مختلفة - الجزائر - المحاضرة : 07 - الاستقامة عين الكرامة- لمن تكون معية الله الخاصة؟ - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠24ندوات مختلفة - الجزائر
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - الجزائر - المحاضرة : 07 - الاستقامة عين الكرامة- لمن تكون معية الله الخاصة؟


2011-09-13

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

أول نقطة في الدين الاستقامة والاستقامة عين الكرامة :

 أيها الأخوة الكرام، حينما تكون المحاضرة وحيدة ينبغي أن تكون مكثفة، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن تنال محاضرتي القبول منكم، فإن نالت القبول فالشكر لله وحده، وإلا فحسبكم الله ونعم الوكيل.
 أخوتنا الكرام، بادئ ذي بدء: هناك في الدين نقاط دقيقة، ومهمة، وخطيرة، هذه النقاط إن لم تكن متوافرة في المؤمن فنشاطاته في الدين لا تقدم ولا تؤخر.
 مثلاً: التجارة واسعة جداً أنواعها لا تعد ولا تحصى، مستوياتها لا تعد ولا تحصى، القائمون عليها كُثر، هل بالإمكان أن أضغط التجارة في كلمة واحدة؟ ممكن، إنها الربح، فإن لم تربح فلست تاجراً.
 يقاس على ذلك هل بالإمكان أن أضغط الدين كله في بضع كلمات؟ ممكن، أول نقطة في الدين الاستقامة، والاستقامة عين الكرامة، إن لم تستقم لن تستطيع أن تجني من الدين ثمرة، ممكن أن تمارس أعمالاً كثيرة لكنك إن لم تكن مستقيماً فأنت محجوب عن الله عز وجل.

ما لم نستقم على أمر الله لن نستطيع أن نقطف من ثمار الدين شيئاً :

 أضع يدي على نقاط خطيرة:

((استقيموا ولن تُحْصُوا ))

[أخرجه مالك عن بلاغ بن مالك]

 الخيرات، ما لم نستقم على أمر الله لن نستطيع أن نقطف من ثمار الدين شيئاً، وفر وقتك، احرص أن تعيش عمراً مفعماً بالأعمال الصالحة، إن لم تستقم لن تستطيع أن تقطف من ثمار الدين شيئاً، لماذا؟ لأن أصل الدين اتصال بالله، والمقصر في أداء واجباته، المقصر في طاعة ربه، الذي يبني مجده على أنقاض الناس، هذا الإنسان لا يستطيع أن يتصل بالله، لكن بإمكانه أن يقف، وأن يقرأ الفاتحة، وأن يركع، وأن يسجد، لكن البطولة هل انعقدت صلته بالله في أثناء الصلاة؟ كلام دقيق: ما لم نستقم على أمر الله، ما لم نقف عند الحلال والحرام، ما لم نأتمر بما أمر الله، ما لم ننتهِ عما نهى الله عنه، ما لم نلتزم أوامر الله، ما لم نقم الإسلام في نفوسنا، ما لم نقم الإسلام في بيوتنا، ما لم نقم الإسلام في أعمالنا، ما لم نخضع لمنهج ربنا الذي يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، ما لم نفعل ذلك فلن نقطف من ثمار الدين شيئاً، أتريدون الدليل القطعي يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

((ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]

 فإذا كان المسلمون ملياراً وثمانمئة مليون، أكثر من ربع سكان الأرض، ويحتلون أهم مناطق في الأرض، وعندهم ثروات لا يعلمها إلا الله ومع ذلك ليست كلمتهم هي العليا، وليس أمرهم بيدهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيلٍ وسبيل، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين.

﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة التوبة الآية: 111]

﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾

[ سورة النساء]

زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين :

 الله عز وجل يقول:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور الآية: 55]

 بربكم هل المسلمون مستخلفون في الأرض؟ والحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح،

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

[ سورة النور الآية: 55]

 هل هم ممكنون في الأرض؟ لا، أنا أؤثر الحقيقة المرة على الوهم المريح، بل الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح.

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

 سؤال: إن لم يمكّن لهم دينهم ما تفسير ذلك؟ تفسير ذلك أن مفهوم الدين لم يرتضِه الله منهم،

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور الآية: 55]

 وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين.

 

من أخلّ بما عليه من عبادة الله فالله في حلّ من وعوده الثلاث :

 آخر الآيات دققوا:

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور الآية: 55]

 فإذا أخلّ الناس بما عليهم من عبادة لله فالله جلّ جلاله في حلٍّ من وعوده الثلاث، مرة ثانية:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾

 فإذا أخلّ البشر، أو أخلّ الناس بما كلفوا به من عبادة ربهم فالله جل جلاله في حل من وعوده الثلاث.
 إذاً الاستقامة عين الكرامة، ما لم نستقم على أمر الله، ما لم نقم الإسلام في نفوسنا، ما لم نقم الإسلام في بيوتنا، ما لم نقم الإسلام في أعمالنا، فلن نقطف من ثمار الدين شيئاً، ولن تتحقق وعود الله، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين.
 إذاً قد تحضر مجلس علم، قد ترتدي ثياباً جديدة وتذهب إلى صلاة الجمعة، قد تحتفل في عيد الأضحى، وعيد الفطر، وقد تمارس آلاف الأنشطة، هل في الدخل شبهة؟ هل في الحركة شبهة؟ هل في العلاقة بالنساء شبهة؟ هل هناك معصية يقيم عليها الإنسان؟ المخالفات والمعاصي حجاب بينك وبين الله، ومن فضل الله عز وجل أن الإنسان خلقه على فطرة نقية صافية تطابق المنهج، والدليل:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الروم الآية: 30]

 أي الذي فُطرت عليه هو المنهج الرباني، تطابق تام وحتمي بين المنهج وبين الفطرة، فالذي فطرت عليه إن خالفته شعرت بالضيق، شعرت بالكآبة، لذلك المرض الأول في العالم الغربي الكآبة، المرض الأول النفسي الشعور بالذنب.

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[ سورة القيامة]

الحجاب بين العبد و ربه يبعد العبد عن العبادة الصحيحة :

 إذا أردت أن ترتاح راحة تامة فاستقم على أمر الله، الاستقامة عين الكرامة، هذا ينبغي أن يدفعنا إلى مراجعة أوراقنا، هل هناك بالدخل شبهة؟ هل هناك بالبضاعة التي أبيعها شبهة؟ هل يوجد بعلاقاتي المالية شبهة؟ هل يوجد بندواتي وسهراتي شبهة؟ هل هناك مخالفة؟ هذه المخالفات تتراكم وتتراكم حتى تقيم حجاباً بينك وبين الله، فإذا كان الحجاب أصبحت العبادات مكلفة، أصبحت العبادة ثقيلة:

﴿ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

[ سورة النساء الآية: 142]

فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي  رأوه لما وليت عنا لــــغيرنا
ولـو سمعت أذناك حسن خطاب نا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـا
ولـو ذقت من طعم المحبة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
* * *
ولو نسمت من قربنـا لك نسمة  لمت غريباً واشتياقاً لقربنـــا
ولـو لاح من أنوارنا لك لائـح  تركت جميع الكائنات لأجلنـــا
فما حبنا سهل وكل من ادعـى  سهولته قلنا له قد جهلتنـــا
* * *

المستقيم متوازن ومتفائل وحكيم :

 أخوتنا الكرام، معظم الأخوة الكرام تزوجوا، وأنجبوا، وذاقوا طعم كل شيء في الدنيا، فهل ذاقوا طعم القرب من الله؟ هل ذاقوا طعم العبودية لله؟ هل ذاقوا طعم الإخلاص لله؟ الاستقامة عين الكرامة، وما لم نستقم على أمر الله لن نقطف من ثمار الدين شيئاً، الدليل: سأل النبي الكريم أصحابه:

(( أتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المفْلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: إن المفْلسَ مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا ، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنيَتْ حَسَناتُهُ قبل أن يُقْضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم يُطْرَحُ في النار ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة]

 حديث آخر:

((يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضاً فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[أخرجه ابن ماجه عن ثوبان بن بجدد ]

(( من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله تعالى بسائر عمله ))

[ مسند الشهاب عن أنس بن مالك]

 أخوتنا الكرام، الاستقامة عين الكرامة.

((استقيموا ولن تُحْصُوا ))

[أخرجه مالك عن بلاغ بن مالك]

 لن تحصوا ماذا؟ الخيرات، المستقيم متوازن، المستقيم متفائل، المستقيم حكيم، المستقيم كريم، المستقيم شجاع، المستقيم يشعر أنه مع الله.

 

بطولة الإنسان أن ينال معية الله الخاصة :

 أخوتنا الكرام، قال تعالى:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد]

 قال علماء التفسير: هذه معية عامة، أي أن الله معنا بعلمه، لكن البطولة أن تنال المعية الخاصة، قال تعالى:

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال]

﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة البقرة]

 إن الله مع الصادقين قال علماء التفسير: هذه المعية الخاصة معية الحفظ، والتوفيق، والتأييد، والنصر، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا وجد من فقدك؟ وماذا فقد من وجدك؟

 

من اتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله ولا تشقى نفسه :

 دققوا:

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه]

 لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه.

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة]

 اجمعوا الآيتين الذي يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت، ماذا بقي من سعادة الدنيا؟ لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت،

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

 كأن الله بكلمة فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أنت بهذه اللحظة هنا، لا خوف عليك في المستقبل:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

[ سورة فصلت الآية: 30]

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد الآية : 4 ]

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾

[ سورة السجدة]

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾

[ سورة الجاثية]

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[ سورة القصص]

من هان أمر الله عليه هان على الله :

 أيها الأخوة الكرام، الاستقامة عين الكرامة، ما لم تستقم على أمر الله لن تقطف من ثمار الدين شيئاً، الصلاة تكلمنا عنها، الآن الصوم:

((مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ ))

[أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة]

 الحج:

(( من حج بمال حرام فقال : لبيك اللهم لبيك ؛ قال الله عز وجل : لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك ))

[ رواه الشيرازي وأبو مطيع عن عمر ]

 الزكاة:

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة]

 هذه الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، بقي الشهادة:

(( من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل وما حقها ؟ قال : أن تحجبه عن محارم الله ))

[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم]

 الفقرة الأولى في هذا اللقاء الطيب: ما لم نستقم على أمر الله لن نقطف من ثمار الدين شيئاً، والمسلمون اليوم يزيدون عن مليار وثمانمئة مليون وليست كلمتهم هي العليا، وليس أمرهم بيدهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، لماذا؟ لأن أمر الله هان عليهم فهانوا على الله.
 الشيء الثاني، أول نقطة في هذا اللقاء الطيب: الاستقامة، ما لم نستقم على أمر الله لن نقطف من ثمار الدين شيئاً.

 

حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح :

 الآن حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، الإنسان حينما يأتيه ملك الموت ماذا يقول في القرآن؟

﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

[ سورة المؤمنون]

 علة وجودك في الأرض بعد الإيمان العمل الصالح، بل حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، فالعمل الصالح نشاط يومي، وأنت في صلاة الفجر ماذا تقول؟ اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، أنت حينما تستيقظ صباحاً وفي ذهنك أن هذا اليوم يجب أن يكون مفعماً بالعمل الصالح، والأعمال الصالحة لا تعد ولا تحصى، هناك طرق إلى الله سالكة، في البيت أن تكون زوجاً صالحاً هذا عمل صالح، وأن تكون أباً رحيماً هذا عمل صالح، وأن تكون عاملاً متقناً هذا عمل صالح، وأن تكون تاجراً صدوقاً، مر نص رائع:

(( إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان لهم لم يعسروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا ))

[ الجامع الصغير عن معاذ]

 فأنت حينما تعرف الله تتحرك وفق منهج الله، تَسعد وتُسعد.

 

سعادة الدنيا والآخرة بين يدي كل إنسان :

 أيها الأخوة، سعادة الدنيا والآخرة بين يديك، لذلك الله عز وجل يقول:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ﴾

[ سورة الملك الآية: 2]

 لماذا بدأ بالموت؟ لأن الإنسان حينما يولد أمامه عشرات الخيارات، أما إذا جاءه ملك الموت فأمام خيارين لا ثالث لهما، إما إلى جنة يدوم نعيمها، أو إلى نار لا ينفد عذابها.
 مرة حدثني أخ عن قصة وقعت في مصر، رجل غني كبير وافته المنية، أولاده رجوا رجلاً فقيراً يكاد يموت من الجوع أن ينام معه الليلة الأولى في القبر، لأنه ورد في الأثر:

((عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت))

[ورد في الأثر]

 فأولاده أقنعوا رجلاً فقيراً يكاد يموت من الجوع أن ينام مع أبيهم أول ليلة فقط- قصة رمزية طبعاً- هذا نام، جاء الملكان، قال الأول للثاني: عجيب يوجد اثنان بالقبر، نبدأ بالأول، الأول حيّ تحرك، فقال الأول للثاني: هذا حيّ ليس ميتاً، أجلسه، من شدة فقره يلبس كيساً، فتحه من منتصفه، وأدخل رأسه ثم أدخل من الطرفين يديه، وربطه بحبل، بدؤوا بالحبل، من أين جئت بهذا الحبل؟ قال لهم: من البستان، كيف دخلت البستان؟ لم يعرف، فأكل نصيبه من الضرب، فخرج من القبر وقال لأبناء المتوفى: أعان الله والدكم.

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة الحجر]

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾

[سورة المؤمنين الآية:115]

 لا يوجد سؤال

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾

 تبني مجدك على أنقاض الآخرين؟ تبني عزك على ذلهم؟ تبني غناك على فقرهم؟ تبني أمنك على خوفهم ولا تُسأل؟

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

الدعوة إلى الله من أعظم الأعمال الصالحة  :

 إذاً أيها الأخوة، الاستقامة عين الكرامة، البند الثاني: العمل الصالح هو الذي يرفعك عند الله.

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

[سورة فاطر الآية:10]

 ومن أعظم الأعمال الصالحة الدعوة إلى الله، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[سورة فصلت]

 إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.

 

الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق :

 أيها الأخوة، أول بند: الاستقامة، البند الثاني: العمل الصالح، اسأل نفسك من حين إلى آخر أين عملي الصالح؟ والأعمال الصالحة لا تعد ولا تحصى، لو تلافيت أن تغرق نملة أثناء الوضوء هذا عمل صالح، الأعمال الصالحة واسعة جداً، بل قيل: الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، فينبغي قبل أن تنام أن تسأل نفسك ما العمل الصالح الذي فعلته اليوم؟ وينبغي إذا استيقظت يا ربي هب لي عملاً صالحاً أتقرب به إليك.
 هناك شيء ثان: الاتصال بالله، الاتصال بالله أصل الدين، لا خير في الدين لا صلاة فيه، الصلاة عماد الدين، من أقامها أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين.

علامة اتصالك بالله أنك تتخلق بأخلاق الله :

 أيها الأخوة الكرام، أول شيء بالصلاة، الصلاة الطهور، تطهر الإنسان من أدرانه، أنا لا أصدق مصلّ حقود أبداً، مصلّ غشوم، مصلّ مستكبر، مستحيل، علامة اتصالك بالله أنك تتخلق بأخلاق الله.

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

[سورة العنكبوت الآية: 45]

 قال علماء التفسير: ذكر الله أكبر ما فيها، لكن تنهى عن الفحشاء والمنكر، هذا يعني أن الإنسان إما أن يتحرك وفق الوازع، أو وفق الرادع، القوانين تعتمد الرادع، والدين يعتمد الوازع، نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، إذاً الاستقامة والعمل الصالح متكاملان، لكن في القرآن إذا اجتمعا تفرقا، وإذا تفرقا اجتمعا، فإذا قال عليه الصلاة والسلام:

((استقيموا ولن تُحْصُوا ))

 أي استقم واعمل صالحاً، وإذا قال:

﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

 أي استقاموا وعملوا الصالحات، إذا اجتمعت كلمتا الاستقامة والعمل الصالح تفرقتا، كل كلمة لها معنى، أما إذا انفردتا اجتمعتا، فالاستقامة والعمل الصالح متكاملان.

 

الاستقامة والعمل الصالح متكاملان  :

 

 هناك طريق وأنت راكب مركبة، بالطريق عقبات كؤود، صخور كبيرة على عرض الطريق، هل تستطيع أن تمشي؟ لا تستطيع، هذه العقبات هي المعاصي، فالاستقامة أن تزيح هذه العقبات ليكون الطريق سالكاً، هذه الاستقامة، أما العمل الصالح فأن تتحرك على هذا الطريق، أن تمشي، فالعمل الصالح حركة، عطاء، هناك إنسان يقول لك: أنا ما كذبت، أنا ما غششت، أنا ما اغتبت، الاستقامة طابعها سلبي، أما العمل الصالح فأنفقت من مالك، أنفقت من جاهك، أنفقت من علمك، لذلك القوى أنواع ثلاث: قوى في المال، وقوى في العلم، وقوى في المنصب، وإذا كان طريق القوة سالكاً إلى الله وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً، لأن خيارات القوي للعمل الصالح لا تعد ولا تحصى.

((المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]

 إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً، لأن خيارات القوي في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى.
 شيء آخر: أما إذا كان طريق القوة على حساب مبادئك وقيمك فالضعف وسام شرف لك، إذاً:

((المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف))

الصلاة نور يرى بها الإنسان الحق حقاً والباطل باطلاً :

 أخواننا الكرام، الصلاة نور، ترى بها الحق حقاً والباطل باطلاً، والحقيقة أن الإنسان لا يتحرك إلا بعد رؤية، فالذي يتحرك عقب رؤية، إما أن تكون رؤيته صحيحة، أو رؤيته مغلوطة، فالبطولة أن تملك الرؤية الصحيحة، فالذي يسرق ماذا رأى؟ أنه جمع مالاً كثيراً بلا جهد، لكن ما رأى أنه سيعتقل، وسيوضع بالسجن، ما رأى ذلك، فالبطولة أن تصح رؤيتك، يصح عملك، تصح الرؤية بنور الله، الدليل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾

[سورة الحديد الآية:28]

 المؤمن يستنير بنور الله، وأنت قد لا تشعر، أنت حينما تجلس مجالس العلم، وحينما تستمع للخطبة بوعي وإدراك، هناك مليون شيء لا تفعله وأنت لا تشعر خوفاً من الله، فالاستقامة نتيجة طبيعية لهذا العمل الطيب.
 أيها الأخوة، إذاً الاستقامة أولاً، والعمل الصالح ثانياً، والاتصال بالله ثالثاً، الصلاة هي السعادة، الصلاة هي الأمن، الصلاة هي الشجاعة، الصلاة هي العطاء، الصلاة هي الحكمة.

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

[سورة البقرة الآية: 269]

الاتصال بالله أروع ما في الدين :

 أخواننا الكرام، أنت حينما تعلم أن كل الطبائع الرائعة، والأخلاق الحميدة تشتقها من كمال الله عز وجل، هذا الاتصال بالله أروع ما في هذا الدين، لا خير في دين لا صلاة فيه، ليس كل مصلٍّ يصلي:

((أنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وأوى الغريب، كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلماً، والظلمة نوراً، يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم علي فأبره، أكلؤه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس، لا يمس ثمرها، ولا يتغير حالها))

[أخرجه البخاري عن عبد الله بن عباس]

 إذا الاتصال بالله حقيقة الدين.

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ﴾

[سورة الإسراء]

 إذاً أيها الأخوة، أربع نقاط أتمنى أن تكون واضحة في أذهانكم، النقطة الأولى: الاستقامة هي عين الكرامة، وما لم نستقم على أمر الله لن نقطف من ثمار الدين شيئاً، أما حجمك عند الله فبحجم عملك الصالح، هناك أعمال في البيت، أعمال في الطريق، إنفاق المال، إنفاق العلم، إنفاق الجاه، النصيحة، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق.

 

الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم :

 آخر شيء: الدعوة إلى الله، من منكم يصدق أن الدعوة إلى الله فرض عين؟ فرض عين على كل مسلم، الدليل:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[سورة العصر]

 هذه أركان النجاة، أركان النجاة أربعة:

﴿ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

 فالدعوة إلى الله أن تقول كلمة حق لأخ كريم.

(( بلِّغُوا عني ولو آية))

[أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

 استمعت إلى خطبة، أعجبتك، تأثرت بها كثيراً، اشترِ الشريط ووزعه على أقربائك، والله عندي أخ أمي غير متعلم، تاقت نفسه إلى الدعوة، اشترى مئة شريط ووزعهم على أقربائه، يأخذ الشريط من الأول و يعطيه للثاني و هكذا، والله أحضر إلى المسجد عشرين ممن يعرف، أي استطاع أن يهدي، لا يستطيع أن يتكلم كلمة، أميّ غير متعلم، اشترى شريطاً ووزعه، فالله عز وجل قال:

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

 أخواننا الكرام، إذاً، استقامة، عمل صالح، دعوة، اتصال بالله عز وجل، هذه النقاط كبيرة في الدين، مراكز ثقل في الدين، فإذا حرصنا عليه جميعاً قطفنا ثمار الدين.
 وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ لكم إيمانكم، ويحفظ لكم أهلكم وأولادكم، ويحفظ لكم صحتكم ومالكم، وأن يكون هذا البلد الطيب آمناً مستقراً إن شاء الله.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018