الدرس : 39 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 139 – 145 ثمن الجنة باهظ - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 39 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 139 – 145 ثمن الجنة باهظ


2001-08-24

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس التاسع والثلاثين من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الثانية والأربعين بعد المائة ، وهي قوله تعالى :

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾

(سورة آل عمران)

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ

1 ـ ثمن الحنة باهظ :

 أي من السذاجة والحمق أن تتوهم أن هذه الجنة التي فيها مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، والتي هي نعيم مقيم إلى أبد الآبدين ، أن هذه الجنة يمكن أن تنالها بلا ثمن ، أو بثمن بخس ، كنت أقول بركعتين وليرتين ، لا .

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾

2 ـ الله وعدَ المؤمنين بالنصر :

 نقيس على هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى وعد المؤمنين بالنصر ، وعدهم بالتأييد والتوفيق ، لكن وعد المؤمنين الملتزمين المتمسكين المطبقين الذين يؤثرون طاعة الله على كل شيء ، هؤلاء يتنزل عليهم نصر الله ، ولا عبرة بهذا التفوق الذي يتبجح به الأعداء ، لذلك لا ينزل الله عز وجل نصره على أنصاف المؤمنين ، ولا على أرباع المؤمنين ، ولا على أثلاث المؤمنين ، ولا على أخماس المؤمنين ، ولا على أسداس المؤمنين ، ولا على أصفار المؤمنين ، لا ينزل نصره إلا على المؤمنين ز
 كل بطولتك أن تستكمل موجبات النصر ، وموجبات رحمة الله ، اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك ، فلذلك هذه الجنة لا بد لها من ثمن باهظ ، وطلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب ! ثمنها الباهظ أن تؤثر الله على كل شهواتك .

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40)فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

( سورة النازعات : 40-41 )

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

(سورة القصص : 50)

 هما طريقان لا ثالث لهما ، إما أن تستجيب لله ، وإما أنك على خط هوى قطعاً ، وليس هناك منزلة ثالثة .

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

(سورة القصص : 50)

 تكاد الحياة الدنيا تجمع الناس على خطين فقط ، إما أن تطلب الآخرة ، وإما أن تطلب الدنيا ، إما أن تلبي الحاجة العليا ، وإما أن تلبي الحاجة السفلى ، إما أن تحكمك القيم ، وإما أن تحكمك المصالح ، إما أن تستجيب للشهوة ، وإما أن تستجيب للعقل ، هكذا فإن لم تكن مع العقل فأنت مع الشهوة ، إن لم تكن مع المبدأ فأنت مع المصلحة ، إن لم تكن تسعى للآخرة فأنت تسعى للدنيا ، فلذلك :

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾

3 ـ الجهاد و الصبر طريقان للجنة :

 أي بذلوا الجهد ، هذا شيء ليس من السهل أن تصل إليه ، هناك جهاد النفس والهوى ،وهذا من أصعب أنواع الجهاد ، بل من أهم أنواع الجهاد ، ثم هناك الجهاد الدعوي ، ثم هناك الجهاد القتالي ، هذا الذي لا يستطيع أن يغض بصره كيف يحارب ؟ لا يستطع أن يضبط لسانه كيف يحارب ؟ لا يستطيع أن يحرر دخله من الحرام كيف يحارب ؟

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ﴾

 جاهدوا بذلوا الجهد ، إما جهاد النفس والهوى ، وإما الجهاد الدعوي ، وإما الجهاد القتالي .

﴿ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾

4 ـ الصبر هو حقيقة الإيمان :

 الإيمان كله صبر ، الإنسان مجموعة شهوات ، ومعه منهج ، والمنهج يقنن شهواته ، يوجد مسارات نظيفة ، تقنين الشهوات في مسارات نظيفة هو الجهاد ، والصبر هو حقيقة الإيمان ، لك أن تقول ما تشاء ، ولكن حينما تريد أن تضبط لسانك بكلام يرضي الله عز وجل فأنت مجاهد، لك أن تملأ عينيك من محاسن أية امرأة على الشاشة ، أو في مجلة ، أو في الطريق ، أما حينما لا تسمح لعينيك أن تستمتعا إلا بمن تحل لك فهذا ضبط ، لك أن تأخذ المال من كل جهة ، أما حينما تتحرى أن تكسب المال من وجه مشروع فهذا جهد ، وضبط ، واتباع الحق .

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾

 سُئل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : " أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين ؟ قال : لن تمكن قبل أن تبتلى " .
 وطّن نفسك ، مستحيل أن تصل إلى مرتبة عالية عند الله ، مستحيل أن تستحق الجنة من دون بذل جهد ، ومن دون امتحان صعب .
 أنا لا أخيفكم ، لا والله ، لكن لا أطمّعكم بشيء كالسراب ، الجنة تحتاج إلى جهد كبير ، حتى تضع إلى جانب اسمك حرف دال فقط كم سنة تدرس ؟ ومع كم أستاذ تلتقي ، وكم من كتاب تقرأ ؟ وكم من بحث تعيد صياغته ؟ وكم من سفر تسافر ؟ من أجل أن يضاف حرف الدال إلى اسمك ؟ فكيف إذا أضيف إلى اسمك المؤمن فلان ؟ هذه أعلى مرتبة علمية ، وأخلاقية ، وجمالية ، كلمة مؤمن كلمة علمية ، ومرتبة أخلاقية ، ومرتبة جمالية ، أذواق المؤمن عالية جداً ، تعرف إلى أصل الجمال ، كل الناس مع الجمال وهو مع أصل الجمال ، كل الناس مع النعمة ، وهو مع المنعم ، كل الناس مع الشهوات الآنيّة .
 إخواننا الكرام ، شيء بدهي أن اللذات تأتي من الخارج ، من المال ، من مركبة فارهة ، من بيت فخم ، من دخل كبير ، من منصب خطير ، هذه لذات تأتي من الخارج ، وطابعها حسّي ، وتأثيرها متناقص ، وتعقبها كآبة ، وقد تنتهي بالنار ، بينما السعادة تنبع من الداخل ، ولو كنت في كوخ حقير .
 نبي كريم فجأة رأى نفسه في بطن الحوت ، كم نسب الفوز بالنجاة في هذه الحال ؟ نسبة النجاة ، وأنت في بطن حوت ، في ظلمة الليل الحالك ، في ظلمة البحر ، إنه سيدنا يونس :

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

(سورة الأنبياء : 87 - 88)

 العبرة أيها الإخوة أن تكون مع الله ، هذه الرحمة العظيمة وجدها إبراهيم في النار ، فلما رحمه الله عز وجل قال تعالى :

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

( سورة الأنبياء : 69 )

 ووجدها يونس في بطن الحوت ، وجدها النبي الكريم في غار ثور ، وجدها أصحاب الكهف في الكهف ، وافتقدها أصحاب القصور ، والمليارات ، وأصحاب المكان العلي في المجتمع .

 

اتخذ الطريق المشروع لتلبية الشهوة :

 

 أيها الإخوة ، هذه الجنة ثمنها بين يديك ، أحياناً ترى قصراً فتقول : هنيئاً لمن يسكنه ، لكنه لا تملك ثمنه ، وليس هناك أمل أن تسكنه ، إلا أن الجنة ثمنها بين يديك ، ثمنها معتدل معقول ، ما منعك أن تتزوج ، لا ، لم يحرمك من النساء ، بل قال لك : تزوج ، وما حرمك من المال ، قال لك : اعمل ، ما حرمك من الطعام والشراب ، قال :

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾

(سورة الأعراف)

 كل ، واشرب ، واعمل ، واكسب المال ، وتزوج ، وأنجب ذرية طيبة ، واستمتع بها ، من دون إسراف ، ولا مخيلة ، شيء بمتناول يدك ، وتملكه ، ولا تحتاج إلى جهة أخرى .
 أيها الإخوة ، الذي يضاعف عذاب الكافر في النار أنه كان بإمكانه أن يدخل الجنة ، فإذا رأيت شيئاً فوق طاقتك هل تندم على عدم وصولك إليه ؟ لا ، لو فرضنا أن ملكًا عُيّن في بلد ، تقول : لماذا لم أكن أنا مكانه ؟ مستحيل أن تكون مكانه ، أنت لست من ذاك البلد ، ليس عندك مؤهلات لهذا المنصب الرفيع ، فالشيء الذي لا يمكن أن تصل إليه لا تندم على فواته ، لكن ما الذي يؤلمك أشد الألم ؟ أن يباع بيت بثمن بخس ، وتملك هذا الثمن ، ولأسباب تافهة ترفعت عنه ، ثم تضاعف سعره إلى مائة ضعف ، وأنت في أمسّ الحاجة إليه ، يقول : احترق قلبي ، لما لم أشتر هذا البيت ، معك ثمنه ، وأنت في أمس الحاجة إليه ، ولأسباب تافهة أعرضت عنه ، ثم ندمت أشد الندم ، لماذا حالة الندم في الآخرة عالية جداً وصعبة ؟ لأن هذا الذي استحق النار كان بإمكانه أن يدخل الجنة ، وثمنها بين يديه ، ليس هناك شهوة منعك الله منها ، ليس في الإسلام حرمان أبداً ، في الإسلام تنظيم فقط .

 

الجهاد الدعوي فرض عين :

 ذكرت أن الجهاد جهاد النفس ، والهوى ، وجهاد دعوي ، والجهاد الدعوي فرض عين ـ بدليل قول الله عز وجل :

﴿ وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

(سورة العصر)

 أحد أسباب النجاة التواصي بالحق .

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي ﴾

( سورة يوسف )

 فإن لم تدع إلى على بصيرة فلست متّبعاً لرسول الله ، وإن لم تتبع رسول الله فلن يحبك الله ، أنت في خندق آخر ، معنى ذلك أن الجهاد الدعوي فرض عين ، ومن مات ، ولم يجاهد ، ولم يحدّث نفسه بالجهاد مات على ثلمة من النفاق ، ببساطة ما بعدها بساطة .
 اقتنى أخ كريم مائة شريط ، ووزعها على أقربائه بالتناوب ، قام بدعوة ، هو قد يعجز عن الكلام ، لكن عنده رغبة أن يكون من الدعاة إلى الله عز وجل ، وزّع هذه الأشرطة ، الشيء الذي تفاعل معه ، وذابت نفسه تقديراً له ، وزعه على من حوله ، بعد حين جلبهم إلى المسجد ، ثم بعد حين التزموا ، فكانوا كلهم في صحيفته ! قضية الدعوة فرض عين ، لكن في حدود ما تعلم ، وفي حدود من تعرف فقط ، وعليك بخاصة نفسك ، ودع عنك أمر العامة ، لو أن كل واحد وطّن نفسه إذا سمع تفسير آية تفسير ، أو حديثًا ، أو حكمًا فقهيًا ، أو موقفًا لصحابي شريفًا حدّث به من حوله طوال أسبوع ، هذا معنى قول النبي :

 

(( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ... ))

 

[ البخاري ]

 بلغ ، ما أجمل أن تجعل من هذا الأسبوع من السبت إلى الجمعة ، كل لقاءاتك ، وكل علاقاتك ، وولائمك ، وسهراتك ، وندواتك ، وسفرك ، وجلوسك في مكتبك ، موضوع الحديث عادي ، عن الطعام ، والشراب ، وعن ، الأسعار ، والحر الشديد ، والتلوث ، والجفاف ، والكساد ، والقلق ، والحديث عما يجري في فلسطين ، إذا طعمت هذا الموضوع بدعوة إلى الله ، وببيان حكم شرعي ، ببيان آية كريمة ، ببيان حديث شريف ، ببيان موقف بطولي لأصحاب رسول الله ، هذه الدعوة إلى الله بسيطة جداً ، في حدود ما تعلم ، ومع من تعرف ، فرض عين في حدود ما تعلم فقط ، ومع من تعرف ، خاصة نفسك ، من حولك ، أولادك ، إخوانك ، أخواتك ، أولاد إخوتك ، زملاؤك في العمل ، جيرانك أصدقاؤك ، أقرباؤك .
 إذا رأيت شحاً مطاعًا ، وهو المتّبع ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فالزم بيتك ، في زمن الفتن ، في الهرج والمرج ، في الطرق المليئة بالكاسيات العاريات ، في كل المقاصف التي توزع فيها الخمور ، في زمن الفسق والفجور ، في زمن يقظة الفتنة ، في زمن الجنس ، في زمن الأفلام ، في زمن النوادي المختلطة ، في زمن السياحة الجنسية ، في هذه الأزمان المفعمة بالمعاصي ، والآثام الجأ إلى كهفك ، وإلى بيتك ، وإلى مسجدك .

 

﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا ﴾

(سورة الكهف : 16)

 هذا المجلس إن شاء الله هناك بلاد إسلامية كثيرة لا يعقل أن يعقد فيها مثل هذا المجلس ، فإذا كنت في بلد بإمكانك أن تأتي إلى مجلس علم ، وأن تستمع إلى خطبة مؤثرة ، وأن تلتقي بأخ صادق مؤمن ، هذه نعمة لا تعرف قيمتها إلا إذا فقدتها .

 

﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾

(سورة آل عمران)

وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ

1 ـ تمني بعض الصحابة الشهادة :

 حينما سمع بعض أصحاب رسول الله في معركة بدر عن بطولات الصحابة ، وعن استشهاد هؤلاء الأبطال ، وعن قربهم من الله عز وجل ، تمنوا أن يكونوا في معركة قادمة من الشهداء ، لكن حينما واجهوا الموت اختلف الأمر .

﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾

(سورة آل عمران)

 أحياناً الحديث عن الشيء أمتع من الشيء ، أن تتحدث عن الشهادة أهون من أن تكون شهيداً ، قبل أن يموت الإنسان ، سيدنا أبو رواحة هو القائد الثالث في مؤتة ، فأول قائد قاتل حتى قُتل ، والثاني قاتل حتى قُتل ، جاء دور الثالث كان شاعراً تردد قلبه هكذا تروي الروايات قال :

 

يا نفس إن لم تُقتلي تموتيِ  هذا حمام الموت قد صليتِِ
إن تفعلي فعلهما رضيـتِ  وإن توليت فقد شقيـــتِ

 فقاتل حتى قُتل ، قال عليه الصلاة والسلام :

 

 

(( أخذ الراية أخوكم زيد ، فقاتل بها حتى قتل ، وإني لأرى مقامه في الجنة ، ثم أخذ الراية أخوكم جعفر ، فقاتل بها حتى قتل ، وإني لأرى مقامه في الجنة ، وسكت النبي عليه الصلاة والسلام ، وقلق الصحب الكرام على أخيهم عبد الله ، ثم سألوا النبي الكريم : يا رسول الله ما فعل عبد الله ؟ قال : ثم أخذ الراية أخوكم عبد الله ، فقاتل بها حتى قتل ، وإني أرى في مقامه ازورارا عن صاحبيه ))

 

[ كنز العمال ]

 تردد ثلاثين ثانية ! تردد في ماذا ؟ في إنفاق مائة ليرة ؟ في تقديم بيته ؟ لا تردد في بذل روحه ، والجود في النفس أقصى غاية الجود ، هكذا كان الصحابة ، لأنهم ترددوا في بذل أرواحهم هبطت مكانتهم ، فكيف المسلمون اليوم ؟
 بماذا أنتم مطالبون أيها الإخوة ؟ مطالبون بضبط اللسان ، وضبط الدخل ، وغض البصر ، وحضور مجلس علم فقط ، مطالبون بشيء يفعله كل إنسان بلا حرج ، وبلا مشقة ، وبلا جهد .
 لذلك أيها الإخوة ، الإنسان مسؤول مسؤولية كبيرة إذا وصله الحق ، ثم أعرض .

 

﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾

(سورة آل عمران)

2 ـ البطولة أن نفعل هذه الأعمال الصالحة لا أن نتمناها :

 ليست البطولة أن نتمنى الأعمال الصالحة ، لكن البطولة أن نفعل هذه الأعمال الصالحة ، مسافة كبيرة جداً بين من يتحدث عن القيم ، وبين من يعيش القيم ، أي إنسان منحرف يحدثك عن الاستقامة يطرب ، الاستقامة بطولة ، التواضع بطولة ، الكرم بطولة ، الشجاعة بطولة ، فالحديث عن القيم ممتع ، لكن أن تعيش هذه القيم مسعد ، وفرق كبير بين أن تستمتع ، وبين أن تسعد ، لاحظ نفسك حينما تعمل عملاً صالحاً خالصاً لله ، حينما ترقى غلى مستوى البطولة تشعر بنشوة ما بعدها نشوة ، رائحة .
 موقف صمت ، وكان بإمكانك أن تتفوه بأقصى الكلمات ، لكنك ضبطت نفسك ، في موقف آخر بذلت ، وكان بإمكانك أن تبخل ، في موقف سادس عفوت ، وكان بإمكانك أن تنتقل ، في موقف رابع وضعت نفسك في الذل ، وكان بإمكانك أن تتألق خوفاً من الله عز وجل ، هذا الذي تفعله لوجه الله له طعم لا ينسى ، الله عز وجل عوضك عن الدنيا بأن ألقى في قلبك السكينة .

في قلب المؤمن الصادق سعادة وسكنيتة :

 والله أيها الإخوة ، المؤمن الصادق مع الله في قلبه سكينة لو وزعت على أهل بلد لكفتهم ، نحن نبحث عن السعادة بالمال ، والمال محدود ، وغير ميسور للجميع ، نبحث عنها في البيت ، في المرأة ، في المركبة ، في المنصب ، لو علمنا حق العلم أن السعادة بين أيدينا بالاتصال بالله عز وجل ، أنت إذا اتصلت بالله اتصلت بأهل الجمال بمنبع القوة ، بمنبع السكينة ، بمنبع الحلم ، لذلك لا يمكن أن ترى مسلماً مصلياً حقوداً ، أو حسوداً ، أو بخيلاً ، أو جباناً ، أو لئيماً ، أو محتالاً ، هذا مستحيل ، إن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى ، فإذا أحب الله مخلوقاً منحه خلقاً حسناً ، لا يمكن أن يقبل اتصالا بالله مع البخل ، واللؤم ، والجبن ، مستحيل ، لذلك الذي يشد الناس إلى الدين ليس أفكاره ، مع أنها أفكار منطقية ورائعة ، لكن الذي يشد الناس إلى الدين أخلاق المؤمنين هذه دعوة قوية جداً ، دعوة صامتة لا تحتاج إلى كلام ، الأمين يدعو إلى الله بصمت ، الصادق يدعو إلى الله بصدقه ، المتقن عمله يدعو إلى الله بإتقان عمله ، الحليم يدعو إلى الله بحلمه .

فرق كبير بين التحدث عن القيم والأخلاق والاتصاف بها :

 سهل جداً أن تتغنى بالقيم ، أو أن تتحدث عنها ، أو أن تستمتع بالحديث عنها ، لكن البطولة أن تعيشها .
 ملاحظة طريفة : حدثني أخ : دخل عليهم أستاذ فألقى عليهم محاضرة في التواضع ، شيء لا يصدق ، الأدلة من القرآن ، والسنّة ، وأقوال العلماء ، والقصص الرائعة عن التواضع ، ثم دخل غرفة المدرسين ، ووضع رجلاً على رجل ، وترفع عن كل من حوله ، وهو لا يشعر ، حدثتنا عن التواضع حديثاً ممتعاً ، لكنك لست متواضعاً ، هذه المشكلة ، الأخلاق ينبغي أن تعيشها ، لا أن تتحدث عنها ، فالحديث عنها سهل جداً ، لذلك كفر الناس بالمواعظ ، إن أردت أن تحتقر متكلماً ، أخي لا تعظنا ، بلا وعظ ، مع أن الوعظ كلمة قرآنية :

﴿ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ﴾

(سورة النساء : 63)

 كلمة موعظة قرآنية ، لكن لأن الناس فرغوها من مضمونها تحدثوا عن الأخلاق فقط .
 مرة ركبت مع سائق ، لشدة ما تحدث عن نفسه ، شيء لا يحتمل ، ثم ركب معه إنسان فقير ، معه بضاعة أتى بها من لبنان طعامًا لأولاده ، فهذا السائق دون أن يشعر هذا الراكب وضع بعضاً منها وراء العجلة في الصندوق ، إذاً هو سارق ، فالحديث عن الخلق سهل جداً ، حتى اللص يتحدث عن أخلاقه ، ومروءته ، القضية قاسم مشترك ،
 كل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
 العبرة لا أن تتحدث عن القيم ، بأي مجتمع الإنسان منطقي ، والإنسان يحب أن يكون رجل مبدأ، لا يوجد إنسان إلا ويتحدث عن فضائله ، وقد يكون عديم الفضائل ، أكبر دليل :

﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾

( سورة غافر : 29 )

 هذا حديثه ، مع أنه كان أكبر طاغية ! فالحديث لا قيمة له ، الإنسان ينبغي ألا يُقيّم من حديثه إطلاقاً .

﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾

(سورة آل عمران)

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ

1 ـ إشاعة خبر مقال النبي وأثر ذلك في الصحابة :

 لأنه أُشيع أن محمداً قد قُتل ، أحد من كان حول النبي قال : لو كان رسولاً لم يُقتل ، لمجرد أنه سمع أنه قد قُتل كفر برسالته ، لو كان رسولاً لم يُقتل ، من قال لك ذلك ؟ النبي بشر ، وتجري عليه كل خصائص البشر ، فالذين كانوا على إيمان رفيع قال : إن يمت محمد فرب محمد حي لا يموت !
 المحاكمة السليمة ، بعضهم من شدة ألمه ، وحرصه على حياة النبي قال : ماذا تفعلون بعد موت نبيكم ؟ موتوا على ما مات عليه ، فانطلقوا إلى العدو ، بعضهم قال : لو كان رسولاً لم يمت ، فجاء الجواب :

﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾

(سورة آل عمران)

2 ـ الجواب الإلهي : النبي بشرٌ :

 محمد بشر ، تجري عليه كل خصائص البشر ، لأنه انتصر على بشريته فكان سيد البشر .

﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ﴾

 لكن هناك معاني تفصيلية ، حينما قال الله عز وجل :

﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ﴾

( سورة المائدة : 67 )

3 ـ عصمة الله لنبيه من القتل :

 وعد إلهي ، إذاً لا يمكن أن يغتال محمد ، لأنه باغتيال محمد تغتال الدعوة ، هو رسول مَن ؟ إنه رسول خالق الأكوان ، أما إذا قتل يمكن أن يقتل بعد انتهاء دعوته ، بعد أن بلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، الموت حق ، وقد يكون الموت قتلاً ، أما أن يأتي كافر ، وقبل أن ينتهي النبي من تبليغ دعوته يقتله ، وكأنه تحدى الإله ، لذلك طمأنه الله عز وجل قال :

﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ﴾

(سورة المائدة : 67)

 يتكلمون عنك ما شاؤوا ، أما أن ينهوا حياتك لا يستطيعون .
 حينما كان النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة ، وتبعه سراقة ، وسراقة طمع بمائة ناقة وضعت لمن يأتي به حياً أو ميتاً ، وقد أهدر دمه ، فلما تبع النبي عليه الصلاة والسلام شعر أنه ممنوع منه ، غارت قدما فرس سراقة في الرمال ، قال له النبي الكريم :

 

(( يا سراقة كيف بك إذا بلغت سوار كسرى ))

 

[ السيرة لنبوية ]

 حللوا هذا الكلام ؟ إنسان مهدور دمه ، وضعت مائة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً ، يقول لسراقة : كيف بك إذا لبست سوار كسرى ، أي أنا سأصل وواثق ، وسأؤسس دولة في المدينة ، وسأحارب كسرى ، وسوف يهزم كسرى ، كما لو قلت لمجموعة قبائل في اليمن : سوف تنتصرون على أمريكا ، وسوف تدخلون البيت الأبيض مثلاً ! نفس النسبة :

 

(( يا سراقة ، كيف بك إذا بلغت سوار كسرى ))

؟
 معنى ذلك أن الله عز وجل وعد نبيه أن يحميه من القتل .

 

﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ﴾

(سورة المائدة : 67)

 لكن قد يقتل بعد انتهاء دعوته ، بعد أن بلغ الرسالة ، وأدى الأمانة فقد يموت على فراشه ، وقد يموت قتلاً ، سيدنا خالد قال : << ما في بدني موضع إلا وفيه ضربة بسيف ، أو طعنة برمح >> ، في بداية قوله يقول : << خضتُ مائة معركة ، وما في بدني موضع وإلا فيه ضربة بسيف ، أو طعنة برمح ، وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير ، فلا نامت أعين الجبناء >> .
 إخواننا الكرام ، المعركة لا تميت ، والمرض لا يميت ، لا يميت إلا انتهاء الأجل .
 فكم من صحيح مات من غير علية وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر

 

﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾

4 ـ الدعوة إلى الله ينبغي أن تبنى على التوحيد لا على أشخاص :

 هذا يعلمنا أن الدعوة إلى الله ينبغي أن تبنى على التوحيد ، لا على أشخاص ، فإن بنيت على أشخاص ، وكان التركيز عليهم ، والأضواء مسلطة عليهم ، ومات هؤلاء الأشخاص فقد انتهت الدعوة إلى الله ، أما إذا بنيت على التوحيد ، وأن الله حي باق على الدوام ، لذلك أروع كلمة قالها الصديق رضي الله عنه ببساطة ما بعدها بساطة : << من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت >> ، هذا هو التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، ما خاطبه في حياته إلا يا رسول الله ، بأعلى درجات الأدب ، قال الصديق : << من كان يعبد محمداً - بلا لقب - فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت >> .

﴿ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾

5 ـ تطبيق عملي للآية في واقعنا :

 هؤلاء الموحدون الذين تعلقوا بخالق الأكوان ، وعبدوا الله عز وجل ، ولم يهتزوا بموت النبي عليه الصلاة والسلام ، هؤلاء وصلوا إلى قمة السعادة ، لو أردنا أن نطبق هذا على واقعنا ، أنت يمكن أن تكون مستقيمًا في بلدك ، أما إذا سافرت فينبغي أن تكون مستقيماً ، في تعريف لطيف ، إسلام جغرافي ، ما دمت في هذا البلد فأنت مستقيم ، كم من امرأة كانت محجبة في الطائرة ، وحينما تسافر ، وتغادر البلد الذي أُلزمت فيه بالحجاب تخلع معظم ثيابها في الطريق ، هذا يعني أن دينها جغرافي ، دين متعلق بمكانه ، بالمجتمع فقط ، أما المؤمن فتطبيقاً لهذه الآية أينما ذهب وحلّ فهو مستقيم ، لا يتأثر بالبيئة ، هو مع الله ، لا يوجد دعوة عميقة جداً يدعو بها الدعاة أعمق من التوحيد ، أن تربط الإنسان مع خالق الأكوان .
 قال رجل لعبد الله بن عمر : << بعني هذه الشاة وخذ ثمنها ، قال : ليست لي ، قال : قل لصاحبها ماتت ، قال : والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها : ماتت ، أو أكلها الذئب لصدقني ، فإني عنده صادق أمين ، ولكن أين الله ؟! >> .
 هذا الدين كله ، الدين كله أن تقول : أين الله ؟ أن تخشى أن تأكل درهماً حراماً ، أن تتكلم كلمة نادبية ، أن تنظر نظرة شهوانية ، هذا الدين ، حينما تصل إلى هذه الاستقامة فقد قطعت أربعة أخماس الطريق إلى الله .

﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ﴾

 والله يا إخوان في سورة الأحزاب آيات إذا قرأها الإنسان يشعر بقشعريرة .

 

﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾

(سورة الأحزاب : 23)

6 ـ المؤمن الصادق ثابت في السراء الضراء :

 في السراء مستقيم ، في الضراء مستقيم ، في الفقر مستقيم ، في الغني مستقيم ، في الصحة مستقيم ، في المرض مستقيم ، قبل الزواج مستقيم ، بعد الزواج مستقيم ، في منصب متواضع مستقيم ، في منصب رفيع مستقيم ، عاهدنا رسول الله في السراء والضراء ، وفي المنشط ، والمكر ، هذا المؤمن لا يتأثر لا بدخل ، ولا ببيئة ، ولا بزواج ، إيمانه فوق كل هذه المتبدلات والمتغيرات .

﴿ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ﴾

وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا

1 ـ الضال لا يضر إلا نفسه :

 مثل مضحك : لو جاء رجل بمطرقة ، وكسر البلّور مركبته الذي ثمنه ستون ألفًا ، من ضرّ ؟ لم يضر أحدًا ، لقد ضر نفسه ، أحياناً يظن الإنسان نفسه انتقم ، أو أخذ موقفًا إذا كان انتكس ، لا ، لا ، إذا انتكس الإنسان فإنما ينتكس على نفسه ، إذا نقض عهده مع الله فإن الله غني عنا ، يكون قد نقض عهده مع سلامته وسعادته .

﴿ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ﴾

 لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم ، وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص في ملكه شيئاً .

﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾

 هؤلاء الذين شكروا ، واستقاموا سوف يجزيهم الله عز وجل .
 أيها الإخوة ، ثم تأتي الحقيقة الصارخة ، وكأنها القانون :

 

﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ

1 ـ أخطر حدث بعد وجودك أيها الإنسان هو موتك :

 أخطر حدث بعد وجودك هو موتك ، موت صدفة بسبب طائش تافه ، الموت كتاب مؤجل ، كتب علينا الموت جميعاً ، لكن مع وقف التنفيذ ، وسينفذ الموت في الثانية ، والدقيقة ، والساعة ، و، اليوم ، والأسبوع ، والشهر ، والسنة المحدد له ، في وقت محدد بالتمام .

﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾

2 ـ الموت لا يكون إلا بأجل مسمى :

 المرض لا يميت ، ساحة المعركة لا تميت ، كلمة الحق لا تقطع رزقاً ، ولا تقرب أجلاً ، أن تجهر بالحق فهذا لا ينهي حياتك .

﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾

 الموت حق ، وميقاته حق ، ودقيقته حق .

﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾

(سورة آل عمران)

وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ

1 ـ اطلب من الدنيا ما تشتهي فإنها منقطعة :

 اطلب ما شئت ، إن أردت الدنيا فلك منها ، وإن أردت الآخرة فلك الآخرة ، افعل ما بدا لك ، اختر ما تشاء .

﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾

 أيها الإخوة ، عطاء الدنيا بيد الله ، وعطاء الآخرة بيد الله ، الصحابي الجليل سيدنا ربيعة خدم النبي سبعة أيام ، فعَنْ خَادِمٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَقُولُ لِلْخَادِمِ :

 

(( أَلَكَ حَاجَةٌ ؟ قَالَ : حَتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، حَاجَتِي ، قَالَ : وَمَا حَاجَتُكَ ؟ قَالَ حَاجَتِي أَنْ تَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، قَالَ : وَمَنْ دَلَّكَ عَلَى هَذَا ؟ قَالَ : رَبِّي ، قَالَ : إِمَّا لَا فَأَعِنِّي بِكَثْرَةِ السُّجُودِ ))

 

(مسند الإمام أحمد)

 فإن أردت الدنيا فلك الدنيا ، لكن الدنيا لا تليق كعطاء لله ، لأنها منقطعة ، مهما علوت .
 توفي شخص ، وترك أربعة آلاف مليون ، ما صلى ركعتين في حياته ، فمهما علوت في جمع المال ، أو في منصب رفيع ، أو في مكانة علمية فلا بد أن تموت ، وماذا بعد الموت ؟ ثم ماذا ؟ لابد أن ينتهي كل شيء بالموت ، لذلك من أراد الدنيا فقد احتقر نفسه .

 

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾

(سورة البقرة : 130)

 ما عرف قيمته عند الله ، هل من المعقول أن تدخل على ملك ، وتطلب منه قلم رصاص فقط ؟ يُطلب منه بيت ، منصب رفيع ، مركبة غالية جداً ، يطلب منه أن تكون سفيرًا في بلد ، قلم رصاص ! إنك لا تعرف قيمة هذا الملك من هذا الطلب ، ولا تعرف مكانتك عنده من هذا الطلب ، لذلك من عرف نفسه عرف ربه ، فكل إنسان يريد الدنيا فقد سفه نفسه احتقرها ، أراد شيئاً زائلاً .

 

2 ـ الدنيا لا تستقيم لأحَدٍ :

 الدنيا سبحان الله تغر ، وتضر ، وتمر ، متى يأتي ملك الموت ؟ بعد أن تنضج ، لك بيت فخم ، علاقاتك كلها إيجابية ، ووضعك جيد ، أمرك نافذ ، مسيطر ، تفضل الآن ، بعد النضج ، وبعد الغنى ، وبعد القوة ، فما هذه الدنيا ؟
 يكون الإنسان قد شاب ، وليس معه ثمن طعام طيب ، إذا اغتنى ، وأصبح معه ثمن طعام طيب لا يستطيع أن يأكل الطعام الطيب ، لوجود خمسين علة في جسمه ، هذه الحياة .
 إن هذه الدنيا دار التواء ، لا دار استواء ، الزوجة جيدة ، الأولاد سيئون ، الأولاد جيدون الزوجة سيئة ، الزوجة والأولاد جيدون ، الدخل قليل ، الدخل قليل ، فيه مرض ، هكذا الدنيا .
 إن هذه الدنيا دار التواء ، لا دار استواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء ، فقد جعلها الله دار بلوى ، وقد جعلها دار عقبى ، فجعل بلاد الدنيا لعطاء الآخرة سببا ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ليعطي ، ويبتلي ليجزي .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018