الترغيب والترهيب - الدرس : 099 - كتاب البيوع وغيرها - الترهيب من غصب الأرض وغيرها - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الترغيب والترهيب - الدرس : 099 - كتاب البيوع وغيرها - الترهيب من غصب الأرض وغيرها


1997-11-15

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

العفة أحد أكبر خصائص المؤمن:

(( لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ وَذَلِكَ لِشِدَّةِ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ))

[ أحمد عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

  المال شقيق الروح، و حقوق العباد مبنية على المشاححة، ازهد بما في أيدي الناس يحبك الناس، وارغب بما عند الله يحبك الله، إن رغبت بما عند الله أحبك الله، أما إن تطلعت بما في أيدي الناس أبغضك الناس، العفة أحد أكبر خصائص المؤمن، الإيمان عفيف عن المطامع، الإيمان عفيف عن المحارم، و في رواية: الإيمان عفة عن المطامع وعفة عن المحارم، فحينما تتطلع إلى ما في أيدي الناس كرهك الناس، أما إذا تطلعت إلى ما عند الله من خير أحبك الله:

 

(( ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس))

 

[ أخرجه ابن عساكر]

  الذي أعطاه يعطيك، والذي أكرمه يكرمك، فاجعل عطاءك من الله مباشرة، اللهم صن وجوهنا باليسار، و لا تبذلها بالإقتار، فنسأل شرّ خلقك، و نبتلى بحمد من أعطى، و ذم من منع، و أنت من فوقهم ولي العطاء، و بيدك وحدك خزائن الأرض و السماء.
(( لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ وَذَلِكَ لِشِدَّةِ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ))

 

[ أحمد عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 

درء المفاسد مقدم على جلب المنافع:

  هؤلاء الذين يغتصبون أموال الناس، وينامون مستريحين، هؤلاء موتى، لو أن فيهم بقية حياة لضاقت عليهم الأرض بما رحبت، هذا المال ليس مالك، هذا عدوان على الكسب، ما هو السحت ؟ أن تأخذ كسب الآخرين، هناك كسب مشروع، إنسان زرع أرضاً، جمع محصولها، عمل معملاً صغيراًَ ارتزق منه، أدى خدمات فعاش منها، فإذا كان الكسب مشروعاً فهو مشروع، أما أن تأخذ هذا الكسب باحتيال، أو بقوة، أو بسلب، أو بنهب، أو بضغط، أو بضغط أدبي، ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام، فالمال مقدس، والمال شقيق الروح، وتسعة أعشار الأحكام الفقهية متعلقة بكسب المال، فالذي يسعى لأخذ ما ليس له بعيد بعد الأرض عن السماء عن أصل الدين.

 

(( ترْكُ دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام ))

 

[ ورد في الأثر ]

  و درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، أي قبل أن تبحث عن أعمال صالحة دع كل دخل حرام، اتقِ المحارم تكن أعبد الناس، الناس الآن يطمعون بمال بعضهم بعضاً، وشيء طبيعي جداً أن تغتصب أرضاً، بيتاً، شركة، وكالة، وأنت مرتاح، وتظن أنك شاطر، وذكي، ومتفوق، هذا هو الضلال بعينه:

 

(( كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر، ونهيتم عن المعروف ؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه ؟ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً و المنكر معروفاً ))

 

[ ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]

الشيء المغتصب حجاب بين الإنسان وربه:

 الإنسان أحياناً يفتخر فيقول: خلصته هذا البيت، خلصته هذه الأرض، ثماني سنوات بالمحاكم قدرت عليه، والبيت مستأجر، البيت ليس لك، فالإنسان حينما يحلو مال الناس بعينيه إنسان منافق، اكتفٍ بما سمح الله لك من دخل حلال، اكتفِ بما لك، إذا وقفت بين يدي الله عز وجل لا تستحي أو لست مسؤولاً عن هذا المال الذي أخذته، والمال الحلال لو كان قليلاً الله عز وجل يبارك فيه، والمال الحرام مهما كان كثيراً لا يبارك الله فيه.
 أعرف رجلاً يسكن في أرقى بيت مستأجر، له أختان يملكانه، بقي معهما بالقضاء أكثر من عشر سنوات، ثم استطاع عن طريق محامي قوي جداً أن يأخذ البيت منهما بثلث ثمنه، وقع على عقد الشراء، واشترى البيت بثلث ثمنه، ولم يمضِ على هذا العقد ثلاثون يوماً حتى وافته المنية، لقي الله مغتصباً لبيت.
 فالنبي الكريم قال:

(( لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ ))

[ أحمد عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

  فالإنسان قبل أن يغطي شيئاً بشيء، قبل أن يغطي اغتصاب الأموال بعبادات جوفاء، قال لي رجل: شخص يصلي في الصف الأول، يسكن ببيت يقدر بسبعة ملايين أو ثمانية، استطاع أن يخلصه بسبعمئة ألف، له صاحبة متقدمة في السن، تسكن في بلد آخر، عن طريق المحاكم، وعن طريق الإيجارات، وعن طريق وسائل غير أخلاقية، باعته هذا البيت بسبعمئة ألف، فهذا العمل ليس شطارة، وليس ذكاء، وليس حنكة، هذا وصمة عار، وليس وسام شرف، فالإنسان قبل أن يبني عبادات، وقبل أن يوهم الناس أنه تقي، وقبل أن يمارس طقوساً إسلامية، عليه أن يكون وقافاً عند الحلال والحرام، ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام.
 وهذا الشيء المغتصب حجاب بينك وبين الله، الشيء المغتصب يحول بينك وبين الله عز وجل.

 

من حاسب نفسه حساباً شديداً في الدنيا هان حسابه يوم القيامة:

 

 الذي عنده قلب حي لم يغطه الران:

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) ﴾

( سورة المطففين)

  الذي عنده قلب حي يحاسب نفسه أدق الحساب، أعرف أحد أخوانا ترك له أبوه بيتاً في أرقى أحياء دمشق، له أخت، والأخت متزوجة، وعندها بيت، وحالتها جيدة، قيّم البيت وهو فارغ، ونقد أخته حصتها بالتمام والكمال، هذا الحق، لكن الله عز وجل فتح عليه دخلاً كبيراً نظير هذا العطاء الذي قدمه لصاحبه.
 إنسان آخر أخته تملك حصة من الإرث، وتستحي أن تطالبه، يقول لها: هذا بيت أبيك تعالي واسكني عندنا، وإن ضيقت عليه يُقيّم البيت وهو مستأجر بنصف قيمته، أما الأول فقيّمه وهو فارغ، وأعطاها الثمن بالتمام والكمال، هذا هو الحق.
 فلذلك قبل أن تبني عبادات جوفاء، وقبل أن توهم الناس أنك ديّن، وقبل أن تحيط نفسك بمظاهر دينية صارخة، أدِّ الحقوق قبل كل شيء، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع.

 

(( من غصب رجلاً أرضاً ظلماً لقي الله وهو عليه غضبان ))

 

[الطبراني عَنْ عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

ازهد بما في أيدي الناس يحبك الناس وارغب بما عند الله يحبك الله:

 أنا قلت لكم سابقاً: هناك رجل فلاح فقير جداً، نال عشرين دونماً من نتائج قانون زراعي، فقال لشيخه: إنني أصبحت أملك أرضاً يا سيدي، ادعُ لي بالتوفيق، قال له: من أين جئت بهذه الأرض ؟ قال: أعطيتها، وزعت أراضي فلان على الفلاحين، وأخذت نصيبي منها عشرين دونماً، قال: يا بني هذا حرام، هذا مال مغصوب، فسأله: ماذا يفعل؟ قال: هذا مال لا يحل لك، اذهب إلى صاحب الأرض، واشتريها منه، لعله يقبل تقسيطاً، لعلك تبيع حلي زوجتك، فذهب إليه وقال له: يا سيدي أعطيت عشرين دونماً من أملاكك وقال لي شيخي: إنه مال مغصوب، لا يجوز أن آخذه، فهل تبيعني هذه الأرض بيعاً صحيحاً ؟ فقال: يا سيدي أُخذ مني أربعمئة دونم ولم يأتِ واحد من هؤلاء ليقول لي: سامحني إلا أنت، هي هدية لك لوجه الله، ازرعها وبارك الله لك فيها.
 انظر إلى الورع، وقف عند كلمة فسمح الله له أن يأخذها حلالاً، فكل شيء فيه إشكال توقف عنده، ازهد بما في أيدي الناس يحبك الناس، وارغب بما عند الله يحبك الله، هناك موت، مرة قال لي أخ: ـ ولا أنسى هذه الكلمة ـ أخذنا محضراً في الشعلان ـ والحمد لله، بثلثي قيمته، عملنا مزايدة، وأحضرت أربعة أو خمسة من طرفي يرفعون شيئاً قليل ـ يوجد تمثيلية، مزاودة غير صحيحة ـ كلهم شركاء مع واحد، إلى أن استقر السعر على مبلغ يساوي ثلثي قيمة هذا المحضر، ومتوقع أن يربحوا أموالاً طائلة، قلت له: ماذا تفعل في القبر ؟ إذا جاءك الملكان وقالا لك: إن أصحاب هذا المحضر أيتام، وأنتم بهذه التمثيلية أخذتم من حقهم الثلث، ماذا تفعل ؟ هل عندك جواب لله عز وجل وأنت تحت أطباق الثرى ؟ ماذا تقول لله ؟ والله قلت له: إما أن تنسحب، أو تعطي أصحاب المحضر الثمن الحقيقي، وإلا فأنت محاسب، القانون يحميك وأنت حي، أما بالقبر لا يوجد قوانين، بالقبر قانون الله عز وجل، فانسحب في اليوم الثاني.
 فالإنسان لا يتكئ على قانون البشر، هناك مادة قانونية تسمح لي أن أبقى في البيت، أنت يجب أن تتعامل مع الله عز وجل، المصير إلى الله:

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) ﴾

(سورة الغاشية)

اغتصاب حقوق الناس يبطل الدين كله:

((ٍ أَيُّمَا رَجُلٍ ظَلَمَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ، كَلَّفَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَحْفِرَهُ حَتَّى يَبْلُغَ آخِرَ سَبْعِ أَرَضِينَ، ثُمَّ يُطَوَّقَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ ))

[أحمد عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

  الآن شبر، شبر أرض، أحياناً أنا أعجب بالذي يقف عند أدق الدقائق في مساحات الأراضي، هذه ليست لي، فالإنسان إذا باع يبيع بيتاً لا يبيع مساحة، لأن المساحة قد تكون أقل، أخي هذا البيت، هذه الدكان ثمنها هكذا، أما: مساحتها 67 متراً يقيسها فإذا هي 65 متراً صار فوق الشبر، فالأولى أن يبيع الإنسان بيتاً، أما بالمساحة يكون في دقة بالغة بالسنتمتر، الشبر عشرة سنتمتر، العشرة سنتمتر فيهم حساب، هذه الأحاديث كلها.

 

(( مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ ))

 

[متفق عليه عَنْ ِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ]

  وفي رواية لمسلم:

 

((لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلاَّ طَوَّقَهُ اللَّهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))

 

[ مسلم عن أبي هريرة]

  قوله طوقه قيل: أراض طوق التكليف لا طوق التقليد، أحياناً نطوق إنساناً وسام شرف، هذا تطويق التقليد، نقلده وساماً نضعه في عنقه كالطوق، أما المعنى الثاني: طوق التكليف، أي أهذه الأرض تزلزل أي تخسف به فتطوق عنقه تطويق تكليف، قيل: المراد يخسف به الأرض فيصير في عنقه كالطوق، هذا المعنى.
 آخر حديث:

 

(( مَا أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنْ الرِّبَا إِلَّا كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إِلَى قِلَّةٍ ))

 

[ابن ماجه عَنْ عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

  وفي رواية:

 

(( الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ تَصِيرُ إِلَى قُلٍّ))

 

[ابن ماجه عَنْ عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

  إلى فقر، هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام ولا ينطق عن الهوى.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018