الدرس : 33 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 121 - 123 غزوة بدر وأحد درس لنا - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 33 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 121 - 123 غزوة بدر وأحد درس لنا


2001-07-13

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثالث والثلاثين من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الواحدة والعشرين بعد المائة ، وهي قوله تعالى :

﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

1 ـ مهمةُ وضعِ الرجلِ المناسب في المكان المناسب :

 هذه الآية مررنا عليها سريعاً في الدرس الماضي ، ولكن فيها ملمح دقيق ، هو أن مهمة القيادة الأولى هي أن تضع الرجل المناسب في المكان المناسب ، فكان سينا عمر رضي الله عنه يقول : << أريد أميراً ! إن كان أميراً بدا وكأنه واحد منكم ، وإن لم يكن أميراً بدا وكأنه أمير >> ، إن لم يكن أميراً من شدة غيرته على المصلحة العامة بدا وكأنه أمير ، وإن كان أميراً فعلاً بدا من شدة تواضعه وكأنه واحد من أصحابه .
 البطولة في القيادة أن تختار الإنسان المخلص الكفء ، الكفاءة والإخلاص ، القوة والأمانة ، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم من كمال قيادته لأصحابه أنه يعرف قدراتهم الخاصة وإمكاناتهم ، وأين هم من سلّم الإيمان ، وأين هم من سلّم التضحية ، فكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يندب صحابياً لمهمة ، واقترح عليه شخص يقول : ليس هناك ، أي ليس في هذا المستوى .
 الحقيقة أيها الإخوة أنك إذا أدرت مدرسة ، أو مستشفىً ، أو مؤسسةً ، أو كنت رئيس بلدية في أي عمل قيادي ، مهمتك الأولى أن تعرف إمكانات من حولك ، وقدراتهم الخاصة ، وأن تستخدم هذه الإمكانات وتلك القدرات بمكانها الصحيح ، فإذا وضعت الإنسان المناسب في المكان المناسب فقد وفقت أيما توفيق .
 ذكرت لكم أن سيدنا عمر قال لأحد الولاة : << خذ عهدك ، وانصرف إلى عملك ، واعلم أنك مصروف رأس سنتك ، وأنك تصير إلى أربع خلال ، فاختر واحدة منها ، إن وجدناك أميناً ضعيفاً استبدلناك لضعفك ، وسلمتك من معرتنا أمانتك ، وإن وجدناك خائناً قوياً استهنا بقوتك ، وأوجعنا ظهرك ، وأحسنا أدبك ، وإن جمعت الجرمين جمعنا عليك المضرتين ، وإن وجدناك أميناً قوياً زدناك في عملك ، ورفعنا لك ذكرك وأوطأنا لك عقبك >> .
 من ولي أمْرَ عشرة فولّى عليهم رجلاً ، وفيهم من هو خيرٌ منه خان الله ورسوله ، لو كنت معلماً في الابتدائي ، وعينت عريفاً على هؤلاء الطلاب ، بسبب قرابة أو بسبب محاباة ، وفي الطلاب من هو أجدر بهذا المنصب فقد خنت الله ورسوله .
 عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ الْأَكْبَرِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ :

(( قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي ؟ قَالَ : فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ، ثُمَّ قَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا ، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا ))

(صحيح مسلم )

 لا يوجد إنسان إلا وعنده محل ، وموظفون ، موظف قرّبه ، وموظف بعّده ، موظف رقَّاه ، وموظف لم يرقِّه ، موظف ابتسم في وجهه ، وموظف عبس بوجهه ، هذا كله محاسب عليه ، ينبغي أن تضع الإنسان الكفء في مكانه الصحيح ، دون محاباة ، ودون تزوير للحقائق ، فكأن الله جل جلاله يبين أن النبي عليه الصلاة والسلام كان خبيراً لأصحابه ، وقد علمت أن كتاباً في طور التأليف حول وصف النبي لأصحابه ، ما من صحابي جليل إلا وأخذ من رسول الله صلى الله عليه وسلم صفة دقيقة ، هذا سيف الله ، وهذا أمين هذه الأمة ، وهذا لو كان نبياً لكان عمر ، وهذا مني بمثابة السمع والبصر ، وهذا حبر هذه الأمة ، وهذا حواري رسول الله .
 هكذا يجب أن تأخذ الوضع الصحيح ، النبي عليه الصلاة والسلام فضلاً عن كونه زعيماً سياسياً فهو قائد عسكري ، والقيادة تحتاج إلى تعيين قواد فرعيين ، فكان يضع الإنسان المناسب في المكان المناسب ، كل هذا من قوله تعالى :

﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ ﴾

2 ـ وَإِذْ غَدَوْتَ :

 أي خرجت ، بالمناسبة : غدا ذهب إلى عمله باكراً قبل الشمس .
 وراح : عاد إلى بيته .
 هذا هو المعنى اللغوي الصحيح ، لو أن واحداً طرق باب بيتك في المغرب وسأل : هل أبوك في الداخل ؟ فقال له ابنه : والله الآن راح ، فقال له : سلم عليه ، هذه الكلمة معناها الآن أتى ، لأنه غدا : ذهب ، وراح : عاد .
 نحن في اللغة الدارجة نستخدم راح بمعنى ذهب ، أما في اللغة الفصيحة فإن راح بمعنى أتى .
 لو أن ابناً ذكياً جاء دائنٌ لأبيه ، وقال له : أبوك في البيت ؟ قال له : الآن راح ، هل هو كاذب أم صادق ؟ هو كاذب فقهاً شرعاً ، لأنه أوهم السائل أنه خرج من البيت ، هو صادق لغة ، العبرة ماذا فهم منك ؟ فهم منك أنه ليس في البيت ، فقد كذبت عليه ، وإن كانت كلمتك في اللغة صادقة ، لكن هنا النبي عليه الصلاة والسلام خرج من المدينة إلى معركة بدر بعد الظهر ، بعد ظهر الجمعة ، فكيف نوفق بين غدا بمعنى ذهب قبل الفجر ، وبين غدا هنا بمعنى ذهب ؟ قال بعض علماء اللغة : يستخدم الغدو والرواح ، الغدو للخروج ، والرواح للعودة مطلقاً من غير قيد زمني ،

﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾

3 ـ مِنْ أَهْلِكَ :

حبُّ الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام :

 أي أنت جالس بين أهلك .. يذكرني هذا أن أبا سفيان حينما ألقى القبض على بعض أصحاب رسول الله المحبين أظنه خبيبًا ، وأرادوا أن يصلبوه ، قال : يا خبيب أتحب أن يكون محمد مكانك ؟ هو سيصلب ‍! وأنت معافىً في أهلك ، فقال قولة ، والله لو لم يقل غيرها لكان من أهل الجنة ، قال له : والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي ( أي زوجته أمامه مزينة ، وأولاده بمظهر حسن ، وأذكياء ) وعندي عافية الدنيا ( لا يوجد مشكلة ، ولا مرض ، ولا فقر ، ولا قضية ) عافية الدنيا ونعيمها (باقة ورد جميلة ، طعام ما لذ وطاب ) ويصاب رسول الله بشوكة .
 هكذا كان أصحاب النبي ، نحن ينقصنا الحب ، ينقصنا الود ، ينقصنا أن نكون متعاونين ، متكاتفين ، فقال أبو سفيان : والله ما رأيت أحداً يحب أحداً ، كما يحب أصحاب محمد محمداً ، وبهذا الحب أحبهم الله عز وجل ، ففي الحديث :

(( الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ ، قَالَ فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فَقُلْتُ : يَا أَبَا الْوَلِيدِ ، لَا أُحَدِّثُكَ بِمَا حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فِي الْمُتَحَابِّينَ قَالَ : فَأَنَا أُحَدِّثُكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْفَعُهُ إِلَى الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ : حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَوَاصِلِينَ فِيَّ ))

[أحمد]

 امرأة أنصارية بلغها أن النبي قتل في أحد ، تخرج إلى ساحة المعركة لترى زوجها مقتولاً، تسأل : أين محمد ؟ ثم رأت أباها مقتولاً ، ثم رأت ابنها مقتولاً ، ثم رأت أخاها مقتولاً ، هذه مصيبة ؛ أب ، وزوج ، وابن ، وأخ !! وتقول : ما فعل رسول الله ؟ ولما وقعت عينها على رسول الله قالت : يا رسول الله كل مصيبة بعدك تهون .
 هذه امرأة عندها حب للنبي ، والله لو وزع على العالم الإسلامي اليوم لوسعه، بهذا الحب انتصروا ، بهذه التضحية انتصروا ، ابن أبي رواحة الشاعر ، أرسله النبي إلى يهود خيبر ليقيِّم تمرهم ، فعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى خَيْبَرَ فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِ خَيْبَرَ ، قَالَ : فَجَمَعُوا لَهُ حَلْيًا مِنْ حَلْيِ نِسَائِهِمْ ، فَقَالُوا لَهُ : هَذَا لَكَ ، وَخَفِّفْ عَنَّا ، وَتَجَاوَزْ فِي الْقَسْمِ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ، وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيَّ ، وَمَا ذَاكَ بِحَامِلِي عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ ، فَأَمَّا مَا عَرَضْتُمْ مِنْ الرَّشْوَةِ فَإِنَّهَا سُحْتٌ ، وَإِنَّا لَا نَأْكُلُهَا ، فَقَالُوا : بِهَذَا قَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ))

[مالك في الموطأ]

﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

 أيها الإخوة الكرام ، ثم يقول الله عز وجل :

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ

1 ـ القلة ذلة والكثرة عزة :

 فسر بعض العلماء كلمة أذلة بأنهم قلة ، القلة أذلة ، والكثرة أعزة ، فكانوا قلة ، لكنهم اعتمدوا على الله ، وتوكلوا عليه وافتقروا إليه ، وأخذوا بالأسباب ، فاستحقوا النصر .

 أليس هذا الدرس نافعاً لنا ؟ نحن قلة ، ونحن ضعاف ، إذا أخذنا بالأسباب قدر ما نستطيع ، وتوكلنا على الله ننتصر .

2 ـ موازنة بين غزوتي بدر وبين أُحُد :

 أيها الإخوة لا بأس من قراءة قصة معركة بدر ، لأن الموازنة بين بدر وبين أحد مهمة جداً ، بماذا انتصر المسلمون في بدر ، ولماذا هزموا في أحد ؟
 ذكرت في الدرس قبل الماضي أن المسلمين في عهد النبي الكريم هزموا مرتين ، مرة في أحد ، ومرة في حنين ، في أحد لأسباب سلوكية ، وفي حنين لأسباب اعتقادية ، في أحد لم يطيعوا أمر الأمير ، لو انتصروا لسقط أمر القائد ، ولا قيمة له ، وفي حنين ظنوا أنهم لن يغلبوا من قلة .
 مرة قال لي أحده ـ أصلحه الله ـ قال لي : الدراهم مراهم ، تحل أي مشكلة ، تورط في تهمة ، وقبع في السجن ستون يوماً ، قال لي : كل يوم يأتيني هذا الخاطر : الدراهم مراهم ، تحل كل مشكلة ، الإنسان أحياناً يتكلم كلمة كبيرة ، فيها شرك ، فأدبه الله عز وجل ، لا تنفعك إلا رحمة الله ، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟
 لأن المسلمين يوم بدر كانوا في غاية الضعف ، عدداً وعُدداً ، والكفار كانوا في غاية الشدة والقوة ، ثم إنه تعالى نصر المسلمين ، وهم في غاية الضعف ، والقلة عدداً وعُدداً ، على الكافرين ، وكانوا في غاية القوة والكثرة ، فصار ذلك من أقوى الدلائل على أن ثمرة التوكل عليه تعالى ، والصبر والتقوى ، هو النصر والمعونة والتأييد ، أي إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله ، ولا يمكن أن يذكر الله لنا قصة في القرآن وقعت ، ولن تقع ، إذاً لأصبح القرآن كتاب تاريخ !!

3 ـ عزوة بدر وأحد درس لنا :

 لابد من أن تكون قصص القرآن قوانين ، سننًا ، قواعد متكررة ، هذا الدرس لنا الآن ، إذا أردنا أن ننتصر على أعدائنا فلابد أن نكون كأهل بدر ، أن نكون مؤمنين بالله حق الإيمان ، متوكلين عليه ، مفتقرين إليه ، موحدين له ، ولابد أن نستعد ، الاستعداد المتاح ، وعندئذٍ لابد من النصر ، وبدر موضع بين الحرمين الشريفين ، بين حرم مكة ، وحرم المدينة ، إلى المدينة أقرب ، يقال : هو منها على ثمانية وعشرين فرسخاً ، مـن بدر ، أو اسم بئر حفرها رجل اسمه بدر ، هكذا .

لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

 وقوله تعالى :

﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

 أي راجين أن تشكروا ما أنعم به عليكم بتقواكم ، من نصرته .

 

غزوة بدر :

1 ـ سبب غزوة بدر : الخروج للتعرض لقافلة قريش التجارية :

 أيها الإخوة ، وكان سبب هذه الواقعة أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن عيراً لقريش (أي جمال عليها بضاعة ثمينة ) فيها أموال عظيمة مقبلة من الشام إلى مكة ، معها ثلاثون أو أربعون رجلاً من قريش ، عميدهم أبو سفيان ، قافلة تجارية فيها بضائع كثيرة جداً ، معها ثلاثون أو أربعون رجلا من قريش ، عميدهم أبو سفيان ، ومعه عمرو بن العاص ، ومخرمة بن نوفل ، انظر إلى قوة النبي الكريم ، أحياناً يوجد هجوم دفاعي ، نحن كل حياتنا ردود فعل ، لكن قلما نفعل فعلاً فيه مبادرة ، فالنبي عليه الصلاة والسلام لحكمته القيادية رأى أن يبادر ، فنزل صلى الله عليه وسلم إلى هذه العير ، وأمر من كان ظهره حاضراً بالخروج ، معنى الظهر أي من كان عنده فرس يركبه ، أو ناقة يركبها ، هذا الشيء ثمين جداً ، ولم يحتفل في الحشد ، لم يعنى عليه الصلاة والسلام بالعدد ، عملية مناورة ، عملية حركة ، عملية إثبات وجود ، عملية لفت نظر ، عملية تلويح العصا ، هذا من معاني غزوة بدر ، ولم يحتفل بالحشد ، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يظن قتالاً ، أي ما توقع أن تكون هذه المناوشة معركة ، وخرج مسرعاً في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ، عدد مقاتلي بدر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً فقط ، ولم يكن معهم من الخيل إلا فرسان ، ثلاثمائة رجل وفرسان ، وكان معهم سبعون بعيراً يتعقبونها ، أي يتناوبونها .

النبي عليه الصلاة والسلام يسوّي نفسه مع أبسط الجنود :

 والقصة التي أرويها آلاف المرات أنه صلى الله عليه وسلم قال : كل ثلاثة على راحلة ، وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة ، قائد الجيش ، نبي هذه الأمة ، زعيم هذه الأمة ، سوى نفسه مع جنديين ، فركب النبي الناقة في نوبته ، فلما انتهت نوبته ، وجاء دوره في المشي ، طبعاً الصحابيان مؤدبان جداً توسلا إليه أن يبقى راكباً في نوبتهما ، فقال هذه الكلمة ، والله تكتب بماء الذهب : قال عليه الصلاة والسلام : ما أنتما بأقوى مني على السير ، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر ، زعيم هذه الأمة ، ونبي هذه الأمة محتاج أن يكسب أجراً وثواباً على مشي .
 الإنسان يكون له دعوة بسيطة فتنفع عن ألف عمل صالح ، هذا ليس مقامي !! فما مقامك ؟ المؤمن الصادق يحب أن يفعل كل أنواع الخير ، سيدنا الصديق رضي الله عنه الصحابي الأول، وكان ملازم للنبي عليه الصلاة والسلام ، كان أمين سره ، وكان أقرب أصحابه إليه
 ومما ورد في الأثر قوله :

(( ما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر ))

 ومع ذلك كان يحلب شياه جيرانه كل يوم ، فلما صار خليفة المسلمين توقع جيرانه أن يترفع عن هذه الخدمة ، في اليوم التالي لتوليه الخلافة طرق باب الجيران ، فقالت الأم لابنتها : افتحي الباب يا بنيتي ، فتحت الباب فقالت : من الطارق يا بنيتي ؟ فقالت : جاء حالب الشاة يا أماه ، أي سيدنا الصديق خليفة المسلمين ، جاء ليحلب الشاة .

 

لا تخجل من أي خدمة في سبيل الله :

 قال النبي : ما أنتما بأقوى مني على السير ، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر ، كنت مرة مع صديق ، قال لي : مرة كنت بأحد المساجد الكبيرة ، فوجدت هناك رجلا هيئته ، وثيابه ينمان عن علو شأنه ، فسأل عنه فإذا هو ضابط كبير جداً في البحرية الأمريكية ، وهو يغسل دورات المياه في المسجد ، هذا أسلم ، فتقرب إلى الله بخدمة المسجد .
 والله مرة زارنا أخ من مصر ، ودخل إلى دورات المياه قال لي : شيء لا يصدق !! كأنها في بيت صاحبته من كثرة في النظافة ، وأنا والله أحبه كأحد أولادي ، يخدم هذه الدورات ، فخدمة المسجد شرف ، بل إن سيدنا إبراهيم أبا الأنبياء صلوات الله عليه كان في خدمة بيت الله الحرام :

﴿ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾

(سورة البقرة الآية:125)

 مهمته تنظيف البيت الحرام ، والآن تقريباً في كل موسم حج ملك المملكة السعودية يغسل الكعبة المشرفة بيده ، هذا شرف ، إذا خدمت مسجداً ، أو قدمت خدمة لمسجد ، أو بنيت مسجداً فهذا بيت الله ، فكلما كان قدرك عظيمًا خارج المسجد تزداد شرفاً بخدمة المسجد ، مهما كان قدرك عظيماً خارج المسجد تزداد شرفاً بخدمة المسجد ، هذا كله من أن النبي عليه الصلاة والسلام ما زهد بعمل ، وهو أن يمشي وصاحبه يركب الناقة ، كان معهم سبعون بعيراً يتعقبونها ، أي يتناوبون ركبوها .
 واتصل خروجه بأبي سفيان ، فاستأجر ضمضمة بن عمرو الغفاري ، وبعثه إلى أهل مكة ليحموا عيرهم ، المؤمن إنسان بسيط ، ساذج لا يخيف ، لكن هنا الإيمان قوة ، النبي تحرش بهم ، هذه مبادرة ، هذا فعل ، أما الأمة الضعيفة فكل حياتها ردود فعل ، أما النبي عليه الصلاة والسلام هو بدأ .

 

2 ـ خروج النبي إلى بدر في رمضان :

 وخرج صلى الله عليه وسلم لثمانٍ خلون من رمضان ، من زار الديار المقدسة في الصيف يعلم ما معنى الصيف هناك ، ثمانٌ وخمسون درجة ، ستون درجة ، وفي رمضان :

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا ﴾

( سورة البقرة الآية : 214)

 الآية الكريمة :

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ(2) ﴾

( سورة العنكبوت )

لابد من بذل كل شيء في سبيل الله

 اسأل نفسك : أنا ماذا أفعل ؟ هل سهرت الليل في سبيل الله ؟ هل بذلت الغالي والرخيص في سبيل الله ؟ هل جعت في سبيل الله ؟ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلا مَا وَارَى إِبِطُ بِلالٍ ))

[ سنن ابن ماجه ]

 الإنسان يحاسب نفسه ، هل خفت في الله ؟ هل جعت في الله ؟ هل أوذيت في الله ؟ هل أوذيت لأنك مسلم ؟ هل حرمت مغنماً لأنك مسلم ؟ هل حرمت بعثة لأنك مسلم ؟ هل ضيق عليك لأنك مسلم ؟ ماذا فعلت ؟ الله عز وجل يريد أن نفعل شيئاً في سبيله ، حتى يرقى بنا إلى أعلى عليين .

 

3 ـ استخلاف النبي بعض أصحابة لإدارة شؤون المدينة :

 فالنبي عليه الصلاة والسلام خرج لثمانٍ خلون من رمضان ، واستخلف على الصلاة ابن أم مكتوم ، يوجد نظام ، الحضارة نظام ، هناك من استخلفه النبي للصلاة في المدينة ، ورد أبا لبابة من الروحاء ، موقع قريب لبدر ، واستعمله على المدينة والياً في غيبته ، يوجد أمير للمدينة ، ويوجد إمام ، أمير وإمام ، وصنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس ، وإذا فسدا فسد الناس ، الأمراء والعلماء ، العلماء ملح البلد ، فمن يصلح الملح إذا الملح فسد ؟ حينما يقصر العالم بواجبه الديني فالمشكلة كبيرة جداً ، سيدنا علي يقول : قوام الدين والدنيا أربعة رجال ، عالم مستعمل علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم ، وغني لا يبخل بماله ، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه ، قال : فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم ، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره .

4 ـ تنظيم الأمور قبل الوصول على بدر :

 رد أبا لبابة إلى المدينة من الروحاء ، واستعمله على المدينة ، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير ، أي القيادة العامة ، ودفع إلى علي راية ، وإلى أنصاري راية أخرى ، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة ، راية الأنصار كانت مع سعد بن معاذ ، فسلكوا نقب المدينة إلى ذي الحليفة ، ثم انتهوا إلى صخيرات يمام ، ثم إلى بئر الروحاء ، ثم رجعوا ذات اليمين بالطريق إلى الصفراء ، وبعث صلى الله عليه وسلم قبلها بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء إلى بدر ليتجسسا ، لابد من تقصي أخبار العدو ، هذا هو التجسس ، فما هو التحسس ؟ قالوا : التجسس تتبع الأخبار السيئة ، أما التحسس فتتبع الأخبار الطيبة ، والآية :

﴿ وَلَا تَجَسَّسُوا ﴾

(سورة الحجرات الآية:12)

 فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، كم تأخذ في الشهر ؟ أخبار طيبة ، لكن هذا فضول !! هذا أسلوب حشري ، لم يطلب منك أن تساعده حتى تسأله كم بأخذ في الشهر ، لا تجسسوا ولا تحسسوا ، وكونوا عباد الله إخواناً .
فمن لوازم القيادة الحكيمة أن تستطلع أخبار العدو ، بعث بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء إلى بدر يتجسسان أخبار أبي سفيان وعيره .

 

5 ـ استشارة النبي أصحابَه في أمر القتال وسروره بموقف الأنصار :

 ثم تنكب عن الصفراء يميناً ، وخرج على وادي دقران ، فبلغه خروج قريش ونفيرهم ، فاستشار أصحابه ، فالقصة من أولها كانت مناورة ، فإذا هي معركة ، استشار أصحابه فتكلم المهاجرون وأحسنوا ، وهو يريد ما يقوله الأنصار ، الأنصار وعدوه أن يمنعوه ، وليس ثمة اتفاق أن يخرجوا معه ، فوجد شيئًا جديدًا ، لابد من موافقة الأنصار ، هم وعدوه أن يمنعوه في مدينتهم ، لا أن يحاربوا معه ، فحتى يتأكد من الوضع سألهم ، فقال : أشيروا علي أيها الناس ، فقال سيدنا سعد : لعلك تريدنا يا رسول الله ؟ قال : أجل ، فقال سيدنا سعد كلامًا لو كل إنسان دعا إلى الله معه أمثال سيدنا سعد ، وكل إنسان أراد أن يفعل شيئاً لصالح المسلمين معه أمثال هؤلاء ، لكنا في حال غير هذا الحال ، قال له سيدنا سعد : امض لما أردت ، فو الله لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ، سر بنا على بركة الله ، صِل حبال من شئت ، واقطع حبال من شئت ، وسالم من شئت ، وعادِ من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ، لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك ، ما تخلف منا رجل ، لصبرٌ في الحرب صدق عند اللقاء ، فلعل الله يريك منا ما تقر به عينك .

قوة العالِم بقوة مَن معه :

 تقول : إن العلماء مقصرون ، هذا يقال في أكثر من مجلس ، العلماء قوتهم بقوة من معهم ، ولكن لو وجد ولاء بسيط !
 تروى قصة شهيرة ، هي طرفة ، في عهود قديمة أحد كبار العلماء كثر أتباعه جداً ، فاستدعاه الوالي ، قال له الوالي : أأنت أم أنا ؟ قال له : أنت الوالي ، وأنا لست بوالٍ ، قال له : ما هذا الجمع الغفير الذي حولك ؟ قال له : ما عندي أحد ، عندي واحد ونصف ، قال له : عندك عشرون أو ثلاثون ألفًا ، قال له : عندي مريد ونصف فقط ، قال له : ما هذا الكلام ؟ قال له : أشع في البلد أنك حبستني ، وانظر ماذا سيكون !! أشيع هذا الخبر فتفرق كل هؤلاء ، ولم يبق أحد ، وجاء يومًا حطاب أراد أن يهدم القصر بفأسه ، لأن شيخه مسجون ، قال له : هذا المريد ، وجاء آخر ناعم ، وقال : لماذا حبستم الشيخ ؟ قال له : هذا النصف ، تجمع فارغ ، لا شيء فيه .
 قال له : لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك ، صل حبال من شئت ، واقطع حبال من شئت ، وسالم من شئت ، وعادِ من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك ، ائت لي بأتباع بنصف هذا الصدق ، وبنصف هذه القوة فترى حال المسلمين بغير هذا الوضع ، النبي سر بهذا الكلام جداً ، وقال : سيروا وأبشروا ، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ، أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن مردويه عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي عن أبيه عن جده قال :

(( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر ، حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال : كيف ترون ؟ فقال أبو بكر : يا رسول الله بلغنا أنهم كذا وكذا ، ثم خطب الناس فقال : كيف ترون ؟ فقال عمر مثل قول أبي بكر ، ثم خطب الناس فقال : كيف ترون ؟ فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله إيانا تريد ، فو الذي أكرمك ، وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط ولا لي بها علم ، ولئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن لنسيرن معك ، ولا نكونن كالذين قالوا لموسى :

﴿ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ﴾

، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون ، ولعلك أن تكون خرجت لأمر ، وأحدث الله إليك غيره ، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض له ، فصل حبال من شئت ، واقطع حبال من شئت ، وعاد من شئت ، وسالم من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ، فنزل القرآن على قول سعد :

﴿ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ﴾

إلى قوله

﴿ ويقطع دابر الكافرين ﴾

، وإنما رسول الله يريد غنيمة مع أبي سفيان فأحدث الله إليه القتال ))

(الدر المنثور للتفسير بالمأمور للإمام جلال الدين السيوطي )

 فالنبي سر بهذا الكلام جداً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( سيروا ، فإن الله قد وعدكم إحدى الطائفتين أنها لكم ))

[الدر المنثور للتفسير بالمأمور للإمام جلال الدين السيوطي ]

 قال له سعد بن معاذ :

(( واللّه لكأنك تريدنا يا رسول اللّه ، قال : أجل ، فقال : فقد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يا رسول اللّه لما أمرك اللّه ، فوالذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما يتخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً ، إنا لصبر عند الحرب ، صدق عند اللقاء ، ولعل اللّه يريك ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة اللّه ، فسر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقول سعد ، ونشطه ذلك ، ثم قال : سيروا على بركة اللّه ، وأبشروا فإن اللّه قد وعدني إحدى الطائفتين ، واللّه لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم ))

[مختصر تفسير ابن كثير اختصار الصابوني]

عدل النبي عليه الصلاة والسلام مع أعدائه :

 ثم ارتحلوا من بقران إلى قريب من بدر ، وبعث علياً والزبير وسعداً في نفر يلتمسون الخبر ، أرسل اثنين ، ثم أرسل ثلاثة لتقصي الأخبار ، لم يوجد حينها أقمار صناعية ، فأصابوا غلامين لقريش ، فأتوا بهما والنبي قائم يصلي ، وقال الغلامان : نحن سقاة قريش ، فكذبوهما ، كراهية في الخبر ، ورجاء أن يكون من العير ، فجعلوا يضربونهما فيقولان نحن من العير ، فسلم النبي وأنكر عليهم ، هكذا العدل ؟! حصل خطأ ، فالنبي أنكر هذا الخطأ إنكاراً شديداً .
 قال أحد الولاة لسيدنا عمر : إن أناساً اغتصبوا مالاً ليس لهم ، ولست أقدر على استرداده منهم إلا أن أمسهم بالعذاب ، إن أذنت لي فعلت ، قال له : يا سبحان الله أتستأذنني في تعذيب بشر ؟ وهل أنا حصن لك من عذاب الله ؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله ؟ أقم عليهم البينة ، فإن قامت فخذهم باللينة ، فإن لم تقم فادعهم إلى الإقرار ، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم ، وإن لم يقروا فادعهم لحلف اليمين ، فإن حلفوا فأطلق سراحهم ، وإني والله لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم ، هذا هو الورع .

(( فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صنيعهم بهما سلم من صلاته وقال : ماذا أخبراكم ؟ قالوا : أخبرانا أن قريشا قد جاءت ، قال : فإنهما قد صدقا ، والله إنكم لتضربونهما إذا صدقا ، وتتركونهما إذا كذبا ، خرجت قريش لتحرز ركبها وخافوكم عليهم ، ثم دعا رسول الله العبدين فسألهما ؟ فأخبراه بقريش وقالا : لا علم لنا بأبي سفيان ، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم كم القوم ؟ قالا : لا ندري ، والله هم كثير ، فزعموا أن رسول الله قال : من أطعمهم أمس ؟ فسميا رجلا من القوم ، قال : كم نحر لهم ؟ قالا : عشر جزائر ، قال : فمن أطعمهم أول أمس؟ فسميا رجلا آخر من القوم ، قال: كم نحر لهم؟ قالا : تسعا ، فزعموا أن رسول الله قال : القوم ما بين التسعمائة والألف ، يعتبر ذلك بتسع جزائر ينحرونها يوما وعشر ينحرونها يوما ))

[ الدر المنثور للتفسير بالمأمور للإمام السيوطي ]

 فقال عليه الصلاة والسلام :

(( القوم ما بين التسعمائة والألف ))

 استخبارات دقيقة جداً ، يسمونه استخبارا وتحليلا ، أحياناً يأتيك إنسان بالخبر ، هذا الخبر يحتاج إلى تحليل ، هذا الغلام جاء بالخبر ، ينحرون في اليوم تسعة إبل أو عشرة ، النبي قال :

(( القوم ما بين التسعمائة والألف ))

 وكان بسبس وعدي مضيا يتجسسان ولا خبر ، حتى نزلا وأناخا قرب الماء ، واستقيا في شنن لهما ( دلو ) ، ومجد بن عمرو بقربهما ، فسمع عدي جارية من جواري الحي تقول صاحبتها : العير تأتي غداً أو بعد غد ، وأعمل لهم ، وأقضيكِ الذي لكِ ، وجاءت إلى مجد بن عمرو فصدقها ، فرجع بسبس وعدي بالخبر ، وجاء أبو سفيان بعدهما يتجسس الخبر ، فقال لمجد : هل أحسست أحداً ؟ فقال : راكبين أناخا يميلان لهذا التل ، فالتقيا الماء ونهضا ، فأتى أبو سفيان بناخهما - مكان إناخة الإبل - وفت من أبعار واحدهما ، أخذ بعرة من أبعار الإبل وفتّها ، فقال : هذه علائف يثرب ، أي بعر جمل أكل علفاً من يثرب ، أرأيتم إلى الدقة في الاستنباط !! فرجع سريعاً وقد حذر ، وتنكب بالعير إلى طريق الساحل فنجا ، أي نجا بالقافلة وبالبضاعة ، وأوصى إلى قريش أننا قد نجونا بالعير فارجعوا ( انتهت المشكلة ) ، هو خاف على هذه التجارة الكبيرة ، وهذه البضاعة الثمينة والغالية ، فاستطلع ونجا بقافلته إلى الساحل وانتهى الأمر ، فقال : ارجعوا القافلة نجت ، فقال أبو جهل : والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر ، ونقيم به ثلاثاً .

 

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ(1) ﴾

( سورة محمد )

 مستحيل ؛ إنسان كافر منحرف ، فاجر ، عاصِ لله ، إلا أن يرتكب خطأً فادحاً ، وحماقة كبرى ، لأن الله يحجب عنه الحقائق ، لا يملك رؤيا صحيحة ، قال : والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر ، ونقيم به ثلاثاً ، وتهابنا العرب أبداً .
أما الأخنس بن شريق فرجع بجميع بني زهرة ، لم يقبل ، لقد جمعتمونا من أجل قافلة قريش ، فانسحب ، وكان حليفهم ، ومطاعاً فيهم ، قال: إنما خرجتم تمنعون أموالكم ، وقد نجت فارجعوا ، وكان بنو عدي لم ينفروا مع القوم ، فلم يشهد بدراً عدوي ولا زهري .

 

6 ـ نزول النبي عليه الصلاة والسلام عند ماء بدر :

 وسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً إلى ماء بدر ، وثبطهم عنه مطر نزل وبله مما يليهم ، وأصاب مما يلي المسلمين ماء الوادي ، وأعانهم على السير .
 الآن هنا نقطة دقيقة جداً ، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم على أدنى ماء من بدر .

أخذُ النبي عليه الصلاة برأي الحباب بن المنذر في مكان العسكر :

 بالمناسبة كما ذكرت قبل درسين ما حدث في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان حدثاً مقصوداً لذاته ، وكان من هذا الحدث تشريع ، فالله عز وجل فيما يقول كتاب السيرة حجب عن النبي صلى الله عليه وسلم الموقع المناسب ، حجبه عنه وحياً ، وحجبه إلهاماً ، وحجبه عنه اجتهاداً ، الآن ماذا سيكون ؟ هناك فضيلة في الإنسان مهمة جداً غالية جداً ، هذه الفضيلة أن ترجع إلى الصواب إن كنت مخطئاً ، هذا الكمال الأخلاقي لا يمكن أن يفعله نبي لأنه لا يخطئ ، الآن أراد الله عز وجل أن يقف النبي موقفاً كاملاً حينما حجبت عنه الحقيقة العسكرية في موقعة بدر ، جاء صحابي جليل اسمه الحباب بن المنذر جاء بأدب يفوق حد التصور ، وقال : يا رسول الله إن هذا الموقع ( انظر إلى الاحتياط ، والدقة ، والورع ) ، أوحاه الله إليك ؟ أم هو الرأي والمشورة ؟ قال : بل هو الرأي والمشورة ، قال والله يا رسول الله ليس بموقع ، انظر إلى جرأة الصحابي ، هو يعترض على سيد الأنبياء ، على سيد الخلق ، وحبيب الحق ، وهذا النبي العظيم المتواضع ما أنكر عليه ولا هدر كرامته ، أو أخرجه من وجهه لانتقاده ، سيد الخلق أشير عليه أن هذا ليس بموقع ، فقبل النبي ، فقال : يا رسول الله ليس بموقع ، وإننا نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ، ونبني عليه حوضاً نملأه ، ونمنع القوم من الماء ( ضغطنا عليهم ) ، فاستحسنه النبي .
 إخواننا الكرام ، بقدر إخلاصك لله ، وبقدر طاعتك له ، وبقدر حرصك على نجاح المسلمين تصغي إلى النصيحة ، وبقدر مكاسبك التي كسبتها من الدين ، والتي أنت تحافظ عليها ، تصغي إلى النصيحة ، الإصغاء إلى النصيحة علامة الإخلاص ، وأي إنسان يلغي المعارضة يلغى هو ، وهذا موقف ، النبي عليه الصلاة والسلام مع أنه معصوم ، ومع أنه سيد الخلق ، ومع أنه حبيب الحق ، ومع أنه لا يخطئ ، أصغى إلى هذا الصحابي الجليل ، وكان هذا الصحابي الجليل قمة في الأدب ، يا رسول الله ! هذا الموقع وحي أوحاه الله إليك ؟ أم هو الرأي والمشورة ؟ قال : هو الرأي والمشورة ، فلما بين له الصحابي الموقع المناسب استحسنه النبي ، وشكره على نصيحته ، ثم بنوا عريشاً على تل مشرف على المعركة ، يكون فيه النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه النصر من ربه ، أنا زرت هذا الموقع ، في طريق بين مكة والمدينة طريق قديم ، على هذا الطريق القديم موقع بدر ، ورأيت موقع العريش ، لكن طرفة !! وجدت هذه السيارات الفخمة جداً أهلها جالسون يأكلون ما لذ وطاب ، المركبات مكيفة ، برادات الماء من أعلى مستوى ، الطعام نفيس ، فقلت هذه الكلمة في نفسي : والله هذا الطقم غير ذاك الطقم .

7 ـ النبي عليه الصلاة والسلام يري الصحابة أمكنة مصرع صناديد قريش :

 ومشى النبي عليه الصلاة والسلام يريهم مصارع القوم واحداً وَاحداً ، ولما نزلت قريش مما يليهم بعثوا عريش بن وهب الجمحي يحزر أصحاب رسول الله ، أي يتخمن عددهم ، فحزرهم وانصرف ، وخبرهم الخبر ، ورام حكيم بن حزام ، وعتبة بن ربيعة أن يرجعا بقريش ، فلا يكون الحرب فأبى أبو جهل ، أي ركب رأسه ، وساعده المشركون ، وتوافقت الفئتان .

 

8 ـ النبي عليه الصلاة والسلام يدعو ربه ويسأله النصر :

 عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف بيده ، ورجع إلى العريش ومعه أبو بكر وحده ، وطفق يدعو ويلح في الدعاء ، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه :

(( اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم آت ما وعدتني ، اللهم إن تَهْلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تُعْبَد في الأرض ))

 فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه .

 

[ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ]

 وسعد بن معاذ وقوم من الأنصار على باب العريش يحمونه ، وأخفق النبي عليه الصلاة والسلام ثم انتبه ، أي غفا غفوة ثم انتبه ، فقال : أبشر يا أبا بكر ، فقد أتى نصر الله ، ثم خرج يحرض الناس ، ورمى بوجوه القوم بحفنة من حصى .

 

 

8 ـ بداية المعركة بالمبارزة الفردية :

(( ... فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَامَ عَلَى رُءُوسِهِمْ ، فَأَخَذَ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ فَقَالَ : شَاهَتِ الْوُجُوهُ ، ثُمَّ حَصَبَهُمْ بِهَا ، فَمَا أَصَابَ رَجُلًا مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْحَصَى حَصَاةٌ إِلَّا قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا ))

[ صحيح مسلم ]

 ثم تزاحفوا ، وخرج عتبة ، وأخوه شيبة ، وابنه الوليد ، يطلبون البراز ، أي المبارزة ، فخرج إليهم عبيدة بن الحارث ، وحمزة بن عبد المطلب ، وعلي بن أبي طالب ، وقتل حمزة وعلي شيبة والوليد ، وضرب عتبة عبيدة فقطع رجله فمات ، وجاء حمزة وعلي إلى عتبة فقتلاه ، وقد كان برز إليهم عوف ومعوض ابنا عفراء ، وعبد الله بن رواحة من الأنصار ، فأبوا إلا قومهم ، وجال القوم جولة فهزم المشركون ، وقتل منهم يومئذٍ سبعون رجلاً ، من وجوههم ، وأسر سبعون آخرون ، واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلاً ، ثم انجلت الحرب ، وانصرف إلى المدينة وقسمت الغنائم ، ودخل المدينة لثمانٍ بقين من رمضان ، دامت هذه المعركة تقريباً أربعة عشر يوماً .
 عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ

(( أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلاً مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ ، فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلاثَ لَيَالٍ ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا ، ثُمَّ مَشَى ، وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ ، وَقَالُوا : مَا نُرَى يَنْطَلِقُ إِلا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ : يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ ، وَيَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ ، أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ؟ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا ، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ؟ قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لا أَرْوَاحَ لَهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ ، قَالَ قَتَادَةُ : أَحْيَاهُمُ اللَّهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنَقِيمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا ))

[ صحيح البخاري ]

لابد من معرفة سيرة النبي ، لأنها منهج كامل :

 أيها الإخوة الكرام ، هذه موقعة بدر بشكل موجز ، لكن لي تعليق لابد منه ، من منا يصدق أن سيرة النبي عليه أتم الصلاة والسلام منهج كامل ، ومعرفتها فرض عين ، لا يوجد مسلم معفى من قراءة سيرة رسول الله ، في كل موقف له ، في كل كلمة ، في كل حركة ، في كل سكنة ، في كل تصرف ، منهج ، فنحن نستنبط الشيء الكثير من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ، وأقوى دليل قول الله عز وجل :

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا(21)﴾

( سورة الأحزاب)

 ثلاثمائة صحابي ، وبضعة عشر رجلاً ، معهم فرسان فقط ، وسبعون بعيراً ، أمام قوة كبيرة عاتية من قريش ، ومع ذلك انتصروا ، فلما في حنين قالوا : لن نغلب من قلة . يكفي هذان الدرسان .

 

درسان في حياة كل مؤمن : درس بدر ودرس حنين :

 أنا أقول في النهاية : هناك درسان في حياة كل مؤمن ، درس بدر ودرس حنين ، إذا قلت الله تولاك ، ونصرك ، وأيدك ، وأنهضك ، وأغناك ورزقك ، وأكرمك ، ورفع شأنك ، وإن قلت أنا ، فلان بن فلان ، أبي فلان ، أحمل الشهادة الفلانية ، عندي أموال لا تأكلها النيران ، تأتي مصائب لا تنفع فيها الأموال ، هناك عند الله أبواب للمصائب لا تنتهي ، وكل إنسان له المصيبة التي تناسبه ، فإذا كنت مع الله كان الله معك ، وإذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله ، إذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق مما في يديك ، إن أردت أن تكون أكرم الناس فاتق الله .

والحمد لله رب العالمين

الأسئلة :

 أيها الأخوة
 س : رجل مسلم يدعي بأن شرب الخمر حلال .
 ج : هذا لا بد له من مشفى المجانين ، هذا لا يجاب عنه ، قال : استناده إلى ذلك قوله تعالى في سورة النحل :

﴿ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ﴾

( النحل : الآية 67 )

 هل السكر رزق حسن ؟ سأقول لك : عندي ولدان ، مثلاً ، الأول جيد ، معنى هذا أن الثاني غير جيد ، هذا أول استنباط خاطئ ، أول إشارة إلى أن الخمر خبيثة هذه الآية :

 

﴿ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ﴾

(النحل : الآية 67)

 شراباً مسكراً ، أو تتخذون منها :

 

﴿ رِزْقًا حَسَنًا ﴾

 معنى ذلك أن الشراب المسكر ليس بحسن ، هذه أول إشارة ، أما الإشارة الثانية :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾

( سورة النساء الآية :43)

 معنى ذلك أن الخمر تذهب العقل ، الإشارة الثالثة ، والحكم الثالث :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

( سورة المائدة : الآية 90 )

 الرجس الشيء الذي ينبغي ألاّ تقترب منه :

﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الْأَوْثَانِ ﴾

( سورة الحج الآية :30)

 أي أن تعبد غير الله رجس ، وأن تشرب الخمر رجس ، إذاً رفعت هذه المعصية إلى مستوى الشرك بالله ، لماذا ؟ لأنك تعتدي على عقلك ، وتعطله ، وهو أداة التكليف ، ومناط التكليف والمسؤولية .
 الشيء الآخر قال : فاجتنبوه ، لو أن الله قال : حرمت عليكم الخمر ، أي حرم عليكم شربها ، ولم يحرم بيعها ، ولم يحرم الاتجار بها ، أما حينما قال : فاجتنبوه ، فينبغي ألاّ تشربها ، وألا تجلس إلى من يشربها ، وألاّ تبيعها ، وألاّ تعصرها ، وألاّ تنقلها ، وألاّ تعلن عليها ، هذا كله محرم ، لقوله تعالى :

﴿ فَاجْتَنِبُوهُ ﴾

 فهذا المسلم الذي يدَّعي بأن شرب الخمر ليس بحرام ، واتخذ هذه الآية دليلا ، قال: لم يقتنع معي، فإن لم يقتنع معك اتلُ عليه الآية الكريمة :

 

﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴾

( سورة المدثر )

 امرأة لم تقتنع بالحجاب ، لم يبق أحد من إخوتها وأقاربها ، أبداً لم تقتنع ، فأصيبت بمرض عضال ، فقالت كلمة ، والله لا أنساها ، طبعاً نقلت إلي ، قالت : والله لئن شفاني الله لوضعت ستاراً ، وليس حجاباً .
 الله أحياناً يرجئ ، فإن لم يقتنع بالحق ، وهو معافى يوجد طريقة تقنعه بالحق ، لا يتكبر أحد على الله عز وجل !! إن لم تقنع بالحق وأنت معافى ، يأتي وقت تقنع به وأنت في مصيبة ، فاقنع بالحق وأنت صحيح ، قبل أن تقنع به قسراً ، قال لي أحدهم : لا يعاش في هذا البلد ، ودخله والله بالملايين ، أصيب بمرض .
 قال لي مرة : يكفي الشخص ألف ليرة بالشهر ، كان ينفق مئات الألوف في الشهر ، ولما أصابه مرض عضال تمنى أن يشفيه الله منه ، وأن يعيش على ألف ليرة بالشهر ، ليكن الإنسان أديباً مع الله عز وجل .
 س : خطب شاب ابنتي ، وتم الفراق بينهما ، وبعد أن مشى في شرفها بغير حق ، وهي بريئة ، والآن أعرض لكثير من الأسئلة عن سبب فراقهما ، فهل يصح لي في الدين أن أنوه بعيوبه ؟
 ج : قال تعالى :

﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ﴾

(سورة النساء الآية:148)

 لكن أتمنى على كل شريكين انفصلا عن بعضهما ، وعلى كل خطيبين انفصلا عن بعضهما أن يلزما الصمت ، فهذا والله أكمل ، لا يوجد نصيب ، لكن والله أنا أحتقر احتقاراً لا حدود له هذا الذي ينهش في أعراض الناس ، والله عز وجل من أسمائه الستِّير ، المؤمن ستير ، قد يكون الخطأ من البنت ، وقد يكون ثمة انحراف ، لكنه يستر عليها .
 س : بالنسبة للنذر هل يجوز أن يأكل منه أولاد الناذر أم لا ؟
 ج : لا يجوز ، فالنذر لا يؤكل منه شيء ، إلا أنه يجوز أن تعطي الفقراء منه ، أما أولادك فأنت ترعاهم ، وتنفق عليهم ، فإذا أطعمتهم من هذا النذر وفرت النفقة على نفسك ، وهذا لا يجوز .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018