موضوعات إسلامية - موضوعات مختصرة : 47 - كلمة بعد رمضان - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - موضوعات مختصرة : 47 - كلمة بعد رمضان


2001-12-29

 الحمد لله رب العالمـين، والصـلاة والسـلام على سـيدنا محمد الصـادق الوعـد الأمـين.

الله ربّ كل الشهور :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لا بد من كلمة مناسبة بعد رمضان ، فهذا الشهر الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال : صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فقال :

(( آمين آمين آمين ))

 فلما نزل قيل له ، فقال :

(( أتاني جبريل صلى الله عليه وسلم فقال : رَغِمَ أنْفُ امرئ أدرك رمضان فلم يغفر له ، قل : آمين ، فقلت : آمين ))

[ البزار في مسنده عن عمار بن ياسر]

 الله عز وجل يعبد في كل الشهور والأعوام
إن لم يغفر له فمتى ؟ لو أن إنساناً لا سمح الله ولا قدر لم يصم كما يريد الله عز وجل ، ولم يقم ليل رمضان ، ولم يضبط جوارحه ، أو لم يعجبه صيامه، أو كان مقصراً ، فالحقيقة الناصعة أن الله رب كل الشهور ، ومعك في كل الدهور ، فالذي شعر أنه لم يكن كما يتمنى في رمضان ليقم برنامجاً في العبادة وتلاوة القرآن وإنفاق المال، فهذا مما يتاح له .
 على كل من السذاجة وضيق الأفق أن تتوهم أن الله يعبد في رمضان، الله عز وجل يعبد في كل الشهور والأعوام ، وهذه النبضات الإيمانية عند عامة الناس، برمضان يصلون ويتصدقون بعد رمضان عادوا لما كانوا عليه ، مثل هذا الإنسان لا يمكن أن يرقى ولا شعرة عند الله .

﴿ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً﴾

[ سورة النحل: 92 ]

الاستقامة على أمر الله أساس الدين :

 أيها الأخوة ؛ هذا الدين العظيم يمكن أن يضغط في كلمات أحد أكبر هذه الكلمات:
 قل آمنت بالله ثم استقم
الاستقامة على أمر الله ، ما لم تستقم على أمر الله فدينك ليس له علاقة بحقيقته ، دين فلكلور ودين مظاهر، والدليل : يقول : أربعة ملايين كانوا بالحج ، بالنهاية انتصرنا ؟ لم ننتصر ، ما قيمة هذه العبادات إن لم تنتج نصراً وتفوقاً وتكون الكلمة العليا للمسلمين ؟ أين قوله تعالى :

﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

[ سورة النساء: 141 ]

 ما قولك إذا كان لهم علينا ألف سبيل وسبيل !!! سفير أميركا باليمن يطلب خطب الجمعة مسبقاً ، الإف بي آي يطلب أين تدفع الزكاة في السعودية ؟ بدقائق حياتنا تدخلوا ؟ أين؟

﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

[ سورة النساء: 141 ]

 لهم علينا ألف سبيل وسبيل ، وليست كلمتنا هي العليا ، ولسنا ممكنين في الأرض ولا مستخلفين ولا مطمئنين ، أين قوله تعالى :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

[ سورة النور: 55 ]

أخطر شيء في حياة المسلم أن يهزم من الداخل :

 والله أيها الأخوة ؛ صدقوني لا بد من انتفاضة إسلامية وثورة داخلية مع نفسك ، أين تمشي محسوب على المسلمين ، وليس بيتك كما ينبغي ، ولا عملك ولا علاقاتك كما ينبغي، فأنت أصلح نفسك ، خصصت خطبتين في جامع النابلسي ماذا نعمل ؟ صار هناك إحباط عام وشعور بالقهر والقوة هي كل شيء ، الباقي لا قيمة له ، هذا الشعور يكاد يشل حركة المسلمين، ماذا ينبغي أن نعمل ؟ يوجد نموذج لا أحتمله أبداً له أهداف مستحيلة التحقيق ، إذا لم يتحقق لا يفعل شيئاً ، قاعد عندك مليون هدف جزئي يتحقق معك ، ربّ أولادك ، كن أنت مسلماً، اصمت لا تنطق بكلمة لكن كن أميناً وصادقاً ، ألا تريد نصر هذا الدين ؟ هذا الدين ينتصر بقاعدة إيمانية صلبة ، بمسلم صارخ في كماله وصدقه وأمانته ، فإذا قلت ماذا أفعل ؟ هل تستطيع أن توقف ال B52 عن القصف ؟ إياك أن تنسى أن الله موجود
تنزل وتدمر خمسمئة متر مربع لا تبقي حياة فيها، القتلى حتى الآن ثلاثمئة ألف تقريباً ، هل تستطيع أن تقنع هذه الدولة الطاغية ألا تقصف ؟ لا مستحيل ، لكن تستطيع أن تكون مسلماً حقيقة وأنا وأنت والأخ والأخ .....يتشكل مجتمعاً مسلماً تقطف ثماره ، تتوسع دوائر الحق وتضيق دوائر الباطل ، وأخطر شيء أن نهزم من الداخل ، قد نخسر معركة أم تقول انتهينا ؟ من قال لك هذا ؟ الله موجود ، علقت من يومين على حديث يدعو لليأس قلت له : تكلم ما شئت وعلل وتوقع وتشاءم وتفاءل لكن إياك أن تنسى أن الله موجود ، الله عز وجل قادر أن يقلب كل موازين القوى ، ومن كان يتوقع أن هذه الكتلة الشرقية العملاقة ، القلعة الحصينة قلعة الإلحاد ، التي تملك سلاحاً نووياً يدمر القارات الخمس خمس مرات من يصدق أنها تتهالك من الداخل كبيت العنكبوت ! إذا أراد الله يلغي كل شيء ، الأمل بالله عز وجل ، حتى هذه القوة الطاغية هذه إلى حين أما دائماً فهذا يتناقض مع وجود الله ، لكن لم تنتهِ ورقتها عند الله عز وجل ، لها بقية غطرسة واستعلاء ، تتدخل بالشؤون الداخلية وإلغاء ثقافات الشعوب وقيمها ومبادئها ، وأن يكون العالم كله في خدمتها ، ومن هو الإرهابي عندها ؟ الذي لا ينبطح لها ، من أي دين كان ، قوة طاغية متغطرسة من الذي مكنها ؟ نحن ، بتقصيرنا في إسلامنا ، لأن الله عز وجل قال :

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

[ سورة الصافات: 173 ]

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم: 47 ]

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

[ سورة غافر: 51 ]

﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾

[ سورة إبراهيم: 47 ]

 مستحيل العلة فينا ، ولا نستطيع أن نعمل حلاً جماعياً فوق طاقتنا ، ما هو الحل المتاح ؟ حل فردي ، كل واحد يكون مسلماً صادقاً أميناً متواضعاً ، إن تحدثت فأنت صادق ، وإن عاملك الناس فأنت أمين ، وإن استثيرت شهوتك فأنت عفيف ، ولست مكلفاً أكثر من ذلك .

 

على كلّ مسلم ضبط أموره :

 المسلمون لو دخلت لبيوتهم ليسوا مسلمين خطأ المسلم يسيء لغيره من المسلمين
وكذلك لو دخلت لأعمالهم ، لا تعتب على الله بل على نفسك فقط ، فيجب أن نستعيد همتنا ونشاطنا ومعنوياتنا بطاعتنا لله عز وجل، وعد للمليون قبل أن تعصي الله ، وعد للمليار قبل أن تسيء سمعة المسلمين ، دائماً عندما يرتكب المسلم خطأ لا يقال : فلان أخطأ ، يقال : مسلم أخطأ ، نحن الآن تحت الأضواء، أخطاؤنا كلها مكبرة ، ويوجد تضليل إعلامي خطير بالعالم ، وغسل دماغ ، وتحطيم معنويات، هذا كله موجود ، فإذا كان إيمانك قوياً وأنك على حق وأن الله لن يخذلك ، فالله سبحانه وتعالى عند وعده لنصرك ، الله عز وجل يريد إنساناً يستحق النصر قلت مرة : النبي سيد الخلق وحبيب الحق ومعه نخبة البشر قال :" إن الله اختارني واختار لي أصحابي " ومع ذلك صار في غزوة أحد خطأ ولم ينصرهم الله ، إذا كان عندنا نحن مليون خطأ ليس من المعقول أن ننتصر ، فيجب أن نرتب أوراقنا الداخلية .
 امرأة محجبة ابنتها تلبس البنطال أين أمها ؟ هذه مسلمة ؟ كيف سمحت لها أن ترتدي هذه الثياب الفاضحة ؟ كيف هذه بيوتات المسلمين ؟ انظر إلى السطوح ماذا تجد ؟ والله تأتيني قصص على الهاتف لا تعد ولا تحصى ، شيء لا يمكن أن يقبل ! متى كان في سوريا زنى محارم بنسب كبيرة جداً !! متى كان في الشام خمسة عشر ألف بيت دعارة ؟ هذا كله موجود ، فلذلك :

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾

[ سورة الشورى: 30 ]

 الحل الوحيد أن يضبط كل مسلم أموره ، قال : عظني ولا تطل : قال فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ، قال : كفيت ، قال : فقه الرجل.
 لا يوجد داعٍ لدروس وكلام ونصوص يلزمنا تطبيق والكلام سأوجهه لنفسي ، الأنبياء جاؤوا بكلمة صادقة وموجزة ، والنبي كان يتخول أصحابه بالموعظة ، لم يكن يثقل عليهم لكن كان هناك صدق وطاعة لله وشوق وإخلاص وحب ، تجد بين المسلمين عداوات وحزازات ومشكلات أنتم تسمعون الأخبار ، أبشع شيء الخيانات التي صارت ، من يطلب أن يعين كافراً على مسلم ؟ صارت ذقنه تحت صرته ويطلب أن يعين كافراً على مسلم ، ما قولك بهؤلاء المسلمين ؟
 أيها الأخوة ؛ والله أتكلم من ألم فأتمنى أن نكون في أعلى درجة من اليقظة والالتزام، قضية مصير والدنيا سريعة الزوال ، وأمراض عضالة متفشية في المجتمعات كلها ، الأورام الخبيثة ، الجلطات ، الدسامات ، الضغط المرتفع ، خثرة بالدماغ شيء مخيف .

 

أربع نعم يغفل الناس عنها وهي من أعظم النعم :

 شيء لفت نظري أحد علماء دمشق الأجلاء الذين توفوا له في العيد تقليد غريب جداً يأخذ تلاميذه أول يوم للمقابر ، من في المقابر ؟ أموات هؤلاء ماذا خسروا ؟ خسروا حياتهم الدنيا ، أنت حي تمشي تستطيع أن تتوب ، وتستغفر ، وتعمل عملاً صالحاً ، وتنفق مالك ، وتغض بصرك ، فهذا الميت فاتته فرصة الحياة ، أنت حي ، تعرف قيمة الحياة ، باب التوبة مفتوح أمامك على مصراعيه ، مفتوح باب الاستغفار ، باب العمل الصالح ، باب إصلاح الماضي ، قال : في اليوم الثاني يأخذهم للمشافي ليريهم نعمة الصحة ، هذا معه تشمع كبد، وهذا فشل كلوي ، وهذا خثرة بالدماغ ، وهذا ورم خبيث ، وهذا انحلال دم ، أنت معافى ، في اليوم الثالث للسجون ، أنت عندك حرية ، تذهب لحمص لحلب ، تنام في بيتك ، إذا طرق الباب لا تخاف ، افتحوا أهلاً وسهلاً ! أما إذا إنسان ملاحق إذا طرق الباب ينقطع قلبه ، من أجل أن تعرف نعمة الحرية ، في اليوم الرابع لمشفى المجانين من أجل أن تعرف نعمة العقل ، كل واحد منا حي وصحيح وحر وعاقل ، أربع نعم يغفل الناس عنها وهي من أعظم النعم ، وكان هذا العالم الجليل يأخذ إخوانه ليعرفوا نعمة الوجود - الحياة - والصحة ، والحرية ، والعقل ، لذلك قال تعالى :

﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾

[ سورة التكاثر: 8 ]

 وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا
العلماء قالوا : شربة الماء البارد من النعيم ، أنت عندك بيت يوجد أناس ينامون بالعراء والحرارة ثماني درجات تحت الصفر ، ملايين من الناس مشردين بالعالم تحت خيمة ، أنت عندك بيت ومدفأة وطعام وسرير مريح تنام عليه ، تسأل عن هذا البيت هل كان بيت عبادة لله أم كان بيت فجور وأفلام ومسلسلات وغيبة ونميمة واختلاط وأشياء لا ترضي الله عز وجل ؟ تسأل عن نعمة الصحة هل استفدت منها في طاعة الله أم في معصية الله ؟ تسأل عن نعمة الفراغ يوجد شخص لا يوجد عنده شيء بعد الظهر ، يقرأ مجلات ، ويسمع أخبار ، اقرأ القرآن، اعمل عملاً صالحاً ، اطلب علماً ، احضر مجالس علم ، فنعمة الفراغ نعمة ، نعمة الكفاية لك دخل يغطي مصروفك ولو كان الدخل قليلاً لكنك لست جائعاً لا تقف موقفاً ذليلاً أمام إنسان ليعطيك صدقة، فأنت كفاك الله ، فهذه النعم البديهية نعم كبيرة جداً .
 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللَّهِ وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بِحُبِّي ))

[ الترمذي عن ابن عباس ]

 وكان صلى الله عليه وسلم تعظم عنده النعمة مهما دقت .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018