موضوعات إسلامية - موضوعات مختصرة : 39 - التقوى - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - موضوعات مختصرة : 39 - التقوى


2001-11-18

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

السلامة والسعادة مطلبان أساسيان ثابتان لكل مخلوق :

 أيها الأخوة الكرام : هذا الشهر الكريم الذي أكرم الله به المسلمين ومن قبل غير المسلمين لقوله تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 183]

 لو وقفنا عند كلمة تتقون، ولا بد من توضيح هذه الكلمة، لأن علة الصيام أن نتقي الله عز وجل، إنسان يمشي بالطريق بشكل مبسط، متى يتقي الحجر والحفرة والحشرة القاتلة ؟ إذا رأى، لا يوجد عمل إلا وراءه رؤية، إن صحت الرؤية صحّ العمل، السبب أن الإنسان يحب وجوده، ويحب سلامة وجوده، ويحب كمال وجوده، ويحب استمرار وجوده، ما منا واحد على وجه الأرض من مختلف الأديان والملل والنحل والاتجاهات والنزعات إلا ويحب سلامته، لو سألت عابد صنم، لو سألت عابد النار، لو سألت المجوسي ماذا تحب ؟ يقول لك: أحب سلامتي وسعادتي، السلامة والسعادة مطلبان أساسيان ثابتان لكل مخلوق على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة.
 كيف يكون الشقاء ؟ حينما لا تصح الرؤية، الدليل قال تعالى :

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾

[ سورة الكهف : 103-104]

للدنيا أربعة أركان :

 من الناس يدري ويدري أنه يدري فهذا عالم فاتبعوه، ومن الناس من لا يدري ويدري أنه لا يدري فهذا جاهل فعلموه، ومن الناس من لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهذا شيطان فاحذروه، نصف العالم أخطر نموذج في بني البشر، العالم ينتفع بعلمه والجاهل يتعلم، أما نصف العالم فلا هو عالم ينتفع بعلمه ولا هو جاهل فيتعلم، لذلك سيدنا علي يقول : " قوام الدين والدنيا أربعة رجال؛ عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنيا غيره".
 أربعة أركان للدنيا؛ العالم ركن، والجاهل الذي يعلم أنه جاهل ركن، لماذا ؟ لأنه يتعلم، ليس العار أن تكون جاهلاً ولكن العار أن تبقى جاهلاً، ليس العار أن تخطئ ولكن العار أن تبقى مخطئاً، فصار عندنا عالم مستعمل علمه، جاهل لا يستنكف أن يتعلم، غني لا يبخل بماله، فقير لا يبيع آخرته بدنيا غيره.
 الآن لو حدث ما حدث فإذا ضيع العالم علمه أي ما طبقه، لسانه فصيح طليق حجته قوية لكن هو في واد ودعوته في واد، صار هناك ازدواجية، فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، هذه مشكلة المسلمين الآن، أخي استقم ؟ فلان غير مستقيم، يتكلم عن بلد وليس مستقيماً. فلان في علاقاته، والله مرة إنسان - أصلحه الله وهداه - في معاملة مالية خطأ كبير، وكل محامياً غير مسلم طبعاً لما رآه على الشاشة يتكلم بسق على الشاشة وأطفأ هذا الجهاز، أنى له أن يستفيد منه وهو يعلم حقيقة هذا الذي يتكلم.
 فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل الغني بماله ماذا يفعل الفقير ؟ باع الفقير آخرته بدنيا غيره، يتعاون مع الشيطان، والله كنت مرة في مكان ودخلت امرأة تكلم وزير الأوقاف في موضوع فأنا كنت عنده قالت له: أنا أحضر دكتوراه عن البغاء في سوريا، قالت كلمة والله هزت أعماق أعماقي، قالت: خمسة وتسعون بالمئة من البغايا لسنا فاسدات ولكنهن فقيرات، هناك خمسة بالمئة فاسدات، أما خمسة وتسعون بالمئة من البغايا لسن فاسدات ولكنهن فقيرات.
 طبعاً ليس هذا حجة لهن ولكن الظروف صعبة، كاد الفقر أن يكون كفراً، هذا الذي ينفق مالاً جزافاً على شهواته وحظوظه من أجل المظاهر، يدفع ملايين مملينة في الفنادق، لو أنه توجه إلى هذه الأسر الفقيرة فأطعمها من جوع، وألبسها ثياباً، لماذا الزكاة تطهر؟ لأن الزكاة تطهر الغني من الشح، والفقير من الحقد، فإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره، يتعامل مع الشيطان، يعتقد الإلحاد ليأكل، أي جهة تعطيه يصبح معها ولو كانت ملحدة، لأنه فقير، كاد الفقر أن يكون كفراً، فأغنياء المسلمين حينما يطلعهم الله يوم القيامة على الخطأ الذي أصاب الناس من بخلهم والله نحن الآن محاسبون عن كل قرش ننفقه، كل قرش، اصرف الحد الأدنى المعقول، وإذا عندك فضل فهذا الفضل يمكن أن تحيي به أسرةً ميتة. طلبت منه السيدة فاطمة خادمة، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: والله لا أعطيك خادمة وفي المسلمين فقراء، قبل أن أعطيك خادمة تخدمك وأنت متعبة مريضة هناك مسلمون فقراء، انظر إلى التكافل الاجتماعي.

الرؤية الصحيحة تجعل حركة الإنسان وفق منهج الله :

 أيها الأخوة الكرام : موضوع التقوى أن تملك رؤية صحيحة، هذه الرؤية الصحيحة من لوازمها أن تستقيم، لذلك الصيام من أجل التقوى، حينما تضبط نفسك وجوارحك يلقي الله في قلبك نوراً يريك الحق حقاً والباطل باطلاً، طالبني بالدليل ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾

[ سورة الحديد : 28]

 نوراً تمشي به، المؤمن منور الفاسق والمقطوع عن الله أعمى، قال تعالى :

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ﴾

[ سورة طه : 124-126]

 كذلك كنت أعمى في الدنيا، لو لم تكن أعمى في الدنيا ما كنت هنا في النار، أكاد أقول لكم في كلمة مختصرة: الصيام من أجل التقوى، والتقوى أن تتقي الخطر بنور يقذف في قلبك، كل إنسان يحب نفسه، إذا إنسان كان مغلقاً عينيه وجائع ووضع طعاماً على وجهه عوضاً من اللحمة صراصير يعتقدها لحمة لو فتح يأكل لقمة، أحياناً إنسان يمشي في قرية يرى بركة مياهها سوداء، الأطفال يسبحون ويضحكون، والمياه هناك من يقضي حاجته في هذه البركة، وهناك دواب، وهناك من يغسل الصحون في هذه البركة قديماً، أنت إذا رأيت الأطفال يمرحون بهذه السباحة هل يغريك مرحهم أن تكون معهم في هذه البركة ؟ مستحيل، فالإنسان عندما يلقي الله في قلبه نوراً يترفع عن كل عمل سيئ، هناك رؤية.
 مثلاً امرأة العزيز امرأة بارعة الجمال، وسيدنا يوسف شاب في مقتبل الحياة وجميل الصورة وغريب وليس متزوجاً، وهي سيدته وتأمره أمراً وليس من صالحها أن تفضحه، العلماء عدوا اثني عشر مبرراً أن يزني بها لمَ لم يزني ؟ بشكل علمي لأنه رأى عواقب الزنا.
 لو وضعنا مليون شاب من دون نور كلهم يزنون، مليون شاب بظرف سيدنا يوسف من دون نور إلهي كلهم يزنون، ما الذي منع هذا النبي الكريم أن يزني ؟ قال تعالى :

﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾

[ سورة يوسف : 23]

الرؤية الصحيحة نور يقذف في قلب المؤمن :

 أنت البطولة أن يقذف في قلبك النور، أنا لا أقول كلاماً لا معنى له أنا آتيكم بآيات وأحاديث، الصلاة نور، الصلاة الصحية نور، لا يمكن أن تقترف فاحشةً، والله أعرف إنساناً كان من كبار التجار المستوردين له محلات في أهم الأسواق، ومركبة وبيت، وزوجة، زلت قدمه في زنا، والله الآن يعمل بائعاً متجولاً، والله فقد محلاته كلها، ومركبته، ومشكلات لا تنتهي، المؤمن بالنور الذي ألقاه الله في قلبه يرى حقيقة الزنا، نحن في رمضان قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 183]

 أنت اركب سيارة ولها مصابيح وهاجة، أي سائق سيارة إذا كان هناك حفرة يتجنبها، إذا كان هناك صخرة يبتعد عنها، إذا كان هناك منحدر يحيد عنه، إذا كان هناك حيوان أليف يتلافى أن يدهسه، أي سائق، أما تصور نفسك راكب مركبة أحدث موديل والطريق كله منعطفات، وفي الليل وفجأة أصاب الإضاءة عطب فانطفأت الأنوار وسرعتك عالية، احتمال الحادث بالمئة كم ؟
 فلذلك أيها الأخوة الكرام : الصيام من أجل أن يقذف في قلبك النور لترى به الحق حقاً والباطل باطلاً، الصيام من أجل أن تتقي أن تعصي الله على مدى العام، الصيام من أجل أن تملك هذه الرؤية الصحيحة، هذه الرؤية تجعل حركتك وسكنتك وفق منهج الله.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018