الدرس : 2 - سورة الحجرات - تفسيرالآيتان 6-7 ،العلاقة بين المؤمنين - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 2 - سورة الحجرات - تفسيرالآيتان 6-7 ،العلاقة بين المؤمنين


1995-04-21

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الثاني من سورة الحجرات.

التشريع في القرآن الكريم شفاء للناس:

 وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى في الآية السادسة:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾

 

 أيها الأخوة الكرام: لهذه الآية أسباب نزول، ومناسبةٌ طيبة أن نقف عند حكمةٍ بالغة جعلها الله شبه قانونٍ في أن آيات التشريع تأتي عَقِبَ حوادث، وقبل أن نبدأ في شرح هذه الآية، لو أن واحداً ألقيت على مسامعه آلاف المواعظ في موضوعٍ ما، وحينما يدخل في تجربةٍ مُرَّة، ويعاني من مشكلةٍ حقيقيةٍ، إذا قرأ القاعدة المتعلِّقة بمشكلته، وبتجربته، تنقش في نفسه كما ينقش الحجر، الحقائق إذا جاءت عقب مشكلات تثبت، ولعلماء التربية رأيٌ في هذا الموضوع أن الإنسان لا يتعلم إلا بتجاربه الحقيقية، فلحكمةٍ أرداها الله عزَّ وجل جعل حياة النبي مُفْعَمَةً بالحوادث الجيِّدة والحوادث المؤلمة، ففي كل حادثٍ وقف النبي منه الموقف الكامل وجاء التشريع ليكون شفاءً للناس.

الأحكام في القرآن الكريم على الإنسان أن يتشبث بها:

 إنسان مثلاً سمع آلاف المرات أنه لابدَّ من كتابة إيصال للدين، كلام، أما حينما يُقْرِضُ قرضاً وينسى أن يكتب إيصالاً ويضيع عليه هذا المبلغ ثم تلقى عليه القاعدة:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾

 

( سورة البقرة: آية " 282 " )

 هذه الآية يتفاعل معها أشد التفاعل، لأن هناك تجربةً مُرَةً وهي ضياع مبلغٍ كبير بسبب عدم كتابة إيصال لهذا المبلغ، فالإنسان حينما يمر بتجربة ثم تلقى عليه القاعدة يتشبَّثُ بها، هذا هو التعليم الحقيقي، بل إن هناك نظريات في التعليم، أن نضع الطالب في مجموعة تجارب مرة أو مشكلات، ويكون حلها تلك القواعد التي تُلْقَى عليه.

 

أسباب نزول هذه الآية:

 وسأروي لكم من كتب التفسير أسباب نزول هذه الآية:

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾

 

 قال ابن كثير: ذكر كثيرٌ من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عُقْبَة، حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم على صدقات بني المطلق، وقد روي ذلك من طرقٍ عدة ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده.

رواية الإمام أحمد للآية التي نزلت في الوليد بن عقبة:

 قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن سابق حدثنا عيسى بن دينار حدثني أبي أنه سمع الحارث بن ضرارٍ الخُزاعي رضي الله عنه يقول: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت: " يا رسول الله أأرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة ؟ فمن استجاب جمعت زكاته وترسل أنت إلي يا رسول الله من يأخذ هذه الزكاة ". فلما جمع الحارث الزكاة من قومه بعد أن أسلموا لم يبعث النبي له من يأخذ الزكاة، وظن الحارث أن هناك شيئاً حدث فيه سخطةٌ من الله تعالى ورسوله، من شدة محبته وورعه وحبه للنبي تأخر رسول النبي فأوقعه في شكٍ من نفسه، ولعل هناك شيئاً لا أعلمه، فدعا بوجهاء قومه فقال لهم: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد وَقَّتَ لي وقتاً ليرسل إلي رسولاً ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله الخُلْفُ (أي مستحيل أن يخلف وعده) ولا أرى حَبَسَ النبي إلا من سخطةٍ فانطلقوا فنأتي النبي صلى الله عليه وسلم ".

 

على الإنسان أن يتبين الأمر قبل أن يصغي إلى فاسق بنبأ عن مؤمن:

 النبي عليه الصلاة والسلام كان قد بعث الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده في الوقت المناسب فبعد أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق. خاف، خاف أن يقتلوه، وأن تكون غدرةٌ منهم. فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: " يا رسول الله إن الحارث منعني من الزكاة وأراد قتلي ". عندئذٍ النبي عليه الصلاة والسلام تريَّث، وفي روايات أرسل سيدنا خالد بن الوليد ليتحقق، وسيدنا خالد بَثَّ عيونه في القوم فرآهم يؤَذِّنون ويصلون ورآهم بأحسن حال، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فلما ذهب هؤلاء الذين بعثهم النبي لقوا الحارث في طريقه إلى النبي، فقالوا: " هذا الحارث " فلما غشيهم قال لهم: " إلى من بعثتم ؟ قالوا: إليك، قال: ولِمَ ؟ قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنَّك منعته الزكاة وأردت قتله، قال: لا والذي بعث محمداً بالحق، ما رأيته بَتَّةً ولا أتاني "، فلما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " منعت الزكاة وأردت قتل رسولي ؟ " قال: " لا والذي بعثك بالحق ما رأيته بتةً ولا أتاني، وما أقبلتُ إلا حين احتبس علي رسولك، خشيت أن تكون كانت سخطةٌ من الله تعالى ورسوله علي". فنزلت هذه الآية:

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾

 

[رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات عن الحارث بن ضرار الخزاعي ]

الخصومات و الشك و الحسد أحد أكبر أسباب تفكك المجتمع:

 أحياناً تأتي الآية بعد المشكلة وكأنها البَلْسَم، وكأنها الشفاء، وكأنها القاعدة، فأنت لاحظ نفسك إذا كنت تمر بمشكلة، أو بتجربة مُرَّة، أو بقضية متعبة، ثم جاءتك القاعدة، فهذه القاعدة تتبناها وتصل إلى أعمق أعماق نفسك، وتصبح هذه القاعدة جزءاً من بُنْيانك، ولذلك فالحقائق إذا تُلِيَتْ بعد التجارب فهذه الحقائق لا تنسى ولا تمحى، وهذه قاعدة في التربية، فإذا أردت أن تربِّي ابنك وقد مر في تجربةٍ مؤلمةٍ بعد هذه التجربة ألق عليه القاعدة، أولاً:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 ويبدو أن الله سبحانه وتعالى يريدنا أن نتحابب، وأن يكون المجتمع المؤمن مجتمعاً متماسكاً، متراصاً، متعاوناً، متآزراً، متحاباً، فما الذي يفتته ؟ وما الذي يُضْعِفُهُ ويمزقه ؟ ويضعف شأنه ؟ ويضعه في الوحل ؟ إنها الخصومات، والمهاترات، والطعن، والشك، والحسد فأحد أسباب تفكيك المجتمع أن تصغي إلى فاسقٍ بنبأٍ عن مؤمن.

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾

 

المؤمن يتصف بالضبط و العدالة و الفاسق بالكذب و الفجور:

 لماذا قال الله عزَّ وجل:

 

﴿ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾

 

 لأن المؤمن لا يمكن أن يكذب، ورد في الحديث الشريف أن:

(( المؤمن يطبع على الخلال كلها إلا الكذب والخيانة ))

[ أخرجه أحمد عن أبي أمامة الباهلي]

 فحينما يكذب أو يخون نُزِع من الإيمان، فعندئذٍ لا يكون مؤمناً.

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾

 فالفاسق يكذب، والفاسق يفتري، ويقول ما لم يقع، ولمجرد أن يكذب الإنسان في الخبر فهو فاسق، بل إن بعض علماء الحديث لمجرد أن أحد الرواة كذب على فرسه، جاء من المدينة إلى البصرة ليتلقَّى عنه حديثاً شريفاً فلما رآه قد كذب على فرسه، رفع رداءه لها وأوهمها بالشعير في الرداء فأقبلت عليه، فتقدم منه فلم ير في الرداء شيئاً، عاد إلى المدينة من توه ولم يسأله عن شيء، فقال: " الذي يكذب على فرسه ليس أهلاً أن يؤخذ منه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
 المؤمن أيها الأخوة يتصف بالضبط والعدالة، والضبط دقة الرواية، والعدالة الصدق، والضبط صفة عقلية والعدالة صفة نفسية.

 

 

الفاسق من خرج عن أمر الله و على الإنسان أن يحاسبه على كذبه:

 

﴿ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾

 هذا الفاسق أولاً: معنى فَسَقَ خرج عن أمر الله.

﴿ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾

( سورة الكهف: آية " 50 " )

 الفسق الخروج عن أمر الله عزَّ وجل، فالفاسق يجب أن يحاسب على كذبه.

 

العجلة من الشيطان و التريث من الرحمن:

 

﴿ فَتَبَيَّنُوا﴾

 أي تحققوا، لما سيدنا سليمان جاءه الهدهد وحدَّثه عن قومٍ يعبدون الشمس من دون الله، ماذا قال له سليمان الحكيم عليه أتم الصلاة والتسليم ؟

 

﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾

 

(سورة النمل )

 أيها الأخوة الكرام:ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن:

 

(( العَجَلَةَ من الشيطان والتثبُّت من الرحمن ))

 والتريث من الرحمن، وقد وقعت قصة في بلد عربي: فتاةٌ بريئةٌ طاهرةٌ صويْحباتها كادوا لها فرموها بتهمة الزنا، بلغت هذه التهمة أباها، فأراد الموقف الحاسم، أخذ ليحلل جزءاً منها كما هي العادة، والموظف الذي يعمل عند المحلل وقعت منه العينة خطأً في المجلة، فخاف من سيده فكتب الحمل إيجابي، فلما جاء الأب مساءً ليأخذ النتيجة قال له الطبيب: مبارك ابنتك حامل. فقتلها الأب، والله يعلم أنها بريئة، وثبت بعد ذلك أنها لم تكن حاملاً، والخطأ خطأ الموظَّف.

 

 

كل إنسان يتولى أمر الناس عليه أن يضع هذه الآية أمام عينيه:

 حدثني أخ كريم توفي رحمه الله من إخواننا الكرام، قال لي: بعث لي معمل مئة قطعة، فعددتها فإذا هي تسعة وتسعون قطعة، فاقتربت من معطف أحد العمَّال في المعمل فرأيت قطعةً في جيبه، هل هناك دليل أقوى من هذا الدليل ؟ قال لي: لا أدري ما الذي ألجمني ومنعني أن أقيم عليه الدنيا لخيانته، وفي اليوم التالي ذهبت إلى صاحب المعمل لأحاسبه قال لي: بعثنا لك بمئة قطعةٍ أخذ أحدها صانعك ودفع ثمنها، فأعطنا ثمن الباقي، فعلى الإنسان ألا يتسرع.
 هذه الآية منهج للمؤمنين، تلقى الأخبار كاذبة، افتراءات على الناس، وإفك، وكلام غير صحيح، فكلما ارتفع مستواك تتريث، وتتأنى، وتنظر، وتحقق، وتسأل، هناك علاقات كثيرة فُصِمَت لخبرٍ كاذب، وهناك أسر شردت وشركات فصمت بين الشركاء لخبرٍ كاذب، ولذلك فكل إنسان يتولَّى أمر الناس ويحقق في قضاياهم يجب أن يضع هذه الآية أمامه.

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾

 

البشر صنفان فريق يقبل كل شيء و فريق يرفض كل شيء:

 والحقيقة الندم شيءٌ لا يحتمل أن تتهم بريئًا، وتوقع به أشد الأذى، فالإنسان قد لا يحتمل، الإنسان الذي يملك قلباً طاهراً وإحساساً أخلاقياً سليماً إذا أوقع الأذى بإنسان بريء لا يحتمل ذلك، فربنا عزَّ وجل يبين لنا القاعدة الأولى في التعامل فيما بيننا.
الآيات الأولى كانت في الأدب مع الله ورسوله، أما الآيات التالية فهي في العلاقة بين المؤمنين، وأقول لكم العلاقة بين المؤمنين، الآن نحن عندنا صنفان من البشر، صنفٌ يقبل كل شيء بلا تحقق، ولا تروٍّ، ولا تثبت، ولا دليل، ولا هدوء، وفريقٌ يرفض كل شيء، فكلاهما مُغَالٍ في عمله، فهذا غلو وهذا غلو، وللعوام قصة غير معقولة مبالغ بها إلى أرقام خيالية يقبلها.

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾

 

 لا تكذبوه ولا تصدقوه وتحققوا مما قال، فقد يكون خبر هذا الفاسق صحيحاً، وقد يكون كذباً فأنتم إيَّاكم أن ترفضوا بلا دليل، وإياكم أن تقبلوا بلا دليل، وعليكم بالتحقق، لذلك اجعلوا الآية الكريمة:

﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾

الإنسان حينما يفسق يكون قد تفلت من منهج الله عز وجل فكلامه كذب:

 إذا احتاج الآيةَ مؤمنٌ مرة فيحتاجها من ولاَّهم الله أمر الناس ألف مرة، وكم من تقريرٍ كاذب، ومن فِرْيَةٍ كاذبة، ومن روايةٍ غير صحيحة، فيجب أن يضع الإنسان أمامه هذه الآية:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾

 

 والآن عندنا مشكلة، الإنسان حينما يفسق، ويخترق منهج الله عزَّ وجل، ولا يطبِّق شريعة الله، فهذا الإنسان تفلَّت من منهج الله، فكلامه في الأعم الأغلب كذب، لأن الإنسان إذا كان مستقيماً على أمر الله فيغلب على الظن أن كلامه صدق، وإذا كان متفلتاً من منهج الله، وما دام يعصي الذي خلقه ولم يصدق كلامه أيصدق مع الناس ؟ فما الذي دعا الصحابة الكرام إلى الإيمان برسول الله ؟ قال: لأنه ما سمعنا منه كذباً قط، أيُعْقَلُ أن يكذب على الله عزَّ وجل، فدققوا في هذه العلاقة.

﴿ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾

 الفاسق لا يصدق، والمستقيم لا يكذب، ولكن ضماناً للموضوعية هذا الذي جاءكم بهذا الخبر لا ترفضوه بلا دليل ولا تقبلوه بلا دليل، بل موقفٌ معتدلٌ وسطي، بين القبول الساذج وبين الرفض المكابر، وبينهما التحقق والتثبُّت.

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾

 

من أحسنَ الظن بأخيه فكأنما أحسن الظن بربه:

 وبعد ذلك:

 

(( اتقوا دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ))

 

[ أخرجه البخاري عن ابن عباس]

(( اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً ))

 فقبل أن تقول: أخي هكذا فعل !! قبل أن تستمع إلى خبر فاسق، أو حاسد، أو مُبْغِض دقِّق في الخبر، من أحسنَ الظن بأخيه فكأنما أحسن الظن بربه، فهذا أخوك مؤمن، كما أنك تخشى الله هو يخشى الله، وكما أنك تخاف الله هو يخاف الله، وإذا كنت تخاف أن تأكل درهماً حراماً فهو يخاف مثلك أن يأكل درهماً حراماً، لماذا تُحْسِنُ الظن بنفسك وتسيء الظن به ؟ هذا من الخطأ الكبير.

 

للإنسان خمسة أعداء عليه أن يحذر منهم:

 فلذلك أيها الأخوة: يجب أن نعد للألف وللمليون قبل أن نصدق خبراً عن مؤمن. وقد ورد في الأثر:

 

 

(( أن المؤمن لابدَّ له من كافرٍ يقاتله، ومنافقٍ يبغضه، ومؤمنٍ يحسده، وشيطانٍ يغويه، ونفسٍ ترديه ))

 لك خمسة أعداء، واحد يريد أن يقتلك وهو الكافر، وواحد يبغضك وهو المنافق، وثالث يحسدك وهو المؤمن، ورابع يغويك وهو الشيطان، والخامس النفس ترديك.

 

 

 

التثبت من الشيء له ثلاث حالات:

 

 

1 – من لم يؤثر فيه الخبر بل رآه من إنسان فاسق فلا حاجة له من التحقق:

 إذاً لما ينقل لك خبر عن مؤمن (هنا نقطة دقيقة) إذا كنت واثقاً من إيمانه ومن استقامته، وهذا الخبر لم يحرك فيك شعرةً، بل رأيته من كاذبٍ فاسقٍ فاجر ورميت هذا الخبر كما يلقى الشيء التافه، فلا حاجة لأن تحقق.

 

2 ـ من ترك الخبر في نفسه ثلمة فعليه أن يتحقق:

 أما إذا ترك هذا الخبر في نفسك شكاً وثُلْمَةً، وظناً سيئاً بأخيك فواجبٌ عليك أن تحقق، فإن كان هذا الخبر صحيحاً نصحته، وإن كان مكذوباً ارتاحت نفسك، فهذه الحالة الثانية، أما الحالة الأولى فالخبر لم يؤثر فيك، والحالة الأولى مقام أخيك عندك كبيرٌ جداً، وثقتك فيه لا نهاية لها، وترى طهره وعفافه رأي العين، فخبرٌ كاذب ينقل إليك عنه لا يهز شعرةً فيك، فهذه حالة.

 

 

3 ـ من له ثقة بأخيه و اهتز عند سماعه الخبر فعليه أن يتحقق:

 إذا كنت في هذا المستوى ولك ثقةٌ بأخيك بهذا المستوى فلا مانع ألا تحقق، أما إذا ترك الخبر في نفسك ثُلْمَةً وقلت: هكذا يفعل فلان ؟ أله الحق أن يفعل هذا ؟ فمعناها اهتزت مكانته عندك، و ثُلِمَتْ، وخدشت عدالته عندك، فالآن واجبٌ عليك أن تحقق، فإما أن تَثْبُتَ براءته فترتاح نفسك، وإما أن يكون قد ابتلي بما بلغك عنه، فعندئذٍ تتجه إلى نصيحته، وليس هناك حالة رابعة.

 

 

المؤمن مظنة صدق و صلاح و أمانة:

 

﴿ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾

 التبين هو التحقق، اطلب الدليل قالوا: لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، وكل إنسان يتهم أي إنسان، ففي المحاكم إذا اتهم إنسان إنسانًا شريفًا عليه أن يدفع كفالة، فإنسان له مكانة، تقيم عليه دعوى وتتهمه في أمانته، فالإنسان له شرف وله مكانة، والقاضي يطالبه بكفالةٍ باهظة الثمن، فإذا ثبت كذبه أُخِذَ بها، ودائماً المؤمن مَظَنَّة صلاح، وصدقٍ، وأمانة، وإنصافٍ، ورحمةٍ، فلا تتهم المؤمن بصفات لا تليق به، أستاذ معه دكتوراه في الرياضيَّات قال لك شخص: هذا لا يعرف أن اثنين وثلاثة تساوي خمسة قال: أربعة، فهذه تهمة غير معقول أن تصدَّق عنه، وإنسان عرف الله عزَّ وجل من هذا المُنْطَلق، فأحياناً يتهم بعض المؤلفين السابقين بتهم، والذي عرف الله هذه المعرفة أيعقل أن يقول هذا الكلام ؟ يرجّح أنه ما قاله، ويرجح أنه دُسَّ عليه، وهذا الموقف يتناسب مع مكانته، لذلك فالآية الكريمة يجب أن نأخذ بها جميعاً:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾

 

على الإنسان ألا يضع نفسه موضع التهم ثم يلوم الناس إذا اتهموه:

 والله في حياتي آلاف القصص عن إنسان برئ طاهر نقي روِّجت عنه قصةٌ لا أصل لها، طبعاً أحياناً تروَّج القصة بخطأٍ منه، سيدنا علي يقول: " لا تضع نفسك موضع التهم ثم تلوم الناس إذا اتهموك "، والنبي الكريم كان يمشي في الليل مع زوجته السيدة صفية، مر صحابيان جليلان، فقال عليه الصلاة والسلام:

 

((على رِسْلُكُمَا هذه زوجتي ))

 

[ أخرجه البخاري عن الزهري]

 فلو أنت سافرت وكلَّفت شقيق زوجتك أن يتفقَّد أخته بغيابك، ولك جيران لا يعرفون أن هذا شقيق زوجتك، رأوا رجلاً يدخل إلى البيت في غيبة جارهم، فالخطأ منك، ينبغي أن تبلغهم أنني سأسافر وأن شقيق زوجتي سيأتي إليها، هذه زوجتي، هذه يطبق عليها ألف موضوعٍ وموضوع، دائماً لا تضع نفسك موضع التهمة ثم تلوم الناس إذا اتهموك.

 

المؤمن العاقل لا يتصرف تصرفاً له تفسيران:

 فالمؤمن العاقل لا يتصرف تصرفاً له تفسيران، واحد لصالحه، وواحد ضده، هذا التفسير غير صحيح، وهذا السلوك غير صحيح، فإن كنت جالساً وراء مكتب صديقك بمحله التجاري، ولزمك أن تصرف خمسمئة ليرة، إيَّاك أن تفتح الدرج من دون إذنه وأن تصرفها، وأنت بريء وأنت ملك طاهر، ولكن خطأ في حسابات الصندوق خمسمئة ليرة ورآك فتحت الدرج، يتهمك وأنت بريء، فلا تضع نفسك موضع التهمة ثم تلوم الناس إذا اتهموك، ولا تدخل بيتاً ليس فيه رجل، ولا تخلُ بامرأة، لا تسمح لأحدٍ أن يدخل بيتك في غيبتك، وأنت لا تفعل هذا، دائماً المؤمن كما قال سيدنا معاوية إذ سأل سيدنا عمرو بن العاص قال له:  يا عمرو ما بلغ من دهائك ؟ قال له: والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه، قال له: لست بداهية، أما أنا فو الله ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه، عدم الدخول أصل، إنسان يدخل ويخرج، أما الأذكى والأعقل لا يدخل أصلاً، فكلما كبر عقل الإنسان، وطبق منهج الله عزَّ وجل، واتبع السنة فحياته هادئة، والله عزَّ وجل قال:

 

 

﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾

 

(سورة محمد )

الله عز وجل رفع صلاح البال إلى مستوى الهدى:

 ربنا عزَّ وجل رفع صلاح البال إلى مستوى الهدى من خلال واو العطف، يقتضي التعاطف المشاركة بين المتعاطفين.

 

﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾

 

 وصلاح البال سببه الوضوح، فكل شيء واضح، اتفقت فاعمل عقداً وسجله في محكمة البداية، وانتهى الأمر، قطعت على الطرف الآخر أن يفكر في نقضه، وأقرضت فاطلب سنداً، وأشهد عليه اثنين، وانتهى الأمر، قطعت على المدين أن يتلاعب بقضاء الدين، واتفقت سَجِّل هذا الاتفاق، وتصرفاتك وضحها، والبيان يطرد الشيطان، فوَضِّح، لك مع إنسان مال وفي النهاية تقول له: لقد تخالصنا، هذا ليس وضوحاً، قدم له الحساب التفصيلي وبين له التساوي في المدفوعات والمصاريف، وإدراج الحسابات، وتوضيح التصرُّفات، وإيضاح الغايات، هذه زوجتي، بين له.

البيان يطرد الشيطان:

 مرة كنت في محل تجاري وفيه رجل من أهل الصلاح، وفي المحل تاجر من مدينة في الشمال يبدو عليه الصلاح والورع، جاءت امرأةٌ لصاحب المحل فاستقبلها استقبالاً يفوق استقبال من تشتري منه بضاعةً، رأيت وجه هذا الزائر قد (انعبط) قلت له: لعلها أخته، فلما انصرفت علمنا أنها أخته، وكان يجب أن يقول: جاءت أختي، حتى رَحَّبَ بها ترحيباً زيادة على الحد، وهذا الترحيب مُغَطَّى، أما إذا كانت امرأة غريبة فهذا لا يليق بمؤمن أن يستقبلها وأن يسألها عن صحتها، لماذا هذا الغياب الطويل ؟ هذا يقال للأخت، ولا يقال لامرأةٌ غريبة، فدائماً البيان يطرد الشيطان، وضح أغراضك دائماً.
 لزمك أن تدخل إلى المحل التجاري الساعة الثانية عشرة ليلاً لتحضر سنداً منه، وعندك سفر باكراً، فلا مانع من ذلك، هناك حارس، قل لهذا الحارس: أنا جئت لآخذ هذا السند، إن لم تقل له شيئاً يقول: ماذا يفعل بالليل في هذا المحل ؟ وله شريك، فهذه الزيارة من وراء شريكه، فدائماً وأبداً وضِّح الأمر، وضح أسباب حركتك، وأسباب زيارتك، وعدم زيارتك، وسفرك، وعدم سفرك، لماذا أقمت هذا الحفل ؟ ولماذا لم تقم هذا الحفل ؟ ولماذا حضرت ؟ ولماذا لم تحضر ؟ وضح البيان يطرد الشيطان، أما الفاسق فقنَّاص، لو رأى تصرفاً غير معقول قنصه قنصاً ونقله بين الناس وسوَّأ سمعتك.

 

إن تفيد احتمال الوقوع أما إذا تفيد تحقق الوقوع:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ﴾

 إن تفيد احتمال الوقوع، أما إذا تفيد تحقق الوقوع، دققوا في دقة اللغة العربية:

 

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾

 نصر الله عز وجل لابد من أن يأتي.
 وهنا لو أن الله قال: إذا جاءكم فاسقٌ بنبأٍ، هذا ليس قرآناً لأن الفاسق قد يأتي وقد لا يأتي، ولكن نصر الله عزَّ وجل للمؤمنين لابدَّ من أن يأتي، فإذا تفيد تحقق الوقوع، بينما إن تفيد احتمال الوقوع.

 

 

على الإنسان أن يتحقق و يطلب الدليل قبل أن يتهم غيره:

 

﴿ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾

 تحققوا، اطلب الدليل، هل رأيته بعينك ؟ يقول: لا والله لقد سمعت أن فلانًا رآه بعينه، يا فلان هل رأيته بعينك ؟ يقول لك: لا والله، القصة مختلقة، فأحياناً يكون الكذب في أصل الموضوع، وأحياناً يكون كذب بالحجم، تُكَبَّر وتكبر، وأحياناً بالتعليل، أو بالتفسير، شخص وجد خمسمئة ليرة في الأرض، انحنى ليأخذها، هل تعلم نيته ؟ لعله أخذها ليبحث عن صاحبها، فلم يفعل شيئاً، وهذا ليس دليلاً على أنه أخذها، شخص انحنى إلى الأرض ليأخذ مبلغاً من المال، فعندنا كذب بالتفسير، و كذب بالحجم والمبالغة، وبالافتراء، وكذب أن القصة ليس لها أصلٌ كلياً، وهناك قصة لها أصل ولكن حجمها صغير، كَبَّرَها الفاسق، وهناك قصةٌ لها أصل ولكن لها تفسير يليق بصاحبها، لكن هذا الفاسق وجَّه توجيهاً آخر.

 

الغيبة و النميمة من أسباب تفتت المجتمع:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾

 أولاً حينما تتهم بريئاً وتبلغه هذه التهمة يحقد عليك، ويبغضك وتنقلب المودة عداوةً، والصحبة فُرْقَةً، والمحبة بغضاً، لأن المجتمع تفتت بالغيبة والنميمة، كما قال الله عزَّ وجل:

﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾

( سورة الحشر )

 وهناك أسر متفتتة، ومجتمعات متفتتة، فما الذي فتتها ؟

 

﴿ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾

 

من يريد معرفة الحقيقة عليه أن يجتمع بالطرفين معاً:

 إخواننا الكرام: هناك طريقة ناجحة جداً، لو جاءك رجلٌ بنبأٍ كاذب عن شخص، فلو أنك قلت له: ائتِ أنت معه، اسمع منه، يحكي لك ثلاث ساعات، ولو جلس مع الطرف الآخر يتكلم خمس دقائق فقط، أين ذهب الباقي كله ؟ كله مبالغات وزخرفة في الكلام وتعليلات خبيثة شيطانية، أما حينما يجتمعان معاً فلا يستطيع أن يقول إلا شيئاً ثابتاً يقره الطرف الآخر، فإذا استطعت ألاّ تصغي لإنسانٍ وحده فافعل، قل له: لا أستمع إليك إلا مع الطرف الآخر، تجد الأمور قد ظهرت على حقيقتها، وأحياناً تأتي البنت إلى أبيها، تتحدث عن زوجها حديثاً تجعله مجرماً، والأب غير العاقل وضعيف التفكير وضيِّق الأفق يأخذ كلامها على أنه حقيقةٌ ثابتة فيحقد، ويتألم، ويبالغ، ولو أن هذا الأب استدعى صهره وقال له بلطفٍ: قل ما المشكلة ؟ اسمعها منه ترى بوناً شاسعاً بين الروايتين، فإياك أن تستمع من ابنتك وحدها، قد تكون فاسقة وتقول لك ما يروق لها، وتخفي عنك ما تفعله مع زوجها، استدعِ الزوج وقل له: ما القصة ؟ وتأكَّد من روايتها، وتحقق، وأنت حينما تتحقق، يخاف الناس بعد ذلك أن يلقوا أمامك الكلام على عواهنه، تحقق.

 

الافتراء مكشوف عندما كان الرسول بين الناس والوحي موصول بالسماء:

 إذاً المؤمن لا يرفض ولا يقبل بل يتحقق، فالرفض غلو في الدين، والقبول الساذج غلو في الدين، والقبول سذاجة والرفض تعنُّت، ولكن الوسطية في الإسلام أنه إذا جاءك خبرٌ كاذب قل: سنبحث في الأمر، فتحقق، واطلب الدليل، ولا تقبل بلا دليل، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء، وبعدئذٍ يقع الندم والندم أشد المشاعر إيلاماً للنفس، إنه إنسان بريء تتهمه ؟ قال:

 

 

﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾

 ما معنى هذه الآية ؟ أي أن الرسول بين أظهركم والوحي موصول بالسماء، والله عزَّ وجل يخبره بحقيقة كل شيء، فالافتراء مكشوف.

 

 

بعد قبض الرسول الكريم الله عز وجل يتولى كشف الكاذب:

 

﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾

 ولكن بعد قبض النبي عليه الصلاة والسلام لا يوجد وحي، والله هو الحق، فإذا حصل افتراء وكذب فاللُه عزَّ وجل يسخِّر أُناساً يتكلمون الحق، فما من كاذبٍ إلا ويكشف كذبه، وبإمكانك أن تكذب على إنسانٍ أمداً طويلاً، وبإمكانك أن تكذب على قومٍ أمداً قصيراً، أما أن تكذب على الناس جميعاً إلى أمدٍ طويل فهذا مستحيل، فكأن الله عزَّ وجل يتولى أن يكشف الكاذب، مهما كان الكاذب ذكياً، والآن في علم النفس روائز للكذب، يعطون مئتين أو ثلاثمئة أو خمسمئة سؤال في موضوع واحد وعليه عشرة أسئلة متباعدة، فإذا كان الإنسان كذَّاباً يكذب في أول سؤال، وفي الثاني، فيغيب عنه الثالث، والأسئلة الخمسة أو العشرة في موضوع واحد لكن بصياغات مختلفة مبعثرة بين خمسمئة سؤال، فالكاذب ينكشف، ويكاد يقول: أنا كاذب، من زلاَّت لسانه، وقد قالوا: إن كنت كذوباً فكن ذكوراً، فأحياناً الإنسان يكذب وينسى ماذا تكلم، ويعيد الرواية بشكل آخر يبدو كذبه للناس واضحاً.

﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾

وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ: آية لها عدة معان:

1 ـ إذا علم الله منك رغبةً في معرفة الحقيقة فقلبك يميل إلى الحق:

 الآن هذه الآية تنقلنا إلى موضوعٍ جديد:

 

﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾

 أولاً الله عزَّ وجل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

 

 

((قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن ))

 

[ أخرجه أحمد عن عائشة]

 فالله إذا علم منك رغبةً في معرفة الحقيقة فقلبك يميل إلى الحق، وإذا علم منك صدقاً في طلب الحقيقة فقلبك يرتاح للحق، والحق محبب له، أما إذا كان هناك كذب ودجل ونفاق، فعندئذٍ تكره الحق وأهله وتحب الباطل وأهله، أما إذا كان قلبك بيد الله عزَّ وجل، فالله عزَّ وجل يقلبه كيف يشاء، وبعد أن يعلم مشيئتك أنت، وعندما يترك الإنسان شيئاً لله، فما كان الله ليعذب قلباً بشهوةٍ تركها صاحبها في سبيل الله، فقلبك بيد الله، والله عزَّ وجل يلقي فيه الطمأنينة، ويلقي فيه الخوف والعزوف عن هذا الشيء، وعن هذه الفتاة أحياناً، ويجعل فيه محبة هذا المجلس ومحبة أهل الحق، فقلبك بيد الله، فأنت إذا طلبت الحق من الله عزَّ وجل تولَّى قلبك فمال إلى الخير وإلى صلاح حياتك، وهذا هو المعنى الأول.

 

2 ـ الإنسان عندما يؤمن ويستقيم ويخلص لله عزَّ وجل ترتاح نفسه:

 والمعنى الثاني النفس البشرية مفطورة على معرفة الله، وعلى طاعته ولا ترتاح إلا بطاعته والالتجاء إليه، فالإنسان عندما يؤمن ويستقيم ويخلص لله عزَّ وجل ترتاح نفسه، والله حبب هذه الفطرة إليه، ألم يقل الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾

 

(سورة الروم: آية " 30 " )

 أي أن تقيم وجهك للدين حنيفاً، والتوجه إلى الله بطاعته والإقبال عليه والاتصال به، فهذا نفسه فطرة الله، وأحيانا ترتاح بها، كما تمشي السيارة على طريق وعر، وحينما تمشي على طريقٍ مُعَبَّد فتقول: هذا الطريق لهذه السيارة، حيث يوجد تناسب.

 

راحة الإنسان تتعلق بمعرفة الله عز وجل و الاستقامة على أمره:

 

 الإنسان حينما يشرد عن طريق الحق يقع في عذاب، وقلق، و خوف، و قسوة بالغة، فردود فعله قاسية جداً من الخوف الذي في أعماقه، إنه خوف مرضيٌ، وبطش مرضي، وموقف ملائم، وانحياز مرغوب، أما حينما يتعرَّف الإنسان إلى الله عزَّ وجل ويستقيم على منهجه فترتاح نفسه.

﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾

 من فضل الله على كل مؤمن أنه يحب الحق وأهله:

(( قال لي: كيف أصبحتَ يا زيد ؟ قلتُ: أصبحتُ أحبُّ الخيرَ وأهله، إن قدرتُ عليه بَادَرْتُ إِليه، وإن فَاتَني حَزِنْتُ عليه، وَحَنَنْتُ إِليه، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: فتلك علامة الله فيمن يريد. ولو أرادكَ لغيرها لَهَيَّأَكَ لها ))

[ أخرجهٍ رزين عن زيد الخير]

 إذاً صلاح القلب إما أن الفطرة التي فطر الإنسان عليها، وإما أن القلب بيد الله يقلِّبُهُ لصالح عبده المؤمن حينما يصدق معه، فأنت وَطِّن نفسك على أنك إذا اتجهت إلى الله عزَّ وجل فالقلب ينشرح والصدر يطمئن.

 

من أراد الله أن يكرمه ألقى في قلوب الناس محبته:

 أيها الأخوة: بقي معنا متعلق بالآية الكريمة:

 

 

﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾

 

 وعندما يقلب الله عزَّ وجل قلوب العباد كيف يشاء صار قلبك وقلب الآخرين بيد الله، فالذين أمامك وهم أقوى منك قلبهم بيد الله، فإذا رضي الله عنك ليَّن قلوبهم تجاهك، وإذا رضي الله عنك ألقى في قلوبهم محبَّتك، وإذا غضب الله عليك لا سمح الله ألقى في قلوبهم بغضك، فإذا أكرمك الناس ويسروا أمورك وأحبوك فهذه محبة الله تمثَّلت في محبة العباد لك، فكما أن قلبك بيد الله أيضاً فقلوب العباد بيد الله، فأنت إذا أراد الله أن يكرمك ليَّن القلوب، ورد في الحديث:

(( ما أخلص عبدٌ لله إلا جعل قلوب المؤمنين تهفو إليه بالمودة والرحمة ))

 و لذلك محبة الخلق لك هي محبة الله أُلْقِيَت في قلوبهم فأحبوك.

 

أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ: آية له عدة معان:

 

1 ـ كل إنسان تعرَّف إلى الله وسار على منهجه ترتاح نفسه ويطمئن قلبه:

 المُلخّص أن هذا القلب بيد الله، أولاً مفطورٌ فطرةً تتوافق مع الدين، فكل إنسان تعرَّف إلى الله وسار على منهجه ترتاح نفسه ويطمئن قلبه، والآية الكريمة:

 

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

 

( سورة الرعد )

 فهذا المعنى الأول.

 

2 ـ قلب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء:

 والمعنى الثاني قلب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فإذا أنت أحببت الحق فالله يقلب قلبك نحو الحق، وإذا أحببت الله عزَّ وجل قلَّب قلوب العباد نحوك، فإذا أخلصت لله واتجهت إليه جعل قلوب المؤمنين تهفو إليك، فالإنسان حينما يحب الإيمان ويكره الكفر والفسوق والعصيان فهذا هو الرشاد بعينه، قال تعالى:

 

 

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾

 فعلامة عقلك الراجح أن تحب الحق وأهله، وأنت على هذا مفطور، لكن هذه الفطرة قد تنطمس، فإذا جليت وعاد إليها صفاؤها أصبح قلبك محباً للحق.

 

 

3 ـ من ترك شيئاً لله فلن يعذبه الله بمحبته:

 وآخر معنى لو أردت أن تدع شيئاً لله فقلبك بيد الله، ولن يبقي في قلبك محبة هذا الشيء الذي تركته في سبيل الله، ولذلك: ما كان الله ليعذب قلباً بشهوةٍ تركها صاحبها في سبيل الله، فإذا ترك الإنسان شيئًا لله لن يعذِّبه بمحبَّته، والله أكرم وأجل أن يعذب قلباً آثر طاعته بمحبة شيءٍ سواه، والله عزَّ وجل ينزع من قلبك هذه المحبة.

 

 

من امتلأ قلبه بمحبة الله سعد في الدنيا و الآخرة:

 أخ كريم البارحة قال لي: والله كنت أحب شيئاً وأظن أنني أموت ولا أتركه، فلما تعرَّفت إلى الله عزَّ وجل تركته ببساطة، قال: كنت أظن أن هذا الشيء الذي أحبه لن أدعه حتى الموت، فإذا بي بعد أن عرفت الله عزَّ وجل تركته ببساطة من دون جهد، والآن أكرهه وأكره من يفعله، والقلب بيد الله، والآية دقيقة جداً، فقلبك بيد الله، إذا علم الله منك صدقاً قلّب القلب بصالح إيمانك، وقلوب العباد بيد الله، إذا أحبك الله عزَّ وجل ألقى حبك في قلوب العباد، وقلبك مفطورٌ على محبة الله فإذا أحببته اطمأن قلبك قال تعالى:

 

 

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

 

(سورة الرعد )

 وسيدنا عمر قال: " تعاهد قلبك "، القلب بالإنسان إذا امتلأ بمحبة الله عزَّ وجل سعد في الدنيا والآخرة.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018