قصص أدبية : القصة 2 - قصة امتحان أب لأولاده . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

قصص أدبية : القصة 2 - قصة امتحان أب لأولاده .


1998-01-06

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تمهيد :

من خلال سفرتي الأخيرة تواردت عليّ خواطر كثيرة أردت أن أسجلها في شكل مقالة قصصية ، ولأنه لم يسبق لي أن كتبت في هذا الإطار الأدبي أضع هذه المحاولة المتواضعة بين أيدي الإخوة الكرام .

امتحان أب لأولاده :

هناك رجل عنده عَشَرَةُ أولاد مختلفون ، من حيث الذكاء والمحدودية ، والطيب والخبث ، والالتزام وعدمُه ، ولكل ولد من أولاده ذرية من الذكور والإناث ...
أراد الأب أن يعطي أولاده من أمواله ليمتحنهم ، وليرى مدى التزامهم بتوجيهاته ، فأعطاهم من أمواله بشكل متساوٍ كماً ، مختلفٍ نوعاً ... فمن بيت إلى محل تجاري إلى أرض إلى سيارة إلى مال سائل .
لكن واحداً من أولاده يتمتع بذكاء متقد ، وبقدر ذكائه المتقد يتصف بخبث شديد ، وبقدر خبثه الشديد ينطوي على أنانية مفرطة ، وحب للذات ، لكن الشيء الذي يلفت النظر أنه كان يتمتع بقدرةٍ عجيبة على أن يظهر بأعلى مظهر أخلاقي علمي حضاري .
ومن أجل أن يوفر لأسرته حياة رغيدة ناعمة مستقرة ، لا توفرها له أمواله التي أخذها عن أبيه ، ولا الأموال التي يمكن أن يحصلها بكده وعرق جبينه ، بدأ بالعدوان على أموال أخوته بشكل مقنّع تارة ومكشوف تارة أخرى ، بحسب الظروف المحيطة به ، فتارة يغريهم بأن يستثمروا أموالهم في محله التجاري فيحجزُها عنده ، ويعطيهم من أرباحها النَذّر اليسير ، وتارة يبيعهم سلعاً يزينها لهم ويوهمهم أنهم في أمس الحاجة إليها بأغلى الأثمان ، وتارة يشتري ما عندهم من مواد هو في أشد الحاجة إليها بأبخس الأسعار ، وتارة يدعي أنه يدافع عن أخوته ضد أخطار موهومة ويتقاضى على دفاعه هذا أكرم أموالهم ، وكلما تردد إخوته بإعطائه المال الذي يطلبه منهم ، أغرى بعض أعوانه ـ وما أكثرهم ـ بتهديدهم وتخويفهم .
وفي نهاية المطاف وبعد أن تمكن من إزاحة منافس له من ساحة الصراع كشر عن أنيابه ، وأزاح القناع عن وجهه ، واغتصب معظم أموال إخوته ، ولم يبق لهم إلا النذر اليسير ، وجعلهم يعيشون في فقر مدقع ، وفي اضطراب مهلع ، والذي أعانه على ذلك أن إخوته مختلفون فيما بينهم ، بل إن بعضهم حريص على حسن علاقته معه ؛ لذلك يتفضل عليهم ببعض الفتات الذي هو جزء من مالهم المغتصب ، ومع كل الحرص الذي يبدو من بعضهم على حسن العلاقة معه ، لم يحصلوا منه شيئاً ، بل فقدوا كل شيء ، وهكذا ... بنى مجده على أنقاضهم ، وغناه على فقرهم ، وأمنه على تخويفهم .
ثم إن هذا الأخ الخبيث اغتصب أرضاً واسعة الأرجاء كثيرة الخيرات وطرد أهلها وشردهم ، واشترى أرضاً أخرى بأبخس الأثمان ، وبنى عليهما بيتاً عظيم البنيان ، واسع الأبهاء ، فاخر الأثاث ، زوده بكل الوسائل المريحة ، والأجهزة العصرية ، وألحق به حديقةً غناء فيها من الجمال ما يبهر العيون ، وفيها من الثمار ما لذّ وطاب ، وجعل لكل ولد من أولاده جناحاً في هذا البيت ، ومنحه مركبة ، وكل وسائل الحضارة ومنجزات العصر ، وكان مولعاً باقتناء الكلاب ، وبدافع من إنسانيته ورحمته بالحيوان أجرى لأحد كلابه عملية جراحية في قلبه ، كلفته مبالغ طائلة ، وبدل لكلب آخر مفصلاً في ركبته ، وأصلح لكلب آخر أسنانه وبحث عن طبيب نفسي يعالج كآبة ألمت ببعض كلابه ، وكان يطعم كلابه من اللحم في اليوم ما لا يستطيع أولاد إخوته أن يأكلوه في شهر مجتمعين وقد اشترى أرضاً وجعلها مقبرة لبعض كلابه الذين ماتوا من فرط العناية بهم .
وأولاد إخوته يعانون من فقر بالدم ، وهشاشة بالعظام ، لأن غذاءهم من النوع الفقير بالمواد المغذية ، وكم من ولد من أولاد أخيه قضى نحبه وهو في أمس الحاجة إلى عمل جراحي حيث امتنع عن مساعدته ، وتفريج كربه .
فصار بهذا الغنى ناعم الملمس ، حسن المظهر ، لطيف العبارة ، مخملي المعشر ، يتأنق في مظهره ، ويتقيد في مواعيده ، ويحرص على صحته ، وصحة أولاده ، هيأ لهم الملاعب ، واشترى لهم الأجهزة الرياضية ، ورفعاً لمعنوياتهم ، وتثبيتاً لمكانتهم ، سمح لهم أن ينتقدوه ، وكان يستشيرهم في كل صغيرة وكبيرة ... وأوهمهم أنهم أفضل الناس بسبب ذكائهم المفرط ، وعملهم الدؤوب ، ومعيشتهم الناعمة ، وأخفى عنهم السبب الحقيقي في هذا الغنى الذي ينعمون فيه .
وكان إذا التقى بإخوته وجه لهم نقداً لاذعاً ، لأنهم عنيفون في طباعهم ، خشنون في مظهرهم ، متخاصمون فيما بينهم ، وتجاهل أنه هو الذي أثار بينهم هذه الخصومات ضماناً لمصالحه ، وكان ينتقدهم أيضاً بأنهم لا يعتنون ببيوتهم ، ولا يحسنون اختيار ألوان ثيابهم ، ولا يتقيدون في مواعيدهم ، ولا يتقنون أعمالهم ، يتمسكون بقيم ومبادئ هي سبب فقرهم وتخلفهم .

بم تقيمه ؟

فالرجل الذي يتمتع بنظرة ثاقبة ، وعاطفة عميقة ؛ أساسها مبدأ صحيح وقيم عالية يقيمه تقييماً .
والرجل الذي يتصف بنظر قاصر ، وعاطفة سطحية ، وتحكمه المصالح لا القيم يقيمه تقييماً آخر .
فقل لي بم تقيم هذا الأخ ـ محور هذا المقال القصصي ـ أقل لك من أنت .

النهاية :

لكن الأب يسجل على أبنائه كل حركاتهم و سكناتهم ، وفي أية لحظة يراها مناسبة ، يأخذ من أولاده كل شيء ، ويحاسبهم عن كل شيء ، ويجزي كلاً منهم بحسب عمله .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018