الدرس : 45 - سورة آل عمران - تفسير الآية 159، رحمة النبي صلى الله عليه وسلم - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 45 - سورة آل عمران - تفسير الآية 159، رحمة النبي صلى الله عليه وسلم


2001-10-05

 الحمد له رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الخامس والأربعين من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية التاسعة والخمسين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 159)

مقدمة :

 أيها الإخوة الكرام ، لابد من تمهيد لهذه الآية ، النبي عليه الصلاة والسلام بين للناس ما نزل إليه ، الأحكام الكلية التي جاءت في القرآن الكريم بينها النبي عليه الصلاة و السلام و فصلها، هذه سنته ، من سنته أقواله ، ومن سنته أفعاله ، و من سنته إقراره ، و لكن كيف عامل أصحابه ؟ كيف عامل من حوله ؟ كيف دعا إلى الله ؟ و كيف كان سلوك النبي مع من دعاهم إلى الله ؟ هذه سنة تربوية ، أي عالم من بعده تبعه في سنته التربوية نجح و أفلح ، و أي داعية إلى الله خالف سنته التربوية أثار حوله جدلاً كثيراً ، إذاً الدعاة إلى الله في شتى أقطار المسلمين ينجحون و يتفوقون و يفلحون إذا اتبعوا سنة النبي التربوية ، كيف دعا أصحابه ، وكيف عاملهم ؟ فكل داعية لا يفلح ، ولا ينجح ، ولا يلتف الناس حوله إلا إذا قلد النبي في أصول دعوته ، فقضية الأحكام الشرعية شيء آخر ، قضية بيان النبي عليه الصلاة والسلام لكليات القرآن ، قال تعالى :

 

﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾

( سورة النحل : الآية 44)

 شيء آخر ، لكن كيف عاملهم ؟ منعهم أن يسألوا ، صادر شخصياتهم ، استعلى عليهم ، سخرهم لصالحه ، كيف عاملهم ؟ هذه الآية أيها الإخوة إحدى الآيات التي تبين أصول الدعوة إلى الله ، يقول الله عز وجل :

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ

1 ـ لين النبي لأصحابه سببه رحمة الله :

 هذه الباء في الآية باء السببية ، أيْ بسبب رحمة في قلبك لنت لهم ، إذاً هناك علاقة بين لين الجانب ، وبين الرحمة المودعة في القلب ، ما لم يكن في القلب رحمةٌ مشتقة من رحمة الله لن تستطيع أن تكون لين الجانب ، ولا أن تكون سهل العريكة ، هذه صفة أساسية فيمن دعا إلى الله، لين ورحمة ، فبما رحمة من الله لنت لهم .
 أيْ بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد ، من خلال اتصالك بنا ، أي اتصال بالله يشتق من خلاله من كمال الله ، إذا كنت مع الرحيم فأنت رحيم ، إذا كنت مع الحكيم فأنت حكيم ، إذا كنت مع اللطيف فأنت لطيف ، هذا الكمال الذي جاء به الأنبياء ، وعلى رأسهم رسول الله يسبي العقول، يملأ القلوب محبة ، قال أبو سفيان : ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً ، لِمَ هذا الحب ؟ من كماله ، من رحمته ، من لين جانبه ، من تواضعه ، من حكمته ، من لطفه ، إذاً لن تستطيع أن تؤثر في إنسان على وجه الأرض إلا إذا كنت مشتقاً من كمال الله كمالاً .

2 ـ الخلق الحسن يجذب الناس إلى الدين :

 ما الذي يجذب الناس إلى الدين ؟ الكمال الذي يتحلى به المؤمنون ، كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الرحم ، ونسيء الجوار ، وهناك جاهلية أشد من هذه الجاهلية ، حينما قال الله عز وجل :

 

﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾

( سورة الأحزاب : الآية 33)

 معنى ذلك أن هناك جاهلية ثانية ، والجاهلية الثانية ليس فيها إساءة إلى أفراد ، بل فيها إساءات إلى شعوب ، ليس فيها عبودية فرد لفرد ، بل فيها عبودية شعوب لشعب ، ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الرحم ، ونسيء الجوار، ويأكل فينا القوي الضعيف ، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته ، وصدقه ، وعفافه ، إذا عاملناه فهو أمين ، وإذا حدثنا فهو صادق ، وإذا وضع في موطن شهوة كان عفيفاً ، فدعانا إلى الله كي نعبده ، ونوحده ، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء .

 

3 ـ النبي يأمر بالخلق الحسن ويتصف به :

 بماذا أمر النبي ؟ بمكارم الأخلاق ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ ))

[ أحمد ]

 من زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان ، الإيمان حسن الخلق ، فعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ ، وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا ، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ ، فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ ؟ قَالَ : الْمُتَكَبِّرُونَ ))

[ الترمذي ]

 أكثر من عشر أحاديث صحيحة في البخاري ومسلم تؤكد هذه الأحاديث أن الإيمان يعني حسن الخلق .
 فلذلك بين النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه الكرام فقال :

(( تواضعوا لمن تعلمون ، وتواضعوا لمن تتعلمون منه ))

[ ورد في الأثر ]

 والتواضع من صفات المؤمن ، قال تعالى :

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

 لأن في قلبك رحمة جاءتك من الإقبال على الله ، فكنت ليناً ، سمحاً ، سهلاً ، لطيفاً ، متواضعاً ، يدخل عليه رجل فترتعد مفاصله من شدة هيبته ، فعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ :

(( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ ، فَقَالَ لَهُ : هَوِّنْ عَلَيْكَ ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ ))

[ ابن ماجه ]

 يكون مع أصحابه في سفر أرادوا أن يعالجوا شاة :

(( علي ذبحها ، وقال الثاني : علي طبخها ، فقال عليه الصلاة والسلام : وعلي جمع الحطب ، قالوا : نكفيك ذلك يا رسول الله ، قال : أعلم أنكم تكفونني ، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه ))

[ ورد في الأثر ]

 كان مع أصحابه في بدر ثلاثمئة ، والرواحل قليلة ، قال : كل ثلاث على راحلة ، أمر من قائد الجيش ، وأنا ، وعلي ، وأبو لبابة على راحلة ، فما ميز نفسه عن جندي في الجيش ، ركب النبي ناقته ، فلما جاء دوره في المشي توسلا صاحباه أن يبقى راكباً ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى عَلَى الْمَشْيِ مِنِّي ، وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنْ الْأَجْرِ مِنْكُمَا ))

[ أحمد عن ابن مسعود ]

 هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام ، خدمه ربيعة سبعة أيام ، فقال له: يا ربيعة سلني حاجتك ، وكأنه رأى هذه الخدمة ديناً عليه ، لا فرضاً عليه .
 السيدة فاطمة طلبت منه خادمةً قال : والله لا أعطيك خادمةً ، وفي المسلمين فقراء ، عدّ ابنته كأحد فقراء المسلمين ، حتى نلبي حاجات الفقراء .
 بقدر ما يتبع الدعاة إلى الله منهج النبي في تربية أصحابه ، منهج النبي في معاملة أصحابه ، منهج النبي في تواضعه ، منهج النبي في رحمته يلتف الناس حوله ، فلما لنت لهم التفوا حولك .

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

 أشيروا علي أيها القوم ، في معركة بدر ، قال سيدنا سعد : امضِ يا رسول الله لما أردت فنحن معك ، صل حبال من شئت ، واقطع حبال من شئت ، وسالم من شئت ، وعاد من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ، فو الذي بعثك بالحق للذي تأخذه من أموالنا أحب إلينا مما تتركه لنا ، لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك ، ما تخلف منا واحد ، إنا لصبر في الحق ، صدق عند اللقاء، فلعل الله يريك ما تقر بها عينك .

 

 

4 ـ النبي أحسن الناس أخلاقا :

 لماذا التف أصحابه حوله ؟ لأنه ما ميز نفسه عليهم أبداً ، ما ميز نفسه عليهم أبداً ، لا في سلم ، ولا في حرب ، ولا في ضائقة مادية ، ولا في جوع ، ولا في خوف ، أبداً ، لو أن من يتولى شؤون الدعوة في العالم الإسلامي درس بعناية فائقة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ، وكيف كان يعامل أصحابه ، كيف كان يتفقدهم ، كيف كان يمشي مع المرأة المسكينة تسأله كل حاجتها ، كيف كانت الجارية البنت الصغيرة تأخذه من يده فتقوده ، وكيف كان يركب الحسن والحسين على ظهره في البيت ، فقد ارتحلاه وهو يقول :

 

(( نِعْم الجمل جملكما ، ونعم الراكبان أنتما ))

 

[ ورد في الأثر ]

 كيف ؟ كيف كان يخطب ، فرأى الحسن أو الحسين يمشي ، ويتعثر فنزل من على المنبر ، وحمله ، وصعد به المنبر ، وتابع خطبته .
 كيف كانت رحمته بالأطفال ؟ كيف كان يصلي صلاة الفجر ، وقد علمنا أن نقرأ الآيات الطوال في صلاة الفجر ، فسمع طفلاً يبكي ، ينادي أمه ببكائه ، فقرأ آيات قصيرة ، فقالوا : يا رسول الله لم تطل ، قال : سمعت طفلاً ينادي أمه ببكائه ، فأردت أن أرحمها ، كيف ؟
 كيف حينما جاءه الوحي قالت له : خذ قسطاً من الراحة ، قال : انتهى عهد النوم يا خديجة كيف ؟
 قبل أن يتوفاه الله جمع أصحابه وقال : من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليقتد منه ، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه ، ومن كنت شتم له عرضاً فهذا عرضي فليشتمني، ولا يخشى الشحناء ، فإنها ليست من شأني ، ولا من طبيعتي .

 

و أحسن منك لم ترَ قط عين  وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرءًا من كل عيـب  كأنك خلقت كما تشــاء

 بماذا مدحه الله عز وجل ؟ مدحه بفصاحته ، فكان فصيحاً ، بل كان أفصح العرب ، لكن القرآن لم يمدحه بفصاحته ، مدحه بقيادته ، كان من أحنك القادة ، مدحه بفطنته ، فقد كان من أفطن البشر ، بماذا مدحه ؟ قال تعالى :

 

 

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

( سورة القلم : الآية 4)

 دخل مرة أحد على ملك ليعظه ، قال : سأعظك ، وأغلظ عليك ، قال له : ولمَ الغلظة ؟ لقد أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني ، أرسل موسى إلى فرعون ، فقال :

﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾

 لماذا التف الناس حول رسول الله ؟ لأخلاقه فقط ، لخلقه كان واحداً من أصحابه ، وما سحب يده من مصافح ، ولا رُئي ماداً رجليه بين أصحابه قط ، وكان لا يمدح طعاماً ، ولا يذمه ، وكان يقبل العذر ، ويأكل مع الخادم ، وكانت توقفه امرأة مسكينة في الطريق فيقف معها طويلاً .
 رأى رجلاً في المسجد قال : من أنت ؟ قال : أنا عدي بن حاتم ، مالك من ملوك الجزيرة ، أخذه إلى بيته صلى الله عليه وسلم ، ودفع له وسادة من أدم محشوة ليفاً قال : اجلس عليها ، قال : أنا ، قال : بل أنت قال : فجلست عليها ، وجلس هو على الأرض ، قال : إيه يا عدي بن حاتم ألم تكن ركوسياً ، وهو دين بين النصرانية والمجوسية ؟ قال : نعم ، قال : أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع ؟ قال : بلى ، قال : فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك ، أرأيت إلى هذا المنطق الصارم ، يناقشه بدينه قال : يا عدي ، لعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم ، أصحابه فقراء ، وايم الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعله يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم ، كما هو الآن، وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة البابلية تحج البيت على بعيرها لا تخاف ، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البابلية مفتحةً للعرب ، ولقد عاش عدي ورأى كل ذلك .

 

[ ورد في الأثر ]

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

 هذا الإنسان كيف يحبك ، كيف يحترمك ؟ كيف يتعلق بك ؟ كيف يصغي إليك ؟
 كنت أقول دائماً : الإحسان قبل البيان ، لا تطمع في هداية أحد قبل أن تحسن إليه ، لا تطمع بهداية أحد قبل أن تكون قدوة ، لا تطمع بهداية أحد قبل أن تتواضع له ، لا تطمع بهداية أحد قبل أن تكون مطبقاً قبله :

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

 

5 ـ هذا ما تفعله أخلاق النبي في أصحابه :

 كنت ليناً بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد من خلال اتصالك بنا فالتفوا من حولك ، وأحبوك ، وفدوك بأرواحهم وأنفسهم .
 رجل على وشك أن يُقتَل ، خبيب بن عدي سأله أبو سفيان : يا خبيب أتحب أن يكون محمد مكانك ، وأنت معافى في أهلك ، ماذا قال خبيب وهو على وشك أن يموت صلباً ؟ انتفض وقال : والله لا أحب أن أكون في أهلي وفي ولدي ، يعني وأنا جالس في بيتي ، وزوجتي وأولادي أمامي ، وعندي عافية الدنيا ونعيمها ، طعام ، وشراب ، وبيت مدفأ شتاءً ، مكيف صيفاً ، ألوان الأطعمة ، ألوان الأزهار ، والله لا أحب أن أكون في أهلي وفي ، ولدي ، وعندي عافية الدنيا ، ونعيمها ، ويصاب رسول الله بشوكة ، عندها قال : ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً ، كيف ؟
 تفقد أحد أصحابه صلى الله عليه وسلم في أحد سعد بن الربيع أرسل إليه أحد أصحابه رآه بين القتلى لم يمت بعد ، قال له : يا سعد هل أنت بين الأحياء والأموات ؟ قال له : أنا مع الأموات ، ولكن أقرئ رسول الله مني السلام ، وقل : له جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمته ، وقل لأصحابه : لا عذر لكم إذا خلص إلى نبيكم ، وفيكم عين تطرف .
 ما هذا ؟! إنسان على وشك الموت ، يمتلئ قلبه محبة لرسول الله ، هذا لأخلاقه العالية ، ورحمته بأصحابه ، وبالتعبير الدقيق كانت مشكلة أصحابه مشكلته ، وكانت أفراحهم أفراحه ، وأتراحهم أتراحه ، نحن بحاجة إلى الحب أيها الإخوة ، بحاجة أن يحب بعضنا بعضاً ، بحاجة إلى تعاون ، بحاجة إلى البذل ، إلى التضحية ، بحاجة أن تشعر أنه لست وحدك في الحياة ، كل المؤمنين لك ، وأنت للكل ، كلهم لك بإمكاناتهم ، بخبراتهم ، وأنت لهم جميعاً .
هذا المجتمع كل شيء مادي موجود بشكل صارخ جامعات ، مؤلفات ، محاضرات ، مؤتمرات ، مساجد ، مطبوعات ، كل شيء مادي في الإسلام موجود بشكل صارخ ، لكن روح الإسلام هذا الحب بين المؤمنين ، هذه التضحية ، والإيثار .
 مد يدك لأبايعك ، كذا قال الصديق لسيدنا عمر ، قال عمر : أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا كنت أميراً على قوم فيهم أبو بكر ، قال له : أنت يا عمر أقوى مني ، قال : أنت يا أبا بكر أفضل مني ، قال : قوتي إلى فضلك .
أيعقل أن يكون مع أصحابه سيدنا عمر ، وأن يقول أحدهم تقرباً إليه : والله يا أمير المؤمنين ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله ، فإذا به يحد بصره إليهم ، إلى درجة أنه كان يقطعهم وَاحداً واحداً ، إلى أن قال أحدهم : لا والله قد رأينا من هو خير منك ، قال : من هو ؟ قال : أبو بكر ، فقال هذا الخليفة العظيم : كذبتم جميعاً وصدق ، عد سكوتهم كذباً ، قال : كنت والله أضل من بعيري ، وكان أبو بكر أطيب من ريح المسك ، ما هذه الموضوعية ؟
 يقف على منبر ، وينزل درجة ، ويقول : ما كان الله ليراني أرى نفسي في مقام أبي بكر ، ماذا فعل النبي ؟ ربى أصحاباً ، ربى أبطالاً الواحد منهم كألف ، الآن المسلمون مليار ومئتا مليون ، لذلك حينما يسقط المسلمون من عين الله يأتي من يتحكم فيهم ، ومن يذلهم ، ومن يأخذ أموالهم ، ومن يوقع بينهم ، وكأنهم ليسوا موجودين ، المسلمون غائبون عن الساحة ، أين هم هؤلاء المسلمون ؟
 أيها الإخوة الكرام ، الأنبياء العظام تركوا أصحاباً عظاماً ، ونحن نريد أن يكون المسلم شيئاً كبيراً ، كبيراً بطاعته لله ، كبيراً بمحبته لله ، كبيراً بإخلاصه لله .

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 159)

وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ

 لو كنت منقطعاً عنا .

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

الفظاظة والغلظة تنفران الناس :

 لو كنت منقطعاً عنا يمتلئ قلبنا قسوة ، و إذا امتلأ قلبك قسوة كنت فظاً غليظاً ، فيك قسوة ، وفظاظة ، وكبر ، ولا يوجد رحمة :

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

 معادلة رياضية : اتصال رحمة لين التفاف ، انقطاع قسوة غلظة انفضاض ، أليس هذا درساً لكل داعية على وجه الأرض ؟

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

من أصول الدعوة : التزكية الأخلاقية :

 أيها الإخوة الكرام ، أتمنى أن يتتبع أحدكم الآيات المتعلقة بأصول الدعوة ، مثلاً :

﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾

( سورة الجمعة : الآية 2)

 منهج الدعوة أن تعرف بالله من خلال آياته ، و أن تزكي النفوس ، أن ترقى النفوس ، أن تتصعد الميول :

 

﴿ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ ﴾

 أي القرآن :

 

﴿ وَالْحِكْمَةَ ﴾

 السنة ، هكذا قال علماء التفسير .
 إذاً : دعوة بلا تزكية لا قيمة لها ، و تزكية بلا علم لا قيمة لها ، لابد من دعوة إلى الله ، لابد من تعريف بالله من خلال آياته ، و لابد من تزكية للنفس من خلال الاتصال به ، ثم لابد من معرفة المنهج الكتاب و السنة .
 حبذا لو تجمعوا الآيات المتعلقة بأصول الدعوة إلى الله ، و يجب أن تعلموا علم اليقين أنه ما من واحد من المسلمين إلا و الدعوة إلى الله في حقه فرض عين لا يعفى منها أحد ، فإن لم تفكر في الدعوة إلى الله فأنت لا تتبع رسول الله ، لأن الله عز وجل يقول :

 

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي ﴾

( سورة يوسف : الآية 108)

 فإن لم تكن متبعاً لرسول الله معنى ذلك أنك لا تحب الله ، والدليل قوله تعالى :

 

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾

( سورة آل عمران : الآية 31)

 إن لم تتبع لا تحب ، و إن لم تدع لا تتبع ، ولكن تدعو إلى ماذا ؟ إلى ما تعلمت ، ومع من تعرف ، في حدود ما تعلم ، ومع من تعرف ، وهذا معنى حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ... ))

[ البخاري ، الترمذي ، أحمد ، الدارمي ]

 أن تحضر درس علم ، خطبة جمعة ، ما أخذت شيئاً منها ؛ ولا آية ، ولا حديثًا ، ولا فكرة ، هذه الآية ، والحديث ، والفكرة انشرها في الأسبوع ، لك صديق ، لك زميل ، لك جار ، لك قريب ، كنت في دعوة ، في وليمة ، في سفر ، في نزهة ، في سهرة ، لا يوجد أحد ليس له عدة لقاءات في الأسبوع ، لا يوجد أحد على الإطلاق إلا ، وله لقاءات عديدة في الأسبوع مع من يلوذ به ، لذلك :

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾

فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ

 أي فاعف عنهم يا محمد زلتهم ، لذلك صلى عليهم ، وصلى على من عصاه ، و قد فسر هذا بأن هذه معصية لأمر تنظيمي سببت هزيمة ، ولكنها ليست معصية لأمر تشريعي ، والفرق كبير بين الأمر التنظيمي ، وبين الأمر التشريعي :

﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾

 أي خطأهم :

 

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

 

وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر

سيد الخلق أمره ربُّه بمشورة أصحابه :

 المشاورة فيها رفع معنويات كبيرة جداً ، النبي سيد الخلق ، وحبيب الحق ، النبي سيد ولد آدم ، النبي معصوم ، النبي يوحى إليه ، ومع ذلك أُمر أن يشاورهم في الأمر ، من أنت حتى لا تستشير ؟ من أنت ؟ إذا كان سيد الخلق ، وحبيب الحق قد أُمر أن يشاور أصحابه ، أشيروا علي أيها الناس ، حتى في حديث الإفك قال : أشيروا عليّ ماذا أفعل ؟ أعلمها عفيفة ماذا أفعل ؟ أنت حينما تشاور تستعير عقول الرجال ، من شاور الرجال استعار عقولهم ، بل إن المجتمع المسلم وصفه الله عز وجل بأن :

﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾

( سورة الشورى : الآية 38)

 لا يوجد استبداد ، لا يوجد فرض رأي ، لا يوجد إرهاب فكري ، أمرهم شورى بينهم ، أشيروا عليّ أيها الناس :

 

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

 وأنت سيد الخلق ، و أنت المعصوم ، وأنت قمة البشر ، شاورهم في الأمر ، استشار زوجته في صلح الحديبية ، فالصحابة الكرام تعلقوا بالعمرة ، ثم منعوا منها ، فتألموا ألماً شديداً ، حتى إن عمر قال : << ألسنا على حق ؟ قال : نعم ، قال : أليسوا على باطل ؟ قال : بلى ، قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ، قال : أنا أتبع وحي الله عز وجل >> ، و مع ذلك الصحابة تلكؤوا في الحلق ، والذبح ، فتألم النبي عليه الصلاة و السلام ، سأل أم سلمة : ماذا أفعل ؟ قالت : احلق أنت ، واذبح ، ما إن فعل حتى تبعه أصحابه ، علمنا أن نستشير أحياناً زوجاتنا ، هذا شيء ثابت في السنة ، والقصة صحيحة ، حتى إن القرآن الكريم قال :

 

﴿ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ ﴾

( سورة الطلاق : الآية 6)

 أي تأمره بالخير ، ويأمرها بالخير ، من صفات المؤمن المشاورة :

 

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

 ولي أمر المسلمين اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم يجب أن يستشير :

 

﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾

( سورة الشورى : الآية 38)

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

 لكنه حينما يستشير ، ويأخذ الآراء ، ويريه الله الطريق الصحيح قال :

 

﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾

فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه

 من دون بلبلة ، من دون اضطراب ، من دون تمييع للقضايا :

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ ﴾

 يا محمد ، ومن ينوب مكانك في ولاية أمر المسلمين :

 

﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾

خاتمة :

 إذاً : من خلال هذه الآية الكريمة تتضح لنا أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام ، و كيف التف الناس حوله ، واجتمعوا عليه ، وكيف فدوه بأنفسهم وأموالهم ، وكيف كانوا قدوة للعالمين :

﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾

( سورة الفتح : الآية 29)

 كيف هم أشداء على الكفار ، محمد والذين معه ، أرأيت إلى هذا التعاون ، أشداء رحماء بينهم ، لذلك المؤمن في مجتمع المؤمنين موصوف بآية :

 

﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

( سورة المائدة : الآية 54)

﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾

( سورة الحشر : الآية 9)

 وأن تعيش بين المؤمنين ، وأن تكون وفياً لهم ، وأن تكون متواضعاً لهم ، وأن تقدم لهم كل ما تستطيع ، وأن تسألهم حاجتك أحياناً ، يجب أن نعلم أن المجموع لواحد ، وأن الواحد للمجموع .
 أيها الإخوة ، هذه الآية منهج لنا في أصول الدعوة إلى الله عز وجل :

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾

و الحمد لله رب العالمين

الأسئلة :

 س : أخ يقول : كيف تكون الدعوة فرض عين ، والآية تقول :

 

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 104)

 هذه الدعوة فرض كفاية ، هناك داعية متفرغ تماماً عمله الدعوة إلى الله ، محصل علماً عالياً جداً، معه الأدلة التفصيلية ، يرد على كل شبهات الكفار ، هذه الدعوة بهذا المستوى فرض كفاية ، أن تكون متفرغاً للدعوة إلى الله ، متخصصاً بالعقيدة الإسلامية ، وفي الفقه ، وفي السيرة ، وليس لك عمل إلا الدعوة إلى الله ، هذا المستوى من الدعوة فرض كفاية ، إذا قام به بعضهم سقط عن الباقي ، و أما التي هي فرض عين فأحد أدلتها :

 

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

( يوسف : 108 )

 دليل آخر :

 

﴿ وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

( سورة العصر )

 أحد أركان النجاة التواصي بالحق .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018