موضوعات إسلامية - موضوعات مختصرة : 43 - الفرق بين نهج الإسلام وبين الواقع - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - موضوعات مختصرة : 43 - الفرق بين نهج الإسلام وبين الواقع


2001-12-01

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الحكمة من صيام ثلاثة أيام من كل شهر :

 أيها الأخوة الكرام: ذكرت لكم في اللقاء السابق كيف أن هناك أحاديث تعد من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام، كيف أنه أمرنا أن نصوم ثلاثة أيام من كل شهر لأنهن يذهبن بوحر الصدر، وهو الحقد والضغينة.
 فالإنسان حينما يكون في اليوم الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر، تكون فورة الدم في أقصاها، فهناك علاقة بين دورة القمر وبين ضغط الدم في جسم الإنسان، الكون مترابط، فيه ترابط عجيب، كل شيء في الكون له علاقة بشيء آخر، لذلك حينما يختل توازن تختل معه جميع الجوانب.
باحث إسلامي درس محاضر الشرطة في أميركا فوجد أن في هذه الأيام الثلاثة تزداد التقارير ستين بالمئة عن قبل، فلذلك النبي قال:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثٍ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ ))

[البخاري عن أبي هريرة]

(( عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: أَوْصَانِي حَبِيبِي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثٍ لَنْ أَدَعَهُنَّ مَا عِشْتُ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَصَلَاةِ الضُّحَى وَبِأَنْ لَا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ ))

[ مسلم عن أبي الدرداء]

(( عَنْ أَبِي قَتَادَةَ....قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ))

[ مسلم عن أبي قتادة]

الأصل في الأشياء الإباحة ولا يحرم شيء إلا بالدليل القطعي الثبوت :

 النقطة الدقيقة التي ينبغي أن تكون واضحة هي أن الأشياء والأعمال الأصل فيها الإباحة ما لم يقم دليل على حرمتها، لا يحرم عمل إلا بنص قطعي الدلالة وقطعي الثبوت، هذا منهج الدين، الأصل في الأشياء والأعمال الإباحة لقول الله عز وجل:

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾

[سورة البقرة: 29]

 فالأصل في الأشياء الإباحة، ولا يحرم شيء إلا بالدليل القطعي الثبوت والقطعي الدلالة، أما في العبادات فالأصل في العبادات الحظر، ولا تشرع عبادة إلا بدليل قطعي الثبوت والدلالة، هاتان قاعدتان أساسيتان في الدين، لو أننا سمحنا لكل واحد أن يأتي بعبادة، ويصوم زيادة، ويخفف من هذه العبادة، ويعمل ذكراً خمسة آلاف مرة، وإذا كل إنسان شرّع عبادة، نحن أمام ملايين العبادات، انتهى الدين، لذلك أدق تعريف للتجديد أن تنزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، لا يوجد أدق من هذا التعريف، فنحن لا يوجد عندنا تجديد بإضافة عبادة جديدة، أو بتخفيف عبادة، والجهاد غير مناسب، وهذا صعب ولا يتناسب مع العصر، وهذا ليس هو التجديد، مع أن مفهومات التجديد خطيرة جداً، التجديد يعني إباحة كل شيء تحت اسم المرونة والتوافق مع البيئة ومع المصالح، كل المحرمات أصبحت مباحة من خلال فتاوى ضعيفة، تقريباً العالم كله الآن التشريع يتبع الواقع. بألمانيا وهولندا وبريطانيا الشذوذ شائع جداً، فجاء التشريع مبيحاً له، صار شيء اسمه: زوج من زوج وتعويضات وأذن بالسفر، ومن أغرب ما قرأت بالقانون الكندي أن أي فتاة تزوجت شاباً غير كندي يستحق الجنسية الكندية كأميركا، كلام واضح، وأي شاب له شريك جنسي غير كندي فهذا الشريك يستحق الجنسية الكندية.
 دقق: عندما ينزل التشريع لمستوى الواقع النجس القذر ينزل لمستنقع، ففي ألمانيا من مدة شهر أصبح الشذوذ قانوناً وتشريعاً - زواج - وإذا سافر أحد وهو شاذ يستطيع أخذ شريكه الجنسي كزوجة ويأخذ تعويضات ومكافآت.
 كنت في أميركا مرة وأحد أخواننا يعمل في أضخم شركة كمبيوتر، المدير زفّ لهم البشرى أن كل شاذ أصبح في الشركة متزوجاً، يأخذ كل ميزات المتزوج من إجازات ومعونات وتعويضات وسفر، فالتشريع هناك يهبط لمستوى الحضيض، عندنا بالعكس المجتمع يرقى لمستوى التشريع، المجتمع بانحطاطه وتفلته، بإباحيته، ينبغي أن ينهض لمستوى التشريع، الإسلام نهض بالناس بينما الواقع أحط بالناس، هذه واحدة.

 

على الإنسان ألا يعبأ بكثرة الفتاوى بل بالتقوى :

 لذلك الإنسان لو سمع فتوى من محطة فضائية وليست منطبقة مع نصوص الإسلام ينبغي أن يركلها بقدمه، الغناء والتمثيل مباح، والربا الصريح، وربا القروض مباح في مصر بفتوى رسمية من أعلى هيئة دينية في مصر، والتقسيط مع الزيادة مباح، والاختلاط مباح، لم يعد هناك شيء غير مباح.
لذلك أقول لكم المشكلة بشكل دقيق: لو أنك انتزعت من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوى لصالحك ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله.

(( عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ وَإِنَّمَا أَقْضِي لَهُ بِمَا يَقُولُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا ))

[ أحمد عن أم سلمة]

 فلا تعبأ بكثرة الفتاوى بل بالتقوى، فلا ينجيك يوم القيامة فتوى أصدرها مفت، أحد علماء دمشق من غرائب الصدف أنه كان في حضرة شيخ من علماء الأزهر وهو على فراش الموت، وهو في طور النزع، ما كان من هذا الشيخ العظيم إلا أن رفع يديه وقال: يا رب أنا تائب إليك من كل فتوى فتيتها في المصارف بعد فوات الأوان، هذا الحالي سئل أيعقل أن تفتي بالفائدة قال: أنا موظف، هو ينفذ الأمر، أما الذي قبله فلم ينفذ الأمر، من قبله مشى في جنازته ستة ملايين، ولم يستطع أحد أن ينزع منه فتوى لصالح جهة ما، كان متقشفاً، بيته مئة متر، طابق رابع ومعه التهاب مفاصل، كتبه في الصناديق، وطاولته فورمايكا، هذا شيخ حق، عقد مؤتمر سكان في مصر كتب كل يوم مقالة ضده وترجمهم وأرسل كل هذه المقالات للسفارات، من ضجر منه؟ رئيس الوزارة، قال: كل يوم مقالة، نحن دولة مضيفة سماه باسمه قال: أترضى أن يعقد بقاهرة الأزهر مؤتمر يبيح اللواط والسحاق؟ ! فجعله صغيراً، قال: أنا أدافع عنك وعن دينك وعن بلدك، يقول الظاهر بيبرس: والله ما استقر ملكي حتى مات العز بن عبد السلام، كان العالِم يهز أركان البلد بورعه واستقامته والتزامه وجرأته.
 فهذا شيخ الأزهر أشهد الله أنه بريء من كل فتوى أفتاها، لذلك: لا تعبؤوا بما يقال في الفضائيات، كل شيء صار مباحاً، انتهى الدين، التجديد في الدين لا يعني أن تحل حراماً ولا أن تحرم حلالاً، بل أن تنزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه لأنه دين الله، وكماله مطلق وقد قال الله عز وجل:

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾

[سورة المائدة: 3]

 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا في هذا الشهر الكريم كي نكون من عتقاء شهر رمضان.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018