الدرس : 42 - سورة آل عمران - تفسير الآية 154 ، حسن الظن بالله (1) - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 42 - سورة آل عمران - تفسير الآية 154 ، حسن الظن بالله (1)


2001-09-14

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثاني والأربعين من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الرابعة والخمسين بعد المائة ، وقد وعدتكم أن أشرح لكم بفضل الله وعونه قوله تعالى :

﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾

يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ

1 ـ حُسنُ الظنِ بالله :

ولأن حسن الظن بالله ثمن الجنة ، ولأن الإيمان كله حسن ظن بالله ، وأن تظن بالله خيراً ، وأن تصفه بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى ، فكم من كلام يطرح بين المسلمين يؤكد جهلاً بالله عز وجل ، وسوءَ ظنٍّ بالله ، فهؤلاء الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ظنوا بالله غير الحق ظن الجاهلية ، ومن أجمل ما قرأت حول هذه الآية من كتاب زاد المعاد كلام طيب مناسب جداً أن نقرأه كلمَةً كلمةً ، فهذا الدرس له طبيعة خاصة ، سأحاول أن أقرأ ، وأشرح ما في كتاب زاد المعاد للعالم الجليل ابن القيم حول هذه الآية .

2 ـ معنى : سوء الظن بالله في هذه الآية :

فقدان الأمل بالله من سوء الظن به
يقول الإمام الجليل ، وقد فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله سبحانه وتعالى فسر هذه الآية بأنه من ظن أن الله لا ينصر رسوله ، وأن أمر هذا النبي سيضمحل ، وأنه يسلمه للقتل ، فقد ظن بالله غير الحق ظن الجاهلية ، كتطبيق عملي من يقول الآن : المسلمون انتهوا ، لأن كل قوى الشر تحاربهم ، وتلصق أشد التهم بهم ظلماً وعدواناً ، فقد ظن بالله غير الحق ظن الجاهلية ، الله جل جلاله لا يتخلى عن دينه ولا يتخلى عن عباده الطيبين الطاهرين .
قد يقع إنسان غير مسلم عملا فينسب إليه فقط ، أما إذا وقع العمل على يد مسلم فينسب إلى إسلامه ، هكذا ظلماً وعدواناً ، فمن ظن أن الله سبحناه وتعالى لا ينصر رسوله ، وأن أمره سيضمحل ، وأنه يسلمه للقتل ، فقد ظن بالله غير الحق ظن الجاهلية .
ومن ظن أن ما أصابهم يوم أحد لم يكن بقضائه وقدره ، الله عز وجل خلق وترك ، خلق قوياً وضعيفاً ، وتركهم وشأنهم ، فالقوي يأكل الضعيف ، والغني يمتص دم الفقير ، ومن ملك من الدنيا حظوظاً عالية تمتع بالحياة وحده ، واستغل الآخرين كل شيء وقع أراده الله ، لا يمكن أن يقع في الكون شيء لا يريده الله ، إنه دائماً تستوعب خطة الله خطة أهل الدنيا ، يضربون ، ويسفكون الدماء ، ويقتلون ، ويُغيرون ، لكن لو لم يكن الله مريداً لهذا ما وقع ، كل شيء وقع أراده الله .

كلّ شيء وقع فلحكمة بالغة :

كل ما يحصل هو بإرادة الله
لذلك اعتقدوا هذا الشيء اعتقاداً صحيحاً ، لكل واقع حكمة ، سواء أكان الموقع أحمق أم عاقلاً ، خيراً أم شريراً ن فما دام الشيء قد وقع فقد أراده الله ، ولحكمة بالِغةٍ بالغةٍ ، ما دام هذا البناء قد تهاوى فلحكمة بالغَةٍ بالغةٍ بصرف النظر عما إذا كان الذين فعلوا هذا على حق أو على باطل ، اعتقد هذا ، كل شيء وقع أراده الله ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، ومن ظن أن هذا الذي وقع بقضاء الله وقدره ، ولكن لا حكمة له فقد ظن بالله غير الحق ظن الجاهلية .
والله أيها الإخوة ، هناك كلمات يتلفظ بها العامة هي الكفر بعينه ، يقولون : الله يعطي الحلاوة للذي ليس له أضراس ، الله ليس حكيما ، هذا الكلام هو الكفر بعينه ، من ظن أن الله لا ينصر رسوله ، من ظن أنه يتخلى عن رسوله ، وبالتالي يتخلى عن المؤمنين ، من ظن أن هذا الذي وقع ليس بقضاء الله وقدره ، من ظن أن هذا الذي وقع بقضاء الله وقدره لا حكمة فيه ، يقول : سبحان الله ! يأتي المسلم بجهل شديد ، يصف شيئاً غير مقبول ، ويقول : سبحان الله ! هذا الذي وقع ، يجب أن تعتقد أن الذي وقعَ وقَعَ بقضاء الله وقدره .
في أثناء الهجرة أبيح دم النبي ، ووضعت مائة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً ، فلما تبعه سراقة ، وكان يطمع بالمائة ناقة قال له النبي عليه الصلاة والسلام : كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى ؟
ما معنى ذلك ؟ يعني أن النبي عليه الصلاة والسلام واثق أنه سيصل إلى المدينة ، لأن الله لابد أن يتم أمره ، ولابد أن يؤسس دولة ، ولابد أن تنتشر هذه الدعوة في الآفاق ، والله وصلت إلى أقصى مدينة في العالم شرق جنوب سيدني بأسترالية ، رأيت فيها المساجد ، ورأيت فيها جالية إسلامية ، وإذاعة للقرآن الكريم ، ودروس العلم تنتشر هناك ، سبحان الله !ر هذا مصداق قول النبي :

(( يبلغ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ))

[ ابن حبان ]

أي مكان على سطح الأرض فيه ليل ونهار ستبلغه دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلابد أن يتم الله رسالته .
ماذا قال الله عز وجل ؟ قال :

 

﴿ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾

(سورة الفتح : الآية 6)

3 ـ الذي يسيء الظن بالله يتخلى الله عنه :

وكل واحد الآن يقول ، المسلمون انتهوا ، لأن كل قوى الشر ضدهم ، الله جل جلاله لا يتخلى عنهم ، قل هذه المقولة دائماً : لا تقلق على هذا الدين ، إنه دين الله ، هذا الدين شأنه كشأن وقود سائل ملتهب ، كلما أردت أن تقمعه كأنك أردت أن تطفئه بالزيت ! والزيت يزيده لهباً ، اعتقد أنه ما ضر السحاب نبح الكلاب ، وما ضر البحر أن ألقى فيه غلام بحجر ، ولو تحول الناس جميعاً إلى كنّاسين ليثيروا الغبار على الإسلام ما أثاروه إلا على أنفسهم ، ويبقى الإسلام هو الإسلام ، ولكن إن رأيت أن الله سبحانه وتعالى لا ينصر المسلمين فلعلة في المسلمين ، لأنهم نقضوا عهد الله وعهد رسوله ، لأنهم ما عبدوه حق العبادة ، لأنهم أضاعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات ، ولو كانوا كما أراد الله عز وجل لرأيتم من الآيات مالا يصدق .

﴿ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾

شيء خطير جداً أن تظن بالله ظن السوء ، وظن الجاهلية ، ومن ظن أن الله لا ينصر رسله ، ولا يتم أمره ، ولا يؤيد جنده ، ولا يعليهم ، ولا يظفرهم على أعدائهم ، وأنه لا ينصر دينه ، ولا كتابه ، وأنه يقوي الشرك على التوحيد ، والباطل على الحق إدالة مستقرة ، ويضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالاً ، ولا يقوم بعده أبداً فقد ظن بالله غير الحق ظن الجاهلية .
مرة ثانية أيها الإخوة الكرام ، هذا الدين دين الله ، والله سبحانه وتعالى يتولى نصرهم ، ولو شاء ربك لانتصر منهم ، إذا تدخل الله أمره كن فيكون ، لكن أراد أن يكسبنا شرف نصر هذا الدين :

 

﴿ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾

(سورة محمد الآية : 4)

لو أن الله تدخل بالأمر مباشرة لا أجر لك ، لكن أراد الله أن يكون هذا النصر على يديك ، قال : إن عزة الله وحكمته تأبى أن يتخلى عن عباده المؤمنين ، هؤلاء الذين عارضوا النبي وكانوا أشداء ، أقوياء ، أبطالاً ، أغنياء ، وكانوا صناديد ، فأين هم الآن ؟ في مزبلة التاريخ ، هؤلاء الذين وقفوا معه ، ونصروه ، وفدوه بأرواحهم وأموالهم أين هم الآن ؟ في أعلى عليين .
قال : فإن عزة الله تأبى أن يذل حزبه وجنده ، وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم ، هذا يعني أنهم قد ينتصرون نصراً مؤقتاً للباطل جولة ، ثم يضمحل ، قال : من ظن كذلك فإنه ما عرف الله عز وجل ، وما عرف أسماءه ، ولا عرف صفاته وكماله .

لن يسلِمك الله لعدوّ ما دمت متمسكا بدينه :

مرة ثانية : من أنكر أن يكون ذلك بقضائه ، وقدره فما عرفه ، أنا لا أتكلم من فراغ شعوب بأكملها في الغرب ، تعتقد أن الله خلاق ، وليس فعالاً ، خلق ، وأعطى كل إنسان طاقات ، وتركهم ، افعلوا ما شئتم ، فالقوي يأكل الضعيف ، والغني يستعبد الفقير ، والذكي يسخر من البليد ، إذا أسلمك الله إلى غيره فلا يستحق أن تعبده .
تخيل أن الله أسلم المسلمين إلى عدو لدود قوي جداً ، لمجرد أن يسلم المسلم لعدو لا يرحمه ، إنه قوي جداً ، أين معنى قوله تعالى :

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

( سورة هود : الآية 123)

ما معنى قوله تعالى :

 

﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾

(سورة الكهف : 26)

ماذا نفعل بقوله تعالى :

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف : الآية 84)

ما معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ))

[ مسند الإمام أحمد عن أبي الدرداء ]

لذلك ليس في حياة المؤمن كلمة لو .

 

كلّ شيء بقضاء وقدَر :

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَلَا تَعْجَزْ ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ : لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا ، وَلَكِنْ قُلْ : قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ))

[ صحيح مسلم ]

الشك في حكمة الله بضرب المقارنات سوء ظن بالله
ومن أنكر أن يكون قدره من غير حكمة بالغة ، وغاية محمودة يستحق الحمد عليها ، وإنما صدر ذلك من مشيئة مجردة عن حكمة ، وغاية مطلوبة فهو قد ظن بالله غير الحق ظن الجاهلية ، لمجرد أن تقول : يا رب بلادنا فقيرة ، أمطار لا يوجد ، تذهب لبلاد الغرب جنان ، أنهار ، أمطار ، ثلوج ، خيرات ، لمجرد أن تقول : لماذا نحن هكذا يا رب فقد ظننت بالله غير الحق ، ظن الجاهلية ، وكأنك تشك بحكمته .

لذلك قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى : " ليس بالإمكان أبدع مما كان ، هذا الذي وقع هو أمثل شيء لو كشفت الحقيقة .
سيدنا علي كرم الله وجهه يقول : << والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً >> ، أي يقينه قبل كشف الغطاء كيقينه بعد كشف الغطاء ، يقول هذا العالم الجليل : " هذه الأسباب المكروهة المفضية إلى قضاء الله وقدره لا يخرج تقديرها عن الحكمة لإخضاعها إلى ما يحب ، وإن كانت مكروهة له " ، كيف ؟ الله عز وجل يصب في عبده مرضاً عضالاً ، لأن الله يحب عبده ، ويكره أن يصيبه بهذا المرض ، لكن هذا المرض لابد لشفائه من مرض نفسي .
قد يقدر الله قدراً ، ويكره أن يصيب المؤمن به ، لكن لابد من ذلك تماماً كأب طبيب جراح ، التهبت زائدة ابنه ، يضع ابنه على الطاولة ، ويفتح بطنه ، ويخدره ، ويستأصل الزائدة ، ويتمنى ألف مرة أن تكون هذه الزائدة سليمة لا تحتاج إلى استئصال ، هو يفعل هذا بيديه لكنه يعلم علم اليقين أنه لابد من استئصالها .
لذلك ورد في بعض الأحاديث القدسية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ قَالَ :

(( وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ))

[ البخاري ]

تماماً لو أن ابنك ارتكب معصية فلابد أن تؤدبه عليها ، وتحبه حباً لا حدود له ، تضربه ، وتتألم أنت أكثر منه حين ضربه ، لابد أن تحدث عنده خبرة مؤلمة مع هذا العمل الذي فعله ، هذا هو الأب الحكيم ، هذه الأشياء التي نكرهها قدرها الله عز وجل ، لم يقدرها سدى ، ولا أنسأها عبثاً ، ولا خلقها باطلاً ، قال :

 

﴿ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ ﴾

( سورة ص : 27)

المصائب لتستفيق من الغفلة والسبات :

ظن السوء منتشر أشد الانتشار . مرة قرأت كلمة في مجلة : أنت ضعيف لأنك أخلاقي ، وأنت أخلاقي لأنك ضعيف ، هذا كلام خطير جداً ، في العالم الغربي ولاسيما في هذه الدولة العملاقة يقولون مثل عندهم كالفاتحة عندنا : أنت قوي ، إذاً أنت على حق ، القوة تصنع الحق ، خذ أموال الناس بالباطل ، لأنك قوي، هذا هو الحق ، قيل في هذه الأيام : القوة من دون حيلة تدمر صاحبها ، هذا الذي وقع قوة وعنجهية ، وغطرسة ، وتجاهل لحقوق الآخرين ، أدى هذا كله إلى شيء لا تحمد عقباه .

﴿ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ ﴾

( سورة ص : 27)

أكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم ، وفيما يفعله بغيرهم ، تكون أنت في وضع مريح ، لو أنك رأيت طفلاً مصاباً بمرض عضال تعترض على الله ، لماذا أصابه هكذا ؟ ما ذنبه ؟ الإنسان أحياناً يتجاوز سوء ظنه لا إلى ما يفعله الله به ، بل إلى ما يفعله بغيره .
المصائب تردك إلى الله فتستقيم
أنا لا أنسى أن مقابلة جرت بين أحد من يعمل في الإعلام في البوسنة ومفتي البوسنة ، قال كلامًا خطيرًا : " لا تعتبوا على الله من أجلنا ، يخاطب المسلمين في المشرق ، نحن لسنا مسلمين ، نأكل الخنزير ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونشرب الخمر ، بعد هذه الشدة الشديدة أصبحنا مسلمين " .
أحياناً يصاب إنسان بمصيبة بالغةٍ بالِغةٍ ، وعقب هذه المصيبة يستقيم على أمر الله ، فلا تعرف حكمة المصائب إلا من نتائجها ، فهي في أثناء وقوعها مؤلمة جداً ، لكن لولا هذه المصيبة لما كنت بهذا الحال .
قال : " ولا يسلم من هذا الظن السوء إلا من عرف الله ، وعرف أسماءه ، وصفاته ، وعرف موجب حمده وحكمته ، فمن قنط من رحمة الله تعالى ، ويئس من روحه فقد ظن به ظن السوء " ، فكل إنسان يقول : انتهينا هذا إنسان يظن بالله غير الحق ظناً الجاهلية .
قال : " ومن جوّز على الله ، أي قبل من الله أن يعذب أولياءه مع إحسانهم ، وإخلاصهم ، ويسوي بينهم ، وبين أعدائه فقد ظنوا به ظن السوء " .
والله مرة قال لي واحد : كلما دعونا على أعدائنا ازدادوا قوة ، قلت له : شيء جيد والله ، إنه يظن بالله ظن السوء ، لكن الله يملي للظالم ، ويستدرجه من حيث لا يعلم ، وقد قيل : إذا رأيت الله يتابع نعمه عليك ، وأنت تعصيه فاحذره .
هذا الإنسان خارج العناية المشددة ، وهذا كلام دقيق : إن رأيت الله يتابعك كلما زلّت قدمك يعاقبك ، كلما انحرفت سيرتك شدد عليك ، فاشكر الله عز وجل لأنك ضمن العناية المشددة .

لا توازن نفسك مع أهل الدنيا :

لو أن طالبًا شكا إلى صديق له خارج المدرسة ، قال له : أنا مرهق بالدراسة ، ووالدي شديد جداً، والأساتذة كثر ، والوظائف مرهقة ، والكتب ضخمة ، والفحوص شديدة ، والأسئلة صعبة ، ولا أنام الليل ، فقال له الثاني الذي هو خارج المدرسة : أنا مرتاح جداً ، أستيقظ الظهر ، آكل ، وألعب مع رفاقي ، ونذهب إلى السينما ، مسكين أنت ، لكن من المسكين حقيقة ؟ الثاني المتفلت ، هذا في المدرسة ينتظره مستقبل باهر ، هذا ينتظره مستقبل مظلم ، فلا توازن نفسك مع أهل الدنيا ، هذه الموازنة فيها خطأ كبير ، أهل الدنيا أحياناً تنطبق عليهم الآية الكريمة :

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾

( سورة الأنعام )

سيدنا عمر دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد اضطجع على حصير ، وقد أثّر على خده الشريف فبكى ، قال :

(( فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ ، فَبَكَيْتُ ، فَقَالَ : مَا يُبْكِيكَ ؟ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَقَالَ : أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمْ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ ))

[ البخاري عن ابن عباس ]

هذه المفارقة ما فهمها ، هذا سيد الخلق حبيب الحق ينام على حصير ، وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير ؟ قال : يا عمر ، أما ترضى أن تكون الدنيا لهم ، والآخرة لنا ؟ قال : يا عمر أفي شك أنت من هذا الأمر ؟ قال : يا عمر إنما هي نبوة ، وليست ملكاً ، أنا لست ملكًا ، والنبي قدوة ، من جوّز على الله عز وجل أن يعذب أولياءه مع إحسانه ، وإخلاصه ، ويساوي بينه وبين أعدائه فقد ظن به ظن السوء ، ومن ظن أن الله يترك خلقه سدى معطلين من الأمر والنهي ، يقول : ترك أناس لا أنبياء ولا رسل غافلون ، الله عز وجل قال :

﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾

( سورة الرعد : 7)

لا يمكن أن تنقطع رسالاته جل جلاله ، لكن لماذا جعل النبي الكريم خاتم الأنبياء ؟ لأنه علم أن سيكون العالم كله غرفة صغيرة .
والله ذهبت إلى أماكن بعيدة جداً في الأرض ، كل علماء المسلمين تسمع دروسهم هناك من دون استثناء ، الآن أصبح العالم قرية صغيرة ، أينما ذهبت تجد القرآن ، والسنة ، والعلماء ، والمحاضرات ، والأشرطة ، والأفلام ، والمؤتمرات ، فهذا الأمر يصل إلى كل مكان .
قال : من ظن أن يترك خلقه سدى معطلين من الأمر ، والنهي ، ولا يرسل إليهم رسله ، ولا ينزل عليهم كتبه ، بل يتركهم هملاً كالأنعام فقد ظن به ظن السوء .

 

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ﴾

( سورة الأنفال : من الآية 23)

لو أنه أسمعهم ، وليس فيهم خير .

 

﴿ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾

(سورة الأنفال: من الآية 23)

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

( سورة الليل : 12)

تولى الله بنفسه الهدى ، وكلمة على إذا أضيفت إلى لفظ الجلالة ، هذا هو الإلزام الذاتي ، ألزم نفسه جل جلاله أن يهدي الخلق ، يهديهم بالكون ، ويهديهم بالقرآن ، وبالرسل ، وبالأنبياء ، وبالدعاة ، وبالمعالجة النفسية المباشرة ، وبالمصائب ، وبأفعاله ... ومن ظن أنه لن يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب .
يقول : والله فلان غني ، رأى ليلة القدر ، هذا كلام فيه كفر ، وفلان فقير مسكين راحت عليه ، لا يرى شيء .

هذا أيضا سوء ظن بالله فاحذره :

من ظن السوء بالله الشك بالآخرة والثواب والعقاب
ومن ظن أنه لن يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب في دار يجازى فيها المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته ، ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه ، وليظهروا للعالمين كلهم صدقه وصدق رسله ، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين ، فقد ظن به ظن السوء ، ما الذي يريحك ؟ أنه يوجد بعد الموت حياة أبدية .
رجل فقير دخله محدود ، مجهول ، في التعتيم ، لا أحد يعرفه ، لكنه يطيع الله ورسوله ، وإنسان آخر كافر من هؤلاء الطغاة ، الذين يكيدون لأهل الأرض ، كافر ، جميل الصورة ، قوي ، ذو صحة جيدة ، يتربع على أعلى منصب في العالم مثلاً ، فهذا لا شيء ، وذاك كل شيء ، العبرة بعد الموت ، هذا الذي تظنه لا شيء في الجنة ، وهذا الذي تظنه كل شيء في النار ، لمجرد أن تظن أن هذه الدنيا هي كل شيء ، أنت لا تعرف الله ، السبب لأن الحظوظ متفاوتة ، امرأة وسيمة ، يتزوجها غني كبير ، وامرأة تتمنى أن تتزوج ، فلا تجد الزوج ، ما ذنب هذه ؟ هكذا خلقها الله عز وجل ، لو لم يكن هناك دار آخرة تسوى فيها السحابات ، إنسان تمتع بغنى فاحش ، أكل ما لذّ ، وطاب ، وسكن في أجمل البيوت ، وركب أجمل المركبات ، وإنسان يتمنى أن يأكل قطعة لحم في الشهر لا يجدها !
ومن ظن أن الله جل جلاله يضيع على المؤمن عمله الصالح الذي عمله خالصاً لوجهه الكريم على انكسار أمره ، ويبطله عليه بلا سبب ، والله آلاف الأشخاص ، فعَنْ عَبْد ِاللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ :

(( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعٍ : بِرِزْقِهِ ، وَأَجَلِهِ ، وَشَقِيٌّ ، أَوْ سَعِيدٌ ، فَوَاللَّهِ إِنَّ أَحَدَكُمْ أَوِ الرَّجُلَ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ بَاعٍ أَوْ ذِرَاعٍ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَيَدْخُلُهَا ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذِرَاعٍ أَوْ ذِرَاعَيْنِ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ، فَيَدْخُلُهَا ))

[ صحيح البخاري ]

هذا حديث صحيح له تفسير دقيق جداً ، لكن يفهمه على ظاهره أن الله أحياناً يضع عبداً مؤمناً أفنى كل عمره في طاعته في النار ، هكذا الجواب : يقول لك : لا يسأل عما يفعل ، شيء جيد ، كيف تتعالم مع إله عظيم ؟ يضع عبده الذي أفنى حياته في طاعته في النار ؟ هذا أيضاً ظن سوء شديد .
من ظن أن الله يضيع على المؤمن عمله الصالح ، كان من الممكن أن يكون معه مائة مليون بقي على راتب محدود ، لأن ذاك الغنى فيه شبهة ، فبقي فقيراً معذبًا كل حياته ، يقول لك : يا ليتني فعلت ، وربحت هذا المال ، ممكن تترك شيئًا لله خوفاً من الله ، وراجياً رحمته ، وأن تندم ؟ يمكن أن تعصيه وتربح ؟ يمكن أن تطيعه وتخسر ؟ أهكذا ظنك بالله ؟ تطيعه فتكسب ؟ وقالوا :

 

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

( سورة القصص : 57)

كم من إنسان يتوهم الآن أنه إذا استقام تماماً تضيع تجارته ، أو يخسر منصبه ؟ كم من إنسان يتوهم أن في طاعة الله خسارة كبيرة في الدنيا ؟ كم من فتاة تتوهم أنها كلما تبرجت تزوجت ، وكلما تحجبت كسدت ؟ أي إنسان يتوهم أنه إذا أطاع الله خسر ، وإذا عصاه ربح إيمانه صفر .
كم من إنسان يتوهم أنه إذا أظهر إعلانا وفيه امرأة شبه عارية يربح ؟ أما إذا التزم بشرع الله يخسر ؟
أي إنسان يتوهم أنه إذا أكل الربا يربح ، فإذا تعفف عنه يخسر ؟ هكذا ، مسلمون في الظاهر ، وفي زيهم ، وفي حضورهم المساجد ، أما في تعاملهم اليومي فليسوا مسلمين :

 

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

( سورة القصص : 57 )

ومن ظن أن الله يعاقبه بما لا صنيع له ، يقول : سبحان الله ! أنت تظن أنه سيقول لك شيئًا يقشعر منه الجلد ، فإذا به يقول : الرحمة خاصة ، والبلاء يعم ، هذا الذي تفوهت به ؟

 

﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾

(سورة سبأ : 17)

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

(سورة النحل : 97)

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ﴾

(سورة طه : 124)

يقول : سبحان الله يسبح الله ، وأنه يعاقبه بما لا صنيع له به ، ولا اختيار له ، يقول : هكذا يريد الله ، كله شغل سيدك ، قضاء وقدر ، لا تعترض فتنطرد ، كله كلام باطل ، من ظن أن الله خلقه كافراً ، أو أن إنسانًا خلقه الله كافراً ، ثم أودعه في جهنم إلى أبد الآبدين ، من ظن أن في جيناته انحرافاً فقد انحرف ، ثم عاقبه الله على هذا الانحراف ، حسب زعم الإنسان ، هذا الانحراف من هذه الجينات ، وهذه الجينات من خلق الله عز وجل ، كل أوروبا ، وأمريكا تعتقد أن المنحرف جنسياً في جيناته خطأ ، وتركيبة خاصة ، لا .
الجينات لا علاقة لها بالسلوك وأنت محاسب على أفعالك
آخر حدث علمي ، أعلن أن الجينات لا علاقة لها بالسلوك أبداً ، مقبول عندك أن الله يركب الإنسان تركيبة فيها انحراف ، ثم يحاسبه على هذا الانحراف ؟! يقول : الله قبض قبضتين ؛ قبضة إلى الجنة ، ولا أبالي ، وقبضة إلى النار ، ولا أبالي .
مدير مدرسة جمع الطلاب أول يوم من العام الدراسي ، قرأ أسماء الراسبين في آخر العام ، وأسماء الناجحين ، واذهبوا وادرسوا ! أصبحت الدراسة لا طعم لها ، كل من يتوهم هذا يسيء الظن بالله عز وجل .
من ظن أن الله يؤيد أعداءه الكاذبين بالمعجزات ، يقول : أنزلوا المطر عن طريق الطائرات ، كل شيء عظيم خارق يعزى إليهم ! وقد ضربوا في عقر دارهم ، رأيتم قبل يومين ، أين ذكاؤهم ، وأمنهم ، ودرعهم الصاروخي ؟ أين أصبح هذا ؟ من ظن أنه يجوز عليه أن يؤيد أعداءه الكاذبين بالمعجزات التي يؤيد بها أنبيائه ورسله ، ويجريها على أيديهم ، يضلون بها عباده ، فقد ظن بالله ظن السوء ، معقول الله عز وجل أن يعطي للكافر معجزات خارقة يستوي بها مع النبي ؟
الآن هناك فكرة أخطر في هذا الموضوع قال : من ظن أنه يحسن منه كل شيء حتى تعذيب من أفنى عمره في طاعته ، واحد كل عمره قيام ليل ، وصوم ، وإنفاق ، وغض بصر ، ووضعه في جهنم ، هكذا يريد الله .
من ظن أنه يحسن منه كل شيء حتى تعذيب من أفنى عمره في طاعته ، فيخلده في الجحيم أسفل السافلين ، وينعم على من استنفذ عمره في عداوته ، وعداوة أنبيائه ، ورسله ، ودينه، فيرفعه إلى أعلى عليين ، الله عز وجل واحد استنفذ كل عمره في المعصية ، ووضعه في الجنة ! وآخر أمضى كل عمره في طاعة الله فوضعه في النار ! وكلا الأمرين عنده في الحسن سواء ، ما دام ورد نص يا أخي هكذا ورد .
ولا يعرف امتناع أحدهما وقوع الآخر إلا بخبر صادق ، هكذا النص .
ما دام ورد النص فقد عطل عقله نهائياً ، أنت يمكن أن تكون بأمريكا تدخل إلى أضخم دار نشر ، تجد كتاب الأطلس حضّره ثمانية وسبعون دكتوراً ، من أضخم دار نشر ، ثمنه عشرات الألوف ، فتحت على الشرق الأوسط ، وجدت دمشق فوق بيوت على البحر ! هذا صحيح إذًا ، أي صحة هذه ؟ لو تجد مليون دكتور لا تصدقهم ، أنت ابن الشام ، وهي مدينة داخلية ، أحياناً الواقع أقوى من أي نص ، طبعاً لا يمكن أن يكون النص الصحيح خلاف الواقع ، النص من عند الله ، الواقع خلقه ، والنص وحيه ، لكن لو كان النص مكذوبًا أو موضوعًا أو ضعيفًا ، وتوهمت أنه صحيح ، فصدقت هذا النص ، وتخليت عن قناعتك الكبرى ألاّ تعرف الله ، أي خلقه كافرًا ، وقدر عليه جهنم إلى أبد الآبدين ، هكذا ورد .

 

خاتمة :

إذا كنت لا تميز بين يجوز ولايجوز فأنت لا تعرف الله
إذا كنت لا تستطيع أن تميز ، بينما يجوز ، وبينما لا يجوز ، فأنت لا تعرف الله ، الموضوع طويل ، وإن شاء الله نتابع هذا الموضوع في درس قادم ، هذا الدرس مهم جداً ، العقيدة أهم شيء في الدين ، وأهم ما في العقيدة حسن الظن بالله ، وحسن الظن بالله ثمن الجنة ، ويريحك ، ويملأ قلبك ثقة وطمأنينة ، وتفهم الأمور فهماً عميقاً ، لكن من دون حسن ظن بالله يرتعد قلبك خوفاً مما تسمع ، ومما يتوعد به المتوعدون .
أنا عبد لله ، والله لا يتخلى عني ، ولا يسلمني إلى أعدائي .

والحمد لله رب العالمين

 

 

الأسئلة :

س : كيف نجمع بين قول الله عز وجل لا إكراه في الدين ، وبين إكراه أهل الكتاب على دفع الجزية ؟
ج : الحقيقة الجهاد فريضة على كل مسلم ، بل هو ذروة سنام الإسلام فهذا الذي يعيش في كنف المسلمين لا يمكن أن يجاهد معهم ، لأن الجهاد أساسه العقيدة الصحيحة ، إذاً هو معفى من الجهاد ، وما دام معفى من الجهاد فعليه بدل نقدي ، هذه هي الجزية كلها ، ما دام هذا الكتابي معفى من الجهاد ، والجهاد فرض عين ما عليه إلا أن يدفع البدل النقدي نظير إعفائه من الجهاد وحماية المسلمين له ، أما نحميه ، وهو آمن مطمئن ، ومرتاح في بيته ، والمسلمون يقاتلون بلا ثمن ، فهذا لا يصح ، بالضبط كالبدل النقدي ، هذا لا علاقة له بالإكراه ، الإسلام سمح لأهل الكتاب أن يبقوا على دينهم ، لكن حروب المسلمين حروب عقائدية ، لا تقبل إلا صاحب عقيدة سليمة ، إذاً هو معفى من حروب الفتوحات طبعاً ، وفي الجهاد في سبيل الله ، أما الحروب الدفاعية فهذا موضوع ثان ، لكن حروب الفتوحات تحتاج إلى إنسان يحمل رسالة إسلامية معينة.
إذاً هو لا يحارب إلا بعقيدة صحيحة ، فإذا أعفيناه من القتال نأمره بدفع الجزية فقط.
س : كيف يأتي المسلمين نصرُ الله ، وهم بهذه الحال ؟
ج : إذا كانوا بحال فيها معصية ، وضعف عقيدة ، وإيمان ، فالنصر أبعد عنهم كبعد السماء عن الأرض ، أما إذا صحت عقيدتهم ، وأعدوا لعدوهم العدة المتاحة ، عندئذ تتحقق قوانين الله عز وجل فينصرهم ، لأن الله عز وجل يقول :

 

 

 

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾

(سورة الأنفال : 10)

النصر محصور قطعاً بيد الله ، لكن هذا النصر له قوانين .

 

﴿ إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾

(سورة محمد : الآية 7)

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018