موضوعات إسلامية - موضوعات مختصرة : 44 - من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - موضوعات مختصرة : 44 - من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم


2001-12-03

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

شمائل النبي صلى الله عليه و سلم :

 أيها الأخوة الكرام: يأخذ الناس فكرة عن رجل دين أنه قاس ، وفظ ، ودينه جامد ، ولا يملك ذوقاً رفيعاً ، ولا حنكة ، ولا مرونة ، ولا يعبأ بسمعته ، هذه صورة قاتمة لرجل الدين !
 الحقيقة عكس ذلك ، من هو قدوتنا ؟ الرسول صلى الله عليه وسلم هو القدوة الأولى ، لو تتبعنا سيرته في بيته ، كان إذا دخل بيته بساماً ضحاكاً ، كان يمشي على أربع ليركب الحسن والحسين على ظهره وهو سيد الخلق وحبيب الحق ، كان في مهنة أهله ، كان يخسف نعله ، ويحلب شاته ، ويصغي الإناء للهرة ، كانت الجارية - الطفلة الصغيرة - تأخذ بيده وتمشي به إلى حيث تشاء ، وكان إذا رأى صبيان يقول : السلام عليكم أيها الصبيان ، وكان إذا رآهم يتسابقون يجري معهم ، وإذا ركب ناقة دعا الصغار إلى ركوبها ، تطييباً لقلوبهم ، وكان يقول: " أكرموا النساء فو الله ما أكرمهن إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم " وكان يقول: " إنهن المؤنسات الغاليات : وكان يطمئن زوجته أنه لن يطلقها ، بينما معظم الشباب إن أراد أن يمزح يمزح بتهديد امرأته بالطلاق أو بالزواج عليها ، هو يمزح لكنها لا تنام الليل ! ذكر أمامه قصة عن زوج يحب زوجته حباً بالغاً ثم طلقها في النهاية ، لكن النبي قال : أنا لك كفلان لفلانة ، إلا أنني لا أطلقك ، أنا أحبك ولا أطلقك ، هذا المزاح في شأن الطلاق والتعدد هو عندك مزاح لكن عندها خطراً وقلقاً ، فالله عز وجل قال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾

[سورة النور: 27]

 فالزيارة من دون موعد لا يوجد فيها استئناس ، الإنسان لم يهيئ نفسه ، أما إذا كان هناك موعد فيكون قد هيأ نفسه ورتب بيته وهيأ ضيافته ، فكأن بالآية إشارة إلى أن المؤمن لا يفاجئ الناس بالزيارة ما لم يبلغهم مسبقاً.
 كان عليه الصلاة والسلام إذا عاد من غزوة يجلس بظاهر المدينة يوماً بكامله ، لم يكن هناك اتصالات هاتفية وخلوي ، فهذه المرأة عندها خمسة أولاد لعلها تنظف البيت زوجها يغيب عنها شهرين ، قد يراها غير مرتبة وغير مهيئة فينزعج ، فكان صلى الله عليه وسلم يجلس مع أصحابه يوماً بكامله في ظاهر المدينة حتى تعلم نساء المدينة أن الجيش قد حضر ، وكل واحدة تستعد بهندامها وبجسمها وبأولادها وببيتها ، لو تتبعت سيرة النبي عليه الصلاة والسلام أعلى درجة بالذوق والحنكة واللطف.

 

المؤمن لطيف لبق :

 الناس عندهم تصور عجيب هذا صعب ، وهذا متزمت ، وإذا عرفوا أنه مسلم يعتقدون أنه متزمت ومتمسك ، والحقيقة التزمت أحياناً مرفوض ، التمسك مقبول ، كان عليه الصلاة والسلام إذا سئل في بعض المجالس يقول: افعل ولا حرج ، أما أن نكون عابسين مقطبين من أجل هيبتنا كمؤمنين ، لا ! النبي كان طبيعياً جداً.
 أنت دعوت خمسة أشخاص وعندك ستة كراسي لطاولة وأنت السادس ، أحدهم أحضر معه رجلين ، لا يصح ! رجل لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم وكان النبي مدعواً فعندما وصل قال: هذا تبعني ، فإن شئت دخل وإن شئت انصرف.
 لا يصح أن تصطحب معك أحداً ، قال: واحد واحد ، اثنان اثنان ، أحياناً تعمل دعوة يأتي نصف المدعويين من دون دعوة ، كل واحد يسحب معه اثنين أو ثلاثة ويحضر ، لا يوجد عنده محل أو استعداد أو كميات كافية ، أنا أستعرض كم هو المؤمن لطيف ولبق ويلاحظ كيف أخذ الناس عن أهل الإيمان فكرة ليست صحيحة ! مرة كنت أصلي في مسجدي أخ كريم سائق يصلي معنا ومركبتي بالتصليح ، نويت عقب الصلاة أن أذهب للمكان وآتي بها ، سألته هل توصلني ؟ فحرج إحراجاً شديداً ، اعتقد مجاناً فحرج وقال : تفضل ، عندما وصلت دفعت له مرة ونصف فانكمش ، من قال لك إن المؤمن يركب مجاناً ؟ من أوهمك هذا الوهم ؟ فتجد انكماشاً سببه سوء تصرف المؤمنين ، صار هناك إنسان لبق حضاري ذوقي يعرف الأصول ، و آخر مؤمن لا يعرف شيئاً عن الأصول ، هذا مرفوض ، الله عز وجل يقول:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

[سورة آل عمران: 159]

شمائل النبي في بيته و خارج بيته :

 قال أحدهم : أنا أضجر من سماع حديث زوجتي ! ممل بتفصيلات مملة ضمن البيت بالغسالة ، بالطبخ ، وأنا أحمل هموماً كبيرة ، نظرت إليه وقلت له : من أعظم أنت أم رسول الله ؟ الذي حمل همّ الدعوة بالأرض كلها ومع ذلك كان يصغي لزوجاته ، ويوجد بالبخاري قصة حدثته زوجته عن نماذج عديدة ، الحديث ثماني عشرة صفحة وهو يصغي إليها! وقد لا يعنيه الحديث إطلاقاً ، فكان يصغي ، فالإصغاء للزوجة فضيلة ، ومداعبة الأولاد في البيت فضيلة ، وأخذهم في نزهة من حين لآخر جزء من الدين ، ألا تزور إنساناً إلا بعد أن تستأذن وتأخذ موعداً من الدين. إذا دخلت إلى بيت فلا تطيل:

﴿ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾

[سورة الأحزاب: 53]

 إذا عدت مريضاً له وضع خاص وعنده سيروم وقسطرة يلزمه تغيير الكيس أو سيروم ، تأتي زوجته وأنت جالس ومرتاح ، لا يصح ، العيادة فواق ناقة ، مدتها مدة حلب ناقة مدة عشر دقائق. فلو قرأت أحاديث رسول الله لوجدت العجب العجاب في عيادته للمريض واستئذانه للدخول ، وإذا دخل بيته بساماً ضحاكاً ، وإذا دخل بيته لفّ ثوبه ، هل يمكن لحفيف الثوب أن يوقظ امرأته ؟ ومع ذلك كان إذا دخل بيته لفّ ثوبه ، وإذا صلى لا يوقظ نائماً بل يؤنس يقظاً ، وإذا صلى في جماعة أخف الناس صلاة في تمام.
 مرة إنسان دخل لتعزية انتهى القرآن بدأ الدعاء مدة عشر دقائق وأكثر والدعاء مستمر فنام وصحا بعدها وسأل أين وصل ؟

﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

[سورة الأعراف: 55]

 من معاني المعتدين طول الدعاء ، يوجد دعاء نصف ساعة هو يحفظ أدعية، واللسان طليق وفصيح ، وعملية عرض عضلات ، مع أن أفضل الدعاء ما كان بينك وبين الله، ليس من المعقول إنسان عنده مشكلة بالجمرك أقلقته وغرامتها عشرة ملايين ، وإنسان مريض عنده مرض أقلقه ، وطالب عنده امتحان ، و إنسانة زوجها يكاد يطلقها ، وأخرى تريد زوجها ألا يطلقها ، والطالب يريد أن ينجح بالامتحان ، هل يجمعهم دعاء واحد ؟ لا ، كل واحد له دعاء بينه وبين الله يدعوه ، لذلك أنا لا أنقلك من فراغ من واقع ، عندما المؤمن ترسله يصلي ويمشي على مهله والسنة وقبل السنة وتحية المسجد والفرض والسنة ويرتاح ربع ساعة بالجامع ويتمدد ، ثم يأتي غاب ساعة ، كره معلمه بالصلاة ، معلمه لا يوجد به دين اذهب للصلاة ، غاب ساعة، يمنعه من الصلاة مرة ثانية ، لو غبت ربع ساعة كنت ذا ذوق كبير لا يمنعك من الصلاة. كل هذا الكلام جاءني من حديث:

(( عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ رَضِي اللَّهم عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ : أَصُمْتِ أَمْسِ ؟ قَالَتْ : لَا ، قَالَ : تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا ؟ قَالَتْ : لَا ، قَالَ : فَأَفْطِرِي ))

[البخاري عن جويرية بنت الحارث]

 ما قبل أن يصوم الإنسان يوم جمعة ، هذا يوم عيد ، أكثر الناس يوم الجمعة تنظيف البيت والغسيل ، تجد البيت كله فوضى ، لأنه عطلة ، اجعل هذا اليوم عطلة ، اجعله عيداً، اجلس مع أولادك ، أغلب الظن صباحاً هناك من يأكل وحده ، كل فئة بالبيت لهم دوام ، لكن يوم الجمعة هذا عيد ، فإذا جلس الأب مع أولاده وأكلوا طعاماً مشتركاً وتحدث معهم وداعبهم وسألهم عن أحوالهم ودراستهم وكذلك الظهيرة ، فالنبي نهى عن صوم الجمعة ، من شدة الذوق ممنوع أن تصوم وعندك ضيف ، ممنوع أن تصوم وأنت مدعو إلى طعام.

 

المؤمن مهذب لطيف رقيق الحاشية :

 دعي النبي لطعام ومعه واحد من أصحابه قال: إني صائم ، فغضب النبي قال: أخوك دعاك وتكلف لك وتقول: إني صائم ما هذا الذوق ؟ ممنوع أن تصوم إذا كنت مدعواً ، أخوك هيأ أكلاً واعتنى ، والأهل اعتنوا ، حتى يبيض وجهه معك ، صائم والله !! حتى إذا إنسان صائم ودعي لطعام يستطيع أن يفطر إذا كان الصيام نفلاً ! الصائم نفلاً أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر.
 ممنوع أن تصوم الزوجة وزوجها موجود مستحيل ، يجب أن تستأذنه ، أنا أضرب أمثلة كيف أن المؤمن مهذب لطيف رقيق الحاشية ، أما ما يفعله بعض المسلمين ، ابنه لم يصل يضربه ضرباً مبرحاً ، فهذا ربط الصلاة بالضرب ، شيء مخيف ، ممكن أن تضربه ضرباً خفيفاً من حين لآخر على كتفه ، قل له : هكذا أمرني النبي أن أَربك ، خذها بنوع من المداعبة ، أما أن تكون قاسياً جداً فنفرته من الدين و كرهته بالإسلام.
 يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم فإن النفوس جبلت على حبّ من أحسن إليها .

الابتعاد عن الفوضى و الغلظة في الدين :

 أنا أقول من هذا الذي ربط الغلظة بالدين ؟ الفوضى بالدين ؟ لماذا تدخل لصيدلي مسلم تجد الأدوية فوق بعضها وغبار وساعة يبحث عن الدواء ، إنسان آخر تجد كل شيء مكانه ونظام ، أنت تحب النظافة والنظام والتألق واللمعان.
 مرة دخلت لفندق بقبرص ظننت أن البارحة انتهى فرشه ، وإذا هو معمر من خمس وعشرين سنة ! ما هذه الصيانة ؟ هكذا الأجانب !!
 عمل محلاً تجارياً علق لافتة راحت عشرين سنة دون أن ينظفها ، تجدها سوداء ، يوجد أناس كل أسبوعين يغسلها ويلمعها ، فموضوع الصيانة يعمل رونقاً ، فإذا أنت عندك بيت ومحل تجاري ليس من اللازم أن تكون غنياً اطرشه طرشاً.
 دخلت إلى بيت في جوبر من اللبن والطين ومكلس تكليساً لكني وجدت أناقة كبيرة، فعلب الزريعة كلها مدهونة بالأخضر ، و هي ذات قياس واحد ، شيء بسيط جداً ، الأرض عدسة لا يوجد بلاط ولبن وطينة وكلس ! تدخل للغرفة لا تجد مسماراً زيادة ، هذا المؤمن ، هذا الدرس من نوع خاص، من ربط الدين بالفوضى وبالبشاعة ؟ بالعطلة جالس لا يفعل شيئاً .

يوم الجمعة يوم مقدس ينبغي أن يكون يوم عيد للمسلمين :

 إذاً يوم الجمعة يوم مقدس ينبغي أن يكون يوم عيد للمسلمين ، كنا صغاراً ، كان الأولاد يأتون للصلاة بالبيجامة قديماً ، ماذا عنده من أشياء قديمة ومتلفة للجامع يرسلها ، هكذا كانوا قديماً ، الآن الحمد لله اختلف الوضع ، الجامع أفخم من أي بيت بكل شيء ، هذا درس اجتماعي ، يوم الجمعة عيد ينبغي أن يكون لأولادك ودع التنظيف لوقت آخر ، صار يوم الجمعة عبئاً وبشعاً ، هو يوم عيد ! اذهب للخطبة مبكراً - من حضر في الساعة الأولى فكأنما قدم بدنة ، ومن حضر في الساعة الثانية فكأنما قدم بقرة ، ومن حضر في الساعة الثالثة فكأنما قدم شاة ، ومن حضر في الساعة الرابعة فكأنما قدم دجاجة، ومن حضر في الساعة الخامسة فكأنما قدم بيضة ، فإذا صعد الخطيب المنبر الملائكة جلست تستمع الخطبة - فأكثر الناس الحمد لله لحقنا ركعة..!! والله عز وجل قال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾

[ سورة الجمعة: 9 ]

 إذا كان المتوافدون للجامع قسموا خمس زمر ، أول زمرة كأنما قدم بدنة ، الثانية بقرة ، الثالثة شاة ، الرابعة دجاجة ، الخامسة بيضة ، والخطيب لم يصعد بعد .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018