الدرس : 35 - سورة آل عمران - تفسيرالآيات 130 – 133 حرمة الربا - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 35 - سورة آل عمران - تفسيرالآيات 130 – 133 حرمة الربا


2001-07-27

 الحمد له رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الخامس والثلاثون من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الثلاثين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 130 )

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

1 ـ سببُ ورودِ آية الربا في سياق آيات غزوة بدر وأُحُد :

 قد يسأل سائل : سياق الآيات متعلق بالمعارك معركة أحد ومعركة بدر ، فلماذا أقحمت آية الربا في هذا السياق ؟ لو أن هذا كلام بشر نقبله منه خطر في باله هذا الخاطر فأقحمه ، أما لأنه كلام خالق البشر لابد من حكمة بالغة.
أيها الإخوة المؤمنون ، السياق سياق حرب وسياق قتل ، في الحرب يوجد قتل ، ولا يوجد تقديم باقات ورود ، فالقتل ملازم للحرب ، وما من معصية في القرآن توعد الله فاعلَها بحرب من الله إلا الربا ، فكما أن الإنسان في الحرب يقتل ، إذا أكل الربا يحاربه الله عز وجل ويتلف ماله ، ويتلفه مع ماله هذه نقطة دقيقة ، كيف أن سياق الآيات المكية :

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾

( سورة الشمس : الآية 1)

﴿ وَالْفَجْرِ (1)وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾

( سورة الفجر )

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾

( سورة الليل : الآية 1)

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾

( سورة الطارق : الآية 1 )

 كل آيات سور الجزء الثلاثين تتعلق بالكونيات ، فإذا وُجِدت سورة واحدة مقحمة ضمن هذه السور ، ولا علاقة لها بالكونيات ، وهي قوله تعالى :

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1)الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ(2)وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾

( سورة المطففين )

 فلماذا أقحمت هذه السورة المتعلقة بحكم شرعي مع سور تتحدث عن الكون ؟ قال علماء التفسير : لأن الإنسانَ إذا بخس حق إنسانٍ توعده الله بالهلاك ، كمن اشترى منك قماشًا فلم تعطه الكيل الدقيق ، إن كنت مطففاً تستحق الهلاك من الله ، فكيف إذا قصرت في حقك اتجاه الله ؟ الهلاك مصير من طفف ، فكيف مصير من نسي أن الله خلقه ، ولم يكُن شيئاً ، وأنعم عليه بنعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الهدى والرشاد .
 أيها الإخوة ، أيضاً هنا السياق سياق بدر ، وأحد ، وانتصار ، وهزيمة ، وقتل ، وأسر ، جاءت هذه الآية آية الربا ، فكيف أنك في الحرب إن لم تنتصر تقتل ، فهنا توعد الله المؤمنين بحرب من الله ورسوله إذا هم أكلوا الربا ، ذلك أن كل معصية لها أثر محدود إلا الربا ، فإنها تهدم مجتمعاً بأكمله ، هذا مجتمع الطبقتين ؛ مجتمع الأثرياء الذين يحتارون كيف ينفقون المال في عرس واحد ، خمسة وثمانين مليونًا ، والفقراء الذين لا يذوقون طعم الطعام .
 الربا آثاره مدمرة ، يجمع الأموال بأيدٍ قليلة ، ويحرم منها الكثرة الكثيرة بسبب بسيط ؛ هو أن المال يلد المال ، بينما في البيع والشراء الأعمال تلد المال ، وحينما تلد الأعمال المال فلابد من إنفاق كثير ، ولابد من مصاريف ، ومن متعلقات بهذا المشروع ، هذا بشكل مختصر شرحته في الدرس الماضي ، لكن هناك ملمح في الآية .

 

2 ـ النداء بالإيمان إيقاظا للمشاعر :

 يا أيها الذين آمنوا ، ما دمتم قد آمنتم بالله ، ما دمتم قد آمنتم أن الله عز وجل هو الخالق ، وهو الرازق ، وهو المربي ، وهو المسير ، وإليه المصير ، ومنهجه حق ، وكلامه حق ، والجنة حق ، والنار حق ، إذاً لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة.

3 ـ إياكم وهذا الفهمَ السقيمَ لهذه الآية :

 بينت لكم في الدرس الماضي ، ولابد من التذكير أن بعضهم يفهم هذه الآية فهماً ساذجاً ؛ لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة على أن النهي عن الأضعاف المضاعفة فقط ، فلو أكلنا الربا أضعافاً غير مضاعفة لجاز ، هذا كلام مردود ، ولأن الله عز وجل يقول :

﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾

( سورة البقرة : الآية 279)

القيدُ الاحترازي والقيد الوصفي :

 أيها الإخوة ، هذا قادنا إلى ما يسمى القيدَ الاحترازي ، والقيدَ الوصفي ، لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة ، فقد كان المرابون في الجاهلية يأكلون الربا أضعافاً مضاعفة كيف ؟ أقرضه بالربا ، واستحق الأجل ، فجاء الأجل ، واستحق الدفع ، وليس معه ، يقول له : إما أن تؤدي ، وإما أن أربي ، يضاعف الفائدة لشهر آخر ، يأتي الشهر الآخر ، فإما أن تؤدي ، وإما أن تربي ، فكأن الجاهليون يأكلون الربا أضعافاً مضاعفة ، كلما زاد الأجل ارتفعت نسبة الربا .

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

( سورة البقرة : الآية 189)

3 ـ اتقوا الله بتركِ الربا :

 اتقوا الله هنا بمعنى دعوا الربا ، ففي حياة الإنسان قضية مهمة جداً ، وهي كسب المال :

(( يا سعد أطب ، مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

 الأحكام الشرعية كلها بكفة ، وكسب المال بكفة واحدة ، إنه إن طاب دخلك استجيبت دعوتك ، إنه إن طاب دخلك بارك الله لك بمالك ، وبارك الله لك بأولادك ، بارك الله لك بزوجتك ، بارك الله لك بدخلك إن طاب دخلك ، معنى أطب مطعمك أن تشتري طعاماً بثمن كسبته من كد يمينك ، وعرق جبينك .

 

﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 131)

وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ

 الكافر بحكم تحريم الربا مصيرُه النارُ :

 أي أن النار مصير من أكل الربا ، وكفر بهذا الأمر .
 إخواننا الكرام ، عندنا كفر يخرج من الملة ، صاحبه كافر ، وعندنا كفر دون كفر ، فالأمر إن لم تنفذه ، وأنت متوهم أن هذا الأمر غير معقول فهذا نوع من الكفر ، وإذا قال لك أحدهم : هل من المعقول أن أقرضه مبلغ نصف مليون لسنة ، وما أربح ؟ معنى هذا أني جمدت مالي هذا ، ولو أنني استثمرته في منشأة لعاد علي بالربح .
 أنت حينما تحكم عقلك فيما قطع الله به فهذا نوع من الكفر ، قال تعالى :

﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾

( سورة التوبة : الآية 54 )

 معنى هذا أن الكفر ألاّ تعظِّم أمر الله عز وجل ، ألاّ تراه من عند خالق الكون ، علة أي أمر أنه أمر ، قال تعالى :

 

﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 131)

 كنت أقول لكم دائماً : إن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح ، مسلمون يؤدون شعائر الدين ، يصلون ، يصومون ، يتصدقون ، اسمعوا ، عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :

 

(( لأعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا ، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صِفْهُمْ لَنَا ، جَلِّهِمْ لَنَا ، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

 

[ ابن ماجه ]

 إذاً أصبحت أعمالهم هباءً منثوراً ، في موقف آخر حينما سأل النبي أصحابه رضوان الله عليهم سألهم من المفلس ؟ قالوا بحسب العرف من لا درهم له ولا متاع ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

 

(( هَلْ تَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ ، قَالَ : إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

 

[ مسلم ، الترمذي ، أحمد ]

لا تصح: العبادات الشعائرية إلا بصحة المعاملات

 معنى هذا أن هناك معاملات وعبادات ، عبادات شعائرية ، وعبادات تعاملية ، والعبادات الشعائرية ، لا تصح ، ولا تقبل إلا بالعبادات التعاملية ، لذلك ترك دانق من حرام ، أي ثلث الدرهم خير من ثمانين حجةً بعد الإسلام ، لذلك لما سيدنا ابن عباس رأى رجلاً كئيباً سأله : << مالي أراك كئيباً ؟ قال : ديون لزمتني ، ما أطيق سدادها ، قال : لمن ؟ قال : لفلان ، قال : أتحب أن أكلمه لك ، قال : إن شئت ، فقام من معتكفه ، فقال له أحدهم : يا ابن ، عباس أنسيت أنك معتكف ؟ قال : لا ، ولكنني سمعت صاحب هذا القبر ـ والعهد به قريب ، ودمعت عيناه ـ يقول :

(( والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا ))

 حقيقة الدين ترك الحرام ، وفعل الخيرات ، هذه هي حقيقة الدين ، وهذا الراعي الذي امتحنه سيدنا عمر وقال له : << بعني هذه الشاة وخذ ثمنها قال : ليست لي ، قال له : قل لصاحبها أنها ماتت ، قال : ليست لي ، قال : خذ ثمنها ، قال : والله إني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها : إنها ، ماتت أو أكلها الذئب لصدقني ، فإني عنده صادق ، أمين ولكن أين الله ؟ >> .
 تضع يدك على حقيقة الدين حينما تدع المال الحرام ، وتضع يدك على حقيقة الدين حينما تعمل صالحاً ابتغاء مرضاة الله هذه حقيقة الدين ، أما الصلاة منشطة ، وترفع شأنك عند الناس ، وهذه العبادات الشعائرية ، الحج يرجع زينة ، والحاج فلان ، والله ينفعنا ببركته ، وادعُ لنا يا سيدي ، أنتم كنتم في الحج ، أعمال فيها وجاهة .
 العبادات الشعائرية لا تصح ، ولا تقبل إن لم تصح العبادات التعاملية ، أعيد وأكرر : ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجةً بعد الإسلام .

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

( سورة آل عمران : الآية 130)

 يا من آمنتم بالله .

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾

 

( سورة آل عمران : الآية 130)

 لا تأكلوا الربا ، وكان الجاهليون يأكلونه أضعافاً مضاعفة ، فالنهي هنا عن كل الربا ، وعن جنس الربا .

 

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 130)

 أي أطيعوا الله في ترك الربا .

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(130)وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 130)

إياكم والأساليب الملتوية لأكل الربا :

 هؤلاء الذين كفروا بهذا الحكم ، وقالوا : لابد أن نستثمر أموالنا ، ولا يمكن أن نجمد هذه الأموال ، فنقرضها قرضاً حسناً ، طبعاً الآن إذا كان هذا الربا محرمًا تحريماً واضحاً صارخاً في الشرع فهناك آلاف الأساليب التي يحتال بها الناس على أكل الربا .
 يقدم لك بيتاً تسكنه بلا مقابل ، على أن تجعل عندنا مبلغاً من المال نحن نستثمره ، فإذا خرجت من البيت أعطيناك المبلغ .
 تدخل شريكاً في ، بيت تأخذ أجرته ، وأنت في الحقيقة تأخذ فائدةً على هذا القرض، مبلغك مضمون بالتمام والكمال بعد سنتين ، وما دام ثمة ضمان فقد صارت هذه الأجرة نوعاً من الربا .
 وضعت مالك في الاستثمار بربح ثابت ، قد يقول هذا المستثمر البسيط : أنا تاجر صالح ، حججت ثماني عشرة حجة ، ولا يحب أن يدخل في متاهات الحسابات ، يعطي على الألف كذا ، أفضل لي ، ليس له مصلحة أن يقوم بجرد ، هذا أيضاً ربا .
 الربا الصارخ واضح ، قرض ربوي ، هناك ألف أسلوب للربا بشكل ملتوٍ في بعض البلاد الإسلامية يوجد عشرة أكياس رز ، يمكن أن يكون عمرها عشرين سنة ، يأتي إنسان ، ويشتري عشرة أكياس فرضاً بعشرة آلاف ديناً ، ثم يبيعها نقداً لصاحب الأكياس مثلاً بثمانية آلاف ، الذي حصل أن صاحب المشتري دفع ثمانية آلاف ، وقبض بعد حين عشرة آلاف ، هذا بيع العينة ، وهو ربا محقق ، ومشاركة في بيت ، وأخذ أجرة ، ومبلغك مضمون ، هذا ربا .
 تشتري الصوف فرضاً بربع قيمتهم لستة أشهر ، الآن كيلو الصوف ثمنه مئة ليرة ، تشتري بعشرين ليرة لستة أشهر ، أنت أخذت قرضًا ربويًا كبيرًا جداً ، الراعي بحاجة إلى علف لغنمه ، وليس معه ثمنه ، والغنم يكاد يموت ، فيبيع الصوف بخمس قيمته بقرض لستة أشهر ، وهو قرض اسمه سلم ، الصورة بيع سلم ، وهو ربا ، لذلك من دخل السوق دون أن يتفقه أكل الربا شاء أم أبى ، وأخطر شيء في حياة الرجل موضوع كسب المال ، المرأة دينها سهل ، فإذا صلت خمسها ، وصامت شهرها ، وحفظت نفسها ، وأطاعت زوجها ، دخلت جنة ربها ، ولكن ثمة مزالق في كسب المال لا تعد ولا تحصى ، أكثرها تحايل على الربا ، والعملية عملية ربا ، لكن بأسلوب آخر .
 حتى قيل في مصر : إذا وضعت مالك في البنك ، أو في المصرف فهو أمانة عند هؤلاء ، لأنهم أصحاب ذوق ، يقدمون لك عوائد ، وليست فوائد ، الأسماء غيرناها ، ويمكن أن نغير الاسم ، نغير الشكل ، نغير الصيغة ، الطريقة ، الربا ربا بأي اسم ، وبأي طريق ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(130)وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(131)وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

( سورة آل عمران )

وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

1 ـ رحمة الله واسعة :

 رحمة الله مطلق عطائه ، رحمة الله يصعب تفسيرها ، فهي تبدأ من الصحة وتنتهي بالجنة ، تبدأ من التوفيق ، ومن راحة البال ، ومن الشعور بالأمن ، ومن الشعور بالسكينة ، ومن حسن السمعة بين الناس ، ومن القناعة ، ومن الرضا عن الله عز وجل ، رحمة الله كلمة لا حدود لها ، أقلها الصحة ، وأعلاها الجنة ، قال تعالى :

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

( سورة آل عمران )

2 ـ رحمة الله ثمنها طاعته :

 رحمة الله ثمنها طاعته ، لذلك لما التقى سيدنا عمر بسيدنا سعد بن أبي وقاص ، وكان هذا الصحابي الجليل خال رسول الله ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحبه حباً جماً ، وكان يداعبه ، ويفتخر به ، فكان إذا دخل عليه يقول :

(( هذا خالي أروني خالاً مثل خالي ))

 وما فدى أحداً بأمه وأبيه إلا سيدنا سعد ، قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ أَبَوَيْهِ كِلَيْهِمَا يُرِيدُ حِينَ قَالَ :

 

(( فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ، وَهُوَ يُقَاتِلُ ))

 

[ متفق عليه ]

 ومع ذلك لقيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : << يا سعد ، لا يغرنك أنه قد قيل : خال رسول الله ، فالخلق كلهم عند الله سواسية ، ليس بينهم وبينه قرابة إلا طاعتهم له فقط ، ليس بينك وبين الله إلا الطاعة ، ليس بينك وبين الله إلا الطاعة فقط .

 

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجب نا فإنا منحنا بالرضى من أحبنا
و لذ بحمانا واحتمِ بجنابنــا  لنحميك مما فيه أشرار خلقنا

 الآن الآية التي تليها :

 

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 133)

وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ

1 ـ دقق في كلمة سارعوا :

 أولاً : دقق في كلمة سارعوا ، أنت في الدنيا في أيام معدودة ، بل أنت بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك ، لذلك ينبغي أن تسارع ، وليس هناك مسارعة إلا للسباق ، فأنت في سباق ، ومن لم يكن في زيادة ، فهو في نقصان ، والمغبون من تساوى يوماه .

2 ـ ينبغي أن تكون مع الجماعة :

( وسارعوا )

 فيها واو جماعة ، فينبغي أن تكون مع الجماعة ، وليس هناك سباق فردي في الأرض كلها ، ولكن سمعت إنسانًا دخل في سباق بمفرده فكان الأول ، هذا كلام مضحك ، لا يوجد في الأرض سباق فردي ، كلمة سباق في جماعة ، أو اثنين ، ينبغي أن تكون مع الجماعة ، لأن الجماعة رحمة ، والفرقة عذاب ، والشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد ، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية .

 

﴿ وَسَارِعُوا ﴾

 المسارعة في سباق أولاً : تقتضي هذه الآية أن تكون في جماعة ، وتقتضي هذه الآية أن تكون متفوقاً ، أن تكون في المقدمة ، لأن علو الهمة من الإيمان ، وهناك ملمح دقيق في آية أخرى يفيدنا ، الآن قال تعالى :

 

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾

( سورة الملك : الآية 2)

 إذا كانت الشعبة متفوقة كلها نقرأ النتائج لا لنعرف من نجح ، ومن رسب ، لا كلهم ناجحون ، بل نقرأ النتائج لنعرف من هو الأول ، ومن هو الثاني ، ومن هو الثالث.
 كل شيء ميسر ، لك الكون ينطق بوجود الله ، وبوحدانيته ، وكماله ، وهذا القرآن فيه إعجاز ، وكلام النبي فيه رحمة ، فكل شيء جاهز أمامك ، النجاح مفروغ منه ، لكن الامتحان من أجل معرفة المتفوقين فقط ، ليبلوكم أيكم أحسن عملاً فقط .

 

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

 

( سورة آل عمران : الآية 133)

وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ

1 ـ المعنى الأول :


 كلمة عرضها تعني جنة واسعة أرجاؤها ، كلمة عريض يعني واسع ، فلان له جاه عريض ، مصطلح لغوي ، فلان ذو دعاء عريض ، يرفع صوته بالدعاء ، فلان مثلاً له جاه عريض ، العرض العظم والسعة ، هذا المعنى الأول :

 

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 133)

 هناك ذنوب تمحى أولاً ، وهناك جنة ثانية ، تخلية وتحلية ، محو سلبي ، وشيء إيجابي ، سارع إلى شيئين ؛ إلى مغفرة ، وإلى جنة ، لو أننا قلنا : سارع إلى مغفرة الله ، غفر لك ، لا يوجد شيء إيجابي ، عفا عنك ، أنت إذا عفوت عن طالب مقصر ، فمقتضى هذا الإعفاء أن تقدم له جائزة أيضاً ، فأنت إن سارعت إلى شيئين ؛ إلى مغفرة الله أولاً ، وإلى جنة عرضها السماوات والأرض .

 

2 ـ المعنى الثاني :

 إذا كان عرضها السماوات والأرض فكم طولها ، السماوات والأرض تعبير قرآني عن الكون ، والكون ما سوى الله ، إذا كانت هذه الجنة الذي دعينا إليها عرضها السماوات والأرض فكم طولها ؟
 في آية أخرى :

﴿ فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾

( سورة الرحمن : الآية 54)

 إذا كانت البطانة من إستبرق فما نوع القماش الأساسي ، هذا نوع من المبالغة ، البطانة من إستبرق ، فما قولك بالقماش الذي يظهر إلى الظاهر ، إذا كانت هذه الجنة عرضها السماوات والأرض فكم طولها ؟

 

﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

 

( سورة آل عمران : الآية 133)

3 ـ الجنة لمن اتقى :

 الذي يقول : معاذ الله ، إنه ربي أحسن مثواي ، الذي يقول : الله الغني ، هذا الذي يتورع عن المعصية ، هو المتقي ، وهذه الجنة التي عرضها السماوات والأرض ، والتي هو فيها إلى أبد الآبدين :

﴿ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾

( سورة الحجر : الآية 48)

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾

( سورة الزمر : الآية 34 )

﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾

( سورة طه : الآية 76 )

﴿ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ﴾

( سورة الدخان : الآية 54 )

الفائز الحقيقي مَن فاز بالجنة :

 اقرأ أوصاف الجنة في القرآن الكريم ، كلام خالق هذا ، كلام لابد أن يقع ، من هو الفائز ؟ ما هو الفوز عند الناس الآن ؟ من هو الفائز ؟ معظم الناس يرون أن الفائز هو الغني الذي له دخل كبير ، إما من تجارة ، أو صناعة ، أو زراعة ، أو منصب رفيع ، أو بيت واسع جداً في أرقى أحياء دمشق ، أو مركبة فارهة جداً ، أو مزرعة كالجنة مثلاً ، أو بيده وكالات حصرية ، تدر عليه دخلاً فلكياً ، أو عنده أراض أخذها بثمن بخس ، فإذا ثمنها اليوم أضعاف مضاعفة ، هذا الفوز عند الناس ، أو له زوجة تروق له ، أو له أولاد كلهم أطباء ومهندسون ... هذه كلها مقاييس الدنيا ، لكن ما مقياس الفوز عند الله ؟ آية واحدة قال تعالى :

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 185 )

 من زحزح عن النار ، وأدخل الجنة فقد فاز ، الزحزحة فعل ثنائي مضعف ، مثل ك قلقل ، ودمدم ، وعسعس ، وزلزل ، وهو أساسه زل وزل ، تصبح زلزل ، سمّاه علماء اللغة ثنائيًا مضعّفا ، هذا يفيد الحركة ، فكل ما في الدنيا يدعو إلى جهنم ؛ نساء كاسيات عاريات ، الدنيا خضرة نضرة ، مالها يغري ، ونساؤها تغري ، وقصورها تغري ، ومركباتها تغري ، وتجارتها تغري ، إنها ترقص للناس ، وقد افتتنوا بها ، فإذا أخذ الإنسان الآن تأشيرة دخول إلى أمريكا فكأنه حج ، يقول : الله يطعمها لكل مشتهٍ مثلاً ، هذه قيم الناس ، استطاع أن يأخذ تأشيرة دخول إلى أمريكا ، أو إلى أوروبا مثلاً ، أو تمكن من تجارة رابحة مثلاً ، لكن في القرآن :

﴿ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185)﴾

 هذا المؤمن ، المؤمن مصدق ، لذلك لما خرج قارون بزينته قال تعالى عنه :

 

﴿ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(79)وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾

( سورة القصص )

طريق الجنة شاقٌّ لكنه مريح في النهاية

 وبشكل مبسط تمشي على طريق مستوٍ ، ثم وجدت طريقين ؛ طريقًا هابطة معبدة ، فيها ورود ، ورياحين ، وأشجار ، وأنت راكب دراجة ، والطريق الآخر صاعدة ، فيها ، حفر ، وأكمات ، وغبار طبعاً تختار بالفطرة الطريق الهابطة ، لأنها مريحة جداً ، وجميلة ، ومن دون جهد ، وعند مفترق الطريقين لوحة كُتب عليها : هذه الطريق الصاعدة تنتهي بقصر منيف ، فيه كل شيء لمن دخله ، وهذه الطريق النازلة تنتهي بحفرة ما لها من قرار ، فيها وحوش كاسرة ، بعد أن قرأت الإعلان أيّ طريق تختار ؟ الصاعدة تتناقض مع طبيعتك ، أنت راكب دراجة تحتاج إلى جهد كبير جداً ، والطريق غير مستوية ، وعرة ، وفيها أكمات ، وحفر وحرّ ، ولكن بعد نصف ساعة أنت في قصر منيف ، وهذه الطريق الهابطة مريحة ، معبدة ، محاطة بالأزهار ، والرياحين ، فيها نساء جميلات ، لكن تنتهي بحفرة ما لها من قرار، هذه اللوحة تكفي أن تقلبك مئة وثمانين درجة ، هذه اللوحة تكفي أن تنعكس موازينك ، ما قولك إذا كان معلقًا إلى جانب اللوحة منظارٌ ، إذا أردت فانظر إلى نهاية الطريقين ، هذا ما قاله النبي الكريم ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَوْمَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِيَدِهِ إِلَى الأرْضِ :

(( مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا ، أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللَّهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، ثَلاثًا ، أَلا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُقِيَ الْفِتَنَ ، وَمَا مِنْ جَرْعَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ لِلَّهِ إِلا مَلأ اللَّهُ جَوْفَهُ إِيمَانًا ))

[ أحمد ]

 كل شيء مريح آخرته إلى جهنم ، يأكل بلا قيد ، حرام ، حلال ، يجوز ، لا يجوز ، خنزير ، يمتع عينيه بكل امرأة تحل له ، ولا تحل له ، امرأة أجنبية ، يقول لك : أريد أن أعيش وقتي ، هذا كلام شيطان ، استرخاء من دون قيد ، تفلت ، لا قيد ، ولا قيمة لشيء حرام ، دابة أفلتتْ ، فهي تفعل ما تشاء ، أما عمل الجنة ففيه قيود ، حرام ، حلال ، مكروه ، مستحب ، أمر ، نهي ، يجوز ، ولا يجوز ، جهنم ، ترى حياة المؤمن كلها قيود .
 مثلاً : إذا التقى شابان مع بعضهما ، قال الأول : أنا في المدرسة ، وعندنا ست وثلاثون ساعة دوام ، وعندنا أساتذة مخيفون ، وكل يوم هناك وظيفتان ، أو ثلاثة ، وتقارير ، ومحاضرات ، وتلخيص كتب ، وأبي قاسٍ جداً ، فبإشارة من المدرسة أنني مقصر يؤنبني ، والله حياتنا كلها لا تطاق ، فالثاني لا يوجد عنده مدرسة ، من أبناء الأزقة ، ينام إلى الظهر إذا أراد ، يقول : لا يوجد شيء أفعله ، مساءً أذهب إلى السينما ، وقبل الظهر نائم ، وألعب في الليل النرد مع أصدقائي ، في الحقيقة من الناجح ؟ المتعب أم المستريح ؟ العبرة أن ترى النهاية ، العبرة أن تضحك متأخراً ، فكل إنسان يضحك أولاً يبكي كثيراً ، وكل إنسان يبكي كثيراً ، ثم يضحك فهو الفائز ، فبطولتك لا أنْ تضحك الآن ، بل أن تضحك غداً ، قال تعالى :

﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾

( سورة المطففين : الآية 34 )

 أما الكفار إذا رأوا مؤمنًا محدودًا ، متزمتًا ، عقله صغير ، يلحق الدين ، ماذا في الدين ؟ تعال ، وانظر معنا ، وانظر المناظر الجميلة ، الاختلاط ما أجمله ، تعال معنا ، نحن شباب طيبون ، ومرحون ، فالذين آمنوا يوم القيامة من الكفار يضحكون .

﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ(109)فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴾

( سورة المؤمنون )

 أيها الإخوة الكرام ، المسارعة تقتضي أن تكون في جماعة ، والمسارعة تقتضي أن تكون ذا همة عالية ، والمسارعة تقتضي أن تكون ملتزماً بالأمر والنهي تماماً من أجل المغفرة ، وملتزماً بالعمل الصالح من أجل الجنة ، فالمغفرة تحتاج إلى توبة ، والجنة تحتاج إلى عمل صالح ، والدليل :

 

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ﴾

( سورة الكهف : الآية 110 )

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133)﴾

 جنة تساوي الكون ، هؤلاء المتقون :

 

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 134)

 وفي درس آخر إن شاء الله نتابع شرح هذه الآيات .

 

والحمد لله رب العالمين

الأسئلة :

هناك بعض الأسئلة :
 س : إذا كان المسلم قد اقترف ذنباً معيناً ، فتاب إلى الله عن هذا الذنب ، ثم عاد إلى هذا الذنب مرةً ثانية ، وثالثة ، وأكثر فهل يلزم لتوبته الجديدة كفارةً .
 ج : الحقيقة القضية نفسية ، كنت أقول لكم دائماً : أهون توبة أول توبة ، بكلمة يا ربِ لقد تبت إليك تشعر أن الله عزو جل ألقى في روعك ، وأنا يا عبدي قد قبلت ، ولو جئتني بملء السماوات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي ، لكن ثاني توبة صعبة ، لذلك كاقتراح التوبة الثانية من الذنب نفسه تحتاج إلى ترميم ، إلى صدقة ، إلى إحسان ، إن الحسنات يذهبن السيئات ، من أجل أن ترضى عن نفسك ، وأن تستعيد توازنك مع الله عز وجل إذا وقعت بالذنب أول مرة يكفي أن تقول يا رب لقد تبت إليك ، أما إذا وقعت في الذنب مرةً ثانية ينبغي أن تعمل عملاً يرمم هذه التوبة التي نقضت ، ثم تبت مرةً ثانية ، لذلك الصدقة ممكنة ، الصيام ممكن ، عمل صالح ممكن ، إذا رافق التوبة الثانية هذه الأعمال الله سبحانه وتعالى يمكن أن يقبل هذه التوبة ، لكن في بالنهاية ليس لنا إلا الله ، لو الذنب أعاده مليون مرة يجب أن تتوب للمرة المليون ، لا يوجد طريق ثاني ، إذا لم تتب إليه ماذا سيكون المصير ؟ أطمئنك بقوله تعالى :

 

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾

( سورة النساء : الآية 27 )

 الله عز وجل يريد التوبة على عباده ، والله عز وجل يحب التوابين .
 س : سؤال متعلق بعرض أسعار ؟
 ج : أقول لك : من طلب منك هذا العرض يجب أن تضيف على السعر الذي تأخذه مني سعراً إضافياً يكون لي عمولة هذا لا يجوز ، أما أنت إذا أكرمته من تلقاء نفسك فلا مشكلة ، أما أن تضيف على السعر في الفاتورة الرسمية سعرا إضافيا ليأخذه طالب هذا العرض فهذا لا يجوز ، أما إن أكرمته من عندك ، ومن دون شرط ، ومن ربحك فهذا ممكن .
 س : هل يجوز أن تعمل على قدر الأجرة ؟
 ج : لا يجوز ، أنت معلِّم عندك خمسة وثلاثون طفلاً بين يديك ، والمعاش لا يكفي ، والدرس تعطي ربعه من دون شرح ، اقرأ قراءة صامتة يا بني ، وأنت نائم على الطاولة ، لماذا تفعل هذا ؟ أنا على قدر المعاش أعمل ، هذه ليست واردة أبداً ، إذا لم يعجبك المعاش فاترك العمل فوراً ، وإذا كان معاش هذا العمل قليلاً فاتركه ، أنت الآن تؤذي أناساً بريئين ، وضعوك في مستوصف بمعاش لا يكفي ، وجاء رجل يريد إسعافًا ، ومات ، لماذا أنت أهملته ؟ أنا أعمل على قدر المعاش ، هذا كلام خطير جداً ، كلام مخيف ، العمل أمانة في عنقك ، أدِّ الذي عليك، واطلب من الله الذي لك ، إن كنت لا تتحمل هذا الدخل فاترك ، قدم استقالتك ، واعمل عملاً يكفيك دخله ، وإذا لم تجد عملاً آخر معنى هذا أن همتك ضعيفة ، لذلك قالوا : من يتأفف من عمله لا يصلح لأي عمل آخر ، يوجد إنسان نوعه نفاق ، أينما تضعه يقول لك : لا يؤدي المعاش ، وهذا العمل متعب ، والله يخلصني منها ، أحياناً الله عز وجل يبارك لك في هذا الدخل القليل ، يعفيك من مرض ، وأدوية ، وتحاليل ، وتصوير ، والإيكو .
 أحياناً تجد أن الدخل لا يكفي ، ولكن الله يبارك لك ، يجب أن نؤمن بالبركة ، أنت أدِّ عملك بإتقان والله عز وجل لا ينساك من فضله ، هذا هو المؤمن ، أما أعمل على قدر الراتب والعياذ بالله فهذه إذا بدأت تنتهي حياتنا .
عندك خمسة وثلاثون طفلاً ، كل واحد مثل الوردة ، جاء يتعلم ، لا أعلمه ، المعاش لا يكفي ، وكثير من المدرسين لا يصحح وظيفة ، لا يسأل طالباً ، اقرأ أنت ، وانتهى الدرس ، أنت تضع ابنك في مدرسة يخرج ، ولا يتعلم شيئًا ، فما الحل ؟ لا يوجد حل ، ابنك في مدرسة رسمية ، وهذا المعلم إيمانه ضعيف يعمل على قدر الراتب ، وهذه ليست واردة أبداً ، وأنا أعدها خرقًا للاستقامة ، وخيانة لما ائتمنت عليه ، أنت كمؤمن ابذل كامل جهدك ، واطلب من الله الأجر ، وإذا ما وجدت عملاً آخر ماذا تفعل ؟ هذا الصبر ، الناس يطلبون الرفاه ، وليس الأساسيات ، الأساسيات مؤنة ، أنت تريد غرفة تؤويك ، وثوبًا يسترك ، ويكون عندك قوت يومك ، هكذا النبي قال ، فعَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

 

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))

 

[ الترمذي ، ابن ماجه ]

 فإذا كان مع الإنسان - لا سمح الله ولا قدر - مرض عضال ، ودخله فرضاً خمسة آلاف ، وخيروه نشفيك ، ولكن يبقى ألفان ، هل يقبل ؟ يقبل ، ويتمنى ، ويقول لك آكل خبزة يابسة مع الشاي ، ولكن الله يشفيني .
 حدثني أخ قصة من يومين جاءته مولودة فيها مشكلة ، قال لي كلفتني سبعمئة ألف خلال يومين ، فقال لي كلمة تأثرت بها : كل إنسان يأتيه مولودة أو مولود سليم كأن معه هدية مليون ليرة ، خطأ بسيط في شريان القلب عوض الشريان وريد بالعكس ، لونها زرقاء .
 طبعاً هذا عمل طيب هو أنقذ مولودًا ، إذا جاءت الإنسانَ مولودة سليمة معنى هذا جاءت معها هدية مليون ليرة ، إذا الله عافى لك أولادك وزوجتك ، وأعطاك صحة وسمعة طيبة ، وعندك شيء تعيش منه فكأنما حيزت لك الدنيا بحذافيرها ، ابتعد عن الحرام ، وإن كان مغريًا وسهل .
 س : رجل اقترض من البنك قرضًا ثم تاب ؟
 ج : قال تعالى :

 

﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾

 المقترض إذا أودع ماله في البنك ، وأخذ فائدة يجب أن يتبرأ منها ، وأن ينفقها في وجوه الخير ، وأن لا تدخل إليه إطلاقاً ، وليس له وليس له سوى أن يتوب إلى الله عز وجل .

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018