موضوعات إسلامية - موضوعات مختصرة : 56 - العطاء والمنع - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - موضوعات مختصرة : 56 - العطاء والمنع


2002-03-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الخطأ في التصور أخطر مرض يصيب القلب :

 أيها الأخوة الكرام: القلب كما قلت في الدرس السابق يمرض، ومن أمراض القلب: أن يخطئ التصور، أو أن تنحرف رؤيته، أو أن تفسد بصيرته، أي يتصور شيئاً على خلاف ما هو عليه، لأن العلم هو الوصف المطابق للواقع، إذا تصورت شيئاً على خلاف ما هو عليه فهذا نوع من الجهل، ولو كان معك معلومة، هذه معلومة غير صحيحة. فالجاهل ليس الذي لا يعلم في أدق التعاريف، بل الجاهل هو الذي يملك تصورات غير صحيحة. مثلاً لو إنسان خاف من جهة أرضية، كهذه القوة الطاغية، هذا تصور خاطئ، الأمر بيد الله، بيد الله وحده.

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾

[ سورة هود: 123 ]

 لمجرد أن تتوهم أن الأمر بيد زيد أو عبيد، وأنهم في إرادتهم مستقلون عن إرادة الله، وأنهم قد يفعلون شيئاً ما أراده الله، ولم يسمح به، فهذا أكبر مرض يصيب القلب، مرض فكري، فأنت حينما تتوهم أن الأمر بيد إنسان مخلوق لا يحبك، ويتمنى تدميرك، وهو أقوى منك، هذا التصور قد يسبب أزمة قلبية وحده، أما حينما تدرك وفق القرآن الكريم وسنة النبي عليه الصلاة والسلام أن الأمر بيد الله وأنه:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

[ سورة هود: 123 ]

 كنت بخير .
 إذاً ما المقصود؟ المقصود أن تأتي تصوراتك، أو مفهوماتك، أو معتقداتك، أو فهمك مطابقاً لما في القرآن الكريم.

أمراض تصيب القلب عن خطأ و توهم و سوء عقيدة :

 سوف أخصص هذا اللقاء أو هذا الدرس لموضوع صغير، لو أن إنساناً يعاني من مشكلة وقد تكون الفقر، وقد تكون مشكلة صحية، وقد تكون مشكلة أسرية، وقد تكون مشكلة اجتماعية، وقد تكون مشكلة نفسية، لمجرد أن يتصور الإنسان الذي ابتلاه الله بمشكلة ما أنه مهان عند الله فهذا مرض يصيب القلب، لأن الله عز وجل قال:

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ﴾

[ سورة الفجر: 15 ]

 هو:

﴿ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾

[ سورة الفجر: 15 ]

 هذه مقولته.

﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾

[ سورة الفجر: 16]

 أو قياساً قدر عليه صحته، أو قدر عليه أسرته، أي عنده مشكلة في أسرته ليس هو السبب، هناك مشكلة بعمله، مشكلة بصحته، مشكلة برزقه " وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ " فيقول هو خطأ، وتوهماً، وسوء فهم، وفساد عقيدة، وخطأ تصور:

﴿ رَبِّي أَهَانَنِ﴾

[ سورة الفجر: 16]

 قال له:

﴿ كَلَّا﴾

[ سورة الفجر:17]

 كلا أداة ردع ونفي، كلا ليس عطائي يا عبادي إكراماً، وليس منعي حرماناً، عطائي ابتلاء ومنعي دواء، هذا التصور الصحيح، إنسان يعاني من مشكلة إذا توهم أنه مهان عند الله، وأن الله لا يحبه، وما من كلمة أضحك منها وأسخر منها كأن يقول الغني: لأن الله يحبني أغناني، من قال لك هذا الكلام ؟ قال الله عن قارون:

﴿ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾

[ سورة القصص: 76 ]

 مفاتيح كنوزه لا يستطيع سبعة رجال أشداء أن يحملوها، قد يكون معك مفتاح وزنه عشرة غرامات يفتح بيتاً ثمنه يقرد بثمانين مليوناً، مجموع مفاتيح أملاكه لا يستطيع سبعة رجال أن يحملوها ومع ذلك:

﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾

[ سورة القصص: 81 ]

 أنت اقرأ القرآن فالقرآن شفاء، أعطى المال لمن لا يحب، وأعطاه لمن يحب، إذاً ليس مقياساً، أعطاه لسيدنا عثمان، ولسيدنا عبد الرحمن، قال: وماذا أفعل إذا كنت أنفق مئة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً بالمساء؟ أعطى الملك لمن لا يحب، أعطاه لفرعون، وأعطاه لمن يحب سيدنا سليمان.

﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾

[ سورة ص : 34]

 إذاً ليس مقياساً، فأنت حينما تتصور وتقول: عندي مشكلة، عندي مشكلة بأعضائي، عندي قضية صحية، عندي مشكلة مالية أسرية اجتماعية، الله لا يحبني، الله أهانني، لا هذا مرض سوء نظرة، وسوء تصور، وسوء فهم " وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ، كَلَّا " كلا أداة ردع، لو قال لك أحدهم: هل أنت جائع؟ لا تقول له: كلا، تقول له: لا، لو قال لك أحدهم لا سمح الله هل أنت سارق؟ لا تقول له: لا، تقول له: كلا، أنت تردعه أن يتوهم هذه التهمة، هذه ترفع معنوياتنا كلنا.

توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء :

 الله عز وجل وزع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء، أنت ممتحن، لا يوجد جامعة في الأرض إلا وفيها مواد امتحان، أنت ممتحن فيما أخذت، وممتحن فيما منعت، وأجمل دعاء دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:

(( الَّلهُمَّ ما رَزَقتني مّما أُحِبُّ فاجعلهُ قوَّةً لي فيما تُحِبُّ. الَّلهُمَّ ما زويتَ عنِّي مَّما أُحِبُّ فاجعلهُ فراغاً لي فيما تُحِبُّ ))

[ الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي ]

 أنت بين شيئين، عندك زوجة ليست كما ينبغي، ما أعطاك الزوجة المثالية لحكمة، هناك إنسان عنده مقاومة هشة لا يتحمل و امرأته مثالية يعبدها من دون الله، تعطيه أوامر يقاطع أهله كلهم، يصبح بخيلاً من أجل أن يدهن البيت، من أجل أن تغير الأثاث، يخضع لها.
 قالت صحابية لزوجها : أريد كذا وكذا، قال لها: اعلمي أيتها المرأة أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أضحي بك من أجلهن أهون من أن أضحي بهن من أجلك.
 فالله امتحنك بما أعطاك، وامتحنك بما زوى عنك، فالذي أعطاك إياه ينبغي أن توظفه في طاعة الله، والذي منعك إياه ينبغي أن توظف الوقت الذي كان من الممكن أن تستهلكه فيه في طاعة الله، الفراغ، لما الله عز وجل زوى عنك شيئاً نشأ عندك فراغ.
 الآن إنسان ما جاءه أولاد، ليس مهاناً عند الله، الأولاد لهم ميزة، وأحياناً يكونون عبئاً، والله قال لي أحدهم: إذا دهس ابني لأذبح خروفاً، من شدة انزعاجه منه، فالابن أيضاً حظ، قد يكون نعمة , وقد يكون نقمة، فإذا الإنسان ما جاءه أولاد ليس معنى هذا أنه مهان عند الله، لكن نشأ عنده وقت فراغ، الأولاد يريدون اهتماماً ووقتاً ومتابعة وتدريساً وكسب مال، ما عنده أولاد، هذا الوقت الفارغ الذي نشأ من عدم وجود الأولاد ينبغي أن تستهلكه في طاعة الله، في الدعوة إلى الله.
 أجد أخاً لا يوجد عنده أولاد منغمس بالدعوة إلى قمة رأسه، والله أحسن صنعاً، عنده فراغ، لا يوجد عندك أموال كثيرة، عندك دخل محدود مع حكمة بالغة، يقابل هذا عندك وقت فراغ، اعمل عملاً صالحاً وقت الفراغ، يأتي إنسان عنده دخل غير محدود لا يوجد عنده وقت، اجعل هذا المال في طاعة الله، كلام دقيق؛ أنت ممتحن فيما أعطاك، وممتحن فيما زوى عنك، فالذي أعطاك إياه ينبغي أن يوظف في طاعة الله، والذي منعك إياه ينبغي أن تنظم الوقت الفارغ الذي نشأ من فقده في طاعة الله.
 فكلما الإنسان جاءت تصوراته صحيحة وفق كتاب الله يرتاح، قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( رب أشعث أغبر ذي طمرين ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

(( ... مَدْفُوعٍ بالأبواب لو أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ ))

[مسلم عن أبي هريرة ]

محنة المسلمين في العالم :

 ‏الآن في شأن محنة المسلمين في العالم، والله أتمنى أن ينتصر كل مسلم على وجه الأرض، لكن النصر ما سمح الله به في هذه المرحلة، الطرف الثاني انتصر وتغطرس وتكبر، إذاً عندي نصر ثان، ما هو؟ أن أموت ثابتاً على المبدأ كأصحاب الأخدود، أن يأتيني الموت وأنا صحيح العقيدة بالله، حسن الظن بالله، قائم بشعائر الله، مطيع لله، محسن إلى خلق الله، معنى هذا أنا منتصر، لأنه كفاك على عدوك نصراً أن يكون في معصية الله.
 هل من الممكن سفير دولة عظمى يقام له حفل في وزارة الخارجية، يرأس الحفل وزير خارجية أكبر دولة بالعالم، هذا السفير ذاهب إلى رومانيا، سفير أمريكا في رومانيا شاذ؟ والاحتفالات في بلاد الغرب دائماً مع زوجاتهم، يجب أن تشهد الزوجة أيام زوجها المشرقة لأن زوجها أصبح سفيراً، فيجب أن تكون الزوجة مع زوجها، من أجل أن تفتخر، وتتصور معه، سفير أمريكا في بوخارست زوجته رجل، شاذ ومقبول عند وزير الخارجية، جاء هو وشريكه الجنسي، وتصوروا سوياً، أخذتها من الانترنيت من يومين، وتصوروا سوياً وذهب إلى بوخارست سفير أمريكا في بوخارست ومعه شريكه الجنسي، أي زوجته تعويضات، وسكن، هذه دولة تحترم؟‍ لا تحترم أبداً، يجب أن تخلع من أرجلكم.

من كان مع الكافر فالطريق إلى الله غير سالك :

 أساساً سأقول لكم نقطة -هذا إيماني- : والله أكبر إنجاز لنظام قطبي العالم أن هذا القطب فيما مضى خطف أبصار الناس، حرية، ديمقراطية، حقوق إنسان، عناية بالحيوان، بلاد جميلة، دخل كبير، حتى إذا أخذ أحدهم فيزا يقول : أطعمها الله لكل مشته، كأنه حج، الآن الله كشفهم لا للأذكياء، لا للعقلاء، كشفهم للصغار، وحوش، هذا إنجاز كبير، لماذا إنجاز؟ لا يمكن أن تؤمن بالله قبل أن تكفر بالطاغوت، اسمع الآية:

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾

[ سورة البقرة: 256 ]

 إذاً لماذا الله ما قال: فمن يؤمن الله فقد استمسك بالعروة الوثقى، لا تصح، الطريق إلى الإيمان غير سالك، ما دام الكافر كبيراً عندك، ومتقدماً، ومتحضراً، ويعطي للإنسان حقه، مادام الكافر كبيراً فالطريق لله غير سالك، حتى يكون الكافر عندك بالوحل، تنظر إليه تراه مجرماً وحشاً قاسياً، يكيل بمليون مكيال، غير منطقي، غير أخلاقي، غير متحضر، إذا الكافر عندك بهذا الشكل الآن الطريق إلى الله سالك، هذه الآية:

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾

[ سورة البقرة: 256 ]

 من هوي الكفرة حشر معهم .

ميزات المجتمع الإسلامي لا يعرفها إلا من فقدها :

 أيها الأخوة: والله نحن متواضعون، وبلادنا نامية، وعندنا مليون مشكلة، لكن والله التماسك الأسري يوازي كل أوربا وأمريكا، التماسك زوج وزوجة وأولاد وأصهار، وكله منضبط، بقية حياء، بقية خجل، بقية أمانة. سائق تكسي فقير يجد في المقعد الخلفي كيساً أسود فيه مبلغ يقدر بعشرين مليوناً يبحث عن صاحبه خمسة أيام أو ست ويسلمه إياه؟‍ نظرت إلى هذا الموقف رأيته يوازي كل حضارة أوربا، بقية أمانة، بقية حياء، بقية وفاء زوجي.
 اقرأ كتاباً لعالم أمريكي الآن أسلم من كبار الدعاة، لكن قبل أن يسلم، لما تزوج أجرى اتفاقاً مع زوجته أن أي فرصة أفضل من زوجي أتركه، إن وجد إنسانة أجمل يترك زوجته، وإن جدت رجلاً أفضل تترك زوجها، اتفاق، أين هم من نساء المسلمات؟ ترضى بزوجها، وتراه قدراً لها، وتخدمه، وأحياناً يمرض، تعمل بالبيوت وتطعمه، هذا الإسلام، أحياناً تصاب بمرض يرعاها إلى آخر لحظة من حياتها، نحن عندنا ميزات كثيرة لا نراها، لا يعلمها إلا من فقدها.

كشف الطاغوت للعالم كله :

 لذلك أهم شيء بالدرس:

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾

[ سورة البقرة: 256 ]

 الآن الله عز وجل أعاننا على أن نكفر بالطاغوت، هذا الطاغوت كشف الأقنعة، كشف القناع فظهر لئيماً، قاسياً، وحشاً، غير منطقي، غير أخلاقي، لا يؤمن بقيمة إنسانية إلا مصالحه فقط.
 فيا أيها الأخوة: لنبحث عن صحة التصور، عن سلامة العقيدة، عن صحة الفهم، عندما تفهم الفهم الدقيق القرآني ترضى عن الله، فيما يبدو أنه تخلى عن المسلمين، والله إذا الله مدّ في أعماركم سترون أن الذي حدث فيه حكمة لا يعلمها إلا الله.
 مرة صحيفة بريطانية في الثاني عشر من أيلول بعد تفجير البرجين بيوم واحد الصفحة الأولى كلها فارغة، ولا كلمة فيها فقط هذا الرقم 11 / 9 / 2001 / فقط، أي قبل هذا التاريخ هناك شيء بالعالم كله، وبعد التاريخ هناك شيء ثان، قبل هذا التاريخ هناك مليون لون رمادي، الآن هناك أبيض وأسود، إما مؤمن أو كافر، إما ولي أو إباحي، إما محسن أو مجرم، إما منضبط أو متفلت، إما منصف أو ظالم، لا يوجد حل وسط، الآن الأمور توضحت تماماً، إما تابع للشيطان أو للرحمن، إما أنك تخاف من الله أو من بوش، الحادي عشر من أيلول فعلت أموراً واضحة، تماماً توضح كل شيء، والطريق واضح يا أخوان والموت قريب، اعمل عملاً تلقى الله به.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018