موضوعات إسلامية - موضوعات مختصرة : 52 - الأحداث الراهنة - الولي – الإباحي - اختفاء الحلول الوسطى - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - موضوعات مختصرة : 52 - الأحداث الراهنة - الولي – الإباحي - اختفاء الحلول الوسطى


2002-01-26

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

لكلّ إنسان حركة و سعي في الحياة :

 أيها الأخوة الكرام: قبل حين هناك ثلاثة ألوان؛ لون أبيض، ولون أسود، ومساحة واسعة جداً من اللون الرمادي لا أبيض ولا أسود، مع مضي هذه الأيام، ومع مضي هذه الأحداث الجسام التي وقعت، والتي غيرت مجرى الحياة في القارات الخمس اختفى اللون الرمادي، وبقي اللون أبيض والأسود، بترجمة مختصرة إما أن تجد ولياً أو إباحياً، انقسم العالم كله إلى مؤمن وكافر، منصف وجاحد، مجرم ومحسن، صادق وكاذب، منضبط ومتفلت، يكاد يختفي الحل الوسط، وهذه حقيقة في علم الاجتماع، في المنعطفات التاريخية تختفي الحلول الوسطى، نحن في الخمسينات معظم الناس طيبين ومقصرين، الآن تفلت أو التزام، إما أن تجد فتاة طاعتها والتزامها لله، وانضباطها، وحجابها فوق التصور، أو تجد فتاة تفلتها وانسياحها بشكل غير مقبول، الأسر إما أن تجدها منضبطة بالصلاة وغض البصر والدعوة إلى الله، أو الملهيات كلها في البيت، والانحراف واضح، لذلك هذه حقيقة لا تظنوها بعيدة عن القرآن الكريم، من أدق آيات القرآن الكريم حينما قال الله عز وجل:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

[ سورة الليل : 1-4]

 أنت لك سعي وحركة بالحياة من خلال خروجك من البيت، ودخولك إلى عملك، من خلال تعاملك مع الناس إما بصدق أو بكذب، إما بصراحة أو بنفاق، إما بظلم أو بإتفاق، إما بإحسان أو بإساءة، لك حركة، كل إنسان له حركة، قد تجتمع حركة إنسان بكلمة واحدة محسن، وقد تكون مسيئاً لزوجته ولبيته ولأولاده، وفي عمله يكذب ويغش ويستعلي، ويدّعي أنه على حق، هذا نموذج . كيف وصف الله هذين النموذجين؟ النموذج الأول قال:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل : 5-6]

 أيقن أن هذه الحياة محدودة وزائلة وفانية، وهي دار عمل ودار ابتلاء، وآمن بما بعد الموت بالجنة .

﴿ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل :6]

المؤمن يبني حياته على العطاء لا على الأخذ :

 والله الذي لا إله إلا هو لو شققت على صدور المسلمين لا تجد إلا قلة قليلة جداً أدخلت اليوم الآخر في حساباتها، في البيع والشراء، والغش والكذب، والإساءة للمسلمين، كموظف يعرقل مصالح المواطنين، كتاجر يغشهم ويكذب عليهم، كصانع يأتي بمواد انتهى مفعولها لا تفيد إطلاقاً لكنها تعين على رفع ربحه، معظم المسلمين لم يدخلوا اليوم الآخر في حساباتهم، أنت ذاهب لبيروت وفي الخروج من سوريا وجدت تشديداً في الجمرك لا يصدق، كل راكب يضع محفظته وتفتش قلماً قلماً، وأنت ببيروت وجدت غسالة هل تدخلها معك؟ لا تستطيع، كلما وجدت حاجة رخيصة هذا سابقاً أما الآن فأغلى من عندنا لا تستطيع أن تدخلها، وأنت ببيروت كلما تلقي نظرة على حاجة داخل الجمرك بحسابك لا تدخل، لاحظ المثل ما أدقه، فالمؤمن كلما يتحرك حركة، ويتكلم كلمة، وينظر نظرة، ويبتسم ابتسامة، يمدح، يذم، يأكل، هو يدخل في حسابه اليوم الآخر سيسأل، لذلك الله عز وجل قال:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ﴾

[ سورة الليل :5]

 هذا المؤمن بنى حياته على العطاء وحياته كلها عطاء، يعطي من وقته وخبرته، حدثني طبيب وأنا أثني على إيمانه وورعه واستقامته جاء من أميركا باختصاص نادر قال: أنا مستعد أن أعلم هذا الذي تعلمته وكلفني ملايين لأطباء مؤمنين هنا، لو لم يذهبوا إلى هناك أنا كنت نائباً عنهم، وتكلفت مبالغ كبيرة جداً، وأحب أن يكون علمي مطبقاً في أكبر شريحة من الأطباء، بينما أناس كثيرون يضنون بكلمة واحدة يعطونها لطلابهم، أبداً، يقول: أعيش منها لجهل ولضيق أفق ولشرك بالله عز وجل لا يعلم أحداً أبداً . المؤمن بنى حياته على العطاء .

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ﴾

[ سورة الليل :5]

 أعطى واتقى أن يعصي الله والترتيب تنازلي، أول فقرة بالآية:

﴿ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل :6]

 صدق أن هناك حياة أبدية إما في جنة يدوم نعيمها، أو في نار لا ينفذ عذابها، صدق أن العطاء الإلهي كبير جداً وأن العذاب الإلهي لا يحتمله . الله عز وجل تعجب قال:

﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾

[سورة البقرة: 175]

 حينما صدق أن هذه الدنيا مؤقتة، وأن هذه الدنيا دار ابتلاء ودار عمل، والآخرة هي الحياة الحقيقية اتقى أن يعصي الله، صدق بالحسنى فاتقى أن يعصي الله، حينما اتقى أن يعصي الله ضمن السلامة، أما حينما أعطى ضمن السعادة، وما من إنسان على وجه الأرض إلا ويتمنى السلامة والسعادة .

﴿ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل :6]

 فاتقى أن يعصي الله وأعطى، فإن كان غنياً أعطى من ماله، وإن كان عالماً أعطى من علمه، وإن كان قوياً أعطى من قوته، ينصف الضعيف، وإن كان خبيراً أعطى من خبرته، و إن كان لا يملك إلا عضلاته أعطى من جهده الشخصي المادي، حمل حاجة مع إنسان، أي شيء آتاه الله إياه ينفقه في سبيل الله .

الناس أتباع نبي أو قوي :

 لذلك قمم العطاء هم الأنبياء، وقمم الأخذ هم الطغاة، أخذوا كل شيء ولم يعطوا شيئاً، والأنبياء أعطوا كل شيء ولم يأخذوا شيئاً، والناس أتباع نبي أو قوي .
 الأنبياء ملكوا القلوب بكمالاتهم، والأقوياء الطغاة ملكوا الرقاب بقوتهم، كما ترون في العالم اليوم، ملكوا الرقاب بقوتهم عندهم البي 52 وصواريخ، وهيلوكبتر، ومراقبة بالأشعة تحت الحمراء، هؤلاء الذين يغتالون كل يوم يكلفون عميلاً يعطونه مادة يضع بعضاً منها على ظهر المركبة لا لون لها ولا رائحة، هذه تصدر إشعاعاً تأتي الطائرة ترسل صاروخاً مكان الإشعاع، كل يوم يوجد ثلاثة أو أربعة، بأعلى درجات التكنولوجيا، فالمؤمن بنى حياته على العطاء، ملك القلوب بماذا ؟ بكماله وإحسانه وإنصافه ورحمته، الطاغية ملك الرقاب بقوته، الناس جميعاً أتباع نبي أو قوي، من معه صلاحية يدفعك غرامة هذا تابع للقوي، فإذا استخدمها استخداماً تعسفياً، لم تدفع له فاستخدمها هذا مفروز مع الطغاة، أما إذا خدمك لوجه الله فهذا مع الرحماء مع الأنبياء . هذا أول نموذج:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل :5-6]

 الرد الإلهي:

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

[ سورة الليل :7]

 زواجه موفق، وعمله موفق، صحته فيها عناية إلهية، أولاده أبرار، زوجته صالحة، سمعته عطرة، قد يكون إنساناً عادياً ، دخله قليل لكن لا يوجد عنده مشكلة كبيرة، عنده راحة نفسية داخلية، إحساس بالتفوق والرضا، وأن الله يحبه، وأن المستقبل لصالحه، وأن الله لن يضيعه، وأنه إذا مات له عند الله جنة عرضها السموات والأرض، هذا الإحساس لا يقدر بثمن.

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

[ سورة الليل :5-7]

 الرد الإلهي التكريمي الذي يكافئه:

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

[ سورة الليل :7]

 لذلك مستحيل وألف ألف مستحيل أن تكون حياة المحسن كحياة المسيء، وحياة المنضبط كحياة المتفلت، وحياة الصادق كحياة الكاذب، وحياة المنصف كحياة الجاحد .

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية: 21 ]

البشر عند الله قسمان لا ثالث لهما :

 أيها الأخوة الكرام: النموذج الثاني؛ بين الناس تقسيمات كبيرة جداً يقول: يمين ويسار، شمال وجنوب، ودول الشمال غنية جداً ودول الجنوب فقيرة جداً، طبعاً عدا أستراليا، يقول: ريف ومدينة، عرق أنكلو سكسوني وعرق سام، طبقة منتجة وطبقة مستهلكة وطبقة مستغلة، عرق أبيض وعرق أسود وعرق ملون، يوجد تقسيمات في الأرض لا يعلمها إلا الله، لكنها في القرآن قسمان فقط .

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾

[ سورة الليل :5-9]

 أيضاً ترتيب تنازلي نعود من الأول:

﴿ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل :9]

 الآخرة أخرجها من حساباته، ما صدق أن هناك حياة بعد الموت، لكن لا يقبل ولا يعقل أن يخلق الله قوياً وضعيفاً، وغنياً وفقيراً، ووسيماً وذميماً، وذكياً وغبياً، ثم يموت الجميع وينتهي كل شيء، مستحيل، هذا الوضع يتناقض مع خالق السموات والأرض، ومع وجود الله، لأن كمال الخلق يدل على كمال التصرف .
 لذلك الإيمان باليوم الآخر إيمان إخباري إلا أن عالماً جليلاً هو ابن القيم قال: " لا، إيمان عقلاني لأن العقل لا يقبل أن تنتهي الحياة هكذا"، دولة تكاد تنشق من الغنى والغطرسة والكبر والاستعلاء وتبني ثروتها على الظلم والسحق والتدمير، ودولة فقيرة لا تملك شيئاً تقصف كل يوم وتنتهي الحياة هكذا ؟ هناك تسوية حسابات .
 الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى قال: " لا بد من يوم آخر لأن العقل لا يقبل أن تنتهي الحياة هكذا " أحد علماء دمشق - جزاه الله خيراً- ضرب مثلاً أعجبني و راق لي مع أنه مثل منتزع من مسرح: إذا دخلت مسرح اً – هذه ليست محلاتنا - لكن لو إنسان دخل لمسرح وقتل شخصاً بالتمثيل وأرخوا الستار لا أحد يقوم ! لماذا لم يقوموا ألم تنته المسرحية ؟ هذا أحد فصولها، نريد أن نرى ماذا سيجري للقاتل، ونحن الآن في الدنيا هناك قاتل ومقتول، كاذب وصادق لم تنته.

من أخرج الآخرة من حساباته خسر كل شيء :

 لذلك أيها الأخوة:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

[ سورة الليل :5-10]

 قال: لا يوجد آخرة، أو قال: يوجد لكن غير مقتنع، إذا دخل مريض لطبيب وعالجه وعمل له وصفة، هل يستطيع المريض أن يقول له: أنت غير فهيم، ويمزق الوصفة، هذا تكذيب قولي، ويستطيع أن يصافحه ويبتسم له ويتشكره لكن الدواء لا يشتريه، هذا تكذيب عملي، هناك من يكذب بالآخرة تكذيباً قولياً، قلة قليلة جداً الملحدون، لكن هناك من يكذب تكذيباً عملياً لا تجد في حياته أنه يخاف من الموت يأخذ ما ليس له، يأكل الدنيا ويصلي، هذا لا تجده مصدقاً باليوم الآخر عملياً، هو مصدق قولياً، أما عملياً فأعماله تتناقض مع عقيدته، فهذا الذي كذب بالحسنى واستغنى عن طاعة الله يقول: عصر حديث، المرأة نصف المجتمع، يتهم التمسك تزمتاً والمرأة التي تخاف الله متحجرة، والمتفلتة عصرية وحضارية، وكل إجراء وترتيب يخالف القرآن يقول: هذا القرآن ليس لهذا الزمان، من زمان البداوة، هذا استغنى عن طاعة الله كلياً .

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾

[ سورة الليل :8]

 لا يدفع شيئاً ولا يساعد، همه المال والشهوات.

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل :8-9]

 الرد الإلهي:

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ﴾

[ سورة الليل :10-11]

 لماذا كذب بالحسنى؟ لجمع المال، لأنه يريد أكل الربا، ولماذا استغنى عن طاعة الله؟ ليجمع المال، بعد جمع المال وقف قلبه فصار جثة هامدة، نعوته على الحائط في اليوم الثاني بالمقبرة، ورثته أخذوا كل شيء .

﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى ﴾

[ سورة الليل :11-13]

 أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهذا القرآن.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018