الدرس : 46 - سورة آل عمران - تفسير الآيتان 161 – 162 المؤمن لا يخون ولا يكذب - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 46 - سورة آل عمران - تفسير الآيتان 161 – 162 المؤمن لا يخون ولا يكذب


2001-10-12

 الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السادس والأربعين من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الواحدة والستين بعد المئة الأولى ، وهي قوله تعالى :

﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

( سورة آل عمران : 161 )

وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

1 ـ أشد صيغ النفي( ما كان ):

 أيها الإخوة : أول ملاحظة أن في اللغة العربية صيغة من أشد صيغ النفي على الإطلاق ، هي قوله تعالى :

 ( ما كان )

 قال عزوجل :

 

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

( سورة الأنفال : 33 )

 يمكن أن تفهمها على الشكل التالي : مستحيل وألف ألف مستحيل .

 

﴿ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾

( سورة التوبة : 70 )

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ ﴾

( سورة آل عمران : 179 )

2 ـ بين نفي الحدث ونفي الشأن :

 فأية صغية تأتي على شكل ما كان تفيد أن هذه من أشد صيغ النفي ، ذلك أن النفي نوعان ، نفي حدثٍ ، ونفي شأنٍ ، قد نلتقي بسارق كبير ، نسأله : أسرقت هذه الحاجة ؟ يقول لك لا ، لم أسرقها ، هو نفى سرقة هذا القلم ، لكن سرق أشياء أكبر من هذا بكثير ، أما إذا سألت إنساناً شريفاً ، هل أخذت هذا ؟ يقول لك : ما كان لي أن أفعل ، أي هذا ليس من شأني ، ولا من طبيعتي ، ولا أرضاه ، ولا أقبله ، ولا أقره ، ولا أفكر فيه ، ولا يخطر على بالي ، ولا أشجعه عليه ، ولا أوقر من فعله .

3 ـ النبي معصوم :

 معنى : ما كان لنبي أن يغل ، جاء النفي نفي شأن ، لا نفي حدث ، لأنه معصوم ، النبي عليه الصلاة والسلام معصوم من أن يخطئ ، لماذا ؟ لأنه مشرع ، ولأن الله أمرنا أن نأخذ منه كل شيء ، بدليل قوله تعالى :

﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

( سورة الحشر : 7 )

 فلو أنه يخطئ ، لو أنه غير معصوم ، كأن الله أمرنا أن نعصيه ، فما دام الله عز وجل قد أمرنا بآية قطعية الدلالة واضحة أن نأخذ منه وأن ننتهي عمن نهى عنه ، إذاً فهو معصوم ، معصوم أن يخطئ في أقواله ، وفي أفعاله ، وفي إقراره ، وفي صفاته ، لا في أقواله يخطئ ، ولا في أفعاله يخطئ ، ولا في إقراره يخطئ ، ولا في صفاته يخطئ .
 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ :

(( كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيدُ حِفْظَهُ ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ ، وَقَالُوا : أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا ؟ فَأَمْسَكْتُ عَنْ الْكِتَابِ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ ، فَقَالَ : اكْتُبْ فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ ))

 لا ينطق إلا بالحق ، في غضبه وفي رضاه ، وفي كل أحواله جميعاً .

 

4 ـ أمة النبي معصومة بالمجموع :

 إذاً : كل من لم يعتقد عصمة النبي فعقيدته زائغة ، بالمقابل ، وكل من يعتقد العصمة في غيره عقيدته زائغة ، أمة النبي صلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معصومة بمجموعها ، بينما النبي عليه الصلاة والسلام فمعصوم بمفرده ، بمفرده معصوم ، بينما أمته بمجموعها معصومة ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقَولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :

(( إِنَّ أُمَّتِي لاَ تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلاَلَةٍ ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخَتِلاَفاً ، فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الأَعْظَمِ ))

[ أخرجه ابن ماجه في سننه ]

 يلقى في اليوم ألوف المحاضرات ، وتؤلف مئات الكتب ، وتسجل آلاف الأشرطة ، وما دام المسلمون ، ولا سيما علماء المسلمين ساكتون فهذا سماه العلماء إجماعًا سكوتيًا ، أي ليس هناك خطأ ، ألقيت خطبة وفق منهج الله ، وفق آيات وأحاديث ، واستنباطات دقيقة جداً ، ما دام الناس أخذوها بالقبول فمعنى ذلك أن كلامك لا شائبة فيه ، لكن لو أُلِّف كتاب مثلاً يفسر القرآن تفسيراً غير معقول ، بعيداً عن المألوف ، بعيداً عن منهج النبي عليه الصلاة والسلام تقوم الدنيا ولا تقعد، معنى ذلك أن المسلمين معصومون بمجموعهم :

(( إِنَّ أُمَّتِي لاَ تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلاَلَةٍ ))

 لكن ليس معنى هذا أن الأكثرية على حق ، لأن الله عز وجل يقول :

 

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

( سورة الأنعام : 116 )

 الآن نريد أن نفصل ، عندنا مليون إنسان ، سبعمئة وخمسون ألفًا شاردون ، تائهون ، ضالون ، جاهلون ، غارقون في المعاصي والآثام ، والباقي هم المؤمنون ، لا تسمى الأكثرية إجماعًا ، إذا قلنا : إجماع نقصد به المؤمنين ، وإذا كنت على حق فأنت وحدك جماعة ، والجماعة لا علاقة لها بالعدد ، علاقتها بمدى انضباطها بالحق ، لذلك أخطر مقياس أن نعرف الحق بالرجال ، هذا مقياس فاسد ، المقياس الصحيح أن نعرف الرجال بالحق ، هناك منهج من استوعبه ، من طبقه إنسان كبير ، أما أن أخذ الدين من أشخاص لهم شهرة ، كل إنسان يؤخذ منه ، ويرد عليه إلا صاحب هذه القبة الخضراء ، هو عليه الصلاة والسلام ، ما جاءنا عن رسول الله فعلى العين والرأس ، وما جاءنا عن سواه ، فنحن رجال وهم رجال ، تسمعون الحق ، ويسمع منكم ، ويسمع من يسمع منكم ، شهد النبي عليه الصلاة والسلام للقرون الثلاثة الأولى بالخيرية ، وذلك في حديث عُمرَ بنِ الْخَطّابِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم :

(( خَيْرُ النّاسِ قَرْنِي ، ثمّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ ))

[ أخرجه الشيخان والترمذي ، واللفظ له ]

 إذاً : ينبغي أن نفهم القرآن الكريم والسنة المطهرة وفق ما فهمها أصحاب النبي في قرونهم الثلاثة ، الأصحاب الكرام ، والتابعون ، وتابعو التابعين ، وبعدئذ نحتاج إلى تمحيص دقيق ، وإلى مراجعة طويلة .
 النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده ، بينما أمته معصومة بمجموعها ، ورد في أسباب النزول أن بعض المنافقين اتهم النبي عليه الصلاة والسلام ، فجاءت الآية قاطعة الدلالة .

 

﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾

5 ـ مستحيل أن يقع من النبي غلول :

 أيْ مستحيل ، وألف ألف ألف مستحيل أن يقع النبي في معصية من نوع الغلول ، ما الغلول ؟ تترجم بالخيانة في غنائم ، حصلت معركة ، يأتي أحد الجنود ، ويأخذ بعض الغنائم قبل أن تقسم، يأخذها خفيةً ، المشكلة في هذا الإثم الكبير ، إثم الخيانة ، وقد ورد في بعض الأحاديث أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ذكروا اسماً عند رسول الله ، فقال : هو في النار ، تعجبوا ، كان في معركة مع رسول الله ، ثم علموا أنه دخل النار في عباءة غلها ، أيْ أخذها من دون حق قبل تقسيم الغنائم ، ماذا يشبه الغلول في حياتنا اليومية .
 حينما يموت الأب ، ويدع إرثاً ، ويأتي بعض الإخوة الكبار فيأخذون ما طاب لهم ، قبل أن تقسم الممتلكات ، يأخذ شيئاً ثمينًا غالياً ، يقول : هذا من رائحة والدي ، هذا اسمه غلول ، إذا مات الإنسان أصبح ماله للورثة ، وينبغي أن يوزع المال وفق قواعد الإرث ، أما إذا أجاز بقية الورثة ، فلا شيء عليه ، هذه قضية أخرى .
 لذلك :( وما كان )أيْ مستحيل ، وألف ألف مستحيل ، لأن هذا نفي الشأن ، لا نفي الحدث ، الآن لو أردت أن تقرأ القرآن ، وأن تتبع هذه الصيغة :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾

( سورة العنكبوت : 40 )

 مستحيل أن يظلم الله أحداً ، ليس هناك ظلم حقيقي في الكون ، هناك ظلم ظاهري .

 

﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

( سورة الأنعام : 129 )

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾

( سورة آل عمران : 179 )

لابد من امتحان لفرز المؤمنين :

 لا بد من امتحان يفرز المؤمنين ، قال تعالى :

﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ(10)هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾

( سورة الأحزاب : 10 ـ 11 )

 إن الصحابة الكرام عندهم شعور أن هذا نبي عظيم ، وسوف ننتصر على الكفار ، وسوف نفتح بلاد الغرب والشرق ، وسوف نأخذ ثروة كسرى وقيصر ، فلما جاء الأحزاب ، وقد اجتمعوا على أن يستأصلوا المسلمون من جذورهم ، لم تكن معركة الأحزاب معركة غلبة ، بل كانت معركة استئصال :

 

﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ (10)هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾

 وأما الذين في قلوبهم مرض فقالوا :

 

﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾

( سورة الأحزاب : 12 )

 بل إن بعضهم قال : أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى ، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته ، ثم يقول الله عز وجل :

 

﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾

( سورة الأحزاب : 23 )

 فمعركة الخندق فرزت المؤمنين ، والهجرة فرزت المؤمنين ، وقصة الإسراء والمعراج فرزت المؤمنين ، وكل حدث جلل في حياة المسلمين هو فرز للمؤمنين ، هناك من يخاف ، إذاً هو مشرك ، هناك من لا يخاف إلا الله ، إذا هو موحد ، هناك من يجبن ، هناك من يكون شجاعًا ، هناك من يعمل عملا طيباً ، ما من حدث عام إلا وهو في حقيقته فرز للمؤمنين .
 إذاً :

﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾

 مستحيل .

 

المؤمن الحقيقي لا يأكل المال الحرام :

 

 ولو أردنا أن نوسع الدائرة قليلاً ، المؤمن الحقيقي يعلم أن الله حق ، وأن الجنة حق ، وأن النار حق ، وأنه لا إله إلا الله ، وأن الأمر كله بيد الله ، هل يمكن أن يأكل درهماً حراماً ، مستحيل أيضاً ، لذلك من أروع ما قرأت أنه من أساء الظن بأخيه فكأنما أساء الظن بربه ، فقد أختصم مع أخ لي أحياناً ، لكن لا تحملني هذه الخصومة على أن أتهم أمانته ، ولا على أن أتهم عقيدته ، هذا حفظ ، النبي معصوم بمفرده ، بينما الولي محفوظ ، ومعنى محفوظ أي لا يصر على صغيرة ، ولا يرتكب كبيرة ، فإذا بدرت منه صغيرة سرعان ما يتوب ، وسرعان ما يراجع نفسه .

﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾

 وفي قراءة " أن يُغل " ـ " أن يَغُل " أن يرتكب معصية الغل ، يعني الخيانة .
 بالمناسبة عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))

[ أخرجه أحمد في مسنده عن أبي أمامة ]

إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ! إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ! إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ !

 أيضاً مستحيل لمؤمن أن يكذب ، ومستحيل لمؤمن أن يخون ، لكن هناك طباع أخرى ، فقد يوجد في المؤمن ، قد يكون عصبي المزاج ، وقد يكون هادئاً جداً ، وقد تجده يحب العلاقات الاجتماعية ، وقد تجده يحب العزلة ، فهذه طباع لا تقدم ولا تؤخر ، أما أن يرتكب المؤمن خيانة ، أن يكذب ، فهذا مستحيل ، وألف ألف مستحيل ، إذاً ينبغي أن تحسن الظن بأخيك ، الطرف الآخر الذين يقفون في خندق آخر يسهل عليهم كثيراً أن يتهموا المؤمن بأشنع الذنوب ، يستحيل على المؤمن أن يأخذ ما ليس له ، وأن يخون ، بل إن الله عز وجل حينما قال :

﴿ وَلَا يَزْنُونَ ﴾

( سورة الفرقان : 68 )

 إذاً :

﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾

 بالفتح ، أن يقع في معصية الغل ، وفي قراءة ثانية :

﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾

 بالضم ، أي أن ينسب إلى الغل ، وكلاهما لا يصح أن يكون من نبي ، لذلك من أجمل ما في مجتمع المؤمنين ، ثمة أخطاء كثيرة ، لكن من الصعب جداً أن يخونك مؤمن ، ومن الصعب جداً أن يكذب عليك مؤمن ، من الصعب جداً أن يطعنك مؤمن في ظهرك ، هذا مستحيل ، هناك أخطاء كثيرة ، لكن تبقى مجتمعات الإيمان مجتمعات مريحة جداً ، مجتمعات فيها طهر ، فيها صدق ، فيها أمانة ، فيها رحمة ، فيها إنصاف ، فيها حكمة ،

﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

ما أشدَّ عقابَ من يغلّ :

عففت فعفوا ، ولو وقعت لوقعوا :

 يبدو أن عقاب من يغلل أليم جداً يوم القيامة ، نوع من الخيانة ، لما جاءت كنوز كسرى ، ورآها عمر رضي الله عنه ، وتروي الروايات أن صحابيين رفعا رمحيهما فلم يرَ الأول الثاني ، أو لم يرِ الأول رمح الثاني ، وكلها ذهب ، وماس ، وما إلى ذلك ، سيدنا عمر أخذته الدهشة ، قال : إن الذي أدى هذا لأمين ، هذا الذي جاء بالغنائم لما لم يذهب بها إلى أنطاكيا ، فيبيعها ، ويعيش حياة فارهة إلى أن يموت ، فقال سيدنا عمر : << إن الذي أدى هذا لأمين >> ، إلى جانبه الإمام علي كرم الله وجهه ، قال : << يا أمير المؤمنين أعجبت من أمانته فقد عففت فعفوا ، ولو وقعت لوقعوا >> ، وفي رواية : << ولو ركعت لركعوا >> .
 حينما يغض الأب بصره عن محارم الله يكون في البيت جو من الانضباط ، أما حينما ينفرد الأب ، فيتابع بعض الأفلام التي لا ترضي الله ، على مرأى من أولاده ، وعلى مسمع منهم ، فلن يستطيع أن يضبطهم بعد ذلك ، وإن لم يكن صادقًا فلن يستطيع أن يحمل أولاده على الصدق ، وإن لم يكن عفيفاً فلن يستطيع أن يحمل أولاده على العفة ، والأب الذي يدخن ، ثم رأى ابنه يدخن لن يستطيع أن يقول كلمة .
 إن الابن يقلد الأب ، لذلك من أنجع أساليب التربية أن تكون أنت قدوة ، أنت تكون قدوة ، واسكت ، لأن فعلك تعليم ، فالنبي عليه الصلاة والسلام ليست مهمة التبليغ فحسب ، مهمته الخطيرة أن يكون قدوة ، لذلك نجح الأنبياء في أن يقلبوا وجه العالم في ربع قرن ، بينما لم ينجح المصلحون في أن يغيروا شيئاً من البيئة ، يتكلمون كثيراً ، لكن لا أثر لكلامهم ، ذلك أن الأنبياء يبلغون الناس بأقوالهم ، وبأفعالهم ، بل إن أفعالهم تبليغ ، بل إن أفعالهم سنة ، سماها المحدِّثون السنة عملية ، هناك سنة قولية ، وهناك سنة عملية .
 يوم كان مع أصحابه ، في سفر أرادوا أن يعالجوا شاة ، قال أحدهم :

(( علي ذبحها ، الشاة ، وقال الثاني : علي سلخها ، وقال الثالث : علي طبخها ، فقال عليه الصلاة والسلام : وعلي جمع الحطب ، يا رسول ، نكفيك ذلك ، قال : أعلم أنكم تكفونني ، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه ))

[ ورد في الأثر ]

 هذا من سنته العملية ، لذلك لا بد من قراءة سنة النبي العملية ، لا بد من قراءة سيرة النبي ، بل إن بعض العلماء يرى أن قراءة سيرة النبي فرض عين ، كيف نستنبط ذلك ؟ كيف أن الضوء فرضٌ ، لأن الصلاة هي فرضٌ فلا تتم إلا به ، فالقاعدة الأصولية : ما لم يتم الفرض إلا بها فهو فرض ، وما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة .
 إذاً حينما أمرك الله بآية هي قطعية الدلالة :

 

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾

( سورة الأحزاب : 21 )

 كيف يكون النبي عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة لي ، إن لم أعرف سيرته ، ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ما لا يتم أن يكون النبي أسوة حسنة لي إلا بقراءة سيرة النبي فقراءة سيرة النبي فرض عين على كل مسلم ، حتى يتحرك في بيته ، وفي عمله ، ومع إخوانه ، ومع أقاربه، ومع بناته ، وفق منهج النبي .

 

﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

 يمكن أن تنتفع من طبيب ، وقد يكون فاسقاً ، وقد يكون ملحداً ، وقد يكون شارب خمر ، يعنيك علمه ، لكن في الحقل الديني لا يمكن أن تنتفع بدعوة إلى الله عز وجل إلا إذا رأيتها مطبقة بحذافيرها من قبل من يدعوك إليها ، في حقل الدين لا يمكن أن نفصل القول عن العمل .

 

 

﴿ أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ ﴾

( سورة آل عمران : 162 )

أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ

1 ـ المتبع لرضوان الله عزيز ، والمتبع لسخط الله ذليل :

 كيف أنه لا يستوي العالم والجاهل ، لا يستوي الحر ولا القرّ ، لا تستوي الظلمات ولا النور ، لا يستوي الأحياء ولا الأموات ، إنسان حي متكلم متحدث لبق لطيف ، عالم ، كجثة هامدة تحتاج إلى دفن فقط ، لا يستوي الأحياء ولا الأموات ، لا يستوي الضد ، كذلك لا يستوي من كان في رضوان الله كمن كان في سخط الله ، إن كنت في رضوان الله فقد ملكت كل شيء ، ولو فاتك كل شيء ، و إن كنت في سخط الله فقد خسرت كل شيء ، ولو كان في حوزتك كل شيء .
 أنت حينما تفعل أشياء لا ترضي الله ، حينما تظلم الناس ، حينما تأخذ ما ليس لك ، حينما تبني مجدك على أنقاضهم ، حينما تبني غناك على فقرهم ، حينما ترتكب المعاصي والآثام ، حينما تكون متلبساً بمعصية كل يوم ، حينما تبني مكانتك على إيقاع الأذى بالناس ، حينما تهدم بنيان الله وهو الإنسان ، فمثل هذا الإنسان يمشي في سخط الله ، يجب أن يكون محتقراً في نظر الناس ، هو أحقر من أن تخاطبه ، من الذي ينبغي أن تعزّه ، من كان في رضوان الله .
 والله فيما أذكر كنت مرة في مؤتمر إسلامي ، ووصلت إلى الفندق ليلاً ، وفي وقت الفجر سمعت قراءة قرآن فأطللت من الشرفة ، فرأيت عامل الحديقة يصلي الفجر في وقته ، بصوت شجي ، والفندق من أرقى فنادق المغرب ، تعقد بها مؤتمرات القمة ، ونزلاءه كثر ، من علية القوم ، والله شعرت أن هذا الذي يصلي الفجر في وقته ، ويقرأ القرآن أقرب إلى الله من هؤلاء جميعاً ، مقاييسك ينبغي أن تكون إسلامية ، أن تمشي في رضوان الله ، أن يكون الكسب حلالاً ، أن يكون البيت إسلامياً ، أن يكون الحديث إسلامياً ، أن تكون العلاقات إسلامية ، أن تكون الأفراح إسلامية ، أن تكون ربانياً قريباً من الله ، كل بطولتنا إن سمح الله لنا ، أن نكون في رضوان الله ، وأنت بفطرتك تعرف بفطرتك تعرف ما إذا كنت في رضوان الله ، أو كنت في سخط الله .

2 ـ أمثلة لمتبعي سخط الله :

 هناك أشياء دقيقة جداً ، ربما لا ننتبه إليها ، جاءك شخص ليشتري حاجة ، قال لك : انصحني ، أي لون أختار ؟ فأنت عندك لون كاسد ، فنصحته به ، ماذا فعلت ؟ بعته سروالا ، وقبضت ثمنه ، لكنه استنصحك باللون ، فنصحته باللون الكاسد ، إنك قد خنته ، تشعر أنك محجوب عن الله ، أنا جئت بمثل صغير جداً ، في حياة المسلمين أمثلة صارخة جداً ، اغتصاب ، وأخذ ما ليس لك ، وعلاقات شائنة ، وانحرافات أخلاقية ، وبيوت فاجرة ، وأجهزة تحرك الحائط ، كلها تعرض مفاتن النساء ، فهذه البيوت بيوت المسلمين ، كيف تنعقد الصلة مع الله عز وجل ، لذلك حينما ترون مليارا ومئتي مليون مسلم ليس أمرهم بيدهم ، وليست كلمتهم هي العليا ، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل ، ينبغي أن تعلموا السبب ، لأن الله سبحانه وتعالى ، يقول :

﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴾

( سورة النساء : 141 )

 هذا كلام خالق الأكوان ، لأن الله عز وجل يقول :

 

﴿ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ ﴾

( سورة الصافات : 173 )

 قولاً واحداً :

﴿ أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ ﴾

( سورة آل عمران : 162 )

 عندك مطعم عادي ، دخله محدود جداً ، تعيش منه ، لكن تبيع الناس طعاماً شرعياً ، وثمة مطعم خمس نجوم ، دخله فلكي ، ولكن يوزع فيه الخمر ، نقول له :

﴿ أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ ﴾

 ليس هناك نسبة مقارنة ، فالبطولة أن تكون في رضوان الله ، أن يكون عملك مشروعاً ، أن تبني دخلك على نفع الآخرين ، لا على إيذائهم ، هذا كلام طويل ، والإنسان يعلم حقيقة نفسه :

 

﴿ بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

( سورة القيامة : 14 ـ 15 )

 هناك مهن أساسها إيذاء الآخرين ، ومهن أساسها إفساد الآخرين ، الذي يبيع الدخان مثلاً ماذا يفعل مع الناس ؟ يؤذي صحتهم ، فالبطولة أن تكون حرفتك وفق منهج الله ، وأن يكون بيتك وفق منهج الله ، وأن تكون حركاتك ، وسكناتك وفق منهج الله ، وأن يكون لهوك وفق منهج الله ، وأن يكون بيتك وفق منهج الله ، وهذا تعلمه بفطرتك من دون معلم ، فهناك من يمشي برضوان الله .
 أتى رجلان من أوربا إلى الشام ، هما من دمشق ، لكنهما ذهبا ليشتريا سيارتين ، ويعودا بهما إلى الشام ليتاجرا بهما ، يقول لي أحدهم : نزلنا في فندق في إحدى مدن أوربا الشرقية ، في الساعة الثانية عشرة طرق باب الغرفتين ، كل واحد بغرفة ، واحد فتح الباب ، وارتكب الفاحشة ، والثاني ما فتح الباب ، ثم تابعا طريقيهما إلى الشام ، الأول في صعود مستمر في عمله ، وفي بيته ، ومع أهله ، والثاني في انهيارٍ مستمر إلى إن طلق زوجته ، وباع محله ، وصار في وضع صعب جداً ، نقول له :

﴿ أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ ﴾

 والأمثلة لا تعد ولا تحصى ، وقت الفجر أين أنت ؟ في المسجد ، وهناك أناس يدخلون إلى البيت بعد الفجر من الملاهي ، هناك من يكون وقت الفجر في ملهى ، وهناك من يكون وقت الفجر في المسجد ، هناك من يكون وقت صلاة الجمعة في نزهة يشوي اللحم ، وهناك من تجده وقت صلاة الجمعة في المسجد ، هناك من يربي أولاده تربية دينة ، وهناك من يدعهم يربيهم الطريق ، وأصدقاء السوء ، الحديث لا ينتهي .

 

﴿ أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ ﴾

 بحرفتك ، هناك من ينصح هناك من يغش ، هناك من يصدق ، وهناك من يكذب ، هناك من يعطي ، وهناك من يأخذ ، هناك من ينظر ، ويملأ عينيه من الحرام ، وهناك من يغض البصر عن محارم الله ، هناك ابن بار ، وهناك ابن عاق ، هناك صانع أمين ، وهناك صانع خائن .

 

﴿ أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ ﴾

 لا يستويان ، المسافة بينهما كما بين الليل والنهار ، وكما بين السماء والأرض ، لا يستويان .

 

وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا

 

 أيها الإخوة ، هذه الآية دقيقة جداً ، تنطبق على رجل معه مال ، وآخر ليس معه شيء من المال ، هل يستويان ! واحد بكامل صحته ، والثاني بأمراض كثيرة ، هل يستويان ، يجب أن تدركوا أن البون شاسع جداً بين من يمشي في رضوان الله ، ومن يمشي في سخط الله ، في كل شؤون حياتك ، فأنت تنجح وترقى عند الله ، وتسعد إذا كنت في رضوان الله ، والإنسان كما قلت قبل قليل بفطرته يعلم علم اليقين أنه في رضوان الله ، وبفطرته يعلم أنه في سخط الله ، والإنسان حينما يمشي في سخط الله ينقطع عن الله ، وحينما ينقطع عن الله ينطفئ نوره ، فيرتكب حماقات ما بعدها حماقات ، لو كان ذكياً ، إذا أراد ربك إنفاذ أمرٍ أخذ من كل ذي لب لبه ، والشيء الثابت أن المؤمن يؤتى الحكمة ، وأن غير المؤمن لا يؤتى الحكمة ، بل يؤتى الحماقة ، لأن الله عز وجل يقول :

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾

( سورة البقرة : 269 )

 الآن القوي حينما يكون مقطوعاً عن الله يتوهم أن القوة هي الحق ، ثم يفاجأ من دون أن يحتسب أن القوة من دون حكمة تدمر صاحبها ، الحق يصنع القوة ، ولكن القوة لا تصنع الحق ، والقوي من دون حكمة يدمر ذاته ، والمؤمن بحكمته يحقق مراده ، فأنت حينما تكون في رضوان الله معك نور ، معك نور بنص القرآن الكريم .

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ﴾

( سورة الحديد : 28 )

 قلّمَا تخطئ ، قلّمَا تقع في ورطة كبيرة ، معك نور ، معك رؤية صحيحة ، إذا كنت في رضوان الله معك نور الله .

 

3 ـ الشر كله في اتباع سخط الله :

 

 دخل شخص إلى ملهى ، فأحب راقصة ، ثم تزوجها ، تتلقى اتصالات مخيفة ، مئة رجل في حياتها ، لم يحتمل فطردها ، أقامت عليه دعوى من أجل المهر المتقدم ، المبلغ لا يملكه في ساعة غضب ـ هذه قصة وقعت في الشام ـ أطلق النار عليها ، وعلى أمها ، وعلى أختها ، ثم أطلق النار على نفسه ، مات هو ، وبقي الثلاثة أحياء ، عولجوا وبقوا ، إنسان دمر نفسه ، طبعاً هذه حالة حادة ، وهناك حالات أقل من ذلك ، إذا مشى الإنسان في سخط الله فهو أعمى لا يرى ، يرتكب حماقات ، يخرب بيته في يده ، يطلق زوجةً من الدرجة الأولى ، بينما إذا كنت مع الله تسعد بزوج من الدرجة الخامسة ، إذا كنت مقطوعاً عن الله يغدو أولادك أعداءك ، إذا كنت مع الله يغدو أولادك أحبابك ، فرق كبير كل الخير أن تكون في رضوان الله ، وكل الشر أن تكون في سخط الله .

﴿ أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ ﴾

 كيف تعامل من حولك ؟ حينما تعاملهم بهدي من الله ، أنت رحيم ، يلتفون حولك ، يحبونك ، تعيش في جنة ، وحينما تعامل من حولك بالقسوة ، والعنف ، والمصلحة ، والأنانية ينفضون الناس من حولك ، ويكيدون لك ، فأنت أشقى الناس ، يعني مستحيل ، وألف ألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر ، ومستحيل أن تعصيه ، وتربح .

 

﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾

( سورة الأحزاب : 71 )

 إذا طلق الإنسان زوجته طلاقًا تعسفيًّا ، فهو في سخط الله ، طلقها بلا ذنب منها ، لكنه اشتهى غيرها ، فطلقها ، وإذا كنت في رضوان الله فأنت مع :

 

﴿ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ﴾

( سورة النساء : 69 )

 الدين ليس أن تكون في المسجد ، الدين في أيام الأسبوع كلها ، ماذا تفعل ؟ كيف تبيع وتشتري ؟ دخلت امرأة إلى محلك ، هل تملأ عينيك منها ، دخل إنسان جاهل هل تستغل جهله فتبيعه بسعر مضاعف ، وتظن نفسك ذكياً ، العبرة ألا تكون في سخط الله ، في بيعك ، وشرائك ، وحركاتك ، وسكناتك ، واحتفالاتك .
 المشكلة أيها الإخوة ، بدأ يظهر انحراف خطير في المسلمين ، تأتيني شكاوى كثيرة ، مسلم من رواد المسجد له علاقة بامرأة ، علاقة غير شرعية ، وله زوجة ، وله أولاد ، وهي لها زوج ، ولها أولاد ، ما هذه القصة ، يعيش الناس جواً لا يرضي الله عز وجل ، الأجانب هكذا جوهم ، جو جنس فقط ، فحينما يكون بيت الإنسان كالمسجد يتلى فيه القرآن ، وتصلى فيه الصلوات ، يجلس الرجل مع أهله وأولاده يحدثهم ، أما حينما تشد الأبصار إلى هذه الأجهزة الملعونة التي تقلب الإنسان رأساً على عقب ، كيف يتصل بالله عز وجل .

 

﴿ أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾

 هناك آيات من هذا القبيل :

 

 

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ ﴾

( سورة السجدة : 18 )

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35)مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

( سورة القلم : 35 ـ 36 )

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ ﴾

( سورة القصص : 61 )

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الزمر : 9 )

وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا

 والله مرة دخلت إلى بيت أحد علماء دمشق ، وجدت آية قرآنية في صدر الغرفة ، والله قرأتها وما في جسمي خلية إلا وتأثرت ، ما هي الآية ؟ هي قوله تعالى :

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾

( سورة النساء : 113 )

 ما قال الله لمن يملك ملايين ملينة :

﴿ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾

 لأنه أعطى المال لمن لا يحب ، فأعطاه لقارون ، وأعطى الملك لفرعون ، وما قال لفرعون :

﴿ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾

 لكنه قاله لنبي عليه الصلاة والسلام :

﴿ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾

 وهذا الفضل بين يديك متاح ، متاح أن تحصل في أي وقت :

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾

( سورة النساء : 113 )

 ينبغي أن يطلب العلم تقرباً إلى الله ، وينبغي أن يكون العلم باعثاً على طاعة الله ، ينبغي أن يكون العلم سبيلاً إلى القرب من الله ، هذا العلم وهذا كتاب الله بين أيدينا ، والله ما من حدث يقع في الأرض الآن ، أترون إلى الدنيا ، وهي تضطرب الآن ، ما من حدث وقع إلا والقرآن يغطيه ، أبداً .

﴿ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ ﴾

( سورة الحشر : 2 )

 طفل صغير ضرب باب الطيار ، هذا استدعى الأمر أن تقلع طائرتان أف 16 ليراقبوا الطائرة ، وعلى وشك أن تضرب :

﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ ﴾

 هذا قانون هذا ، ونحن كذلك ، هناك إشراك فهناك رعب ، أنت تخاف بقدر ما أنت مشرك ، وأنت تطمئن بقدر ما أنت مؤمن ، أبداً .

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران : 175 )

 كلام مثل واضح الشمس ، هذا الحدث فرز ، فرز الناس جميعاً ، الذين امتلأ قلوبهم خوفاً وهلعاً ، في الأصل توحيدهم ضعيف :

 

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

( سورة الشعراء : 213 )

 أما الذين امتلأت قلوبهم بالإيمان ، فيقينهم بالله عز وجل ، هو خلقهم ، هو الذي يحفظهم ، هو الذي يرعاهم ، هو الذي يوفقهم ، هو الذي يعطيهم ، هو الذي يحميهم ، هو الذي ينصرهم ، هو الذي يوفقهم ، القضية قضية إيمان ، نحن في أمس الحاجة إلى التوحيد الآن ، وإلى العودة إلى الله .

 

ليس بمثل هذا الوضع ننتصر !!!

 أنا لا أتشاءم ، أنا والله متفائل على الرغم مما حدث ، عملية قفزة نوعية للمؤمنين ، لكن ينبغي أن نستفيد منها ، لأن هم في بلاد الغرب يقولون : سوف نستفيد مما حدث بلا حدود ، نحن أولى منهم ، نستفيد مما حدث بلا حدود ، كيف ؟ أن نعود إلى الله ، أن نحكم اتصالنا بالله ، أن نقيم الإسلام في بيوتنا ، أن نحب بعضنا بعضاً ، أن نسعى لخدمة بعضنا بعض ، أن نقوم بما يسميه المنظرون انتفاضة دينيه ، راجع كل حساباتك ، راجع كل سهراتك ، كل جلساتك ، كل أصدقائك ، وكل علاقاتك ، وكل أهوائك ، تجد المسلم في سهرة يلعب النرد ، عَنْ بُرَيْدَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ ))

[ أبو داود ]

 لعب نرد ، وغيبة ، ونميمة ، ومتابعة مسلسلات ، هكذا الناس يعيشون ، ويا أخي الله ينصر المسلمين ، هذا كلام لا بد من موجبات الرحمة ، كان عليه الصلاة والسلام أديباً مع الله ، قال يا اللهم إني أسالك موجبات رحمتك .
 هناك امتحان شديد ، على مستوى العالم الإسلامي ، امتحان شديد ، ولا يصمد إلا المؤمن ، ولا يصمد إلا المستقيم ، ولا يصمد إلا الورع ، ولا يصمد إلا الوقاف عند كتاب الله ، لا يصمد إلا من كان بيته إسلامياً ، وقد أمر الله عز وجل ملائكته بإتلاف قرية ، قالوا : يا رب ، إن فيها صالحاً ، قال به فابدؤوا ، قالوا : ولمَ يا رب ؟ قال : لأن وجهه لم يكن يتمعر لمنكر رآه ، يعيش لوحده ، يجب أن تسهم في حل مشكلة المسلمين ، أن تنصحهم ، وينبغي أن تدعو إلى الله بشكل أو بآخر ، أعطي شريطًا ، ادعوه إلى درس علم ، تقرب من أخيك ، من صديقك ، اجعل دائرة الحق تتنامى ، ولا تسمح لدائرة الباطل أن تتنامى ، كن قدوة لأولادك ، اكتفِ بأولادك ، ربِّ أولادك ، تجد الأطفال شاردين في الطرقات ، وكلامهم بذيء ، تقصير في الدراسة ، والأب في واد ، والأولاد في واد ، هذا لا يرضي الله ، فهي كلمة :

﴿ أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ ﴾

 لاحظ نفسك ، علاقتك مع جسمك ، مع زوجتك ، مع أولادك ، مع بيتك ، في كسب مالك ، في حديثك ، أين تسهر ، وماذا تتكلم ؟ غيبة ، ونميمة ، فلان وعلان ، وفي موضوعات لا تقدم ولا تؤخر ، أما تتكلم في الحق ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( أمرني ربي بتسع ، خشية الله في السر والعلانية ، كلمة العدل في الغضب والرضا ، القصد في الفقر والغنى ، وأن أصل من قطعني ، وأعفو عمن ظلمني ، وأعطي من حرمني ، وأن يكون صمتي فكراً ، ونطقي ذكراً ، ونظري عبرة ))

[ ورد في الأثر ]

 وفي الأرض آيات للموقنين ، ما أكثر العبر ، وما أقل المعتبر ، فهذه الآية شعرت أنها آية أساسية في هذه السورة ، ومحورية ، مفصلية .

 

﴿ أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ ﴾

 تعلم بفطرتك أنك في رضوان الله ، دخلت إلى بيتك ، سلمت على أهلك ، داعبت أولادك ، عطفت عليهم ، أطعمتهم لبيت حاجاتهم ، صليت فرضك ، أويت إلى فراشك ، أنت في رضوان الله ، لكن سهرة مختلطة ، هي غير زوجتي ، أجمل بكثير ، عينك عليها طول السهرة ، ومزح ، وضحك ، وأذن العشاء قوموا لنصلي ، أي صلاة هذه ، أنت غارق في مخالفات كثيرة ، فإذا كانت السهرة إسلامية بلا اختلاط ، ولا معاص فلا مانع .
 عَدَّ الإمام الغزالي أربعة عشر معصية باللسان ، قالت : إنها قصيرة ، الآن تجد النساء حينما يجلسن إلى بعضهم بعض يتحدثن عن الفتيات بشكل غير معقول ، يصفن عيوب بعضهن وصفاً صارخاً ، قالت : إنها قصيرة ، قال : يا عائشة لقد قلت كلمة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته ، ما قالت شيئًا ، قصيرة ، أين جلسات النساء ، جلسات الرجال اللهو ، متابعة المسلسلات ، الفضائيات ، ألا تحب أن ينصرنا الله عز وجل ؟ أن يأخذ بيدنا ؟ أن يحمينا من أعدائنا الأشداء ، الأقوياء ، قساة القلوب ، الذين لا يرحمون ، كما ترون وتسمعون .
 فيا أيها الإخوة ، أرجو الله أن تكون هذه الآية شعار لنا في هذا الأسبوع .

 

﴿ أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018