الدرس : 41 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 149 - 154 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 41 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 149 - 154


2001-09-07

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الواحد والأربعين من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية التاسعة والأربعين بعد المائة ، وهي قوله تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ(149)بَلْ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾

(سورة آل عمران)

طاعة غير المسلمين واتباع منهجهم خسارة ما بعدها خسارة :

 ذكرت في الدرس الماضي في تفسير هذه الآية أن المسلم حينما يؤدي عباداته الشعائرية ، ثم يطبق في حياته اليومية مناهج غير المسلمين ينقلب خاسراً أشد الخسارة ، الإسلام منهج كامل في كل شؤون حياتك ، فما لم تعتمده في أمورك اليومية ، وفي كل المجالات فلن تفلح ، لذلك اكتفى المسلمون اليوم من الإسلام بعباداته الشعائرية ، وغاب عنهم أن المنهج الإسلامي ينبغي أن يكون في كسب المال ، وإنفاقه ، وفي الزواج ، والطلاق ، وفي الأفراح ، وفي الأتراح ، وفي الحل وفي السفر ، حينما ترفض مفردات هذا المنهج ثم تطبقه على حياتك اليومية عندئذ تنجو من أن تخسر ، أو أن تهلك .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾

التسويق عند المسلمين نسخة طبق الأصل للتسويق الغربي:

 ذكرت في الدرس الماضي دليلين صارخين ، قضية التسويق ، هناك في جامعات في الغرب اختصاصها التسويق ، التسويق عند الغرب هو الإعلان ، والدعاية فقط ، والإعلان لا ينجح إلا بامرأة شبه عارية ، هكذا التسويق الغربي ، أما التسويق الإسلامي فأنا لا أنكر قيمة الإعلان ، لكن هناك منهج يضبط هذا الإعلان .

لابد من تربية المجتمع على هذا الدين في جميع المجالات :

 حينما أتقن صناعتي ، وأدفع زكاة مالي ، وحينما أنصح المسلمين فهذا هو التسويق الإسلامي ، فلذلك المسلم يغفل منهج الإسلام في تسويق البضاعة ، ويأخذ منهج الغرب ، قد يطبق منهج الغرب في تربية أولادي ، أعطيهم حرية ، قد يتفلتون ، أهتم بتحصيلهم الدراسي فقط ، ولا يعنيني إيمانهم أبداً ، قد أرشدهم إلى بلاد بعيدة ، وأنا لست واثقاً من انضباطهم ، التفوق في تربية الأولاد بمنهج غربي هكذا ، أما التفوق في تربية الأولاد أن يكون ابنك معك ، أن تلزم أولادك ، أن تأتي بهم إلى المسجد ، أن تربيهم على حب الله ، وحب رسوله ، ففي تربية أولادنا منهجنا غربي ، في تسويق بضاعتنا منهجنا غربي ، في أفراحنا ، وفي أتراحنا منهجنا غربي ، في حل مشكلاتنا منهجنا غربي ، حتى في قضايانا الكبرى .

﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ﴾

(سورة الحجرات : 9)

 نحتكم إلى أعداء الله ، وإلى الكفار كي يحلوا مشكلاتنا فيما بيننا .
 القضية خطيرة جداً ، أيها الإخوة ، هذا الإسلام لن نستطيع أن نقطف ثماره إلا إذا طبقناه كله من دون استثناء ، أنا لا أقول كما يقول بعضهم : إما أن تأخذه كله ، أو تدعه كله ، لا لكن أقول : ينبغي أن تأخذه كله في كل شؤون حياتك .

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾

(سورة آل عمران)

 لابد أن نؤمن على البضاعة ، التأمين حرام إلا إذا كان تعاونياً ، هناك من يؤمن على البضاعة عند الله بدفع القيمة لفقراء المسلمين ، ما من تشريع غربي إلا له بديل إسلامي ، لابد من استخدام اليانصيب في ترويج السلع ، أضيف مبلغاً على ثمن القطعة ، وأجمعه من كل القطع ثمن سيارة ، ثم أجعله يا نصيب ، هكذا التسويق الغربي ، فالذي يؤلم أن المسلمين في شكلهم الظاهري مسلمون ، في عباداتهم الشعائرية ، ولكنهم حينما يدخلون حياتهم العملية الذين يطبقون مناهج غربية .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾

 لابد أن تخرج المرأة من البيت لتعمل ، وقد يكون العمل مناقضاً لمنهج الله عز وجل ، وقد يكون مع العمل فتنة ، ومع الفتنة فساد ، ومع الفساد انحراف ، ومع الانحراف اختلاط ، فلابد أن نقلد الأجانب ، هذه هي المشكلة ، الإسلام منهج متكامل يجب أن نأخذه كله حتى نستطيع أن ننتظر من الله أن ينصرنا ، حتى نقطف ثمار هذا الدين ، لذلك تجد في أسر كثيرة مخالفات للشرع كبيرة جداً في البيوت ، ورب الأسرة محسوب على المسلمين ، ويأتي إلى بيوت الله ، ويجلس في دروس العلم ، وهو مسلم ، لكن لو دققت في عمله لا يطبق الإسلام.

 

دعوة إلى تطبيق منهج الله الكامل :

 أنا أدعوكم أيها الإخوة من خلال هذه الآية إلى تطبيق منهج الله كاملاً ، المسلم الحقيقي هو مسلم ينصاع لأمر الله .

﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾

(سورة آل عمران : 19)

 أما أن نطبق في تجارتنا منهج الأجانب ، وفي تسويق البضاعة ، وفي صنع البضاعة قد أغير خلق الله عز وجل ، قد أطعم هذه الحيوانات التي أتاجر بها مسحوق اللحم الحرام ، لماذا جن البقر ؟ لأنه أطعم مسحوق الجيف ، صممه الله نباتياً فجعلته لاحماً ، فجن البقر ، وما جنون البقر إلا من جنون البشر ، هذه الآية واسعة جداً ، حتى في الزراعة ، والصناعة ، والتجارة ، والتسويق ، وفي الزواج ، والطلاق .....
سمعت البارحة عن إنسان يقيم في بلاد غربية حينما كبر أولاده خاف على دينهم ، ومستقبلهم ، فأراد أن يعود إلى بلده ، يقول : إن زوجته داعية ، وقفت أمامه معارضة العودة إلى بلاد المسلمين ، فلما اشتد الخلاف بينه وبينها ، رفعت قضيتها أمام القضاء الأمريكي لتأخذ من زوجها نصف ما يملك ، ولم ترض بالقضاء الإسلامي أن تأخذ مهرها فقط ، أين الدعوة ؟ الذي لا يقبل منهج الله عز وجل ، ويحتكم إلى مناهج أخرى هذا ليس من الله في شيء ، فالذي يلفت النظر أن المسلمين أنفسهم لا يطبقون منهج الله ، توهموا وهماً عجيباً ، توهموا أنهم إذا صاموا ، وحجوا ، وزكوا ، وصلوا فقد طبقوا الإسلام ، وما هي إلا عبادات شعائرية ، لا يمكن أن تقبل عند الله إلا إذا صحت العبادات التعاملية ، إلا إذا انصعت لأوامر الله ، على كل هذا شرحته في الدرس الماضي .

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ(149)بَلْ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾

بَلْ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِين

1 ـ النموّ الاقتصادي ليس إلهًا يُعبَد :

 لا يرتقي دخلنا إلا بالسياحة ، ومن لوازم السياحة الفنادق الفخمة ، وأن تبيع الخمور ، وأن يكون فيها نساء كاسيات عاريات ، والمسابح ، والمقاصف ، وما إلى ذلك ، فهذا أيضاً منهج غربي .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

(سورة التوبة : 28)

 لا ينبغي أن نؤلّه النمو الاقتصادي ، لا ينبغي أن نجعل هذا النمو إلهاً نعبده من دون الله ، لا ينبغي أن نضحي بقيمنا ، ومبادئنا من أجل دخلنا .

 

 

﴿ بَلْ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ﴾

2 ـ الله هو الرازق وهو الناصر :

 هو الذي يرزقكم ، وينصركم ، ويحفظكم ، ويؤيدكم ، وهو مولاكم .

﴿ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾

 مشكلة المسلمين مشكلة عويصة أيها الإخوة ، إنهم استغربوا ، وأصبحوا غربيين في كل شؤون حياتهم ، ولم يبق لهم من الإسلام إلا هذه العبادات الشعائرية ، لماذا ينتظرون أن ينصرهم الله عز وجل ؟ لماذا يعتبون على الله ؟ شيء لا يصدق ؛ في كل شؤون حياتي غربي الملبن ، أما في مظهري فشرقي الضرع ، لا أن تكون غربي الملبن شرقي الضرع ، ينبغي أن تكون شرقي الضرع ، وشرقي الملبن ، إسلامي الضرع والملبن .

﴿ بَلْ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾

 بيد الله عز وجل الخيارات لا تعد ولا تحصى ، يقويك ، فينصرك ، أو يلقي الرعب في قلب أعدائك فينصرك .

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾

(سورة آل عمران)

سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ

1 ـ الكافر في رعب بسبب الشرك :

 اجعل هذا قانوناً ، أي كافر قلبه ممتلئ رعباً ، والمؤمن يلقي في قلبه الأمن قانون الأمن والخوف .

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

( سورة الأنعام : 81-82 )

 من لوازم إيمانك أن قلبك ممتلئ أمناً ، ومن لوازم الكفر ، والشرك أن قلبك ممتلئ رعباً ، فإذا كان قلب الإنسان كفؤاد أم موسى خالياً هذه علامة الشرك ، وعلامة البعد عن الله ، وإذا كان قلب المؤمن ممتلئا أمناً فهذه علامة الإيمان .

 

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا ﴾

( سورة آل عمران )

 هذه الباء باب السبب ، أي بسبب شركهم .

﴿ بِمَا أَشْرَكُوا ﴾

 بسبب شركهم ، قلب معه شرك يساوي رعبًا شديدًا ، قلب معه إيمان يساوي طمأنينة شديدة .

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا ﴾

 الآية الكريمة :

 

﴿ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين (214)وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

(سورة الشعراء : 213-215)

2 ـ سبب العذاب الدنيوي هو الشرك :

 أحد أسباب العذاب في الدنيا الشرك ، أن تعبد غير الله ، لا بلسانك ، ولكن بلسان حالك ، قد تتعلق بإنسان قوي من أقربائك ، قلبك ممتلئ تعظيماً له ، وهو لا يعرف الله ، لأنه قوي ، فاعتمادك عليه نوع من العبادة ، قد تعتمد على مالك فهذا شرك ، قد تعتمد على نفسك ، على خبراتك ، ومكانتك ، وشهرتك ، فهذا نوع من الشرك ، قد تعتمد على ابنك ، وهذا نوع من الشرك ، الاعتماد النفسي قد تستعين به دون أن تعتمد عليه ، قد تعتمد على زوجتك ، هذا نوع من الشرك ، أو على شريكك .

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللهِ ﴾

 بسبب شركهم سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ، وكأن هذا مقياس دقيق للإيمان ، قلب ممتلئ رعباً دليل شركه ، وقلب ممتلئ أمناً دليل إيمانه ، المؤمن في قلبه أمناً ما لو وزّع على أهل بلد لكفاهم .

 

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾

3 ـ ليس هناك دليل على الشرك :

 ليس هناك دليل على الشرك ، أنت توهمت أنه قوي ، وهو في قبضة الله عزوجل ، توهمت أنه يعطيك ، والمعطي هو الله ، أنت توهمت أنه يمنع عنك ، والمانع هو الله ، توهمت أنه سيرفعك ، والرافع هو الله ، توهمت أنه سيخفضك ، والخافض هو الله ، توهمت أن بهذه العلاقة المتينة يعزك ، والمعز هو الله ، توهمت أنه يذلك لو أغضبته ، والمذل هو الله .
 أرأيت إلى هذا التابعي الجليل الحسن البصري ، حينما كان عند والي البصرة ؟ جاءه توجيه من يزيد ، هذا التوجيه لعله لا يرضي الله عز وجل ، فلو أنه نفذه لأغضب الله عز وجل ، ولو لم ينفذه لأغضب يزيد ، ولعزله من ولاية البصرة ، كان عنده الحسن البصري قال : يا إمام ماذا أفعل ؟ أجاب هذا الإيمان إجابة يمكن أن تكون شعاراً لكل مؤمن إلى يوم القيامة ، قال له : " إن الله يمنعك من يزيد ، ولكن يزيد لا يمنعك من الله " .
 الله عزوجل يمنعك من أقوى قوي ، ولكنك لو أطعت القوي ، وعصيت الله هذا القوي فلا يمنع عنك الورم الخبيث ، لا يمنع عنك الفشل الكلوي ، أو تشمع الكبد ، أو خثرة في الدماغ ، أو الشلل ... " إن الله يمنعك من يزيد ، ولكن يزيد لا يمنعك من الله " ، فكن مع الأقوى لمصلحتك ، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾

 ليس هناك دليل على الشرك

 

4 ـ لا تتوهم النفع والضر عند غير الله :

 نحن توهمنا أشخاصاً أقوياء ، توهمنا أنهم يرفعون ، ويخفضون ، ويعزون ، ويذلون ، ويعطون، ويأخذون ، نحن توهمنا ما لم ينزل به سلطانا ، وما سوى الله لا يفعل شيئاً ، الفعال هو الله ، لا يكمل إيمانك إلا إذا رأيت يد الله وحدها تعمل ، وليس مع الله أحد .

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف : 84)

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

(سورة هود : 123)

 قال لي أحدهم : أخاف أن أطيع الله فأخسر عملي ، قلت له : الإله الذي تعبده إذا كان لا يحميك فلا تعبده ، ينبغي أن تعبد إلهاً يحميك ، تعبد إلهاً كل أقوياء الأرض بيده .

 

﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى(45)قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾

(سورة طه : 45-46)

 هذا هو التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، ألا ترى مع الله أحداً .
 كما قلت قبل قليل :

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

(سورة هود : 123)

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾

(سورة الكهف : 26)

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

(سورة الزمر : 62)

﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾

(سورة الأعراف : 54)

﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ﴾

(سورة هود : 56)

 هذا هو الإيمان .

 

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ ﴾

(سورة يونس : 24)

 كما هي الآن :

 

﴿ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾

(سورة يونس : 24)

 قالوا قبل حين : إن هذه الكتلة الشرقية عندها من القنابل الذرية ما تستطيع به تدمير الأرض خمس مرات ! هم دمروا من داخلهم ، تهاوت قلعتهم من الداخل .
 أيها الإخوة الكرام .

 

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾

(سورة يونس : 24)

ستهلك عاد الثانية كما أهلك عاد الأولى :

 وهذا الذي ترونه أيها الإخوة من شأن عاد الثانية ، التي وصفها القرآن الكريم فقال :

﴿ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾

(سورة فصلت : 15)

﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾

(سورة الفجر : 8)

﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ(128)وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾

(سورة الشعراء : 128-129)

 هذه عاد الثانية ، الله عز وجل قال :

 

﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى ﴾

(سورة النجم : 50)

 هذا يعني وجود عاد ثانية على شاكلتها .

 

﴿ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾

(سورة فصلت : 15)

 أقوى دولة في العالم .

﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾

(سورة الفجر : 8)

 أجمل بلاد في العالم .

 

﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ(128)وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾

(سورة الشعراء : 128-129)

 أقوى قوة غاشمة في العالم .

 

﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾

( سورة الشعراء : 130)

 وعندهم أذكياء العالم .

﴿ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴾

(سورة العنكبوت : 38)

 أرأيت إلى هذه الآيات ؟ واحدة تلو الأخرى ، كانوا أذكياء مستبصرين ، وكانوا بطاشين ، وكانوا يبنون بكل ريع آية يعبثون ، ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون ، وقالوا من أشد منا قوة ، ووصفت أنه لم يخلق مثلها في البلاد .

 

﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ(6)سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ(7)فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ ﴾

(سورة الحاقة : 6-8)

 هذا مصيرها الذي ينتظرها .
 أيها الإخوة الكرام :

 

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾

نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ !!!

 والله هؤلاء الأقوياء ينفقون على تسليح بلادهم من شدة الخوف الذي يملأ قلوبهم ما لو أنفق على العالم كله لملأه أمناً وطمأنينة ورخاء ، والأرقام التي تنفق على التسليح في العالم العقل لا يقبلها ، أرقام فلكية ، ألوف ألوف ألوف البلايين من شدة الخوف الذي ملأ القلوب ، أما النبي عليه الصلاة فاسمه حديثه ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي ، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً ، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً ))

[ صحيح البخاري ]

 أما حينما تركت أمته سنته هزمت بالرعب مسيرة عام !

﴿ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾

 نحن أسبغنا على بعض الأشخاص قوة ، هم ليسوا أقوياء ، نحن توهمنا أن بعض الدول لا تهزم ، هي ليس كذلك هم بشر ، نحن أسبغنا عليهم هذه الأوهام ، وهذه الهالات الكبيرة ، وهم ليسوا كذلك ، هم أقل من ذلك بكثير ، لكن الضعيف أحياناً يعظم القوي ، ويسبغ عليه من الصفات ما ليست فيه إطلاقاً ، هذا شأن الضعيف دائماً ، كم توهم الناس أن هؤلاء الأعداء لا يقهرون ، إن قلوبهم الآن ممتلئة رعباً .
 سمعت من أخ أنه حتى الآن عاد إلى أمريكا مليون يهودي ! وأن الخوف والفزع ملأ قلوبهم ، وأن شدة الرعب لا توصف ، بسبب شباب مؤمنين أرادوا أن يضحوا بأنفسهم في سبيل هز كيان الأعداء ، أليس كذلك ؟ فنحن واهمون مهما تصورنا أعدائنا أقوياء هم أقل من ذلك ، لكن المؤمن يملأ الله قلبه أمناً وطمأنينة .

 

﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾

(سورة آل عمران : 151)

 حينما وعدكم بالنصر صدق وعده ، فنصركم في بدر ، ثم نصركم في أول مرحلة في أحد.

﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾

(سورة آل عمران : 151)

وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِه

1 ـ معنى : تَحُسُّونَهُمْ

 معنى تحسونهم تقتلونهم ، سلطكم عليهم ، فقوّاكم وأضعفهم ، ملأ قلوبهم خوفاً ، حسّ قتل ، وجعله بلا إحساس ، وجعله جثة هامدة .

﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾

(سورة آل عمران : 151)

 شيء دقيق جداً :

﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ ﴾

2 ـ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ

معصية الرماة الذين نصبهم النبي على جبل أُحدٍ :

 ضعفتم ، رأيتم أن النصر قد تحقق ، وأن أرض المعركة ممتلئة بالغنائم ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقى الرماة في أماكنهم ، ولو تخطف الكفار أصحاب النبي ، أمر واضح من عند رسول الله ، ابقوا في أماكنكم ، حينما ضعفت نفوسهم أمام الغنائم هنا المشكلة ، ضعف النفس ، حينما ضعفت نفوس بعض الصحابة أمام الغنائم ، وعصوا أمر رسولهم ضعفوا ، تأتيك القوة من طاعة الله ، ويأتيك الضعف من معصية الله ، بالتعبير المألوف معنويات المطيع عالية جداً ، ومعنويات العاصي متدنية ، لذلك :

﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ ﴾

 ضعفتم أمام الغنائم .

﴿ وَتَنَازَعْتُمْ ﴾

3 ـ وَتَنَازَعْتُمْ

 بعضهم قال : الغنيمةَ الغنيمَةَ ، وبعضهم قال : ألم يأمر رسول الله أن نبقى في أماكننا ؟ فشلتم ، أي ضعفتم أمام الغنائم ، وتنازعتم أي اختلفتم ، بعض أصحاب النبي كان حريصاً على تطبيق أمر النبي ، وأمر النبي واضح وضوح الشمس ، لو رأيتم الكفار يتخطفوننا فلا تغادروا أماكنكم ، موقع استراتيجي .

النصر يشترط له الإيمان والإعداد :

 بالمناسبة أيها الإخوة ، المسلمون انهزموا مرتين ؛ مرة في أحد ، لأنهم عصوا أمر قائدهم عليه الصلاة والسلام ، ومرة في حنين لأنهم أشركوا ، وقالوا : لن نغلب من قلة ، اعتمدوا على عددهم ، في أحد عصوا أمراً ، وفي حنين وقعوا في الشرك ، وهذان درسان بليغان .
 لقد ذكرت اليوم أننا نعاني ما نعاني من أعدائنا ، وأن النصر بيد الله وحده ، هذه أول حقيقة ، وأن هذا النصر له أسباب بأيدينا .

﴿ إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾

( سورة محمد : 7)

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾

( سورة آل عمران )

 بيد الله النصر ، الآن سببه :

 

﴿ إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾

( سورة محمد : 7)

 التفاصيل :

 

﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الروم : 47 )

 الإيمان شرط لازم غير كاف للنصر ، الأمر الثاني :

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

( سورة الأنفال : 60 )

 والإعداد شرط لازم غير كاف ، الإيمان الحق الذي يحملنا على طاعة الله ، وهو شرط أول ، والإعداد إعداد القوة المتاحة ، وهو شرط ثان ، فإذا تحقق الإيمان الذي يحملنا على طاعة الله ، والإعداد الذي يكون سبباً آخر للنصر جاء نصر الله ، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ، هذا هو النصر .

 

لابد من إرجاع الأمور إلى أسبابها الحقيقية :

 أما أن تحلل ، وتذكر أسباباً للنصر ليست في كتاب الله ، ولا في سنة رسوله فهذا نوع من الجهل ، إذا كنا مع هؤلاء انتصرنا ، وإذا لم نكن معهم انهزمنا ، هذا شرك ، لذلك الشيء المؤلم إذا وقع فوقوعه ثابت ، لكن الاختلاف في تحليل هذا الشيء ، إلى أي سبب يرد ؟ بطولة المؤمن أن ترد الشيء إلى سببه الحقيقي ، فبهذا تلغي السبب ، وتلغى النتيجة ، شيء واضح تماماً ، هذه مشكلة سببها هذا الشيء ، عد إلى كتاب الله ، وإلى سنة رسوله ، عد إلى الوحيين ، واستنبط منهما أسباب ما يعاني منه المسلمون اليوم ! تلافَ السبب يأتِ ما يسعدنا .
 أمة انحرفت ، وتركت منهج الله ، أعرضت عن منهج خالقها ، فقيد الله لها كابوساً يؤلمها ، هذا الكابوس لن يزاح عنها إلا إذا عادت إلى منهج الله ، هذا ملخص الملخص .

﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

 ضعفتم أمام الغنيمة ، تنازعتم ، بعضهم أراد أن يبقى مطيعاً لرسول الله ، وبقي نفر من أصحاب النبي ، وبعضهم نزل إلى ساحة المعركة ليأخذوا الغنائم ، وعصيتم أمر نبيكم .

 

﴿ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ﴾

 من بعد ما أراكم ملامح النصر ، والتفوق ، قال :

 

﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ﴾

مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ

أرادوا الدنيا والغنائم فانهزموا :

 آية صريحة ، بعض أصحاب النبي أرادوا الدنيا ، لو أن الله نصرهم على ما هم فيه لاختل نظام الدين ، البطولة أن تأتي النتائج وفق المقدمات .

﴿ إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾

( سورة محمد : 7)

 لو أن الله نصرهم على معصيتهم لسقطت الطاعة ، ولا قيمة لها إطلاقاً .
 مثل بسيط جداً : مدرس يعطي طلابه وظيفة ، يأتي في اليوم التالي يقول : افتحوا الوظائف ، نصف الطلاب ما كتب الوظيفة ، لو أنه تساهل مع الذين لم يكتبوا الوظيفة فلن يكتبها أحد في اليوم التالي ، لابد من أن يأخذ موقفاً من الذي لم يكتبها ، وإلا سقط أمره ، وانتهى هذا النظام ، نظام التدريس ، والوظائف ، والمتابعة ، فمتى ينتهي إذا استوى الذي كتبها والذي لم يكتبها ، ولو أن المسلمين في أحد انتصروا على معصيتهم لرسول الله لسقطت قيمة الأمر إطلاقاً ، إذاً لابد أن يدفعوا ثمن معصيتهم .

 

﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾

ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ

 ابتلاهم بهذه الغنائم بعض من كان مع النبي عليه الصلاة والسلام صبر ، وصمد ، ونجح في الامتحان ، وبعضهم ضعفت نفسه ، وعصى ، لكن لأعمالكم الصالحة السابقة ، ولنصرتكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ(152)إِذْ تُصْعِدُونَ ﴾

 تبتعدون عن ساحة المعركة .

إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ

﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ ﴾

1 ـ تفرّق المسلمين يوم أحدٍ والنبي يدعوهم للقتال :

 من شدة الخوف تفرق أصحاب النبي ، ولم يبق معه إلا عدد يزيد على عشرة من الصحابة ، جيش عرمرم تفرق ، وكان النبي يخاطبهم : ارجعوا قاتلوا .

﴿ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ﴾

 هو يدعو أصحابه أن يصمدوا ، وأن يقاتلوا ، هم ألقي في قلبهم الخوف والرعب .

 

﴿ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ ﴾

2 ـ من قصّر في العمل ابتلاه الله بالهمّ :

 من قصّر في العمل ابتلاه الله بالهم ، الهم مصيبة كبيرة ، أصابهم غم لأنهم عصوا ربهم ، وهذا أكبر غم ، أصابهم غم أن أصحابهم قتلوا ، وأن بعضهم جرحوا ، أصابهم غم الهزيمة ، وأنهم سمعوا أن النبي قُتل !
 قال علماء التفسير : هذه الآية لا تعني غمّين ، بل تعني غموما متتابعة ، غم المعصية ، والهزيمة ، وقتل الأقارب ، والجراح ، ونبأ مقتل النبي .

﴿ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ ﴾

 ولو أردنا أن نستنبط من هذه الآية شيئاً ؛ فمن قصر في العمل ابتلاه الله بالغم ، هذا هو الحزن والخوف والقلق والانقباض .

﴿ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ﴾

 لو أنهم في وعيهم لتألموا أشد الألم بهذا النصر الذي فاتهم ، والنصر شيء ثمين جداً .

 

﴿ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ(4)بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾

( سورة الروم : 3-4 )

 الإنسان في علاقة مع إنسان لم ينجح في هذه العلاقة ، لو خسر عمله أحياناً ، لو نشأت مشكلة مع زوجته يتألم .

 

﴿ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾

 قد يكون العمل ظاهره طيب ، لكن حقيقته يعلمها الله وحده .

 

﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ﴾

 مرأى الغنائم أضعفهم ، وحملهم على أن يعصوا أمر النبي عليه الصلاة والسلام .

 

﴿ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(153)ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ ﴾

 على الذين نفذوا أمر النبي عليه الصلاة والسلام .

 

﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا ﴾

ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا

1 ـ بعض الصحابة أخذهم النعاس في أرض معركة أُحد :

 عرفوا أن الإنسان لا ينام إلا إذا كان في بيته مرتاحاً مطمئناً ، أما أن يكون في ساحة معركة ، وروحه على كفه ، وقتله قائم ، وينام فهذا إكرام من الله عز وجل .
 فالذين التزموا طاعة الله أكرمهم الله بالأمن قال :

﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا ﴾

 هذه المنة التي هي نعاس يغشى طائفة منكم ، من هم ؟ الذين نفذوا أمر النبي ، معنى ذلك هذا بشارة كبيرة جداً ، فإنك إن أطعت الله عز وجل فأنت مستثنى من الخوف العام ، قد يقع خوف عام يأكل القلوب ، إن كنت مع الله أنت مستثنى من هذا الخوف العام .

﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ ﴾

 معنى ذلك الذين عصوا الرسول صلى الله عليه وسلم هم صحابة كرام ، ألقي في قلبهم الغم ، غم على غم على غم ، وقد تجد إنسانًا كل أمور الدنيا مريحة له ، ومع ذلك يكاد يخرج من جلده غماً وهماً ، فهو متألم ، قلق ، مضطرب ، خائف من لا شيء ، بل من مجهول ، خائف من المستقبل ، هذا عقاب من الله .
 إذا ملأ الله قلب الإنسان خوفاً وهماً وحزناً فهذا عقاب من الله عز وجل ، وهؤلاء الذين عصوا أهمتهم أنفسهم ، عصوا أمر النبي ، وحجبوا عن الله عز وجل ، وخافوا ، وامتلأ قلبهم خوفاً وغماً ، قال :

﴿ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ﴾

2 ـ القسم الثاني من الصحابة أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ :

 أحياناً يقول الإنسان في ساعة غفلة عن الله : أعداؤنا أقوى منا ، ليس لنا أمل أن ننتصر ، ينسى أن الله موجود ، وأن الأمر بيد الله وحده ، يغلب عليه التشاؤم واليأس ، هذا اليأس من معاصينا ، أنت حينما ترى عدوك قوياً ، ولا سبيل أن تنتصر عليه فهذا نوع من اليأس والضعف .

﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنْ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ﴾

3 ـ كل شيء بقَدَرٍ :

 لو أننا بقينا في المدينة ، ولم نخرج ما قتلنا .

﴿ هَلْ لَنَا مِنْ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ﴾

 لو أن النبي أخذ برأينا ، وأقمنا في المدينة ما قتلنا ، ولا جرحنا ، ولا هزمنا ، ولا خفنا .

﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾

 خروجك سمح الله به ، كل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادته متعلقة بالحكمة المطلقة ، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق .

﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ﴾

4 ـ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ

 العبرة ما في نفسك ، لا ما تقوله على لسانك ، كل إنسان يقول كلامًا مقبولا عند الناس حفاظاً على مكانته وسمعته ، أما حينما يظن بالله ظن السوء والجاهلية تظهر حقيقته ، وما أكثر المسلمين اليوم الذين يظنون بالله ظن الجاهلية يقول لك : أين الله ؟ لِمَ لا ينصر المسلمين ؟ لمَ تخلى عنهم ؟ أنت هل رأيت ما يفعل المسلمين أساساً ؟
 أجريت مقابلة مع مفتي البوسنة منذ خمس سنوات ، وصديقي استمع إلى هذه المقابلة ، شيء لا يصدق قال : إخواننا في المشرق لا ينبغي أن يعتبوا على الله من أجلنا ، نحن لسنا مسلمين ، نحن نأكل الربا ، ونشرب الخمر ، ونأكل لحم الخنزير ، لكن بعد هذه المحنة الشديدة أصبحنا مسلمين ، فحينما تأتي مصيبة متعبة جداً للمسلمين فهذا يعني أن هناك معالجة إلهية .

﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾

5 ـ لابد من حسن الظن بالله :

 ينبغي أن تحسن الظن بالله ، ينبغي أن تكون معنوياتك عالية جداً ، ينبغي أن تنطبق عليك الآية الكريمة :

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾

(سورة آل عمران)

والحمد لله رب العالمين

 س : هزمت أمته بالرعب مسيرة عام ؟
 ج : الإنسان حينما يعصي الله عز وجل تضعف نفسه ، يتوهم القوة بعدوه فييأس من الانتصار عليه ، والخوف من العدو أحد أسباب عدم النصر .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018