الخطبة : 1083 - المؤمن مرآة المؤمن - الدين النصيحة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1083 - المؤمن مرآة المؤمن - الدين النصيحة .


2008-08-15

الخــطــبـة الأولــى :

     الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين أمناء دعوته وقادة ألويته و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.

المؤمن مرآة أخيه المؤمن يكشف له الخلل من دون تشهير و إعلان :

     أيها الأخوة الكرام، ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( إنّ أحدكم مرآة أخيه فإن رأى به أذى فليُمِطه عنه ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة]

                         وفي حديث آخر:
     يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( المؤمن مرآة المؤمن ))

[ رواه البزار و الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك ]

     وفي حديث ثالث يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( المؤمن مرآة المؤمن والمؤمن أخو المؤمن يكفُّ عليه ضيعته ويحوطه من ورائه ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة]

     وقد ورد في البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث رابع:

(( المسلم مرآة المسلم فإذا رأى به شيئاً فليأخذه عنه، وإن كان الشيء صالحاً فليأخذه منه ))

                         أيها الأخوة الكرام، (( المؤمن مرآة المؤمن )). المؤمن كأنه مرآة تريه محاسن أخيه ومعايبه، الوجه الحسن يُرى في المرآة والوجه الكالح يُرى في المرآة، لكن بينه وبينه، إن النصيحة في الملأ فضيحة، إنما يعلم الشخص عيب نفسه بإخبار أخيه من دون ضجيج، من دون تشهير، من دون فضائح، من دون إعلان، والمؤمن لأنه مرآة أخيه المؤمن يكشف له الخلل فيمنع تلفه وخسرانه.

 

على المؤمن أن ينصح أخاه دون فضيحة أو تهويل :

     أيها الأخوة، أما قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( يكف عليه ضيعته ))، أي يكف عليه ما يهلكه في معاشه و(( يحوطه من ورائه )). أي يحفظه ويصونه ويدافع عنه بقدر الطاقة، هذا شرح بعض شراح الحديث لهذه الأحاديث المتعددة ذات المضمون الواحد.
     أيها الأخوة، هذا الحديث وأمثاله مهم جداً في العلاقة بين المؤمنين، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: (( المؤمن مرآة المؤمن )). هذا الحديث على قلة كلماته هو عظيم المعاني، كثير الدلالات، ينطوي على معانٍ تربوية نحن في أمس الحاجة إليها، وبخاصة في هذه الأيام التي يمر بها المسلمون، وهم غارقون في مشكلات فيما بينهم، المرآة أيها الأخوة تظهر عيوب من دون سخط، من دون جدال، انصح أخاك بينك وبينه، من دون فضيحة، من دون تهويل، من دون مبالغة، من دون جلبة، من دون تشهير، المرآة تعكس العيوب بصمت، فكن كهذه المرآة، لأنك كما وصف النبي عليه الصلاة والسلام مرآة أخيك وأخيك مرآتك، هذا هو التناصح.

من واجب كل إنسان فضلاً عن أن ينصح الآخرين في عيوبهم أن يبرز محاسنهم للناس:

     أيها الأخوة، كما قلت قبل قليل المرآة تكشف العيوب من دون صخب ولا ضجيج، كن في تصحيح المسار، كن في رأب الصدع و لمِّ الشمل و إصلاح الخلل بينك وبين أخيك كهذه المرآة، تعمل بصمت، تعمل بستر، تعمل بهدوء، تعمل بخصوصية من دون ضجة لأن في الضجة فضيحة، من دون تشهير لأن في التشهير إيذاءً للإنسان.
     لكن أيها الأخوة، المرآة كما أنها تبدي العيوب تبدي المحاسن، إنها تعكس كل شيء لعلها تعكس المحاسن قبل المساوئ، فلا تكن إلا كهذه المرآة إن كان في أخيك فضيلة، إن كان فيه خير، إن كان فيه محاسن، أبرز هذه المحاسن، وإن كان فيه معايب اجعلها بينك وبينه، المحاسن أبرزها، زوج نصح زوجته ليلة العرس قال لها ما وجدت من حسنة فانشريها وما وجدت من سيئة فاستريها.
     لذلك من واجبك فضلاً عن أن تنصحه في عيوبه أن تبرز محاسنه للناس، إن أبرزت محاسنه للناس دعمت الحق، وهذا دعم لأخيك، وهذا إعلام عن أخوتك الصادقة، أما إذا عكست هذه المرآة بعض المساوئ فينبغي أن يكون هذا بينك وبين أخيك، بهدوء بتلطف، بأجمل كلمة، بأرقى عبارة، بألطف أسلوب، لذلك من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف ومن نهى عن منكر فليكن نهينه بغير منكر.

على الإنسان أن يكون موضوعياً وفي الموضوعية يلتقي العلم مع الأخلاق :

     أيها الأخوة، ما منا واحد إلا وفيه بعض المحاسن، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يبرز هذه المحاسن من أجل أن يشجع عليها، وكان عليه الصلاة والسلام يحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهنه، فإذا رأيت في أخيك بعض المحاسن فأبرزها.
     النبي عليه الصلاة والسلام سمع جلبة وضجيجاً لأن بعض المصلين أراد أن يلحق بالركعة الأولى في صلاة النبي فأحدث جلبة بين أصحابه، فلما انتهت الصلاة قال عليه الصلاة والسلام: زادك الله حرصاً. أثنى على حرصه ولا تعد، زادك الله حرصاً ولا تعد.
     أخطأ لكن هذا الخطأ ينطلق من رغبة أن يلحق مع النبي الركعة الأولى، أبرز هذه المحاسن كما أبرز النبي عليه الصلاة والسلام هذا الموقف الذي آذى الصحابة لكنه ينطلق من حرص على أن يلحق الصحابي الركعة الأولى مع النبي عليه الصلاة والسلام، زادك الله حرصاً ولا تعد.
     كن موضوعياً، الموضوعية قيمة أولى في العلم، كن موضوعياً والموضوعية قيمة أولى في الأخلاق، وفي هذه الموضوعية يلتقي العلم مع الأخلاق.

من رأى السلبيات فلا ينسى الإيجابيات :

     أيها الأخوة الأكارم، إذا رأيت السلبيات فلا تنسى الإيجابيات، إذا رأيت القبائح فلا تنسى المحاسن.

(( لا يَفْرَك مؤمن مؤمنة إن كره منها خُلقاً رضي منها آخر ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

               يعني مرة أحد ملوك الأندلس يمشي في حديقته فرأى بركة ماء وقد نسج عليها الريح زرداً، يعني كأنه سلسلة فقال: نسج الريح على الماء زرد، ولم يستطع إكمال البيت، وراءه جارية قالت له: يا له درعاً متيناً لو جمد. أعجبته الجارية بفصاحتها وشعرها، فتزوجها وجعلها سيدة القصر، أكرمها إكراماً لا حدود له، اشتهت مرة حياة الفقر أرادت أن تدوس في الطين فجاء لها بالمسك والعنبر وخلطه بماء الزهر وجعله طيناً كي تدوس فيه، ثم جاء ابن تاشفين فقضى على ملوك الطوائف، وأودعهم في السجن، وساءت حال هذا الملك ابن عباد، تبرمت به زوجته الجارية سابقاً، وقالت لم أرَ منك خيراً قط، فقال لها: ولا يوم الطين.
     إن رأيت المساوئ لا تنسى المحاسن، إن رأيت السلبيات فلا تنسى الإيجابيات، إذا رأيت أن هذا الموظف تأخر لا تنسى أنه أمين، إن رأيت هذا الابن لم ينجح لا تنسى أنه مستقيم، فإذا رأيت المساوئ لا تنسى المحاسن، هذا موقف النبي عليه الصلاة والسلام.
     أيها الأخوة، كن موضوعياً، كن كالمرآة تبرز المحاسن والعيوب بصمت، أعلن المحاسن واسكت عن العيوب واجعل العيب بينك وبين أخيك، ناصحاً على انفراد في مكان مغلق يرتاح لك ويشكرك، أما إذا نصحته أمام الناس فهذه فضيحة وليست نصيحة.

 

من لا يعنيه همّ المسلمين إنسان لا ينتمي إليهم و لا يحرص على هدايتهم :

     أيها الأخوة، المرآة لا تضعف العيوب، مرآة مسطحة وليست مقعرة، المرآة المقعرة تكبر الوجه، والمسطحة ترسم الوجه تماماً بحجمه، بأبعاده، بتفاصيله، المرآة المحدبة تصغر، ينبغي أن تكون مرآةً مسطحة لا محدبة ولا مقعرة، لا تبالغ ولا تقلل.
     أيها الأخوة، كن كالمرآة الثقيلة لا محدبة ولا مقعرة، كن مرآةً صادقةً في كشف الخطأ، أصلحه بقصد صلاح الحال، هذا الذي لا يعنيه أمر المسلمين، ولا يحمل همّ المسلمين ليس من المسلمين، هذا الذي لا يتمعر وجهه إذا رأى منكراً ليس من المسلمين.
     أيها الأخوة الكرام، وهذا الذي يقول أنا على حق ولا شأن لي بالآخرين هذا لا ينتمي إلى المجموع لا يحرص على هدايتهم.
     الذي ورد: أن الله عز وجل أرسل الملائكة لإهلاك قرية، فقالوا: إن فيها رجلاً صالحاً ؟ قال: به فابدؤوا، ولمَ يا رب ؟ قال: لأنه لم يكن يتمعر وجهه إذا رأى منكراً.

قصة حاطب بن بلتعة و موقف النبي الكريم منه :

     أيها الأخوة، قصة نقرؤها كثيراً: حاطب بن أبي بلتعة عمل عملاً لا يمكن أن يقبل في أي زمان ولا في أي مكان، بأي نظام في الأرض يعد خيانة عظمى، أرسل رسالة إلى قريش، مضمونها إن محمداً سيغزوكم فخذوا حذركم.
     خيانة عظمى، الله عز وجل عن طريق الوحي أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فأرسل صحابياً إلى المرأة التي تحمل الكتاب، وجاء بالكتاب، واستدعى حاطباً، قال عمر يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا يا عمر، إنه شهد بدراً. قال: تعال يا حاطب، ما حملك على ما فعلت ؟ قال: والله يا رسول الله ما كفرت، ولا ارتددت، ولكنني لصيق في قريش، أردت بهذا الكتاب أن يكون لي عندهم يد أحمي بها أهلي وأولادي وأموالي، وأنا موقن أن الله سينصرك، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أنا صدقته فصدقوه ولا تقولوا فيه إلا خيراً.
     قال شراح السيرة إن عمراً رآها خيانة عظمى فقال: دعوني أضرب عنق هذا المنافق، أما النبي عليه الصلاة والسلام رآها زلة قدم فغفرها له، وقال إني صدقته فصدقوه ولا تقولوا فيه إلا خيراً.
     لذلك أيها الأخوة ورد: التمس لأخيك عذراً ولو سبعين مرة.

كل إنسان عليه أن يكون منزهاً عن أي غرض أرضي و عن الشماتة بالآخرين :

     لكن المرآة لا يمكن أن تعكس العيوب إلا إذا كانت نظيفة، طاهرة، صقيلة، فإن لم تكن مرآة الإنسان نظيفة هذا الإنسان ليس مؤهلاً أن ينصح أحداً، يقال له يا طبيب طبب نفسك، كن صافياً، كن نظيفاً، كن منزهاً عن كل غرض أرضي، كن منزهاً عن الشماتة، لذلك قالوا:

(( الذنب شؤم على غير صاحبه ))

[الجامع الصغير عن أنس بسند فيه ضعف]

               طبعاً صاحبه له حساب طويل أما صديق هذا المذنب قال: إن ذكره فقد اغتابه، وإن عيره ابتلي به، وإن رضيه شاركه في الإثم، فالذنب شؤم على غير صاحبه، من هنا قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ))

[ أخرجه الديلمي في مسن الفردوس عن أنس تصحيح السيوطي: حسن‏ ]

(( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعينه ))

[ ابن ماجه عن أبي هريرة]

               إذاً لا يمكن أن تعكس المرآة العيوب إلا إذا كانت نظيفة، وصقيلة، وطاهرة، لكن الأولى أن يُعنى الإنسان قبل كل شيء بتنظيف نفسه، بتطهير عيوبه، بثقل أخطائه حتى يقنع الناس بنصيحته، إن كنت على غير ما تقول لا أحد يلتفت إليك، المرآة تعكس العيوب ولا تدري من الذي أمامها كبير أم صغير، قوي أم ضعيف، تعكس أي عيب للكبير والصغير، فالذي يتصيد عيوب الضعفاء فقط ويغض الطرف عن عيوب الكبراء هذا مرآة لكنها ليست صادقة منحازة، المرآة تعكس كل العيوب ولجميع الأشخاص والأقدار، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( وإنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، ويم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ))

[ متفق عليه عن عائشة]

               الصغار الضعاف تمطرهم بالنقد، والكبراء تنبطح أمامهم، هذا ليس مؤمناً، الصغار الضعفاء تمطرهم بنقدك اللاذع، أما الكبراء يرتكبون الكبائر وأنت منبطح أمامهم أهذه موضوعية ؟ لا والله.

 

على المؤمن ألا ينتظر مديحاً أو ثناءً من أخيه إن أسدى له نصيحة :

     أيها الأخوة، المرآة تعكس العيوب، ولا تنتظر مغنماً، ولا شكراً، ولا تقديراً، وهكذا المؤمن، لا ينتظر على نصيحته جزاءً، ولا تقديراً، ولا مديحاً، ولا ثناءً، ولا شكراً، أما الإنسان العاقل إن كان عنده مرآة ينبغي ألا يكسرها، وينبغي ألا يهملها، يعني إذا جاءتك نصيحة من مؤمن أصغِ إليها، إصغاؤك لها يكسبك الأجر وليس أجر الذي يقبل النصيحة بأقل من الذي يسديها، قبول النصيحة.
     الحقيقة موقف بالسيرة دقيق جداً يحتاج إلى وعي وفهم، النبي معصوم إذاً كل الفضائل تظهر منه إلا فضيلة واحدة، فضيلة الرجوع عن الخطأ، هو لا يخطئ معصوم، لكن لأن الله عز وجل أراد أن يكسبه هذه الفضيلة حجب عنه الموقع المناسب يوم بدر حجبه عنه وحياً، وإلهاماً، واجتهاداً، فجاء صحابي جليل يقطر أدباً ورقّة، قال يا رسول الله: هذا الموقع وحي أوحاه الله لنا أم هو الرأي والمشورة ؟ انتبه إلى أدب هذا الصحابي، يعني إذا كان وحياً ولا كلمة، أما إذا كان رأياً ومشورة لي قول، قال له: هو الرأي والمشورة، قال له: والله ليس بموقع، ببساطة ما بعدها بساطة، بتواضع ما بعده تواضع، بلطف ما بعده لطف، قال له: جزاك الله خيراً وأمر أصحابه أن يتحولوا إلى الموقع الجديد.

العاقل من جعل الحوار والسؤال والجواب والمدارسة والتباحث ديدناً له :

     أن ترجع عن خطئك أيها الزوج فضيلة، أحياناً تخطئ أنت والزوجة على صواب، لا تعترف بصوابها وتبالغ في تقدير خطئك، أحياناً شيخ، أحياناً داعية سمع نقداً من أحد أخوانه لا يقبله أبداً، يتهمه بأنه مقصر وأنه لا يرى الحقيقة، لا، سيد الخلق وحبيب الحق رجع إلى رأي هذا الصحابي الحباب بن المنذر فمن أنت ؟ قال تعالى:

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )

               لقد أُمر النبي وهو المعصوم أن يشاور أصحابه، ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾، ووصف مجتمع المؤمنين بأن:

 

          

﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾

( سورة الشورى الآية: 38 )

     لذلك ورد عن آخر الزمان:

(( إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأمركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

     عود نفسك الحوار، أن تسأل، أن تتأكد من صوابك، اجعل مجتمع المؤمنين فريق عمل، اجعل كل مؤمن تفوق في جانب وأنت غاب عنك هذا الجانب، وأخوك تفوق في جانب وغاب عنك هذا الجانب، اجعل الحوار والسؤال والجواب والمدارسة والتباحث ديدناً لك ما الذي أخّر المسلمين ؟ صراعاتهم واختلافهم وتنافسهم والأنا عندهم.

 

الغرور آفة الناجحين في الحياة :

     أيها الأخوة، إذا اعتززت بنفسك ولم تلقَ أذناً صاغيةً، إذا اعتززت بنفسك ولم تأبه إلى هذه النصيحة، فكأنك كسرت هذه المرآة، الذي عنده مرآة يرى بها محاسنه وعيوبه لماذا يكسرها ؟ فالذي يرفض النصيحة فكأنما كسر هذه المرآة، لذلك ورد: أن تعلموا قبل أن ترأسوا، فإن ترأستم فلن تعلموا، الإنسان قد يصل إلى قمة النجاح بجهد جهيد ولكنه يسقط من هذه القمة بغرور قليل، الصعود إلى هذه القمة طريق وعر، أشواك، حفر، أكمات، صخور، غبار، ولكن النزول منها بطريق زلق جداً، فالغرور آفة الناجحين في الحياة، حينما تغتر بعلمك، أو تغتر بمكانتك، أو بحكمتك انتهيت، لذلك دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة فاتحاً، مطأطئ الرأس، كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل.

علة خيرية هذه الأمة النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

     أيها الأخوة، المؤمن ينصح من مركز قوة، ومن مركز ضعف، النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي علة خيرية هذه الأمة:

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

[ سورة آل عمران: 110]

     إذاً كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف، ولم تنهوا عن المنكر ؟ قالوا: أوَ كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه ؟ قال كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف ؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال: وأشد منه سيكون ))

[ ابن أبي الدنيا وأبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي أمامة بسند فيه ضعف ]

(( كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً ؟ ))

     عندئذ فقدنا خيريتنا، وأصبحنا أمة كأية أمة خلقها الله عز وجل، وأصبح حالنا كحال الذين قالوا:

﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾

( سورة المائدة: 18 )

     بماذا ردّ الله عليهم ؟ قال:

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

( سورة المائدة: 18 )

على الإنسان أن يحكم بالظاهر والله يتولى السرائر :

     هناك شيء آخر، سيدنا عمر لما رأى عمير بن وهب متوشحاً سيفه في المدينة ألقى القبض عليه، وكتفه بحمالة سيفه، عمير بن وهب ابنه أسير في المدينة، التقى مع صفوان بن أمية فقال له عمير: والله يا صفوان لولا ديون لزمتني ما أطيق سدادها، ولولا أولاد أخشى عليهم العنت من بعدي لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه، فصفوان استغلها استغلالاً شيطانياً قال: أما ديونك فهي عليّ بلغت ما بلغت، وأما أولادك فهم أولادي ما امتد بهم العمر، فامضِ لما أردت، فهذا عمير بن وهب سقى سيفه سماً، ووضعه على عاتقه، وتوجه إلى المدينة بغطاء أنه ذهب إليها ليفدي ابنه الأسير، لما وصلها رآه عمر وقال: هذا عدو الله عمير جاء يريد شراً، قيده بحمالة سيفه، وساقه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال النبي: ادنُ مني يا عمير، فكّ قيده يا عمر وابتعد عنه، فدنا منه قال له: سلم علينا، قال له: عمت صباحاً يا محمد بكل غلظة، قال: قل السلام عليكم، قال: هذا سلامنا ليس بعيداً عنك، قال: ما الذي جاء بك يا عمير ؟ قال: جئت أفك أسر ابني، قال له: وهذه السيف التي على عاتقك، قال: قاتلها الله من سيوف وهل نفعتنا يوم بدر ؟ قال له: ألم تقل لصفوان لولا ديون لزمتني ما أطيق سدادها، ولولا أولاد أخشى عليهم العنت من بعدي لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه، فوقف وقال: أشهد أنك رسول الله لأن هذا الذي جرى بيني وبين صفوان لا يعلمه أحد إلا الله وأسلم.
     يقول سيدنا عمر، الشاهد هنا، يقول دخل عمير على رسول الله والخنزير أحب إليّ منه، وخرج من عنده وهو أحبّ إليّ من بعض إخواني.
     لا يوجد بالإسلام حقد، كما أن هذه المرآة حينما تعكس الخطأ لا تحقد ما في عندها تخزين، خزنت هذه العيوب، عكستها لتوها وانتهى الأمر، يعني المؤمن كالمرآة ما عنده تخزين، أحقاد، تكديس، الأخطاء مسجلة، لا، ببراءة، وببساطة، وبنظافة، وبعفوية، هذا الخطأ كشفه وانتهى الأمر، فالمرآة ليس فيها خزان للعيوب وليس عندها حقد.

الجماعة رحمة والفرقة عذاب :

     لذلك احرص على هذه القاعدة نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، وأرح نفسك من تقييم الخلق، دع تقييم الخلق لله عز وجل:

﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا ﴾

( سورة الإسراء )

     لذلك المرآة لا تؤدي دورها إلا إذا وقف الإنسان أمامها، واعترف بقيمتها، وبفائدتها، لكن الذي لا يسأل، ولا يستنصح، ولا يجلس مع المؤمنين، فكأنما هرب من المرآة، يجلس وحده، يجتهد وحده، يفتي لنفسه، غارق في ملذاته، لذلك الجماعة رحمة والفرقة عذاب:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) ﴾

( سورة التوبة )

النصيحة المؤدبة الصادرة عن إنسان مخلص توضع على العين والرأس :

     أيها الأخوة الكرام، أذكركم بهذه الأحاديث الأربعة:

(( إنّ أحدكم مرآة أخيه فإن رأى به أذى فليُمِطه عنه ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة]

     و الحديث الثاني:

(( المؤمن مرآة المؤمن ))

[ رواه البزار و الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك ]

     والثالث:

(( المؤمن مرآة المؤمن والمؤمن أخو المؤمن يكفُّ عليه ضيعته ويحوطه من ورائه ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة]

     والحديث الرابع:

(( المسلم مرآة المسلم فإذا رأى به شيئاً فليأخذه ))

     أيها الأخوة المؤمنون، كونوا كهذه المرآة تعكس المحاسن قبل المعايب، تعكسها بصمت، كونوا كالمرآة ولنتناصح، والقاعدة الشهيرة: نتعاون فيما اتفقنا، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا. عدلت هذه المقولة فجعلتها كما يلي: نتعاون فيما اتفقنا، وينصح بعضنا بعضاً فيما اختلفنا. النصيحة المؤدبة الهادفة الصادرة عن إنسان مخلص هذه نصيحة توضع على العين والرأس.
     أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخــطــبـة الثانية :

     الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى صحابته الغر الميامين، و على آل بيته الطيبين الطاهرين.

خير أمةٍ الأمة التي تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر :

     أيها الأخوة الكرام: هناك حديث جامع مانع موجز لا يزيد عن كلمتين، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ))

[ مسلم عن تميم الداري ]

     أذكركم بحديث ورد عرضاً في الخطبة حينما أمر الله الملائكة لإهلاك قرية، فقالوا: إن فيها رجلاً صالحاً ؟ قال: به فابدؤوا، ولمَ يا رب ؟ قال: لأنه لم يكن يتمعر وجهه إذا رأى منكراً.
     هناك نوع من المؤمنين همه نفسه يقول لك: أنا مستقيم والحمد لله ومن بعدي الطوفان، لا، لأن الله عز وجل:

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) ﴾

( سورة هود)

     لم يقل صالحون، الصالحون تركوا فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلة خيريتنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أقسم لي شخص أن سبب توبته من شرب الخمر، أنه في وقت ازدحام السير انتظر ساعة حتى وقفت له سيارة تكسي معه خمر بالحقيبة وظاهر الخمر فلما رأى صاحب المركبة هذا الخمر اعتذر، قال: بقيت ساعة ثانية شعرت بالمهانة، ماذا فعل ؟ ما فعل شيئاً اعتذر عن أن يأخذه لهذا المكان لأنه رأى معه الخمر، طبعاً أنت حينما تأمر بمعروف، لكن من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف ومن نهى عن منكر فليكن نهينه بغير منكر، إذا كنت توضح وتبين بأدب وبدليل فأنت تنتمي إلى خير أمة، أما إذا قلت مالي وللناس المهم أنا، عندئذ تنتمي إلى أية أمة خلقها الله.

 

تقسيم أمة الإسلام إلى أمتين أمة التبليغ و أمة الاستجابة :

     من هنا قسم العلماء أمة الإسلام إلى أمتين، أمة التبليغ هذه الأمة تحتاج إلى تبليغ، وأمة التكريم (أمة الاستجابة) التي استجابت لربها فيما أمرها، بين أمة التبليغ وبين أمة الاستجابة، و الحقيقة المرة التي هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح، الله عز وجل يقول:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ (33) ﴾

( سورة الأنفال)

     ما دامت سنة النبي عليه الصلاة والسلام مطبقة في بيوتهم، وفي أعمالهم، فنحن في مأمن من عذاب الله.

 

الدعاء :

     اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018