الدرس : 7 - سورة الذاريات - تفسيرالآيات 50-60 ، علة وجود الإنسان في الأرض عبادة الخالق - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 7 - سورة الذاريات - تفسيرالآيات 50-60 ، علة وجود الإنسان في الأرض عبادة الخالق


1995-08-04

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السابع و الأخير إن شاء الله تعالى من دروس تفسير سورة الذاريات، ومع الآية الخمسين و الواحدة و الخمسين.

تذكير بالسابق وربط باللاحق:

 أيها الأخوة، في الدرس الماضي كانت الآياتُ و هي قوله تعالى:

 

﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51)﴾

 

[ سورة الذاريات]

 معناه أن هناك علاقة بين الآيات الثلاثة الأولى و بين الآية الرابعة، قال تعالى:

 

﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾

 

[ سورة الذاريات]

التفكر في آيات الله تؤدي إلى معرفة الله عز وجل:

 الإنسان لا سبيل له لمعرفة الله إلا عن طريق معرفة آياته، و أيُّ توهُّمٍ أنه يمكن أن تعرف الله من دون التفكِّر في آياته، فهذا الإنسان يمشي في طريق مسدود، السبب أن الله يقول:

 

﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾

 

[ سورة المرسلات]

 أي ليس هناك حديث يقرِّب الناسَ من معرفة الله إلا التفكُّر في آياته، و قد كان الدرس الماضي في مجمله حول آيات الله في السماء، و حول آيات الله في الأرض، و حول أن الله سبحانه و تعالى خلق من كلِّ شيءٍ زوجين اثنين، هذه الآيات كافيةٌ كي تؤمن أن لهذا الكون خالقاً و مربياً و مسيِّراً و أن لهذا الكون إلهاً موجوداً و واحداً و كاملاً، و أن أسماء الله تعالى كلَّها حسنى و أن صفاته كلَّها فُضلى، و أنك إذا عرفته زهدت فيما سواه.

 

الإسراع إلى الله و إتباع منهجه ثمن معرفته:

 أيها الأخوة الكرام، المحصِّلة و النتيجة و الشيء الذي يلزم هذه المعرفة أن تفِرَّ إلى الله، و أقف الآن هنا قليلاً، المعلومات و الأفكار و الدروس و الخطب و المطالعات، هذه القوة الإدراكية التي أودعها الله فيك، و هذه المُدرَكات التي ملأتَ بها ذاكرتك ما الجدوى منها ؟ و ما فائدتها إن لم تتحوَّل إلى عمل ؛ و إن لم تتحول إلى سلوك ؟ فالإنسان كاد يموت عطشاً يبحث عن الماء، ثم عرف الماءَ، إن لم يتجِّه إليه ما قيمة هذه المعرفة ؟ إن لم يتحرك إلى الماء ما قيمة هذه المعرفة ؟ رغم أنها معرفةٌ مصيرية، لكن ما قيمتها إن لم تتحرك نحو الماء ؟ دقِّقوا في قوله تعالى:

 

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾

[ سورة الكهف]

انفصال الفكر عن السلوك أخطر مرض أصاب المسلمين في العصر الحديث:

 نحن الآن عندنا مرضٌ خطير يصيب المسلمين هو انفصال الفكر عن السلوك، يألف أن يستمع و أن يحضر مجالس العلم و أن يستمع إلى الخطباء و أن يقرأ المقالات و الكتب، هذا كلُّه ألِفه، و صار من عاداته اليومية لكن تجد حياته في وادٍ و فكرَه في وادٍ آخر، هذا الانفصال خطير جدًّاً يصيب شخصية الإنسان، و انفصال الفكر عن السلوك هذا أخطر فتجد المسلمين يعيشون في ثقافة إسلامية و مشاعر إسلامية، إذا دخلتَ إلى بيوتهم فلن تجد إسلاماً، و إذا نظرتَ إلى أهلهم فلن تجد إسلاماً، و إذا دخلت في أعمالهم فلن تجد إسلاماً، لذلك هان أمرُ الله عليهم، فهانوا على الله، و ربُّنا سبحانه و تعالى يقول:

 

﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾

 

[ سورة النساء]

 فما قولكم أن للكفار على المؤمنين ألف سبيل و سبيل، معنى ذلك صار هناك انفصام في الدين، و مرض الانفصام في الدين أخطر من مرض انفصام الشخصية، الفكر في وادٍ و السلوك في وادٍ، لذلك الحلّ كما قال عليه الصلاة و السلام:

 

(( بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ))

 

[ رواه مسلم عن أبي هريرة]

 و لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها فكيف صلح أوَّلها ؟ بطاعة الله عز وجل.

 

لا يرقى الدين إلا بإنسان يخشى الله في الغيب:

 نحن لسنا بحاجة إلى متكلِّمين و لا إلى متفقهين و إلى متنطِّعين و لا إلى متقعِّرين في الكلام، و لا إلى خطب رنَّانة و لا إلى كلام بليغ و لا إلى مؤلَّفات، نحن بحاجة إلى تطبيق، سيدنا عمر رأى راعياً يرعى شِياهاً، قال له:لمن هذه الشياه ؟ قال ليست لي، قال: قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب، أو خذْ ثمنها، قال: و اللهِ إني بحاجة إلى ثمنها و لو قلتُ لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني و إني عنده صادق أمين، و لكن أين الله ؟ هذا الأعرابي وضع يدَه على وجه الدين، و لو أن المعلومات الدينية قليلة جدًّاً فهو كبير عند الله، لأنه خشِيه، وهو كبير عند الله لأنه استقام على أمره و أنه خافه بالغيب، نحن نريد مثلَ هذا الراعي، هذا الذي يعجن العجين في الليل و دخل إلى دورة المياه و خرج و آثار النجاسة على يديه، أيتابع عملَه و يقول: لا أحد يراني، أم يخاف على غذاء المسلمين ؟
 نريد إنساناً يخشى اللهَ بالغيب، نريد إنساناً يخشى الله من دون أن يكون مُداناً في الأرض، بهذا الإنسان تصلح الأمة و ينتشر الدينُ، و بهذا الإنسان يدخل الناس في دين الله أفواجاً، بهذا الإنسان يرقى الدينُ.

 

 

أصل الدين أن يكون طاهراً نقياً لا حرفة أو صنعة:

 كنتُ اليوم قبل أن آتيَ إليكم في عقد قران، أخٌ كريم تقدَّم فخطب قبلي، و تكلّم كلاماً طيِّباً و جيِّداً و رائعاً إلا أنه قال: إذا رأيت داعيةً لم تجد سلوكه مطابقاً لقوله فلا تعبأ بذلك، خُذ قولَه و دعْ سلوكَه، فلما جاء دوري في إلقاء الكلمة قلتُ: المدعو إن رأى المرء الذي يدعوه لا يطبِّق منهج الله هناك سؤالان خطيران ؛ أوَّل سؤال: هذا المنهج يبدو أنه غير واقعي لأن الذي يتحدَّث عنه لا يصدِّقه، و إذا كان واقعياً المتحدِّث مقصِّر، و في كلا الحالين سقطتْ الدعوة، لا يمكن أن تصغي إلى إنسان لا يطبِّق كلامه، ومثل هذا الإنسان لا شأن لك عنده إطلاقًا، وهذا الإنسان لا يستأهل أن تُصغي له، ولا أن تأتي بيته، ولا أن تأتي مسجده، لأنَّه يُتاجِرُ بالدِّين والإمام الشافعي يقول: لأَن أرْتزق بالرَّقص، أهْونُ مِن أن أرتزق بالدّين، فلا تجعل الدِّين حرفة أو صنعة أو مهنةً، ولكن دَع الدِّين نقيًّاً طاهراً في السماء.

 

 

تطبيق آيات القرآن الكريم سبب ارتقاء الإنسان عند ربه:

 فيا أيها الأخوة ؛ هذا كلام مفيد، وكلام مُلخَّص، إذا أردْت أن ترقى، فَدَعْك من القيل والقال، والخِلافيَّات، ودَعْك من الحِوارات، وطبِّق آية تعرفها، فهذا رسول الله لما قال له ذاك الأعرابي عظِني وأوْجِز تلا عليه النبي عليه الصلاة والسلام آيتين، وهو قوله تعالى:

 

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8) ﴾

 

[ سورة الزلزلة]

 و القرآن ستُّمئة صفحة من آيات، وأحكام، ووعد ووعيد، وأمر، ونهي، وغيب الحاضر، وغيب الماضي، وقصص السابقين، ولكنّ هذا الأعرابي اكتفى بآيتين فقط، وقال الأعرابي: كُفيت، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( فقُهَ الرجل))

 والله الذي لا إله إلا هو، لا نحتاج إلا إلى آية واحدة ؛ إقبال على معلومات كثيفة وغزيرة، وتنوّع وخِلافيات وموازنات، ورأي الفقهاء والمفسّرين، ورأي الشافعيّة والمالكيّة والحنابلة والحنفيّة، ورأي الصوفيّة والسَّلفيّة، وهذا الأعرابي اكتفى بهذه الآيتين.

التوبة أساس الإيمان:

 أيها الأخوة، نحن بِحاجة إلى إنسان مسلم، وإلى بيت مسلم، وإلى عمل مسلم، وإلى حِرفة إسلاميّة، وإلى تربية إسلاميّة ؛  هذا الذي نحن بِحاجة إليه، أما التّخمة بالكلام، فلِذلك الله عز وجل:

 

﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾

 

﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾

[ سورة الذاريات]

 النتيجة الحتْمِيَّة هي التوبة إلى الله.

 

فرّوا: كلمة لها عدة معان:

 والآن نقف عند كلمة فِرُّوا:

 

 

1 ـ فرار الإنسان من الشيء المخيف:

 الإنسان يفرّ مِن الشيء المُخيف، ويفرّ من الوحش، ومن المرض، ومن الفقْر، ومن الذلّ، ومن الهَول.

 

 

2 ـ الفرار من الشهوات:

 المعنى الجديد اليوم، فأنا قد ذكرتُ لكم في الدرس الماضي فِرُّوا من شَهوات الدنيا، ومن الشَّهوات الأرضيَّة، ومن الشَّهوات المنْحطَّة، ومن قيود الأرض، ومن كلاليب الأرض.

 

 

3 ـ الفرار من عقاب الله إلى طاعته:

 ولكن هناك معنى آخر ؛ وهو فرُّوا من عِقابه إلى طاعته، ومن عِقابه إلى ثوابه، ومن معْصِيَتِهِ إلى طاعته، ومن الشِّرْك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الخوف إلى الورع، فِرُّوا من التوكّل على غيره إلى التوكّل به فهناك شيئان: فِرارٌ من شيء، و فرار إلى الشيء:

 

 

(( إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُم أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ، قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا بَلَغْتُ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، قُلْتُ وَرَسُولِكَ قَالَ لَا وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ ))

 

[ رواه البخاري عن البراء بن عازب]

 هو واحدٌ إن عَصَيتَهُ ينتظرك عقابه، فإن فررْت من معصيتِه إلى طاعته نجَوْت من عقابه وأصبحت في رحمته، إن عصَيتَهُ ينتظركَ عِقابه، فإن فررْتَ من معْصيَتِهِ والْتَجَأت من طاعته، نجَوْت من عقابه، ودخلْت في رحمته هذا هو المعنى، اللَّهمّ أنا بكَ وإليك، فالإيمان واحد ؛ عنده عِقاب، وعنده ثواب، وعنده توفيق، وعنده تَعسير، وعنده صِحّة، وعنده مرض، وعنده عِزّ، وعنده ذلّ، وعنده غِنَى، وعنده فقْر، وعنده راحة نفْسِيَّة، وعنده ضيقٌ نفسي فالذين ينتحِرون كيف يَنْتَحِرون ؟ بلغَ ضيقهم النفسي مرتبة لا تُحْتمَل، قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾

[ سورة طه]

 فَمَعنى فِرُّوا إلى الله تعالى ؛ فِرُّوا مِن معْصِيَته إلى طاعته، وفِرُّوا من الإشراك به إلى الإيمان به، و فرُّوا من عِقابه إلى طاعته، ومن عِقابه إلى ثوابه، ومن معْصِيَتِهِ إلى طاعته، ومن الخوف إلى الورع، فِرُّوا من التوكّل على غيره إلى التوكّل عليه.

 

طاعة الله عز و جل حصن الإنسان من عذاب الله:

 قال تعالى:

 

 

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

 

[ سورة الأنعام]

 هذه فِطرة الإنسان، والله أيها الأخوة لو أنَّك أحْببْتَ ذاتَكَ وحْدها، وبالغْتَ في حُبّ ذاتك، ولو أنَّك كنتَ كما يقول: أنانِيًّاً، والتركيب غلَط، وهو شائع، لأنّ أنا و غير لا يؤخذ منها مصدر، والصواب الأثرة و المؤاثرة، فبالتعبير المألوف عندكم: لو كنت أنانيًّاً عليك بِطاعة الله لأنّ طاعة الله حِصنٌ لك وأساس التوفيق.
 لذا المؤمن يبحث عن أمر الله، وعن منهجه، وعمَّا يُرضيه، وعن الحُكم الشّرعي في كلّ شيء، فَبَعْدَ أن تعرف الله ليس هناك موضوع أخْطر من أن تعرف أمرَهُ كي تُطيعهُ، لأنَّ إذا عرفْتَهُ شَعَرتَ بِدافعٍ لا يوصَف إلى التَّقرّب إليه عن طريق طاعته، أين أمرهُ ؟ عليك أن تحضر مجالس العِلم.

لكل حسنة ثواب و لكل سيئة عقاب:

 الخُطب أيُّها الأخوة تقريباً كالبِضاعة المعروضة على واجِهة المحلّ، وهذه البِضاعة هي من أجل أن تجلب إلى الدخول إلى المحلّ، فإن لم تدخل فما اسْتفَدْت شيئًا، والخُطبة مهمّتها أن تُقْنِعَك بِأَحَقِّيَة الدِّين، وبِطاعة الله، وبالعمل للآخرة، ولكنَّك إذا اقْتَنَعْتَ تريد التَّفصيلات، وتريد مجلس عِلم، هناك منهج مُفصَّل، مجلس عِلْم لِمَعرفة الحديث الشريف، وآخر للتَّفقه، ومجلس للتفسير والسيرة، فأنت إن اقْتَنَعْت بالدِّين وأردْت أن تصْطلِحَ مع الله فالآن تحتاج إلى تفصيلات.
 لذا الخطبة لا يُستغنى بها عن دروس العلم، فهي تُقْنِعُك بالدِّين، أما دروس العِلم ففيها تفصيلات الشرع، وتفصيلات كتاب الله تعالى، وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، لذا فَفِرُّوا إلى الله، وهذه الكلمة لو أنَّ شخصاً خائفاً من شيء، المعْصِيَة من لوازمها العِقاب، وإنّ لكلّ حسنة ثواباً، وإنّ لكلّ سيّئة عِقاباً.
 الشيء الآخر إن عرفْت أو لم تعْرف، إنّ عرفتَ أنّ لكلّ حسنة ثواباً، وأنّ لكلّ سيّئة عِقاباً، أو لم تعرف، للحسنة ثوابها، وللسيّئة عِقابها، قال: يا رب، عصيْتُ ولم تُعاقبني، فقال الله:

((يا عبدي عاقبْتُك ولم تدْر))

 فأنت إن عرفْت أو لم تعرف فالعِقاب حاصِل، ولو دقَّقت لوجدت أنّ أفعال الله كلّها حِكمةٌ ما بعدها حِكمة، وعَدل ما بعدها عدل، ورحمة ما بعدها رحمة، فإما أن تعرف وإما أن تجْهل ولكنَّك إن جَهِلت فليس معنى هذا أنَّ الحسنة ليس لها ثواب، وأنّ السيّئة ليس لها عِقاب، فالعِقاب واقِع، والثَّواب واقِع، قال تعالى:

 

﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾

[ سورة الذاريات]

خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط:

 مرَّة أخرى أيها الأخوة ؛ أُعيذ هذه الفِكرة مئات المرات خِيارُك مع الإيمان ليس خِيار قَبول أو رفض، ولكن خِيار وقت فقط، الشيء الذي لا تعرفه، أو الشيء الذي عرفْته وأنكرتهُ، أو الشيء الذي صَدَدْت عنه، لا بدّ أن تؤمن به عند لِقاء الله عز وجل، والدليل أنّ أكفر كُفَّار الأرض حينما قال: أنا ربكم الأعلى، لمَّا غرق قال كما حكي عنه تعالى:

﴿آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾

[ سورة يونس]

 فإما أن تؤمن، وأنت في بَحبوحة، وفي صِحَّتك، وشاب، وغنيّ، وإما أن تؤمن بعد فَوات الأوان، فليس المقولة تؤمن أو لا تؤمن، لا، لا بدّ من أن تؤمن، ولكن حينما تؤمن بعد فوات الأوان تندم أشدّ النَّدَم، فالآن نحن في بَحبوحة، وباب الصّلح مع الله تعالى مفتوح، وباب التوبة والاستغفار مفتوح، وباب إصلاح الأخطاء الماضيَّة مفتوح، وباب أداء الحقوق مفتوح، وباب الاستِسْماح مِمَّن اغْتبْته مفتوح، الأبواب الآن كلّها مفتوحة، ولكن حينما يأتي ملك الموت الأبواب كلّها تغلق، قال تعالى:

 

﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾

 

[ سورة المؤمنون]

باب التوبة مفتوح أمام الإنسان مادام في الدنيا:

 قال تعالى:

 

﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾

 

[ سورة المؤمنون]

 فنحن الآن في بحبوحة، فلا تقل: غداً، وورد في الأثر أنْ هلكَ المُسَوِّفون فلا تقل حتى أفعل كذا، وسوف أفعل، فهذه مِن سِلاح إبليس، فإبليس يستخدم سوف، فالله تعالى:

 

﴿فَفِرُّوا﴾

 

[ سورة الذاريات]

 الآن وما مضى فات والمؤمّل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها، ونحن لا نمْلك إلا هذه الساعة، فهؤلاء الذين يموتون فجأةً في ذِهْنهم سيَعيشون عشرين عاماً قادِماً، فإذا بهم بعد ساعة ينتهون، أحدهم كان جالساً مع أصدِقائه، فقال: أنا لن أموت، فسأله أحدهم لماذا ؟ فقال: أنا رشيق، وصحَّتي جيّدة، ولا أُدخِّن، تكلَّم بهذا الكلام يوم السبت، وفي السبت القادم كان تحت التراب، سبعة أيام فقط، فلا أحَدَ يملك المستقبل، ما مضى فات والمؤمَّل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها، اِعْقِد العزمَ على التوبة الآن وإصْلاح ما مضى، والآن ممكن أن تُحلّ المشكلات بالأموال، ولكن بعد الموت لا ينفع إلا العمل الصالح.

 

حقوق العباد مبنية على المشاححة و حقوق الله مبنية على المسامحة:

 في الدنيا كلّ شيء يُحلّ، وكلّ شيء له حلّ، لكنّ المشكلات مع الله تعالى هي المعاصي، ولأنّ الله تعالى يقول:

 

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾

 

[ سورة النساء]

 فهذا ذنب لا يُغفر، وهناك ذنب لا يُتْرك وهو ما كان بينك وبين العباد، تصوّر إنسانًا خاض معركة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أشرف معركة، مات شهيداً في الأرض المعركة، ولما دُعِيَ النبي عليه الصلاة والسلام لِيُصَلِّيَ عليه قال:

((هل عليه دَين ؟))

 فقالوا: نعم، فقال:

(( صَلُّوا على صاحبكم ))

(( يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ ))

[ رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

 قدَّم روحه، لماذا ؟ لأنَّ حقوق العباد مَبْنيَّة على المُشاححة، بينما حقوق الله تعالى مَبْنِيَّة على المُسامحة.

 

عدم قبول الله أي عمل للإنسان إذا أشرك معه إلهاً آخر:

 أيها الأخوة الكرام، قال تعالى:

 

﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ(51) ﴾

[ سورة الذاريات]

 لأنَّ الله سبحانه وتعالى إن أشْركتَ به لا يقبل عملكَ كُلَّه، والله تعالى يقول في الحديث القدسي:

 

(( قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ ))

 

[ رواه مسلم عن أبي هريرة]

 فالعمل المُشترك لا يقبله، والقلب المشترك لا يُقبِلُ عليه، قال تعالى:

 

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾

 

[ سورة الشعراء]

الاعتماد على غير الله ذل و ضلال:

 إذا أرادْت عذاب الدنيا فادْعوا مع الله إلهاً آخر فالإنسان أوَّلاً ضعيف، وثانياً عِلمهُ مَحدود، وثالثاً قد لا يُحِبّك، قال تعالى:

 

﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾

 

[ سورة فاطر]

 كُن مع الذي يسْمعُ دعاءك في أيّ مكان، قد يُعيك رقم هاتفه، ولكنّ الهاتف مقطوع، وأنت بأمسّ الحاجة إليه، فَكن مع الذي إن دَعَوتهُ أجابك، وإن سألْتهُ أعطاك، وإن استغفرته غفر لك، وإن تبتَ إليه تاب عليك، وكُن مع الذي لا يغيب علمه عنك إطلاقًا، وربنا عز وجل غَيور، فإن جَعَلتَ معه إلهاً آخر لا بدّ أن يُخيِّب ظنَّك فيه، قال تعالى:

 

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾

 

[ سورة الشعراء]

 فلا تعتمد لا على ابنك، حبَّهُ في الله، وأكرمهُ، وأحِبَّ زوجتك لله ولا تعتمد عليها، ولا تعتمد على شريك، ولا على أخ، ولا على زوجة، ولا على ابن:

 

(( لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي وَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا ))

 

[ رواه مسلم عن أبي الأحوص]

 اِعْتَمِد على الله تعالى، يا رب ماذا فقَدَ من وجدَك ؟ وماذا وجد من فقدَكَ ؟ إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ إنسانٌ حصَّل ثروة طائلة، وكانت له زوجة جيّدة جدًّاً وكان اعتِمادُه عليها، أُصيب بِشَلل فلم تحْتَمِلهُ إلا أيَّاماً معدودة، وكان في البناء قَبو جعلتْهُ في الطابق السفلي، وكلّما طلب زوجته تأتيه بعد أيام، وبِكَلماتٍ قاسيَة وبازْدِراء، ثمّ نقلتْهُ إلى بناءٍ آخر بعيد كي تستريح منه، فَمَن اعْتَمَد على غير الله تعالى ذلّ وضلّ.

 

على الإنسان أن يكون مع الله لأن كل شيء بيد الخالق:

 هذا الحسن البصري كان عند والي البصرة فجاء توجيه من يزيد بن معاوية، ويبْدو أنّ هذا التوجيه لا يُرضي الله تعالى، فقال لِهذا الإمام:ماذا أفْعل ؟ إنِّي إن نفَّذْتُ هذا التوجيه أغْضبْتُ الله عز وجل، وإن لم أُنفِّذْهُ أغْضَبتُ الخليفة، فماذا أفعَل ؟ فقال هذا الإمام: إنَّ الله يمْنَعُكَ مِن يزيد ولكنّ يزيداً لا يمنَعُك من الله، مهما كان الإنسان قويًّاً، وضغط عليك فقُل إنّ الله تعالى يمْنَعُهُ مِنِّي ولكنَّه لا يمْنعني من الله تعالى، فالله تعالى بيَدِهِ قلبك، وبيَدِه الكبد، وفشَل كلوي، والنجاح بالمئة خمسين، وأورام من دون سبب ؛ مرَّة بالجِلد ومرّة بالأحشاء، ومرَّة بالدِّماغ، فصِحّتك بيَدِ الله تعالى، وأجهزتك كلها بيَدِهِ، وكلّ من حَولك بيَدِهِ، ورِزقُكَ بيَدِهِ، وزوجتك بيَدِهِ، فأحيانًا يُلهمها أن تكون ألْطف زوجة وأحيانًا يُلهِمها أن تكون أشرس زوجة، حتّى قال الإمام الشعراني: أعرف مقامي عند ربّي من أخلاق زوجتي، فالزوجة هي هي، لذا قال أحد الأنبياء كما قال تعالى:

 

 

﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾

 

[ سورة هود]

 أيها الأخوة، قال تعالى:

﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ(51) ﴾

[ سورة الذاريات]

المؤمن يصبر في سبيل الدعوة إلى الله أسوة برسول الله:

 ثمّ يقول تعالى:

 

﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾

 

[ سورة الذاريات]

 كما قال عليه الصلاة والسلام:

((مِلّة الكفر واحدة ))

 فمواقف الكفار منذ خلق الله الأرض ومن عليها وإلى يوم القيامة واحدة، انْتِقاداتهم واحدة، وطَعنهم واحِد، وادِّعاؤُهم واحِد، وقد يسأل سائل ويقول: يا رب، هذه التُّهَم الباطلة التي قالها الكفار على أنبيائِك الكِرام لماذا أثبتَّها في كتابك وجعلتها قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة ؟! ليَكون الأنبياء جميعًا أُسْوةً لنا، فالأنبياء قالوا عنهم ما قالوا، فالنبي عليه الصلاة والسلام قالوا عنه:  سَاحر، ومجنون وشاعر.
 لذا إن قيل عنك شيءٌ فاصْبر، فقد قيل لِمن هو أفضل منك، لذا جعل الله تعالى النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي تحمَّل ما تحمَّل في سبيل الدّعوة، ولاقى في جَنب الله تعالى ما لاقى، وأوذِيَ ولم يُؤْذ أحد وخاف، وجاع في سبيل الله تعالى، وكانت حياته كلّها متاعب، ومشقَّة، وطريق كلّه أشواك، إلى أن بلَّغَ الرّسالة، وأدَّى الامانة، ونصَح الأمَّة، وكشف الغمَّة، وجاهد في الله حق الجهاد، وهدى العباد إلى سبيل الرشاد، ولاقى وجْه ربّه وهو في أعلى عِلِيِّين، وهذه هي الحياة، وكلّ شيء في الحياة يُمَلّ.

 

الحياة من دون رسالة و قيم لا معنى لها:

 هناك حقيقة في الحياة دقيقة جدًّاً، فأنت ما دُمْتَ في أوَّل الطريق فكلّ شيء له بريق فالإنسان يكون بالابتِدائي، فيرى تلامذة الإعدادي، والثانوي، وبعد أن يصل إلى الثانوي يأخذ البكالوريا، وبعدها الجامعة، ثمّ يتخرّج، وبعدها يشغل منصِباً ثمّ يتزوّج، وبعد الزواج يُنْجب، وبعدها يُزوّج أولاده، وبعدها يكتشف تفاهة الحياة.
 لذا الحياة من دون رِسالة لا تُعاش، ومن دون قِيَم لا تُعاش، ومن دون هدف لا تُعاش، لذا غير المؤمن يضْجر، ويسْأم، ويَمَلّ، أما المؤمن فهو في شباب دائم، ولأنّ هدفه كبير، إلهي أنت مقصودي، ورِضاك مطلوبي، فالمؤمن لا يشيخ، الجِسم يتراجع ولكن نفْسِيَّته نفْسيَّة شابّ، وله آمال لا تكفيها مئة عام، هذا هو المؤمن يعيش حياةً سعيدةً، أما الإنسان حينما يكون هدفه مادّي، ويصل بعدها إلى أهدافه يرى تفاهتها، ومَحْدودِيَّتها، وصغارها، وعندئذٍ يسأم ويضْجر، وأنت سعيد، لذا أنت موهوم بالسعادة قبل أن تصل إلى أهدافك، فإذا بلغْتها كلّها، وكانت مادِّيَةً تشْعر بِتَفاهة الحياة، أما إذا عرفْت الله مِن بِدايات الحياة فأنت في شباب دائم، وفي سعادة دائمة.

 

 

أسعد الناس بالدنيا أرْغبهم عنها:

 َمِن باب الطُّرفة وهي أنَّ الفرنْسِيُّون لهم حقيقة، أنا أرْويها فقط لأهل الدنيا لا للمؤمنين وهي: أنَّ الحياة تحتاج إلى ثلاثة أشياء كي تكون سعيداً بها: تحتاج إلى صِحَّة، وإلى وقت، وإلى مال، والإنسان يمرّ بِحياته بِثَلاثة مراحل ودائماً تنقصُه واحِدَة، ففي أوَّل حياته شابّ كالحِصان، ولكن لا يوجد مال، وفي المرحلة الثانيَة يؤسِّس عملاً، فالمال موجود، والصحّة موجودة، ولكن لا يوجد وقت، وبالثالثة المال موجود، والوقت موجود، ولكن لا توجد صِحَّة.
 فدائماً ينقصك شيء، هذا الكلام أقوله لأهل الدنيا، لأنَّ أسعد الناس بالدنيا أرْغبهم عنها، وأشْقاهم فيها أرغبهم فيها، أما المؤمنون ؛ منذ أن عرَفَ الله دَخَل في السَّعادة، لأنّ هدفه أن يتعرَّف إلى الله، وإلى أن يستقيم على أمره، وهدفهُ أن يدْعو إليه، وأن يهْدي خلقه، وأن ينال رِضْوانه، وان يكون جُنْدِيًّا للحق، وهدفه أن يهْديَ الناس إلى طريق الحق فالمؤمن أهدافه كبيرة جدًّا، فدُنياهُ يراها آخرة.

 

 

طغيان الكفار جعلهم يقفون موقفاً موحَّداً من الأنبياء:

 قال تعالى:

 

﴿ كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ ﴾

[ سورة الذاريات]

 هل اتَّفقوا ؟ اتَّفقَ الكفار في كلّ مكان وزمان على اتِّهام الأنبياء باتِّهام واحد ساحر أو مجنون، والعجيب أنّه في كلّ زمان لو أصْغَيتَ إلى الكافر لرأيْت انْتِقاده يُشبِهُ انتِقاد إنسان آخر عاش قبل ألف وخمسمئة عام، يقول لك: دجَّال، وهذا له مصْلحة، ويقول لك: هو لا يطبّق ذلك، قال تعالى:

 

﴿ كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ ﴾

 

[ سورة الذاريات]

 كيف جاءَتْ انتِقاداتهم وتُهَمُهم واحدة ؟ قال تعالى:

 

﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾

 

[ سورة الذاريات]

 طُغيانهم جعلهم مُتشابِهين، وجعلهم يقفون موقفاً موحَّداً من الأنبياء والمرسلين.

 

من عرف نفسه ما ضرّتْهُ مقالة الناس بِه:

 قال تعالى:

 

 

﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾

 

[ سورة الذاريات]

 أنت أرقى من ذلك، فالله تعالى كرَّم الإنسان بِمَعرفته، وبِطاعته، وبالدَّعوة إليه، فلا يلْتَفتُ إلى الحُسَّاد، وضيِّقي الأُفق، وصِغار النُّفوس، وصِغار القلوب ؛ هؤلاء دَعْهُم ولا تلتفِت إليهم، فأنت أرقى من ذلك، ووقْتُكَ أرقى مِن أن تُضيِّعَه معهم، نجاحك أثْمن من أن تلتفت إليهم، القافلة تسير والكِلاب تَعوي، ما ضرّ السَّحاب في السماء نَبْح الكلاب في الأرض، وما ضرّ البحر العظيم أن قذف الغلام فيه بالحجر، هذا لا يُساوي شيئًا قال تعالى:

 

﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾

 

[ سورة الذاريات]

 لا عندنا، ولا عند المؤمنين، ولا عند نفْسِك، ومن عرف نفسه ما ضرّتْهُ مقالة الناس بِه.

 

الذكرى تنفع المؤمنين:

 قال تعالى:

 

 

﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾

 

[ سورة الأنعام]

 ثمّ يقول تعالى:

 

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾

 

[ سورة الذاريات]

 المؤمن فيه حياة في قلبهِ، المؤمن اتَّخَذ قراراً حقيقياً ومصيريا

 

 وهو طلب الحقيقة، ومعرفة الله وطاعته، فهذا المؤمن ذكِّرْه، والذِّكْرى تنفعُ المؤمن.

خلق الله الإنسان ليعرفه فيطيعه فيسعد في الدنيا و الآخرة:

 قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

[ سورة الذاريات]

 و الله أيها الأخوة كنتُ أتمنَّى أن أقف عند هذه الآية وقْفة طويلة، لأنَّها أخطر آية في كتاب الله ولأنها تُبيِّن لماذا أنت في الدنيا ؟ خلقهم لِيَعرفوه فَيُطيعوه فيسْعَدون، هناك جانب معرفي، وجانب سُلوكي، وجانب جمالي، فالجانب الجمالي هو الهدف الجمالي، قال تعالى:

 

﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾

 

[ سورة هود]

 ثمن هذا الهدف الجمالي طاعته في الدنيا، وسبب الطاعة معرفته، تعرفُهُ فَتُطيعُهُ فَتَسْعَدُ بِقُربهِ في الدنيا والآخرة، هذه عِلَّة وُجودنا على وجه الأرض.

 

علة وجود الإنسان في الأرض عبادة الخالق سبحانه:

 قال تعالى:

 

 

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

 

[ سورة الذاريات]

 فالإنسان إن لم يعرف سبب وُجوده في الدنيا هذا إنسان جاهل أشدّ الجهل، فهل يوجد من يُسافر إلى بلد، ويدخل فندقاً و ينام، ويستيقظ، ثمّ لا يعرف لماذا هو في هذا البلد ؟! إن كنتَ طالباً فعليك بالجامعة، وإن كنتَ تاجِراً فالأسواق، أو سائحاً فالمتاحف، وكذلك السؤال نفسه ؛ لماذا أنا في الدنيا ؟! هل من أجل الأكل والشرب ؟ الحيوان يأكل ويشرب، من أجل أن تتباهى ؟ فهناك حيوانات تتباهى كالطاووس، قال تعالى:

 

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

 

[ سورة الذاريات]

 لِيَتَعَرَّفوا إليّ فَيُطيعوني ويسْعَدوا بِقُربي، وهذه الآية تُبيِّن عِلَّة وُجودنا على وجه الأرض، لا كما يقول الشاعر:

 

جئتُ ولا أدري من أين لكنِّي أتَيْتُ  لماذا أتَيْتُ لسْتُ أدري ولماذا

 

لستُ أدري  لستُ أدري

 هو وحده لا يدري، لكنّ الله عز وجل أعلمَنا أنَّه خلقنا لِنَعبدَهُ.

 

من طلب العلم تكفَّل الله بِرِزقه:

 قال تعالى:

 

 

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) ﴾

 

[ سورة الذاريات]

 لا تحتجّ بالرّزق، من طلب العلم تكفَّل الله له بِرِزقه، فالرِّزق مضمون وموجود ومَقسوم، وكلمة الحق لا تقطع رِزقًا ولا تقرِّبُ أجلاً، والرّزق بِيَد الله عز وجل، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾

 

[ سورة الذاريات]

الرزق بيد الله سبحانه و تعالى:

 من ابتغى أمراً بِمَعصِيَةٍ كان أبْعَدَ مِمَّا رجا وأقرب مِمَّا اتَّقى، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾

 

[ سورة الذاريات]

 إياك أن تقول: إن أطَعْتُ الله أخْسَرُ عملي، هذا كلام الجُهَّال، وكلام مشرك، وكلام من أُفُقُه ضيّق، فهذا التوهّم من الشيطان، قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة آل عمران]

الظالم له عِقاب أليم في الدنيا والآخرة مثل عِقاب الأُمَمِ السابقة:

 قال تعالى:

 

﴿ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾

 

[ سورة الذاريات]

 الذَّنوب هنا هي الحظ أي هؤلاء الذين ظَلموا يا محمد صلى الله عليه وسلم وهم معك، لهم عِقاب أليم في الدنيا والآخرة مثل عِقاب الأُمَمِ السابقة الذين ذكرهم الله في كتابه الكريم، فهذه القِصص رَدْعِيَّة، كيف أهلك الله عاداً وثمود وفرعون وقوم لوط ؟ هؤلاء الأقوام الأقوياء الأشِدَّاء والظالمين كيف دمَّرهم الله عز وجل.

 

الفيضانات، الزلازل، الحروب، كلها بلاء من الله عز وجل:

 قال تعالى:

 

 

﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾

 

[ سورة ص]

 ونحن عندنا عَيِّنات في الحياة المُعاصرة، تجد زِلزال أتى على كلّ شيء و إعصارات في شرق أمريكا كلَّفت ثلاثون ملياراً، وهذه فيضانات وصواعق، وحروب أهليَّة، قال تعالى:

﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾

[ سورة الأنعام]

 فهذه الآية تشمل الزلازل والإعصارات والفيضانات والصواعق والحروب أهليَّة، هذه كلّها بلاء من الله عز وجل.

 

توعد الله الكافر بويل عظيم يوم القيامة:

 قال تعالى:

 

﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾

[ سورة الذاريات]

 الوَيل هو الهلاك، ونحن الآن في بَحبوحة، ولكن لمَّا يصل إلى طريق مَسدود يُصيبُهُ ألمٌ وضيقٌ لو وُزِّعَ على أهل بلدٍ لكفاهم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018