أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 028 أ - اسم الله الوتر 1 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 028 أ - اسم الله الوتر 1


2007-09-02

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى: ( الوتر ):

 أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم ( الوتر ).

1 – ورودُ اسم ( الوتر ) في السنة:

 في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( لِلَّهِ تِسعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْما، مِائة إِلا واحِدا، لا يَحفَظُهَا أَحَدٌ إِلا دَخَلَ الجَنَّةَ، وهو وِتْرٌ، يُحِبُّ الوِتْرَ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

معنى الحفظ:

  الحقيقة هناك حديث آخر:

(( احفظ الله يَحْفَظْك ))

[ أخرجه الترمذي عبد الله بن عباس ]

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

( سورة البقرة الآية: 152 )

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

( سورة محمد الآية: 7 )

  إن نصرت دينه نصرك، وأنا أدعو وأقول: اللهم انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك، حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا:

 

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

  ذكره لك غير ذكرك له.

 

 

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

 

( سورة النساء الآية: 45 )

  أي أن الله سبحانه وتعالى حينما تذكره يذكرك، أما إذا ذكرته فقد أديت واجب العبودية، لكنه إذا ذكرك منحك الأمن، والأمن لا يتمتع به إلا المؤمن.

 

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

 

( سورة الأنعام )

  منحك الحكمة.

 

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

 

( سورة البقرة الآية: 269 )

  منحك الرضى، منحك السكينة التي تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء.
 لذلك:

 

(( لِلَّهِ تِسعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْما، مِائة إِلا واحِدا، لا يَحفَظُهَا أَحَدٌ إِلا دَخَلَ الجَنَّةَ ))

 كلمة الحفظ واسعة جداً، حفظ الاسم أي تعرف عليه، وتخلق بهذا الخُلق، واجعل هذا الخُلق وسيلة إلى الله، إلى التقرب إليه، الله عز وجل رحيم، يمكن أن تتقرب إليه بأن ترحم عباده، الله عز وجل عدل، يمكن أن تتقرب إليه إن كنت منصفاً، الله عز وجل كريم يمكن أن تتقرب إليه إن كنت كريماً، المعنى الدقيق:

 

 

(( لا يَحفَظُهَا أَحَدٌ ))

 أي عرف هذا الاسم، واشتق من الله كمالاً من خلال هذا الاسم فتقرب إلى الله بهذا الكمال:

 

 

(( وهو وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ ))

  وفي صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً:

 

 

(( وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ))

 

[ البخاري عن أبي هريرة ]

  بمعنى أن الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له، وأحد لا ند له، كيف يحب الوتر ؟ يحب أن تكون متفوقاً، النبي عليه الصلاة والسلام طلب النخبة، طلب التفوق، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ، بِأَبِي جَهْلٍ، أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَيْهِ عُمَرُ ))

 

[ الترمذي ]

  ولما اسلم حمزة توقف إيذاء قريش لرسول الله وأصحابه، ولما أسلم عمر صلى المسلمون في بيت الله الحرام.
  إذاً: المطلوب أن تكون متفوقاً، لا أن تكون رقماً سهلاً، وهناك ملايين أتوا إلى الدنيا، تزوجوا، وأنجبوا أولاداً، وماتوا، ولم يعلم بهم أحد، لكن القلة القليلة في العالم الذين تفوقوا، وتركوا أثراً كبيراً في مجتمعاتهم.
  للتقريب: سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام واحد، جاء إلى هذه الدنيا، وغادرها بعد 63 عاماً، وعم الهدى الأرض، ألم تسأل نفسك مرة: ماذا فعلت ؟ ما الأثر الذي تركته في الدنيا ؟ هل كنت في قلوب الناس.

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

( سورة النحل الآية: 120 )

  فالله عز وجل ينتظرك أن تكون متفوقاً، أن تكون رقماً صعباً.

 

(( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما ترك حتى يظهره الله، أو أهلك دونه ))

 

[ السيرة النبوية ]

بعض صفات الله أعطاها للمخلوق:

  الله عز وجل لا شريك له، أحد لا ند له، وقد أعطاك بعض صفاته كيف ؟ لكرامتك عنده أعطاك بعض صفاته، الله عز وجل فرد واحد أحد، فرد صمد، أعطاك بعض الخصائص التي تتميز بها عن كل الخلق، لك قزحية عين لا تشبه قزحية عين إنسان آخر في الأرض، الآن تؤخذ في بعض المطارات صورة قزحية العين وتوضع على الجواز، ولا يمكن لهذا الجواز أن يزور إطلاقاً، فالقزحية أعطتك صفة الفردية، ونبرة الصوت تنفرد بها، ورائحة الجلد تنفرد بها، وبصمة الإصبع تنفرد بها، والزمرة النسيجية تنفرد بها، وبلازما الدم تنفرد به، والنطفة تنفرد بها.
  في أحدث بحث أن نطفة الإنسان يتميز بها من بين كل البشر، وأن المرأة تحفظ هذه النطفة، تحفظ رمزها، وما دامت تأتي تباعاً إلى الرحم فالوضع طبيعي وسليم، أما إذا تعددت هذه النطف في مجيئها إلى المرأة فهناك خطر ينتظرها، لكن متى يمكن أن تستقبل نطفة أخرى، بعد انقطاع الأولى بعد أربعة أشهر، هذا موضوع سمعته في مؤتمر إسلامي في القاهرة.
 لذلك الله عز وجل واحد أحد فرد صمد، أعطاك هذه الصفة.
 عند الترمذي من حديث عَلِيٍّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ ))

[ أخرجه أبو داود والنسائي وابن خزيمة ]

  لا تكن إنسانا عاديا من الملايين، لا تكن إنساناً من الهمج الرعاع، سيدنا علي رضي الله عنه يقول: << يا بني، الناس ثلاثة: عالم رباني، ومستمع على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى، ركن وثيق، فاحذر يا كميل أن تكون منهم >>.
  لا تكن مع هذه الملايين التي شردت عن الله، لا تكن مع الملايين التي عبدت شهوتها من دون الله، لا تكن مع الملايين التي عاشت لتأكل، لا تكن مع الملايين التي جعلت شهوتها إلهها.
  عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ ))

 

[ البخاري ]

  لا تكن مع الملايين التي غفلت عن الله، لا تكن مع الملايين التي عاشت لحظتها، ولم تذكر ماذا بعد الموت، لا تكن مع الملايين التي عبدت المال من دون الله.

 

(( وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ))

 

[ البخاري عن أبي هريرة ]

 

2 – معنى ( الوتر ):

 لكن في اللغة: الوتر هو الفرد، أو ما لم يتشفع من العدد، فالسبعة عدد وتر، أما سبعة وعشرون فعدد شفع، والتواتر هو التتابع.

﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾

( سورة الفجر )

 الوتر آدم، والشفع شُفع بزوجته أصبحوا اثنين.
 الوتر: هو الله، لأنه واحد لا شريك له، وأحدٌ لا مثيل له.

 

﴿ وَالشَّفْعِ ﴾

الله وتر والمخلوقات شفعٌ:

 جميع الخلق، الإله واحد والخلق كثيرون.

﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾

﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾

( سورة الفجر )

 البشر خُلقوا أزواجاً، خُلقوا شفعاً، فأنت في أصل تركيبك مفتقر إلى زوجة، والأنثى في أصل تركيبها مفتقرة إلى الزوج.
  إذاً: شأن العباد أن يكونوا شفعاً، وشأن الله أن يكون وتراً، الله واحد، والخلق كثُرٌ.
  الله عز وجل حينما قال:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾

( سورة الروم الآية: 21 )

 لماذا يسكن الزوجة لزوجته ؟ بل لماذا تسكن الزوجة لزوجها ؟ أي تميل إليه، ويميل إليها، ومن أنجح أنواع الزواج ما كان كل طرف قرّةَ عينٍ للطرف الآخر، يسكن إليها، لأنه يكمل بها نقصه، وتسكن إليه لأنها تكمل به نقصها، هي تكمل به نقصها القيادي، هو يكمل بها نقصه العاطفي:

 

﴿ لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾

 

 

كن مع القِلّة المتفوِّقة بالطاعة:

 الله عز وجل وتر، لكن يحب الوتر، يحب التفوق، النبي تفوق، أيعقل أن يقسم الله عز وجل بعمر النبي ؟! قال تعالى:

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

( سورة الحجر )

  كم من شابٍ في الأرض في القارات الخمس، لو كان بخلوة مع امرأة بارعة الجمال، ودَعته إلى نفسها، بل أجبرته، كم من شاب يأبى ذلك ؟
  سيدنا يوسف قال:

 

﴿ مَعَاذَ اللَّهِ ﴾

 

( سورة يوسف الآية: 23 )

  إذاً: سيدنا يوسف تفوّق، والأكثرية يرونها مغنماً كبيراً، بينما المؤمن يراها بُعداً عن الله عز وجل.

 

﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾

 

( سورة يوسف الآية: 23 )

  كأنما النبي عليه الصلاة والسلام حينما يقول:

 

(( وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ))

  فيعني كن مع القلة المتفوقة، كن مع القلة التي عرفت ربها، كن مع القلة التي أعطت ربها كل ما عندها.

 

 

﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 

( سورة الأنعام )

  كن مع القلة التي تركت أثراً في الحياة.
 مرة سألت طلاب: من يذكر لي اسم تاجرٍ عاش في دمشق 1876، وله علامة تامة ؟ ما عرف أحد، قلت لهم: وأنا أيضاً لا أعرف، لكن من منا لا يذكر سيدنا عمر ؟ سيدنا خالدًا ؟ هؤلاء العظام تركوا بصمات واضحة في الأرض.
  كن مع القلة المتفوقة، كن مع الذين أحدثوا في الحياة أثراً كبيراً، كم مع الذين عاشوا في قلوب الملايين.

 

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

  فلذلك الإنسان شأنه الشفع، شأنه أن يكون مع آخر، والحد الأدنى الزواج، إنسان لا يستقر إلا إذا تزوج، والفتاة لا تنجح في حياتها إلا إذا خُطبت وتزوجت، هذا شأن الخلق، لكن شأن الحق أنه واحد أحد فرد صمد.

 

 

﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾

 

( سورة الإخلاص )

﴿ مَا اتَّخّذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا ﴾

( سورة الجن )

 

الإنسان مطبوعٌ على الاجتماع:

 أيها الإخوة، الله عز وجل مكنك من اختصاص، من حرفة، من قدرة، من مهارة، وأحاجك إلى مليون حاجة، أنت بحاجة إلى طبيب، بحاجة إلى معلم يعلم أولادك، بحاجة إلى خياط يخيط لك ثيابك، بحاجة إلى خباز يخبز لك الخبز، بحاجة إلى فلاح يفلح لك الأرض، بحاجة إلى من يصنع لك الأدوات، أنت بحاجة إلى من يصنع لك الأثاث، تتقن حاجة، وأحاجك إلى مليون حاجة.
 إذاً: قهرك أن تكون مع أخيك الإنسان، أنت مفتقر إلى زوجة، أنت فضلاً على ذلك مفتقر أن تعيش في مجتمع، أنت مدرس، طبيب، مهندس، لكن بحاجة إلى خياط، بحاجة إلى سباك، بحاجة إلى بلاط لبيتك، بحاجة إلى نجار، بحاجة إلى حداد، حاجات الإنسان لا تعد ولا تحصى، وكل حاجة خبرات متراكمة، وتطورات، وصناعات.
  بعض الحِرف يقول لك: بذرة هجين، الخبرات المتراكمة من خلال تطوير هذه البذرة وتهجينها، عمرها مئة عام، فأنت تتقن حاجة واحدة، أو حاجتين، مكنك الله من شيء أو شيئين، لكنك بحاجة ماسة إلى مليون شيء.
  إذاً: الله عز وجل جعلك مفتقرًا إلى الزوجة، وجعل الأنثى مفتقرة إلى زوج، وجعلك مفتقراً إلى المجتمع، تشترى خبزًا، هناك مَن فلح الأرض، هناك مَن زرع القمح، هناك مَن اعتنى بالقمح، مَن سمد القمح، مَن سقى القمح لأشهر عديدة، هناك مَن حصد القمح، هناك مَن درس القمح، هناك مَن طحن القمح، هناك مَن خبز العجين، هناك مَن قدم لك الخبز، أنت مدرس، أما هذا الرغيف فاشتغل به آلاف الأشخاص حتى وصل إليك.
  إذاً: شأن الخلق أنهم مفتقرون إلى بعضهم، لكن الله شأنه أنه واحد أحد، فرد صمد،

﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾

﴿ مَا اتَّخّذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا ﴾

 لكن الله سبحانه وتعالى أرادك أن تكون متفوقاً، أرادك أن تكون من النخبة، من القلة، من الذين عرفوا ربهم، من الذين استجابوا لربهم.
 لذلك قال تعالى:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 255 )

  هو وتر، لكن البشر شفع.
 الآية دقيقة جداً، لا يمكن أن يلتقي فرد من بني البشر مع فرد آخر إلا بإذن الله، لا يسمح الله بالدواء أن يؤثر في الإنسان إلا بإذن الله، لا يسمح لهذا العقرب أن تلدغ إنسانًا إلا بإذن الله.
  عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ))

 

[ أخرجه الإمام أحمد ]

 الآن:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ﴾

( سورة الفرقان الآية: 20 )

  كلمة الشفع كلمة واسعة جداً، أنت بحاجة إلى طعام، وعلامة بشريتك أنك مفتقر إليه، وعلامة بشريتك أنك مفتقر إلى سببين، لذلك الأنبياء:

 

﴿ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾

 

( سورة الفرقان الآية: 20 )

 مفتقرون في وجودهم إلى الطعام، بل مفتقرون إلى ثمن الطعام، لذلك يأتون في الأسواق.
  أيها الإخوة، شأن الخلق أنهم شفع، وشأن الله أنه وتر.

 

﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾

 الكون ما سوى الله، السماوات والأرض ما سوى الله، شأن الله أن يكون فرداً، واحداً، أحداً وتراً، وشأن الخلق أن يكونوا شفعاً.
  لكن معنى:

 

 

(( وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ))

  يعني: كن متميزاً بأخلاقك، كن متميزاً بخبرتك، كن متميزاً بعطائك، كن متميزاً بالأثر الذي ينبغي أن تتركه، تذهب إلى أطراف الصين هناك مساجد، ومسلمون، تذهب إلى أطراف الغرب، إلى المغرب، إلى موريتانيا إلى غينيا، هناك مسلمون، أثر من ؟ أثر هذا النبي العظيم.

 

 

(( وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ))

 

 

خاتمة:

 لا تكن رقماً سهل، أيّ إنسان إذا بدل قناعاته برقم من المال انتهى، أي إنسان يتشدد، وإذا أغريته بمبلغ من المال وافق، هذا له ثمن، قل أو كثر، أما المؤمن فرقم صعب، لا يساوم، ولا يبيع مبادئه.

(( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ))

[ السيرة النبوية ]

 لذلك الله عز وجل ذكرنا أننا مفتقرون إلى بعضنا، الحد الأدنى إلى زوجة، والحد الأدنى الأنثى مفتقرة إلى زوج، والحد الأوسع أنك مفتقر إلى مجموع، فكم مِن إنسان في الأرض عاش على الحر، أو على البرد، أو على طول الشعر، أو على جهل الذين يعلمون، أو على المرض، الله جعل معايش، جعلك مفتقراً إلى الآخر، هذا شأن العباد، لكنه في الوقت نفسه أراد أن تكون متميزاً متفوقاً.
  لذلك:

 

﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾

 الشفع هم الخلق، لأنهم مفتقرون إلى بعضهم، والوتر هو الله، يحتاجه كل شيء في كل شيء.
 هذه أسماء الله الحسنى، من حفظها دخل الجنة، أي عرف أبعادها، فهم مضامينها، وبعد ذلك تخلق بأخلاق رضية مشتقة من كمال الله، وبعد ذلك قلد هذا الخالق في معاملته للخلق، لذلك من حفظها دخل الجنة.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018