموكب لا يقل حفاوة عن استقباله ، وتمّ نقله إلى جناح خاص في مركز الآثار الفرنسي ليبدأ بعدها أكبر علماء الآثار في فرنسا وأطباء الجراحة والتشريح دراسة تلك المومياء ، واكتشاف أسرارها ، وكان رئيس الجراحين والمسؤول الأول عن دراسة هذه المومياء البروفيسور موريس بوكاي ، كان المعالجون مهتمين بترميم المومياء ، بينما كان اهتمام هذا الجراح موريس هو محاولة أن يكتشف كيف مات هذا الملك الفرعوني ، وفي ساعة متأخرة من الليل ظهرت النتائج النهائية ، كانت بقايا من الملح العالقة في جسده أكبر دليل على أنه مات غريقاً ، وأن جثته استخرجت من البحر بعد غرقه فوراً، ثم أسرعوا بتحنيط جثته لينجو بدنه ، لكن أمراً غريباً مازال يحيره ، وهو كيف بقيت هذه الجثة أكثر سلامة من غيرها على الرغم من أنها استخرجت من البحر ؟ كان موريس بوكاي يعد تقريراً نهائياً عما كان يعتقده اكتشافاً جديداً في انتشال جثة فرعون من البحر وتحنيطها بعد غرقه مباشرة ، ثم همس أحدهم في أذنه قائلاً : لا تتعجل ، فإن المسلمين يتحدثون عن غرق هذه المومياء ، ولكنه استنكر أشد الاستنكار ، استنكر بشدة هذا الخبر ، واستغربه ، فمثل هذا الاكتشاف لا يمكن معرفته إلا بتطور العلم الحديث ، وعبر أجهزة حاسوبية حديثة بالغة الدقة ، فقال له أحدهم : إن قرآنهم الذي يؤمنون به يروي قصة غرقه ، وعن سلامة جثته بعد الغرق ، فازداد ذهولاً ، وأخذ يتساءل كيف هذا ؟ وهذه المومياء لم تكتشف إلا في عام ألف وثمانمئة وثمانية وتسعين - أي قبل مئتي عام تقريباً - بينما قرآنهم موجود قبل أكثر من ألف وأربعمئة عام؟ وكيف يستقيم في العقل هذا والبشرية جمعاء وليس العرب فقط لم يكونوا يعلمون شيئاً عن قيام قدماء المصريين بتحنيط جثث الفراعنة إلا قبل عقود قليلة من الزمان فقط ؟
 جلس موريس بوكاي ليلته محدقاً بجثمان فرعون يفكر بإمعان عما همس به صاحبه له من أن قرآن المسلمين يتحدث عن نجاة هذه الجثة بعد الغرق ، بينما كتابهم المقدس يتحدث عن غرق فرعون في أثناء مطاردته لسيدنا موسى عليه السلام دون أن يتعرض لمصير جثمانه ، وأخذ يقول في نفسه : هل يعقل أن يكون هذا المحنط أمامي هو فرعون الذي كان يطارد موسى ؟ وهل يعقل أن يعرف محمدهم هذا قبل أكثر من ألف عام ؟ لم يستطع موريس أن ينام ، وطلب أن يأتوا له بالتوراة ، وأخذ يقرأ بالتوراة فرجع الماء ، وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون الذي دخل وراءه في البحر ، ولم يبق منهم ولا واحد ، وبقي موريس بوكاي حائراً ، فحتى الإنجيل لم يتحدث عن نجاة هذه الجثة وبقائها سليمة ، وبعد أن تمت معالجة جثمان فرعون وترميمه أعادت فرنسا لمصر المومياء ، ولكن موريس لم يهنأ له قرار ، ولم يهدأ له بال منذ أن هزه الخبر الذي يتناقله المسلمون عن سلامة هذه الجثة ، قال تعالى :

﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً﴾

[ سورة يونس : 92]

 فحزم أمتعته ، وقرر السفر إلى بلاد المسلمين لمقابلة عدد من علماء التشريح المسلمين ، وهناك كان أول حديث تحدثه معهم عما اكتشفه من نجاة جثة فرعون بعد الغرق ، فقام أحدهم وفتح له المصحف وأخذ يقرأ قوله تعالى :

﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾

[ سورة يونس : 92]

 لقد كان وقع الآية عليه شديداً ، ورجت نفسه رجةً جعلته يقف أمام الحضور ، ويصرخ بأعلى صوته : لقد دخلت في الإسلام ، وآمنت بهذا القرآن ، ورجع إلى فرنسا بغير الوجه الذي ذهب به ، وهناك مكث عشر سنوات ليس له شغل سوى دراسة مدى تطابق الحقائق العلمية والمكتشفة حديثاً مع القرآن الكريم ، والبحث عن تناقض علمي واحد مما يتحدث به القرآن ليخرج بعدها بنتيجة قوله تعالى :

﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾

[ سورة فصلت : 2]

 أيها الأخوة : ألّف كتباً عن تطابق الحقائق العلمية التي وردت في القرآن مع أحدث الحقائق العلمية .
 أيها الأخوة : هذا يؤكد أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن .الدعاء

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ، ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام ، وأعز المسلمين ، وأذل الشرك والمشركين ، أذل أعداءك أعداء الدين يا رب العالمين ، شتت شملهم ، فرق جمعهم ، خالف فيما بينهم ، اجعل الدائرة تدور عليهم ، اجعل تدميرهم في تدبيرهم يا رب العالمين ، أرنا قدرتك في تدميرهم يا أكرم الأكرمين ، انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا يا رب العالمين ، اللهم وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى ، واجمع بينهم على خير ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018