الدرس : 36 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 134 - 137 الإنفاق في السراء والضراء - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 36 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 134 - 137 الإنفاق في السراء والضراء


2001-08-03

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السادس والثلاثين من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الرابعة والثلاثين بعد المئة ، وقد شرح جانب منها في الدرس الماضي من قوله تعالى :

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 133)

الإنفاق :

 هؤلاء صنفان المتقون والعاملون ، المتقون من صفاتهم :

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

1 ـ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ

إنفاق المال صعب محالف لطباع النفس :

 بدأ الله بالإنفاق لأنه أصعب شيء ، فقد تتوضأ ، قد تصلي ، قد تذهب إلى العمرة سياحة ، قد تحضر مجلس علم ، أما حينما تنفق ، وقد حبب الله إليك المال ، والمال مادة الشهوات ، والمال يحل مشكلات كثيرة ، أنت حينما أودع الله في قلبك حب المال كلفك أن تنفق معنى ذلك أنك فعلت شيئاً مهماً .
 بدأ الله بالإنفاق ، بل إن إنفاق المال أهون بكثير من إنفاق النفس ، أكثر الآيات جاهدوا بأموالهم وأنفسهم ، وبدأ الله بالمال ، لأنه أهون في إنفاقه ألف مرة أن تنفق من أن تضحي بحياتك ، فجعل الله إنفاق المال أولاً ، ثم إنفاق النفس ثانياً ، إلا في آية واحدة عكست الآية ، قال تعالى :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾

( سورة التوبة : الآية 111)

 في معرض البيع القطعي نبدأ بالعقد بكتابة المهم ، ثم الأقل أهميةً فهنا ينفقون في السراء والضراء .

 

2 ـ الإنفاق مجاله واسع :

 وكلمة ينفق كلمة واسعة ينفق ماله ، وقد ينفق علمه ، وقد ينفق وقته ، هناك أشخاص أثمن شيء في حياتهم وقتهم ، ينفقون من أوقاتهم ، هناك أشخاص أثمن شيء في حياتهم أموالهم ينفقون أموالهم ، هناك أشخاص أثمن شيء في حياتهم ماء وجههم فينفقونه في خدمة أخ مظلوم في سبيل الله ، له صديق ، وبيده الأمر يحب أن يبقى معه مترفعاً ، ولو ذهبت إلى هذا الإنسان الذي بيده الأمر لحلت مشكلة هذا المؤمن ، لكن تحتاج أن تزوره في مكتبه ، وأن تسأله عن صحته ، وأن تعرض له هذه ، والقضية هذا يحتاج إلى بذل ماء وجه.
 الحقيقة :

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 92 )

 يجب أن تنفق شيئاً تحبه ، يجب أن تنفق شيئاً ثميناً جداً ، الحقيقة أن الإنسان يرقى بالإنفاق ، ويسلم بالاستقامة ، قال تعالى :

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

( سورة فصلت : الآية 30 )

 بالاستقامة تسلم ، لكن بالإنفاق تسعد ، وأوضح دليل على ذلك قوله تعالى :

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾

( سورة الكهف : الآية 110)

 قد تملك حقيقة ، ويأتيك إنسان مؤمن طاهر يسألك عن هذه الحقيقة ، هذه تملكها ، وتربح منها في مجال التجارة والصناعة ، فإذا بذلتها لمؤمن تتوهم أنت أن ربحك سيهبط ، لكن المؤمن يبني حياته على البذل ، فقد يعطي من أسرار حرفته لمؤمن .
 حدثني أخ توفي رحمه الله ، كان عنده محل حلويات ، دخل إليه شخص من بلاد بعيدة من أقصى الشمال الشرقي ، وليس مسلماً ، وقال له : أتعلمني صناعة هذه الحلويات ؟ قال له : حباً وكرامة ، مباشرةً طبخ طبخةً أمامه ، ثم كلفه أن يطبخ طبخةً تجريبية ، يقول لي هذا الأخ رحمه الله : ثلاثون عاماً كل عام يأتي هذا الذي علمه صناعة الحلويات من أقصى البلاد ليقدم له هديةً ، وشكراً على هذا العمل الطيب .

3 ـ المؤمن يبني حياته على الإنفاق :


 إخواننا الكرام ، بالمناسبة المؤمن يبني حياته على الإنفاق ، قال تعالى :

 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

( سورة الليل : الآية 5-7 )

 لأنه صدق بالحسنى ، لأنه صدق أنه مخلوق لجنة عرضها السماوات والأرض ، لأنه صدق بالحسنى ، والحسنى هي الجنة ، قال تعالى :

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

( سورة يونس : الآية 26 )

 ما دام قد صدق بالحسنى ، فهو يتقي أن يعصي الله ، وهذه استقامة ، وفيها السلامة ، لكن لا يكفي لابد أن يبني حياته على العطاء ، بل إن حجمك عند الله بحجم عطائك ، بل إن حجمك عند الله بحجم عملك الصالح والدليل :

 

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

( سورة الأنعام : الآية 132 )

 من أنت ؟ من أنت عند الله ؟ بقدر عملك الصالح ، بقدر بذلك وعطائك ، المؤمن الصادق بنى حياته على العطاء يسعده أن يعطي لا أن يأخذ ، يسعده أن يسهر الليل في سبيل الله ، يسعده أن ينفق ماله في سبيل الله ، يسعده أن ينفق وقته في سبيل الله ، يسعده أن ينفق ماء وجهه في سبيل الله .
 إخوة كرام يطرقون أبواب التجار ليأخذوا منهم مساعدات للفقراء والمساكين ، هذا العمل ليس سهلا ، فيه بذل ماء وجه ، لكنك تفعل هذا ، وأنت مرتاح ، لكن آثرت بذل ماء الوجه حتى يرضى الله عز وجل .
 إخواننا الكرام ، حقيقة الإيمان ما أن تستقر في قلب المؤمن حتى تعبر عن ذاتها بعمل ، والإسلام حركة ، الإسلام عمل ، الإسلام بذل ، وتضحية ، ولن يتألق المؤمن إلا بالعمل ، لن يتألق المؤمن إلا بخدمة الخلق ، وقد ناجى أحدهم ربه قال : يا رب لا يطيب النهار إلا بخدمة عبادك ، ولا يطيب الليل إلا بمناجاتك ، النهار لا يطيب إلا بخدمة عباده ، وجرب أن الله عز وجل إذا تفضل عليك قدر على يديك عملاً صالحاً ، توفيق بين زوجين ، إكرام يتيم ، إطعام مسكين ، توفيق بين شخصين ، حينما تنفق من حكمتك ، ومن ذكائك ، ومن علمك ، ومن وقتك ، ومن مالك ، ومن ماء وجهك ، والآية الأساسية :

 

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 92 )

4 ـ لابد من الإنفاق في السراء والضراء :

 لكن هناك أناس ينفقون في الرخاء ، ليس عنده عمل يذهب إلى المسجد ، الوقت شتاء ، والليل طويل ، والدرس ممتع ، أما لأدنى عمل ، لأدنى انشغال يلغي الدرس ، أما هنا :

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾

 ينفق وهو في بحبوحة ، وينفق ، وهو في ضائقة ، هناك أناس ينفقون برخاء ، وهم على فراش الموت ، انتهى المال ، عنده المال لا قيمة له ، أن تنفق ، وأنت صحيح شحيح .
 سيدنا الصديق كان ينفق على مسطح ، فلما تكلم في ابنته ، واتهمها في الزنا أوقف الإنفاق ، هو بشر ، والبنت غالية جداً ، وهي بريئة ، فعاتبه الله عز وجل :

 

﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾

( سورة النور الآية : 22 )

 فبكى ، وقال : أحب أن يغفر الله لي .
 إخواننا الكرام ، ما من صفةٍ صارخةٍ واضحةٍ جليةٍ في حياة المؤمن كالإنفاق ، فإنه يسعده أن ينفق ، أحياناً تعرض على مؤمن خدمةً لله ، تعرض عليه أجراً ، فكأنك صفعته ، ابتغى ذلك عند الله ، أراد هذا العمل أن يكون قربةً لله ، أراد من هذا العمل أن يكون وسيلةً لله عز وجل ، قال تعالى :

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾

( سورة الكهف : الآية 110)

إذا شكوت جفاف القلب فاعمل عملا صالحا خالصا لله :

 بالمناسبة أيها الإخوة ، قد يشكو أحد المؤمنين الصادقين فينكر قلبه ، يشكو جفافاً في قلبه ، يشكو تصحراً في قلبه ، أقول : أنا أصلي ، وأصوم ، وأنا مستقيم ، لكن لا يوجد سرور ، يتضايق ، النصيحة بمثل هذه الحالة اعمل عملاً صالحاً ، اعمل عملاً صالحاً لا تبتغي به إلا وجه الله .
 حدثني أخ قال لي : أنا جئت إلى الشام ، وكنت في مصيف الساعة الثانية عشر في بلدة من ضواحي دمشق ، رأيت رجلاً وامرأته يمسكان بطفل ، وهما قلقان جداً ، قال لي : أوقفت مركبتي ، وسألتهم : ما الأمر ؟ وهم نازحون من لبنان في أيام حوادثها ، وقد ارتفعت حرارة الطفل إلى الواحد والأربعين ، وهم قلقون ، قال لي : أخذتهم بسيارتي إلى مستشفى ، ثم إلى صيدلية لتناول الأدوية ، وبقيت معهم حتى الساعة الرابعة صباحاً ، وأعدتهم إلى بيتهم ، أقسم لي بالله أنه خلال عشرة أيام كأنه مغموس في سعادةٍ لا توصف .
 كل هؤلاء الخلق عباد الله ، فإذا أردت أن تتقرب إلى الله ، اخدم عباده ، يسرْ لهم أمرهم ، خفف عنهم آلامهم ، يسر لهم حياتهم ، أدخل السرور على قلبهم ، طمئنهم ، لا تخفهم ، لا تبتز أموالهم ، لا تحرجهم ، لا تستغلهم ، لا تتحكم بهم ، لا تلقي في قلبهم الرعب كي يعطوك مالاً ، لا تزور لهم الحقائق ، تصور أن هؤلاء عباد الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ، المؤمن كله خير ، المؤمن حينما يموت تبكي عليه السماوات والأرض ، بدليل قوله تعالى أن أهل الكفر :

 

﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ ﴾

( سورة الدخان الآية : 29 )

 لأنهم أستريح منهم ، أما المؤمن يبكي عليه كل شيء كتلة عطاء ، كتلة خير ، كتلة نصيحة ، كتلة توفيق ، كتلة تيسير ، كتلة حب هذا المؤمن لأنه اتصل بالله ، ما فيه من كمال ، من أثر كمال الله ، المؤمن محسوب على الله ، المؤمن لأنه عرف الله ، وأقبل عليه ملك القلوب ، والقوي ملك الرقاب ، الأقوياء ملكوا الرقاب والأنبياء ملكوا القلوب ، وأنت اختر إما أن تكون تابعاً لنبي ، فتملك القلوب بكمالك ، وإما أن تكون تابعاً لقوي ، فتملك الرقاب بقوتك ، وشتان بين من يملك الرقاب ، وبين من يملك القلوب ، من يملك الرقاب يلعن في غيبته ، ومن يملك القلوب يُدعى له في غيبته ، والمحك والمقياس الصحيح ما يقال في غيبتك ، لا ما يقال في حضرتك ، هذا هو المقياس .
 فهؤلاء ينفقون ، ينفق وقتاً ، مالاً ، علمه ، خبرته ، حدثني أخ وضع ابنه عند محل إصلاح كي يتعلم هذه الحرفة قال لي : استخدمه لخدمته الشخصية ، وحينما فك المحرك يقول له : اخرج ، لا يعلّم علماً لأحد ، أما المؤمن فلا يبخل بشيء ، ولا يضنّ بشيء ، لأنه يعطي فالله عز وجل يعطيه ، وكلما أعطى يزداد عطاء الله له ، كلما مكن الناس في أعمالهم مكنه الله في عمله ، كلما أدخل على قلب الناس الطمأنينة طمأنه الله عز وجل ، كلما حل مشكلات الناس حل الله مشكلاته ، لأن الله شكور ، الله عز وجل شكور .

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 134 )

وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ

1 ـ لابد من العفو إن كان يصلِح المذنبَ :

 لماذا يعفو بالمناسبة ؟ الله عز وجل يقول :

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

( سورة الشورى : الآية 39 )

 المؤمن عزيز ، المؤمن لا يذل لأحد ، لا يسمح لأحد أن يتجاوزه ، ولا أن يتطاول عليه ، لكن إذا غلب على ظنه أن عفوه يصلح هذا الإنسان عفا عنه ؟

 

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(39)وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

( سورة الشورى : 39 -40 )

 عفا لأنه رأى في عفوه صلاحاً لهذا الإنسان ، عندئذ يتولى الله مكافأته ، فإذا قال لك ملك في الأرض : أنا أكافئك ، ماذا يقدم لك قلمَ رصاص ؟! أم مركبة ضخمة جداً ، أم بيتًا ؟ يقول الله عز وجل :

 

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

( سورة الشورى : الآية 40)

 أنت تعفو عن الناس حينما يكون عفوك مصلحاً لهم ، أما إذا كان عفوك يشجعهم على متابعة الأذى فلا تعفُ عنهم ، رجل وقع بين يدي رسول الله ، بكى ، وتباكى ، بكى عن بناته الصغار ، فرق إليه النبي ، وعفا عنه ، فعاد إلى ما كان عليه من التنكيل بأصحاب رسول الله ، وهجائهم ، ووقع مرةً ثانية ، وأعاد قصته مرةً ثانية ، توسل إليه ، واسترق قلبه ، وذكر له بناته ، قال : لا أعفو عنك لئلا تقول : خدعت محمداً مرتين .
 مؤمن له شخصيته ، وله حلمه ، وذكاؤه ، سيدنا عمر قال : << لست بالخب ولا الخب يخدعني >> ، يعني لست من الخبث حيث أَخدَع ، ولا من السذاجة حيث أُخدَع ، هذا الموقف متوازن ، ليس خبيثاً فَيَخْدَع ، ولا ساذجاً فَيُخْدع ، تعفو إذا غلب على ظنك أن عفوك على هذا الإنسان سيصلحه ، أما إذا عفوت عنه فتطاول ، وتجترّأ على الحق ، فينبغي أن تكون حازماً معه.

﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 134)

2 ـ الغضب رأس البلاء :

 إخواننا الكرام ، الرسول عليه الصلاة والسلام استنصحه أحد أصحابه فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصِنِي ؟ قَالَ :

(( لا تَغْضَبْ ، فَرَدَّدَ مِرَارًا ، قَالَ : لا تَغْضَبْ ))

[ البخاري ، الترمذي، أحمد ]

 وهناك أحاديث كثيرة ، لا تغضب ، بعض شراح الحديث قالوا : الغضب أحياناً رأس البلاء ، قد تطلق زوجتك في ساعة غضب ، وقد تفقد شريكك في ساعة غضب ، وقد تفضح نفسك في ساعة غضب ، وقد تقضي على أحب الناس إليك في ساعة غضب .
 جاء إنسان إلى بيتك ، وقد اشتريت قطع أثاث غالية جداً ، له ابن أمسك بشفرة ، ومزق قماش هذا الأثاث ، فلما جاء إلى البيت ما تحمل هذا المنظر ، فجاء بأصابع ابنه فضربها بمسطرة بعنف شديد ، وبعد حين اسودت يداه ، فأخذه إلى الطبيب ، فقال له : إلى المستشفى فوراً ، في المستشفى قالوا له : لابد من قطع يديه ، فلما توسل الابن بسذاجة ألا تقطع يداه قتل الأب نفسه من شدة ألمه ، ساعة غضب ، ابنك أثمن مِن أي شيء في البيت ، ربما لا تحتمل في الغضب ، قد تقضي على أحب الناس إليك ، بالغضب قد تفقد أقرب الناس إليك ، بالغضب قد تفقد وظيفتك ، قد تفقد عملك ، قد تفقد شريك ، لا تغضب ، فلا تتخذ قراراً وأنت غاضب ، غضبت جمد كل حركة إلى أن ترتاح ، وقل : هذا الموضوع أبتّ فيه بعد يومين.
 أيها الإخوة ، العدو الأول هو الغضب ، فلا تغضب ، وحينما يغضب الإنسان يصبح كالوحش الكاسر ، فالمؤمن كرمه الله بالحلم ، وبالحلم تحل كل مشكلة ، بل تحل كل شيء ، بتعبير آخر كل شيء يحل عند الموت ، لكن قد يدمر الإنسان نفسه بالغضب ، وهناك حروب دمرت أممًا في ساعة غضب ، حرب بأكملها جرت في الجاهلية بقيت عشر سنوات أحرقت الأخضر واليابس في ساعة غضب ، الإنسان بالغضب ، فيصبح أحمقَ ، ويصبح وحشاً ، ويعطل عقله ، تعطل خبرته ، ويرتكب أشد حماقة ، لذلك أكبر عطاء على الإطلاق يناله المؤمن من الله عز وجل الحكمة ، قال تعالى :

 

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾

( سورة البقرة : الآية 269)

 النبي عليه الصلاة والسلام تصور إنساناً ملك الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها ، بعد حنين بلغ أوج قوته دانت له الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها ، ثم جاءه أحدهم وهو من أصحابه يخبره بغضب قومه من توزيع الفيء ، و هو في أوج قوته ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ :

(( لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ ، وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمْ الْقَالَةُ ، حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ : لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ ، قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ ، وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ ، قَالَ : فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي ، وَمَا أَنَا ، قَالَ : فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ ، قَالَ : فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ قَال : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ ، وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ ، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللَّهُ ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ ، وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ؟ قَالُوا : بَل اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ ، قَالَ : أَلا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ؟ قَالُوا : وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ ، قَالَ : أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ ، أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ ، وَعَائِلًا فَأَغْنَيْنَاكَ ، أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنْ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا ، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ ، أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحَالِكُمْ ؟ قَالَ : فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ ، وَقَالُوا : رضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا ))

[ أحمد ، الدارمي]

 هذه القصة مع حكمته ، أم مع كظم غيظه ، أم مع وفائه ، أم مع رحمته ، أم مع حنكته السياسية امتص هذه النقمة ، التعبير المعاصر طوقها ، استوعبها ، هكذا المؤمن .
 المؤمن بحكمة يسعد بزوجة من الدرجة الخامسة ، و من دون حكمة يشقى بزوجة من الدرجة الأولى ، بحكمة يسعد بدخل محدود ، ومن دون حكمة يشقى بدخل غير محدود ، بحكمة يربي أولاده المتعبين ، ومن دون حكمة يفسد أولاده الصالحين ، دققوا في هذه الكلمة :

 

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾

( سورة البقرة : الآية 269)

 لا يمكن للمقطوع عن الله عز وجل أن يكون حكيماً ، لابد أن يرتكب حماقة ما بعدها حماقة ، وهو في أوج ذكائه ، وكانوا مستبصرين ، والدليل :

 

﴿ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ﴾

( سورة الجاثية : الآية 23)

 يحمل شهادة عالية ، تسمع كل قصة فيها دمار ، قال تعالى :

 

﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾

( سورة الحشر : الآية 2)

 هؤلاء يهود خيبر ، وكلما كان الإنسان بعيداً عن الله يتحامق ، قال تعالى :

 

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾

( سورة محمد : الآية 1)

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 134)

وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

1 ـ أسباب محبة الله لك بيدك :

 لكنك إذا أحسنت إلى خلق الله أحبك الله ، وما من مرتبةٍ على الإطلاق أعظم من أن يحبك الله ، ومحبة الله بيديك أسبابها بيديك ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾

( سورة البقرة : الآية 222)

 تب إلى الله يحبك الله ، قال تعالى :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾

( سورة المائدة : الآية 42)

 كن منصفاً ، قال تعالى :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة البقرة : الآية 195)

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾

( سورة التوبة : الآية 4)

﴿ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾

( سورة البقرة : الآية 222)

 تطهر ، وتب ، وأنصف ، وأحسن يحبك الله عز وجل ، فإذا أحبك الله كان معك .
 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ قَالَ :

(( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا ، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا ، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ))

[ البخاري ]

 أن يحبك الله هذه أعلى مرتبة في الأرض ، أن يحبك خالق السماوات والأرض.

 

﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 134)

2 ـ الإحسان مجاله واسع وكبير :

 كلمة محسنين واسعة جداً ، إتقان العمل إحسان ، الإنصاف إحسان ، الحلم إحسان ، خدمة الخلق إحسان ، محسن ، قد تحسن مع حيوان في أثناء ذبحه ، قال تعالى ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ : اثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ))

[ مسلم ، النسائي ، الترمذي ، أحمد ، الدارمي ]

 قد تحسن إلى عدوك فتردعه عن غيه .

 

 عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

 

(( انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا )

[البخاري ، مسلم ، الترمذي ، أحمد]

 الإحسان يبدأ بإتقان العمل ، وينتهي بخدمة الخلق ، وما من إحسان أعظم من أن تدل الإنسان على الله دللته على الخير المطلق .

 

﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 134)

 هؤلاء هم الذين ينفقون في السراء ، والضراء ، والكاظمين الغيظ ، والعافين عن الناس ، والله يحب المحسنين .
 الآن إياكم ، ثم إياكم ، ثم إياكم أن تتوهموا أن هذه الواو الذي بعد هذه الآية واو العطف .

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134)وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ﴾

( سورة آل عمران )

وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ

1 ـ هذه الواو للاستئناف لا للعطف :

 هذه ليست عطفاً هذه واو الاستئناف ، هؤلاء فرق ، وسيأتي وصف فريق آخر ، القضية فيها مشكلة كبيرة ، ينفق في السراء والضراء ، كاظم لغيظه ، عاف عن الناس ، محسن ، ثم إذا فعل فاحشةً ، يعني زنا أعوذ بالله ، هذه الواو واو الاستئناف ، وليست واو العطف ، هؤلاء زمرة ، هذا فريق أول ، والنمط الآخر والفريق الآخر .

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 135)

2 ـ المؤمن المذنب سريع العودة والأوبة :

 هو في صراع إذا غلبته نفسه ففعل فاحشةً ، أو ظلم إنساناً سريعاً ما يستغفر يذكر الله يذكر عدله ، يذكر حكمته ، يذكر بطشه فيستغفر ، استغفروا الله ذكروا الله ، فاستغفروا لذنوبهم ، لكنهم يعتقدون أنه لا يغفر الذنوب إلا الله وحده .

﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا ﴾

( سورة آل عمران : الآية 135)

3 ـ المؤمن المذنب لا يصر على المعصية :

 لا يقيمون على هذه المعصية ، أولاً يعتقدون أنها معصية ، وأنها مهلكة ، ثم هم من باب العمل لا يقيمون عليها ، من باب الاعتقاد يعتقدون أنها مهلكة ، وأنها تسبب لهم غضب الله تعالى ، تسبب لهم سخط الله وغضبه ، وأنها تستدعي بطش الله عز وجل هذه عقيدتهم .
 سلوكهم يقلعون عنها ، لذلك قالوا : النبي معصوم ، والولي محفوظ ، النبي معصوم ، لأن الله عصمه ، فلا يخطئ في قول ، ولا عمل ، ولا في فتوى ، ولا في شرع ، ولا في موقف ، لكن الولي محفوظ يخطئ ، لكن خطأه لا يضره ، لأنه سريعاً ما يستغفر ، وسريعاً ما يرجع ، وسريعاً ما يخاف ، قال تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 135)

 لم يصروا ، أي لا يقول لك : ما عملنا شيئًا ، هذا الذي يستهين بالمعصية ويستهين بالذنب منافق ، لأن ذنب المنافق كالذبابة ، وذنب المؤمن كالجبل يخشى أن يقع عليه ، وشتان في الوزن بين الذبابة والجبل ، هذا من تشبيه النبي ، ذنب المنافق ذبابة يقول : ماذا صار ؟ أكلناها ؟ نظرنا فقط ، قال : إن الله جميل يحب الجمال ، هكذا ذنب المنافق كالذبابة ، وذنب المؤمن كالجبل ، يخشى أن يقع عليه ، لذلك الصنف الثاني يخطئ ، ولكن مع خطأه يستغفر ، ومع خطئه يعلم أن هذا ذنب كبير ، وأن الله قد يعاقبه عليه عقاباً أليماً ، هذا الذنب يوجب سخط الله عز وجل ، هذا الذنب يوجب بطش الله عز وجل .

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 135)

 لو فعلت الذنب ألف مرة من الذي يغفر غير الله ؟ قال تعالى :

﴿ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 135)

 لم يصروا لا قولاً ولا فعلاً ، لا يقول لك : هذا ليس بذنب ، هذا معناه أنه أصرَّ على أنه ليس بذنب ، يقول لك : والله ذنب كبير ، وقد أخطأت ، ثم يقلع ، لم يعتقد أنه لا شيء ، لم يستهن به اعتقاداً ، ثم إنه لا يقيم عليه سلوكاً ، يبتعد عنه :

 

 

 

﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 135)

 قال :

﴿ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 136)

أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ

 تواضع ، متواضع ، ذنبه كبير ، تاب منه سريعاً ، استغفر الله ، اعتقد أنه ذنب مدمِّر يحجب عن الله عز وجل ، ثم أقلع عنه ، قال :

﴿ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 136)

 ربهم ، وليس ربي ، الزمرة الأولى محسنون ، والزمرة الثانية عاملون ، يقول لك : هناك ضباط وصف ضباط ، موظفون من الدرجة الأولى ، وآخرون من الدرجة الثانية ، كن طموحاً ، وكن من الزمرة الأولى ، قال تعالى :

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134)وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة آل عمران )

تطبيق سنة النبي واستغفار الله أمان من العذاب :

 إخواننا الكرام ، نحن في بحبوحة في حالتين ؛ في حالة أن سنة النبي عليه الصلاة والسلام فينا قال تعالى :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

( سورة الأنفال : الآية 33)

 إذا كان بيتك إسلاميًا ، وعملك إسلاميًا ، وأفراحك إسلامية ، وأتراحك لا سمح الله إسلامية ، وتجارتك وكسب مالك إسلاميين ، ونزهاتك إسلامية ، وعلاقاتك الاجتماعية إسلامية ، إذا كان الإسلام فينا فنحن في بحبوحة من أن يدمرنا الله عز وجل ، قال تعالى :

 

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

( سورة الأنفال : الآية 33)

 عندنا بحبوحة ثانية لو أنّ أقدامنا زلت ، لو أننا عصينا ، قال :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

( سورة الأنفال : الآية 33 )

 أنت في بحبوحتين ؛ بحبوحة الاستقامة ، وبحبوحة الاستغفار ، أنت مستقيم فأنت في بحبوحة ، أنت مستغفر فأنت في بحبوحة ، لكن لا أنت مستقيم ، ولا مستغفر ، فهذه معصية الكبر ، معصية الرد ، إبليس عصى ، وآدم عصى ، لكن إبليس قال :

﴿ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾

( سورة الحجر : الآية 33 )

 رد الأمر الإلهي استكبر أن يطيع الله عز وجل ، فكان إبليس اللعين ، أما سيدنا آدم فقال تعالى في حقه :

 

﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾

( سورة طه : الآية 115)

 فرق كبير كبيرٌ بين معصية الغلبة ، ومعصية الكبر ، الكبر بطر الحق ، وغمط الناس أن ترد الحق وأن تحتقر الناس .

 

﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 137 )

قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ

 في آية أخرى تفيدنا هنا :

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

( سورة الأنعام : الآية 11)

1 ـ لابد للمكذب من عقاب عاجلا أو آجلاً :

 المكذب بالحق له جزاء وبيل ، فإما أن يأتي تباعاً ، وإما أن يأتي على التراخي ، مرة قال تعالى : ثم ، ومرة : بالفاء :

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

( سورة الأنعام : الآية 11)

 قد يأتي العقابُ بعد الذنب مباشرةً ، وقد يأتي العقاب بعد مهلةٍ على كل الدنيا ، وحدها تبين لنا كل شيء .

﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 137 )

2 ـ السنن الإلهية قوانين ثابتة :

 أي قوانين ثابتة :

﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 137 )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018