الخطبة : 0898 - الغربة - شروط انتصار الأمة الإسلامية - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0898 - الغربة - شروط انتصار الأمة الإسلامية


2003-09-12

الخطبة الأولى :

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

غربة المؤمن في مجتمع الفساد :

 أيها الأخوة المؤمنون؛ اخترت لهذه الخطبة موضوعاً عنوانه:" الغربة " وقد ورد في القرآن الكريم آية تشير إلى الغربة، وورد أحاديث صحيحة عديدة تشير إلى هذا الموضوع .
 أيها الأخوة الكرام؛ يقول الله تعالى في سورة هود :

﴿ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ﴾

[سورة هود: 116]

 قلة تنهى عن الفساد، وكثرة تمارس الفساد، وتشجع على الفساد .

﴿ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ ﴾

[سورة هود: 116]

 هذه الآية التي يشار بها إلى موضوع الغربة، فأنت مع من؟ مع الأقلية التي تنهى عن الفساد في الأرض أم مع الأكثرية التي تمارس الفساد وتدعو إليه؟
 أيها الأخوة الكرام؛ من الأحاديث الصحيحة التي وردت في هذا الموضوع ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال:

((بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس))

[ سنن ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ]

 وفي رواية:

((يصلحون إذا فسد الناس))

 إذا قلة قليلة صالحة مصلحة، وكثرة كثيرة فاسدة مفسدة، والقلة تشعر بغربة بين الناس، كأنهم ليسوا من هؤلاء الناس، قيمهم ليست من قيم هؤلاء الناس، مبادئهم ليست من مبادئ هؤلاء الناس، ممارساتهم اليومية ليست من ممارسات هؤلاء الناس:

((بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس))

[ سنن ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ]

 إن كان لك تغذية إيمانية، وتغذية روحية، وتغذية علمية، وعندك إرادة قوية تحمل نفسك على تطبيق هذه التغذية الإيمانية والروحية والعلمية، فأنت على الطريق المستقيم، فأنت من القلة، أنت من الغرباء، ما لم تشعر أنك غريب في مجتمع الفساد، ما لم تشعر أنك لست من هؤلاء، ما لم تشعر أن طموحاتك ليس من طموحات الناس، وأن اهتماماتك ليست من اهتمامات الناس، ما لم تشعر لا كبراً ولكن تميزاً أنك لست من هؤلاء، فلست من المؤمنين الصادقين الذين عناهم النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث:

((طوبى للغرباء))

 أي هنيئاً للغرباء:

((... قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس))

[ سنن ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ]

 فأن تتمتع بعقيدة صحيحة، وأن تتمتع بتصور صحيح، وأن تحمل نفسك على أن تنفذ ما تعتقد، وأن تعيش مع المؤمنين، وأن تكون في جو طاهر، وأن تكون في علاقات واضحة شرعية، فهذه نعمة لا تعدلها نعمة، ولكنك إذا كنت هكذا فأنت غريب بين الناس، وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام : طوبى للغرباء - أي هنيئاً للغرباء - قالوا: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: الذين يزيدون إذا نقص الناس " .
 رجال هذا الحديث كلهم موثوق بهم، ولكن معنى يزيدون أي يزيدون في صلاحهم إذا نقص صلاح الناس، يزيدون في تقواهم إذا نقصت تقوى الناس، يزيدون في أعمالهم الصالحة إذا نقصت أعمال الناس.

 

علامات آخر الزمان :

 من علامات آخر الزمان أنه يكون المطر قيظاً، والولد غيظاً، ويفيض اللئام فيضاً، حينما يفيض اللئام لا ترى إنساناً يفعل خيراً، لا ترى إنساناً يقدر فاعل الخير، يعد فاعل الخير أحمقاً في نظر الناس.

(( إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ))

[الإمام الترمذي و أبو داود عن أبي ثعلبة الخشني]

 فهذا الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم.
 الحديث الثاني:

(( طوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يزيدون إذا نقص الناس ))

[ أحمد عن المطلب بن حنطب]

 وفي حديث ثالث عن الغربة يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّ الإِسْلاَمَ بَدَأَ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ غَرِيباً. فَطُوبِى لِلْغُرَبَاء. قَالَ، قِيلَ: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ))

[ أخرجه ابن ماجه ]

 أي قلة من كل قبيلة أدركت الحقيقة، ووعت حقائق الإيمان، وأقبلت على الواحد الديان، واستقامت على أمر الله عز وجل، وبنت حياتها على العطاء، قلة من كل قبيلة هم الغرباء، هم الذي قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم :

(( إِنَّ الإِسْلاَمَ بَدَأَ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ غَرِيباً. فَطُوبِى لِلْغُرَبَاء. قَالَ، قِيلَ: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ))

[ أخرجه ابن ماجه ]

 وهناك تعريف رابع للغرباء قال عليه الصلاة والسلام ذات يوم :

((طوبى للغرباء، طوبى للغرباء " قيل : ومن الغرباء ؟ قال: ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم))

[الطبراني في الكبير عن عبد الله بن عمرو ]

 مساحة ضيقة فيها أناس صالحون، حيز ضيق، مجتمع قليل، صالحون، مؤمنون، طائعون، ورعون، متمسكون، أمناء، صادقون، أعفة: " ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم " .
 وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام:
 " بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال : الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس " .
 إذاً يصلحون إذا فسد الناس، أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم، يحيون سنتي ويعلمونها الناس، هم النزاع من القبائل، هؤلاء الغرباء، وينبغي أن يسعى كل واحد منا أن يكون غريباً، أما إذا استمرأ ما يستمرئه الناس، وانشغل بما ينشغل به الناس، واهتم بما يهتم به الناس، وخاض بما يخوض به الناس، وتطلع إلى ما يتطلع إليه الناس، فهو ليس غريباً، هو معهم، هو منهم، والمرء مع من أحب .

 

اجتناب الفتن و عدم التأثر بالضلالات :

 أيها الأخوة الكرام؛ عن مالك رضي الله عنه، دخل عمر بن الخطاب المسجد فوجد معاذ بن جبل جالساً إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فقال له: عمر ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هلك أخوك، قال: لا، ولكن حديثاً حدثنيه حبيبي صلى الله عليه وسلم وأنا في هذا المسجد، فقال: ما هو؟ قال:

(( إن الله يحب الأخفياء الأحفياء الأتقياء الأبرياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل فتنة عمياء مظلمة))

[الحاكم عن معاذ بن جبل ]

 لا تسعَ إلى الشهرة، ما من مخلوق أشهر من إبليس في كل بلاد الأرض، لا تسع إلى الشهرة، من هم؟ أخفياءُ أحفياءُ أتقياءُ أبرياءُ " إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل فتنة عمياء مظلمة " يخرجون سالمين، كم فتنة في الأرض؟ فتنة النساء، فتنة كسب المال الحرام، فتنة أن تخوض مع الخائضين، فتنة الشبهات، فتنة الضلالات، فتنة الإعجاب بالغرب، فتنة الخوف من وحيد القرن، هذه كلها فتن.

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ﴾

[ سورة آل عمران: 173 ]

 فتن لا تعد ولا تحصى .

((بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنا كَقِطَعِ اللّيْلِ الْمُظْلِمِ . يُصْبِحُ الرّجُلُ فِيْهَا مُؤْمِنا وَيُمْسِي كَافِرا. أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنا وَيُصْبِحُ كَافِرا. يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدّنْيَا))

[يحيى بن أيوب عن أبي هريرة ]

 هؤلاء:

((الأخفياء الأحفياء الأتقياء الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل فتنة عمياء مظلمة))

[الحاكم عن معاذ بن جبل ]

 أي يخرجون سالمين، لا يتأثرون بصرعات العصر، لا يتأثرون بهذه الصحون، لا يتأثرون بهذه الضلالات، لا يتأثرون بهذه الفتن، الفتن اليوم مستعرة، والدنيا حلوة خضرة .

 

مستويات الغربة :

 أيها الأخوة الكرام؛ شرح بسيط: إن أكثر الناس على غير هذه الصفات، فأهل الإسلام في الناس غرباء، مجموع المسلمين، هؤلاء المسلمون في حياتهم خطوط حمراء، مجموع المسلمين غرباء أمام سكان الأرض، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، المؤمنون الصادقون في أهل الإسلام أيضاً غرباء، غربة في غربة، وأهل العلم من المؤمنين غرباء، غربةٌ في غربةٍ في غربة، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع هم غرباء، غربة في غربة في غربةٍ في غربةٍ في غربة، والداعون إلى الله، الصابرون على أذى المخالفين هم أشدّ من هؤلاء غربة، خمسة مستويات من الغربة: أهل الإسلام مع أهل الأرض غرباء. المؤمنون مع أهل الإسلام غرباء .العلماء مع المؤمنين غرباء .أهل السنة مع العلماء غرباء .الداعون إلى الله الذي يتحملون الأذى غرباء. يؤكد هذا المعنى :

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الأنعام:116 ]

 أولئك هم الغرباء حقاً.
 أيها الأخوة؛ هذه الغربة مدحها الله جلّ جلاله، ومدحها النبي صلى الله عليه وسلم، غربة أهل الله عند الشاردين في الأرض، عند التائهين، عند الشهوانيين، عند الغارقين في ملذاتهم إلى قمم رؤوسهم .

 

الغرباء هم أهل الله حقاً :

 أيها الأخوة؛ قد تشتد هذه الغربة في مكان دون مكان، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( رأيت عمود الإسلام قد سلّ من تحت وسادتي، فأتبعته بصري فإذا هو بالشام))

[ الطبراني والحاكم عن ابن عمرو ]

 قد تشتد هذه الغربة من بلد إلى آخر، ومن مكان إلى مكان، ومن زمن إلى زمن، ومن قوم إلى قوم، لكن المؤمنين الصادقين لن يؤووا إلى غير الله، الغرباء هم أهل الله حقاً ولن ينتسبوا إلى غير رسول الله، ولن يدعو إلى غير ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، هم الذين فارقوا الناس وهم أحوج ما يكونون إليهم، إذا انطلق الناس يوم القيامة مع آلهتهم بقوا في مكانهم، فيقال لهم: ألا تنطلقون حيث انطلق الناس؟ فيقولون: فارقنا الناس ونحن أحوج إليهم منا اليوم، وإنا ننتظر ربنا الذي كنا نعبده .
 هذه الغربة أيها الأخوة؛ لا وحشة على صاحبها، بل هو آنس ما يكون إذا استوحش الناس، وأشدّ ما تكون وحشته إذا استأنسوا، فوليه الله ورسوله والذين آمنوا، وإن عادوه أكثر الناس وجفوه، وهذا معنى قول الشاعر :

فليتك تحلـــــــو والحيــــــــاة مريــرة  وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الـذي بيني وبينك عامــــــر  وبينــي وبين العالمين خـراب
إذا صح منك الوصل فالكل هيّن  وكل الذي فوق التراب تــراب
***

 يقول عليه الصلاة والسلام :

(( رُبّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَىَ اللّهِ لأَبَرّهُ))

[سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 هذا غريب أيضاً، وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام :

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك ]

 ويقول بعض العلماء: المؤمن في الدنيا كالغريب، لا يجزع من ذلها، ولا ينافس في عزها، للناس حال وله حال، الناس منه في راحة، وهو من نفسه في تعب.

 

صفات الغرباء :

 هؤلاء الغرباء أيها الأخوة؛ ما صفاتهم؟ الصفة الأولى التمسك بالسنة إذا رغب عنها الناس، وترك ما أحدثوه ولو كان هو المعروف عندهم، وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس، وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله، بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده، وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده، وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقاً، وأكثر الناس بل كلهم لائم له، فلغربتهم بين هذا الخلق يعدونهم أهل شذوذ وبدعة ومفارقة للسواد الأعظم.
 أيها الأخوة الكرام؛ هؤلاء المستجيبون لدعوة الإسلام قلة في أقوامهم، بل آحاد أحياناً، تغربوا عن قبائلهم وعشائرهم ودخلوا في الإسلام، فكانوا هم الغرباء حقاً، حتى ظهر الإسلام وانتشرت دعوته، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، فزالت تلك الغربة عنهم، ثم أخذ في الاغتراب والترحل حتى عاد المسلم غريباً كما بدأ، كان العرب في جاهلية أولى إذ المسلمون في جاهلية ثانية .

(( كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال : وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال : كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال : وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال : كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟ ))

[ ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأبو يعلى الموصلي عن أبي أمامة]

 بربكم إذا قدم لك إنسان خدمةً لوجه الله خالصة ألا تشك فيه؟ تستغرب ما قصده؟ ماذا يخبئ لي؟ المعروف أصبح منكراً، والمنكر أصبح معروفاً .

 

أجر من تمسك بدينه في زمن الغربة :

 أيها الأخوة الكرام؛ شيء آخر: المسلم الصادق في هذا الوقت إذا تمسك بدينه جعل له أجر خمسين من الصحابة. ففي سنن أبي داوود والترمذي من حديث أبي ثعلبة الخشني قال :

(( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى رأيت شحاً مطاعاً ))

[الترمذي و أبو داود عَنْ أَبِي أُمَيَّة الشَّعْبَانِيِّ]

 مادية مقيتة، يبيع دينه بيمين كاذبة ليربح ألف ليرة زائدة:

(( .. حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوىً متبعاً))

 إله الناس الهوى:

﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾

[سورة الفرقان: 43 ]

 المرأة تعبد من دون الله، أينما توجهت المرأة في أبهى زينة.

((إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه))

 كل واحد محور العالم، يفكر فيرفض، يفكر فيقبل، هذا لا يحصل في هذا العصر، هو مرجع، كل واحد مرجع:

((إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه))

 يجب أن تكون غريباً:

(( فعليك بخاصة نفسك))

 بأولادك، وزوجتك، وجيرانك المؤمنين، وأصدقائك المؤمنين، وزملائك:

((.....فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله، قلت: يا رسول الله أجر خمسين منهم، قال: بل أجر خمسين منكم يا صحابتي))

 وهذا الأجر عظيم لأنه غريب، لو أردت أن تقيم أمر الله في بيتك يحاربك أهلك، أقرب الناس إليك، ضمن البيت المسلم، لو أراد الشاب أن يغض بصره عمن لا تحل له أن ينظر إليها أكبر من يقاومه أهله، أبوه وأمه وهم من رواد المساجد، إن أراد أن يمتنع عن دخل مشبوه أول من يحاربه أهله، وفي رواية أخرى:

((إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فالزم بيتك وأمسك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة))

 لعل في هذا الحديث شرحاً لقوله تعالى: " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ" إذا اشتدت المعاصي والآثام، واستعرت الشهوات، وعمّ الفسق، وانتشر الضلال، انجُ بنفسك:" عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ".
 أيها الأخوة الكرام؛ إن أردت أن تسلك هذا الطريق وطن نفسك على قدح الجهال وأهل البدع والأهواء، وطعنهم بك، وازدرائهم لك، وتنفير الناس عنك، وتحذيرهم منك، كما كان سلفهم من الكفار يفعلون مع متبوعه وإمامه .

 

المؤمن محسوب على الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام؛ أقول: يجب أن تشعر بالغربة الآن، لست مع هؤلاء الذين يخوضون في الشهوات، ولا مع هؤلاء الذين يلهثون وراء صرعات الأزياء، ولا مع هؤلاء الذين يؤلهون الغرب، ولا مع هؤلاء الذين ينبطحون أمام القوي، أنت مؤمن، أنت محسوب على الله، أنت موصول بالله عز وجل، لذلك جاء الحديث الشريف:

((كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل))

[البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما ]

 وهذا هو الحق.
 أيها الأخوة الكرام؛ أسأل الله جل جلاله لي ولكم أن نكون غرباء في مجتمع الفسق، في مجتمع الفجور، في مجتمع قلة الحياء، في مجتمع أن يرى الأب ابنته تعرض كل مفاتنها في الطريق ولا يتكلم، ولا يتألم، ولا يستحي، في مجتمع الكذب والنفاق، في مجتمع الدجل، أنا لست متشائماً ولكن لا بد من أن يكون هناك مساحة صغيرة فيها المؤمنون الصادقون .
 أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين أستغفر الله .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شروط انتصار الأمة الإسلامية :

 أيها الأخوة المؤمنون؛ إذا أردت لهذه الأمة أن تنتصر يجب أن تتغنى بالقرآن، يجب أن تعبد الواحد الديان، يجب أن تطلب العلم، يجب أن تربي أولادك، يجب أن تقيم الإسلام في بيتك، إذا أردت لهذه الأمة أن تنتصر، إذا أردت أن تستعيد دورها القيادي، كيف كان العرب في الجاهلية رعاة غنم فبفضل الإسلام جعلهم الله قادة أمم؟
 إن أردت ألا يكون للكفار علينا ألف سبيل وسبيل ينبغي أن نصحو، أن نتوب إلى الله، ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة .

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الرعد: 11 ]

 لا تقل ماذا أفعل؟ عليكم أنفسكم، دعك من الناس جميعاً، لا تعلق طاعتك لله على عودة الناس إلى الله، لا، دعك من الناس " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ " أقم الإسلام في نفسك، وفي بيتك، ولا يطلب منك فوق ذلك شيئاً، إن فعلت أنت وأنا وزيد وعبيد وفلان وعلان كنا بخير، هذا الحل، وإلا الأمور نحو الأسوأ أيها الأخوة، لأن الطرف الآخر قوي جداً، ولا يريد الخير لهذه الأمة، وترون وتسمعون ماذا يجري حولنا " إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافينا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، واقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018