قوانين القرآن الكريم - الدرس : 08 - قانون التوبة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

قوانين القرآن الكريم - الدرس : 08 - قانون التوبة


2007-09-29

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

 

مقدمة لقانون التوبة:

 أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس سنن الله في خلقه، واليوم الحديث عن قانون التوبة، لكن لابد من مقدمة:

 

1 – الإنسان معرَّضٌ للكسر العضوي:

 عظم الإنسان أيها الإخوة معرض للكسر، لذلك ربنا جل جلاله خلق في هذا العظم خاصية رائعة جداً ؛ أنه إذا كُسر يلتئم، دور الطبيب العظمي أن يضع العظمة على أختها في مكانها الصحيح، والعظم يستيقظ الخلايا، وتلتئم هذه الكسور، وتعود إلى ما كانت عليه، لأن خلق الله كمال مطلق، وقد علم الله أن هذا الإنسان معرض أن تكسر عظامه، فهيأ آلية بالغة التعقيد في التئام الخلايا العظمية.

2 – الإنسان معرَّضٌ للكسر المعنوي بالذنوب:

 إن الله سبحانه وتعالى علِم ضعف الإنسان، وعلم أن فيه شهوات، إن لم يكن واعياً، وصاحياً، وموصولاً، ومستنيراً فقد تزل قدمه، فقد يعصي ربه، لو لم يكن هناك توبة لكان أصغر ذنب سبباً لدخول النار.
حينما يرى الإنسان أنه لا توبة، وارتكب معصية فإنه يتابع المعاصي، ويرفع مستوى المعاصي، بل يرتكب جميع المعاصي، إلى أن يستحق النار، ولولا أن الله شرع لنا التوبة لهلك معظم الناس.
لكنك إذا دخلت إلى مسجد، قد ترى فيه آلافاً مؤلفة، فاعلم علم اليقين أن معظم هؤلاء أتوا إلى الله عز وجل على إثر معالجةٍ حكيمةٍ حكيمة، ساق الله لهم بعض الشدائد فتابوا إليه وقبِلهم.

3 – وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُم

 ْإذاً: يقول الله عز وجل:

﴿ وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾

( سورة النساء الآية: 27 )

4 – إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ

بل الله:

﴿ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾

( سورة البقرة )

 بل يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد ))

 

[ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ]

 لكن النبي عليه الصلاة والسلام قدم لنا صورة بالغة الروعة، حينما ساق لنا حكاية قصيرة عن أعرابي ركب ناقته، وعليها طعامه وشرابه، فجلس ليستريح بعض الوقت فاستيقظ فلم يجد الناقة، وهذا الكلام يعرفه من عاش بالصحراء، إذا ضلت عنه الناقة موته محقق فبكى، ثم بكى، ثم بكى فأدركته سنة من النوم، فاستيقظ فرأى الناقة، اختل توازنه اختلال شديد، فصاح من شدة الفرح: يا رب أنا ربك وأنت عبدي، وقد نطق بكلمة الكفر لكن بعض العلماء قال: ما كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه، لم يعلق النبي على مقولة هذا الأعرابي.
عَن أَنَس بْن مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ))

 

[ مسلم ]

 لله أفرح بتوبة عبده من ذاك البدوي بناقته .
إذاً: لولا أن الله يعلم ضعفنا، ويعلم أن الشهوات أودعها فينا تحتاج إلى رؤية، وإلى نور، وإلى صحوة، وإلى يقظة، ففي بعض حالات الغفلة قد تزل قدم الإنسان، فهيأ الله لنا التوبة لعلاج هذه الحالة، كما هيأ خاصة في العظم أنه يلتئم، لأنه علم أن هذا العظم قد يكسر أحياناً.

التوبة:

 أيها الإخوة، ولكن للتوبة قوانين، وأعظم موضوع متعلق بالقوانين بالنسبة إلى الإنسان موضوع التوبة، إنها حبل النجاة، إنها صمام الأمان، إنها تصحيح المسار، إنها أخذ بيد العبد إلى الله.

الله قريب يجيب دعاء الداعي:

 ما قانون التوبة ؟ قال تعالى:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾

( سورة البقرة الآية: 186 )

فالذي يلفت النظر أن هذه الصيغة وردت أكثر من عشر مرات في كتاب الله:

 

 

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 222 )

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو ﴾

( سورة البقرة الآية: 219 )

 

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾

( سورة البقرة الآية: 219 )

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾

 

( سورة البقرة الآية: 189 )


إلا هذه الآية الوحيدة:

 

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾.


 استنبط بعض العلماء أنه ليس بين العبد وربه حاجز، وجاءت آية التوبة بين آيات الصيام لتبين أن الله سبحانه وتعالى مكافأة للصائم يجعله مستجاب الدعوة.
إذاً التوبة صمام الأمان، وحبل النجاة، وقارب النجاة، وتصحيح المسار وعلاج لضعف الإنسان، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

 

(( أن المؤمن مذنب تواب ))

 

[ ورد في الأثر ]

 بل حينما تقع في مشكلة، وتدعو الله تائباً فالله يستجيب لك.

 

 

إلزامُ الله نفسَه بالتوبة على العبد التائب:


 الآية الأولى أيها الإخوة، المتعلقة بموضوع التوبة يقول الله جل جلاله:

 

 

﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ ﴾


 ألفت نظركم إلى أن كلمة:

﴿ إنما ﴾

 تشير إلى حقيقة ثابتة، أو إلى علاقة ثابتة.

 

 

﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ ﴾

 

( سورة النساء الآية: 17 )


 إنما تعطي هذه الآية معنى القانون.
أما:

 

﴿ عَلَى اللّهِ ﴾

 فحيثما جاءت على مضافة إلى لفظ الجلالة فتعني أن الله ألزم ذاته العلية بأن يتوب على عباده إلزاما ذاتيا، كما قال:

 

 

﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

 

( سورة هود )

 

 

 

﴿ وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾

 

( سورة النحل الآية: 9 )

 

 

 

﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا ﴾

 

( سورة هود الآية: 6 )

 

 

 

 

 

﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 54 )


 حيثما جاءت على مضافة إلى لفظ الجلالة فتعني أن الله جل جلاله ألزم ذاته العلية بالتوبة على عباده.

 

 

﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ﴾

( سورة النساء الآية: 17 )

إلزامُ الله نفسَه بالتوبة على العبد التائب:

1 – الوقوع في الذنب بجهالة:

 لذلك فرق كبير بين الذي يرتكب الذنب كبراً، وتأبياً، وتحدياً، وبين من يرتكب الذنب عن جهالة، أو عن ضعف، المسافة كبيرة جداً بين هذا المذنب، وبين هذا المذنب هنا جاءت الآية:

﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ﴾

﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾

( سورة النساء الآية: 17 )

2 – التوبةُ الفورية بعد الذنب:

 أي: فور الذنب عقد التوبة، وكلما تأخرت التوبة يألف الإنسان هذا الذنب ، وصار من الصعب أن يتركه، بل صار أسيراً له، يقال في الدخان: إنه كان كلما الامتناع عن التدخين مبكراً بعد هذه البلوى كان الامتناع أسهل، وكلما امتد الأمد كان الامتناع أصعب.
لذلك:

﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾

أي: أحدثَ عند كل ذنب توبة، تب إلى الله.

﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾

( سورة التحريم الآية: 8 )

وكل آية في القرآن الكريم فيها أمرٌ فهو أمرٌ يقتضي الوجوب.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا ﴾

( سورة التحريم الآية: 8 )


قال:

﴿ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾

( سورة النساء الآية: 17 )

 كان عليماً أن الإنسان قد يخطئ، وقد يقع في الذنب، وكان حكيماً بأن جعل له ما يحل هذه المشكلة، وهي التوبة.
لذلك قالوا: ما أمرنا ربنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا، وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا.
ولكن أيها الإخوة، نتابع الآية:

 

لا توبة عند الاحتضار والغرغرة:

 

 

﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾

( سورة النساء )
التوبة عند النزع الأخير لا تقبل.

 بالمناسبة: خيارك مع الإيمان خيار وقت، أكفر كفار الأرض الذي قال:

 

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

 

( سورة النازعات )

والذي قال:

 

 

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

( سورة القصص الآية: 38 )

 هذا فرعون الكافر الذي تحدى الإله حينما أدركه الغرق قال:

 

 

﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

 

( سورة يونس الآية: 90 )


الله عز وجل قال له:

 

 

 

﴿ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾

( سورة يونس الآية: 91 )


 بعض العلماء في بلد آخر أفتوا فتاوى ليسوا قانعين بها، لكن إرضاءً للأقوياء، وهو على فراش الموت، وقد حدثني بهذه القصة عالم جليل في دمشق، رفع يديه هكذا عند الموت، وقال: يا رب، أنا بريء من كل فتاوى المصارف متى، قلت هذا عند الموت، وقد أحيط بك ؟

 

﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾


 لذلك أن تتوب بالوقت المناسب، أو أن تتوب قبل فوات الأوان.
 المعصية التي يمكن أن تتوب منها سريعاً، لذلك ينبغي أن تكون بجهالة، أما إذا كنت تعلم علم اليقين أن هذه معصية وترتكبها، وتقول: سوف أتوب، ففي الأعم الأغلب لن تستطيع أن تتوب، ما دام فيها جهالة فالقضية سهلة جداً، لأن الجهالة تعني أنه جاهل، أو مغلوب، أما المعرفة أنها معصية كبيرة ويقصد اقترافها فهذا هو التأبّي، والكبْر.
الشرط الثاني كما قلنا قبل قليل: أن تكون التوبة قريبة من الذنب، فكلما طالت مدة التوبة بعد المعصية كانت التوبة أصعب.
قد يتوهم الإنسان أنه يمشي على الرصيف فزلت قدمه، فنزل عن الرصيف، يتوهم خطأ أنه في أي لحظة يرجع، ويمكن ألا يستطيع التوبةَ هذا الذي يستمرئ الذنب والمعصية، ويتابعها، قد يأتي عليه يوم لا يستطيع أن يتوب، تضعف نفسه.

 

التوبةُ علمٌ، وحالٌ، وعملٌ:

 أيها الإخوة، نقطة دقيقة: أن التوبة لها أركان، هي علم، وحال، وعمل.
بالمناسبة: في عالم اجتماع اسمه " دورك هاين " قنن قانونا، الأصح اكتشف قانونا في تعامل الإنسان مع المحيط الخارجي، هذا القانون كلمات ثلاث: إدراك، انفعال، سلوك.
إنّ إنسانا يمشي في بستان فرأى أفعى، هذا الإدراك، لأنه أدرك أن هذه الأفعى لدغتها قاتلة، فاضطرب وانفعل، لأنه انفعل تحرك إما إلى قتلها، أو إلى الهروب منها ، هذا المثل البسيط يبين قانون العلاقة مع المحيط الخارجي، إدراك، انفعال، سلوك.
 لو أن رجلاً قال لآخر: على كتفك عقرب، وبقي هادئا، مرتاحا، وقال له: شكراً ك على هذه الملاحظة، جزاك الله خيراً، وأرجو الله أن يمكنني أن أرد لك هذا الجميل، هل تعتقدون أنه فهم ماذا قال له ؟ لو فهم ما قال له لصاح صيحة، وقفز، وخلع معطفه فوراً.
إذاً: ما لم يكن انفعال كبير فليس هناك إدراك، وما لم يكن هناك حركة فليس هناك انفعال.

الندم توبة:

 لذلك هذه المعاني لخصها النبي عليه الصلاة والسلام فقال:

 

(( الندم توبة ))

 

[ أخرجه أحمد عن أنس ]

 الندم علم أحدثه، وسبب لترك هذا الذنب، يسبق الندم علم، وينتهي بعمل وهو التوبة.
فلذلك أيها الإخوة، مرة طالب قال لي: أنا لا أخاف من الله، قلت له: أنت بالذات معك حق، قال: كيف ؟ قلت له: الفلاح أحياناً يأخذ ابنه الصغير الذي عمره أربع سنوات إلى حقل القمح، يضعه بين سنابل القمح، يمر إلى جانبه ثعبان طوله عشرة أمتار، لا يخاف منه، بالعكس يضع يده عليه، لأنه لا إدراك له، ولا خوف له، والإنسان إن لم يدرك فلا يخاف.
 والآن العوام يرتكبون أخطاء قاتلة في تغذيتهم أحياناً، وفي تناولهم بعض المطعومات، لأنهم جاهلون، فالإنسان متى يتوب ؟ حينما يعلم أن هذا الذنب مهلك.
كلما صغر الذنب عند المسلم كبر عند الله، وكلما كبر الذنب عند المسلم صغر عند الله، لذلك قيل: ذنب أن المنافق كالذبابة يدفعها، بينما ذنب المؤمن كالجبل الجاثم على صدره، لذلك وصف الله النفس التائبة فقال:

 

 

﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾

 

( سورة القيامة )

 

 

العمل بعد التوبة متعلق بالماضي والحاضر والمستقبل:

 أيها الإخوة، التوبة لها أركان ثلاث، علم، وحال، وعمل، العمل متعلق بثلاثة أزمنة، بالماضي، والحاضر، والمستقبل، العمل بالماضي الإصلاح.

﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾

( سورة النحل )

 أنت نهشت عرض إنسان، وقلت: أنا تبت إلى الله، ينبغي أن تذكر صلاحه لمن تكلمت عنده بالسوء، هذا إصلاح، عليك دين، وإذا تبت فلا بد من أن يؤدى الدين.
فالعمل المتعلق بالماضي هو الإصلاح، والعمل المتعلق بالحال بالزمن الحاضر هو الإقلاع الفوري عن هذا الذنب، والعمل المتعلق بالمستقبل أن تعقد العزم على أن لا تعود إلى هذا الذنب، بالماضي إصلاح، وبالحاضر إقلاع، وبالمستقبل عزيمة أكيدة على أن تبتعد عن هذا الذنب، فالتوبة علم، و ندم، وإقلاع

التوبة يسبقها علمٌ:

 لكن أيها الإخوة، أوضح لكم هذه الحقيقة:
لو أنك ـ لا سمح الله ـ ضعيف جداً في اللغة العربية، وجاء إنسان قرأ نصًّا أمامك، النص فيه مئة كلمة، 98 كلمة أخطأ بتحريكها، ثم قلتَ: ما شاء الله ! ما هذا الصوت ؟! ما هذه القراءة الرائعة ؟! لأن المستمع جاهل  باللغة فما كشف أخطاءه، أما لو كان متمكنا من اللغة لكشف له كل أغلاطه.
الآن مع تطبيق على هذا المثل:
متى تفكر أن تتوب ؟ حينما تعرف منهج الله، الحلال والحرام، آفات اللسان آفات القلب، آفات السمع، آفات البصر، حينما تدرس المنهج الإلهي تملك المقياس، وقبل أن تدرس المنهج الإلهي تظن أنك لم تفعل شيئاً، ومعظم الناس يقول لك: لا أشعر في الصلاة بخشوع، أنا ما عندي غلطة إطلاقاً، هذا وهمٌ، لأنه ما طلب العلم الشرعي، و عنده كسب مال حرام أحياناً، وعنده غيبة، ونميمة، ما دام أنه لم يتبع الأمر تماماً فيمكن أن يقع في أخطاء كبيرة.
فلذلك لا بد من طلب العلم حتى يكون هذا الطلب سبباً لكشف الأخطاء، يقول سيدنا عمر: << من دخل السوق من غير فقه أكل الربا شاء أم أبى >>.
نتابع هذا الموضوع إن شاء الله في لقاء قادم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018