مختلفة - الجزائر - المحاضرة : 09 - الفلاح والنجاح. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠24ندوات مختلفة - الجزائر
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - الجزائر - المحاضرة : 09 - الفلاح والنجاح.


2011-09-15

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

وقفة قصيرة حول الإعجاز :

بادئ ذي بدء: أشكر هيئة الإعجاز العلمي في هذا البلد الطيب بإدارة الدكتور مصطفى رحموني جزاه الله خيراً على دعوتي لهذا البلد الطيب، الفضل له في الدعوة، وأرجو لله أن أكون كما تتوقعون، وإلا فحسبكم الله ونعم الوكيل.
أيها الأخوة الكرام، كلمة عن الإعجاز العلمي، وقد سمعت في طريقي إليكم كلمة إعجاز، فلابد من وقفة قصيرة حول الإعجاز.
الله عز وجل رحمة بعباده أرسل رسلاً وأنبياء، لكن هؤلاء الرسل والأنبياء على مدار التاريخ معهم منهج، المنهج افعل ولا تفعل، بينما أهل الفساد والشرود عن الله يتحركون بلا منهج، فهذه المناهج التي جاء بها الأنبياء تقيد حركتهم، لذلك الموقف الطبيعي التكذيب:

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً ﴾

[ سورة الرعد الآية: 43]

الآن السؤال كيف يشهد الله للناس أن هذا الإنسان الذي أرسله هو نبيه أو هو رسوله؟ في تاريخ البشرية كان الأنبياء والمرسلون يشهد الله لهم أنهم أنبياءه ورسله من خلال إجراء خرق لنواميس الكون على أيديهم، فأن يضرب سيدنا موسى البحر فإذ هو طريق يبس، وأن ينزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين، أن يحيي سيدنا عيسى الميت، فهذه المعجزات الحسية التي أكرم الله بها الأنبياء السابقين كشهادة منهم للناس أن هؤلاء أنبياء الله ورسله، هذه المعجزات الحسية اختلفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ لأن هذا النبي الكريم لكل الأمم والشعوب والدليل:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء]

ولأن هذا النبي الكريم خاتم الأنبياء، ولأن بعثته خاتمة البعثات، ولأن رسالته خاتمة الرسائل، إذاً لابد من أن تكون المعجزة التي يشهد الله له بها أنه رسوله مستمرة إلى نهاية الدوران، من هنا كانت معجزة النبي عليه الصلاة والسلام معجزة علمية.
لذلك الذي يلفت النظر أن علماء الحديث جمعوا للنبي عليه الصلاة والسلام ما يزيد عن أربعمئة حديث في البيوع فقط، فإذا دققنا في كلام النبي وأحاديثه القولية والعملية لا نجد أثراً لهذه الآيات القرآنية التي تزيد عن ألف وثلاثمئة آية تتعلق بالكون والإنسان والإعجاز.
ولعل هذا لحكمة بالغةٍ بالغة، ولعل هذا الامتناع عن شرح هذه الآيات بتوجيه من الله عز وجل، أو اجتهاد، لا نعلم، أما الذي نعلمه أن النبي صلى الله عليه وسلم لو فسر هذه الآيات العلمية تفسيراً بسيطاً يفهمه أصحابه لأنكرنا عليه هذا التفسير، ولو فسر هذه الآيات تفسيراً كما علمه الله لأنكر عليه أصحابه، الشيء الدقيق والعجيب أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يفسر هذه الآيات، سيدنا علي يقول: "في القرآن آيات لما تفسر بعد"، فكلما تقدم العلم كشف عن جانب من عظمة الله إلى خلقه.

 

عظمة القرآن الكريم :

أضع بين أيديكم آية ثانية قال تعالى:

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ * إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ﴾

[ سورة الطارق]

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾

فُسرت هذه الآيات بأن بخار الماء يصعد إلى الهواء حينما تسلط أشعة الشمس على البحار، يرجع هذا البخار مطراً،

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾

أن بخار الماء الذي صعد إلى السماء رجع مطراً، واضحة، تفسير علمي، ثم بدأت ترسل موجات كهرطيسية، إذاعية وتلفزيونية، الشيء العجيب أن هذه الأمواج بثت إلى الفضاء، لكنها ترجع ولولا أنها ترجع ما كان هناك بثاً إذاعياً إطلاقاً، ولا تلفزيونياً، لِمَ ترجع؟ أيقن العلماء أن للفضاء الخارجي طبقة اسمها طبقة الأثير، هذه ترد الأمواج الكهرطيسية وأية أمواج أخرى، لولا هذه الطبقة لما كان هناك بثاً إذاعياً، ولا نقلت الصورة عبر الأقمار إلى شتى بقاع الأرض، صار هناك معنى آخر للآية،

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾

تبث الأمواج الكهرطيسية فترجع بثاً إذاعياً وتلفزيونياً للأرض.
تقدم العلم، تقدم العلم فتبين أن الكون يتألف من آلاف ملايين المجرات، وأن كل مجرة تتألف من آلاف ملايين الكواكب والنجوم، وأن كل كوكب يدور حول كوكب آخر، ويرجع إلى مكان انطلاقه

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾

صار لها معنى ثالثاً، أرأيتم إلى عظمة القرآن أن هذه الآية مهما تقدم العلم تبقى مفسرة لهذا التقدم.
لذلك في القرآن الكريم ما يزيد عن ألف وثلاثمئة آية علمية وإعجازية، فالنبي امتنع عن تفسيرها، كلما تقدم العلم كشف جانباً من هذا الإعجاز.

 

ومضة من ومضات الإعجاز :

رواد الفضاء حينما انطلقوا إلى الفضاء الخارجي طبعاً بمركبة أبولو قطعوا خمسة وستين ألف كيلو متر، هي طبقة الهواء، فإذا برائد الفضاء يصيح بأعلى صوته لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً، ما السبب؟.
أخواننا الكرام، طلاب المرحلة الثانوية والجامعية يعلمون أن في الفيزياء ظاهرة اسمها ظاهرة انتثار الضوء.
أشعة الشمس حينما تسلط على ذرات الهواء تعكس بعض الأشعة على ذرات أخرى، فنحن على سطح الأرض هناك مكان فيه أشعة الشمس، و مكان آخر فيه ضوء الشمس، الأرض مضيئة تكون مضيئة دون أن نجد أشعة، أشعة بمكان، وضوء بمكان.
هذه الظاهرة ظاهرة انتثار الضوء عندما تجاوز رواد الفضاء طبقة الهواء الخمسة والستين ألف كيلو متر انعدم انتثار الضوء، فدخلوا في ظلام دامس فصاح رائد الفضاء: لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً، افتح القرآن:

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

[ سورة الحجر]

أن تأتي آية نزلت قبل ألف وأربعمئة عام مطابقة تماماً لتجربة في ريادة الفضاء وأن يصيح رائد الفضاء: لقد أصبحنا عمياً، هذا يؤكد قطعاً أن الذي خلق الأكوان، هو الذي أنزل هذا القرآن، طبعاً هذا دليل، هناك مليون دليل يؤكد أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل القرآن.
بحوث في الطب النفسي في تكوّن الجنين، في علم الأجنة منذ مئات السنين تبين قطعاً أن الذي يحدد جنس الجنين ذكراً كان أم أنثى ليست البويضة لكنه الحوين، واضح؟ هذا العلم، تفتح القرآن:

﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾

[ سورة النجم]

تقرأ القرآن في قوله تعالى:

 

﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾

[ سورة الرحمن]

عالم ألماني ركب طائرة سار فوق باب المندب فرأى خطاً بين البحرين، البحر الأحمر والعربي، ذهب إلى مضيق جبل طارق فرأى خطاً بين البحرين الأبيض والأطلسي، ذهب إلى بحر آخر فرأى خطاً بين البحرين الأسود والأبيض، ما هذا الخط؟ والخط تباين لونين، ثم اكتشف علماء البحار أن لكل بحر مكوناته، ومواده، وكثافته، وملوحته، ولا يمكن لمياه بحر أن تختلط بمياه بحر آخر، ثم صوروا في باب المندب صورة تحت البحار، أنا رأيتها بعيني فيها تباين لونين، هذه الآيات وما أكثرها يمكن أن تؤسس قناعة يقينية أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن.
لذلك بعض علماء الإعجاز طاف أكثر بلاد العالم، وعرض على علماء كبار بعض آيات القرآن الكريم العلمية، أنا فيما أعلم أن بعضهم أعلن إسلامهم، لأنه مستحيل بعد دراسة مئة عام وصلنا لهذه النتيجة، وهذا القرآن يؤكد هذه النتيجة قبل ألف وأربعمئة عام.
إذاً المعجزة التي بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام تلك المعجزة مستمرة إلى نهاية الدوران، إلى قيام الساعة، هذه المعجزة آيات الإعجاز في القرآن الكريم.

 

الإعجاز أكبر باعث للإيمان و قد يكون أكبر معول لتهديم الإيمان :

أيها الأخوة، إن أردت أن تقنع الآخر وليكن من يكن، إن أردت أن تقنع الآخر بالقرآن الكريم فاتلُ عليه آيات الإعجاز، وكأن هذه الآيات تحتمل أو تحمل قوة إقناع مذهلة لا سبيل إلى غيرها، فلذلك الإعجاز العلمي الآن يعد هذا الموضوع - وإن صحّ نسميها مادة- تعد هذه المادة هي المادة الأولى المقنعة للطرف الآخر أن القرآن الكريم هو كلام رب العالمين، هذه واحدة.
لكن قد يقول قائل في نفسه: هذا الموضوع ليس كما نقول، هناك موضوعات في الإعجاز ليست صحيحة، أقول أنا: قد يكون الإعجاز أكبر باعث للإيمان، والإعجاز نفسه قد يكون أكبر معول لتهديم الإيمان، حينما تأتي بمقولة علمية لم تتأكد من صحتها، مقولة، وتربطها ربطاً مفتعلاً بآية ليست قطعية الدلالة، عندئذٍ يأتي الطرف الآخر وقد قدمت له صيداً ثميناً، ينقض القضية العلمية فينقض معها القرآن الكريم، وهذا الذي فعله علماء الغرب في موضوع الإعجاز، إعجاز متسرع، غير متيقن، المقولة العلمية ليست صحيحة، نقضت هذه المقولة، نقض معها القرآن، الكهرباء قال: في عمد ممددة، من قال لك هذا؟ هناك أشياء بالإعجاز مضحكة.
لذلك أنا أقول لكم: إن من ضرورة الإعجاز أن تكون الحقيقة العلمية مقطوعاً بها لا يختلف عليها في الأرض، وأن تكون الآية القرآنية قطيعة الدلالة، وأن يكون التطابق بين الآية وبين القضية العلمية عفوياً وتاماً، هذا الذي أريد أن أقدمه بين يدي هذا البحث.
لي كتاب من فضل الله عز وجل في أقل من سنتين طبع عشرين طبعة، موسوعة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة، أول جزء: آيات الله في الآفاق، والثانية: آيات الله في الإنسان، استنباطاً من قوله تعالى:

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة فصلت الآية: 35]

ولي موقع على الانترنيت من فضل الله عز وجل لا أقول هذا مفتخراً، لا والله، رواده في اليوم مليون زائر، ويسحب منه ثمانمئة ألف ملف يومياً في موضوع الإعجاز، كل شيء تريده تجده في هذا الملف، لكن هذا اللقاء لقاء مباشر أرجو الله سبحانه وتعالى أن أوفق في موضوعات تعنينا جميعاً.

 

النجاح مسعد جداً في أي مجال :

أخوتنا الكرام، أنا لا أصدق أن واحداً منكم من دون استثناء لا يعنيه النجاح، النجاح مسعد، مسعد جداً، النجاح المطلق، قد تنجح في كسب المال، تنمو تجارتك، وقد تنجح في تسلم منصب رفيع، وقد تنجح بزوجة صالحة، خطبتها ووفقت في خطبتها، تسرك إن نظرت إليها، وتحفظك إذا غبت عنها، وتطيعك إن أمرتها.
مرة كنت في تركيا، الأخ الكريم الذي تبرع أن يوصلني لا يتكلم العربية، معنا مترجم، قلت للمترجم سله هل هو متزوج؟ فقال: لا، فقلت له: قل لصديقك: الشيخ يدعو لك بزوجة صالحة تسرك إن نظرت إليها، وتحفظك إذا غبت عنها، وتطيعك إن أمرتها، قال له: والله أتمنى أن أوصله إلى الشام.
أدعو للشباب أن يرزقهم الله بزوجة صالحة تسرهم إن نظروا إليها، وتحفظهم إذا غابوا عنها، وتطيعهم إن أمروها، وأدعو للشابات أن يرزقن بأزواج صالحين، يعرفن قيمتهن، ويكن دفاعاً لهن من كل مكروه.
أخوتنا الكرام، النجاح مسعد، مسعد جداً في أي مجال، بالتجارة، بالسفر، بالزواج، لكن هذا النجاح قال عنه بعض العلماء: إنه في الدنيا فقط، قد تنجح بجمع ثروة طائلة، فإذا جاء ملك الموت تركت هذه الثروة ودخلت إلى القبر بأرخص نوع من أنواع القماش، هذا القماش ليس له جيب، ليس فيه شكات، دفتر شكات لا يوجد بالقبر، كل ما تملكه تركته بالدنيا، هذا نجاح لكن نجاح محدود في الدنيا، قد تصل لمنصب رفيع، فإذا توقف القلب انتهى المنصب، كل مكانة الإنسان، وكل هيمنته، وكل تألقه، وكل قوة شخصيته، منوطة بضربات قلبه، فإذا توقف القلب يقال: عظم الله أجركم، كل مكانة الإنسان، وكل هيمنته، وكل قدرته، وكل مكانته منوطة بسيولة دمه، فإذا تجمدت نقطة دم كرأس الدبوس في أحد أوعية الدماغ أصيب بالشلل، صار عاجزاً، فالذي يقول أنا، هو إنسان أحمق، أنت لا شيء لذلك:

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنــا فإنا منحنا بالرضا من أجبنـــا
ولـــذ بحمانا واحتمِ بجنابنـا لنحميك مما فيه أشرار خلقنــا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغــل وأخلص لنا تلقى المسرة و الهنا
* * *
وسلم لنا الأمر في كل مـا يكـن فما القرب و الإبعاد إلا بأمرنــا
ولو شاهدت عيناك من حسننـا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنـا
ولو سمعت أذناك حسـن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـا
* * *
ولو ذقت من طعم المحبـة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة لمت غريباً واشتياقاً لقربنــــا
فـما حبنا سهل وكل من ادعـى سهولته قلنا له قد جهلتنــــا
فأيسر ما في الحب بالصب قتـله وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنا
* * *

الفرق بين الفلاح والنجاح :

أخوتنا الكرام، من هو الفالح؟ بل ما الفرق بين الفلاح والنجاح؟ النجاح في الدنيا النجاح في كسب المال، النجاح اعتلاء منصب رفيع، النجاح في جمع ثروة طائلة، النجاح بأسرتك، النجاح في كل مكان، ولكن الفلاح في الدنيا والآخرة.

﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة البقرة]

أولاً: هذه الكلمة كلمة أفلح في القرآن وردت في أربعة مواضع:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون]

الفلاح كل الفلاح للمؤمن، لأنه عرف سرّ وجوده، وغاية وجوده، للتقريب: إنسان سافر إلى باريس، فبعد أن نام في أحد الفنادق واستيقظ سأل إلى أين أذهب؟ نحن نعجب أشد العجب من هذا السؤال، أنا أقول له: لماذا جئت إلى هنا؟ إن جئت طالب علم فاذهب إلى الجامعة، وإن جئت سائحاً فاذهب إلى برج إيفل، وإن جئت تاجراً فاذهب إلى المعامل والأسواق، ما معنى هذا الكلام؟ لا تصح حركة الإنسان إلا إذا عرف سرّ وجوده.

 

علة وجود الإنسان في الأرض عبادة الله عز وجل :

وأنت أيها الإنسان لماذا أنت على سطح الأرض؟ هذا أصغر سؤال، ينبغي ألا تنام الليل قبل أن تجيب عنه، لماذا أنت في الأرض؟ يتحرك، يدرس، يتاجر، يتزوج، وينسى سرّ وجوده، وينسى علة وجوده.
إذا أب أرسل ابنه إلى باريس ليأتي بالدكتوراه، هذه المدينة العملاقة الكبيرة، المترامية الأطراف، فيها أسواق، فيها دور لهو، فيها جامعات، فيها معامل، فيها مؤسسات، نقول: هذا الطالب الذي ذهب إلى باريس علة وجوده الوحيدة أن ينال الدكتوراه.
وأنا أقول لكم قياساً على هذا المثل: وعلة وجودنا في الأرض أن نعبد الله، الدليل ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء، الدليل:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات]

إله في عليائه، في قرآنه، يقول لنا:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

ما العبادة؟ قال: هي طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، الذي خلقنا لم يقبل أن تكون علاقتنا به علاقة إكراه، بل أرادها أن تكون علاقة حب، قال:

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة الآية: 54]

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 156]

هي طاعة، لكنها طوعية، وليست قسرية.

 

على رأس الهرم البشري زمرتان؛ الأقوياء والأنبياء :

لذلك أنا أقول: يقع على رأس الهرم البشري زمرتان، الأقوياء والأنبياء، هؤلاء قمم المجتمع، الأقوياء ملكوا الرقاب، أما الأنبياء فملكوا القلوب، وشتان بين أن تملك رقبة الإنسان وبين أن تملك قلبه، مسافة كبيرة جداً، الأقوياء عاش الناس لهم، كالفراعنة، هذه الأهرامات فيها قبور للملوك، عاش الناس لهم، والأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء يمدحون في حضرتهم، أما الأنبياء فيمدحون في غيبتهم، القوة لها خصائص، وجميع البشر إما أنهم أتباع للأقوياء أو أتباع للأنبياء، فبطولتك أيها الأخ الكريم أن تكون أحد أتباع الأنبياء، لأن الأنبياء معهم منهج الله، لأن الأنبياء معهم طريق سلامتك وسعادتك في الدنيا والآخرة.
سأقدم لكم معنى لانهائي، واحد وثلاثة أصفار بمساحة سنتيمتر ألف، ثلاثة أصفار أخرى مليون، ثلاثة ثالثة ألف مليون، ثلاثة رابعة مليون مليون، ثلاثة خامسة مليون مليون، ثلاثة سادسة بليون بليون، مد للشمس، ما قولك؟ رقم واحد في الأرض وأصفار إلى الشمس، كل ميلي صفر، للشمس مئة و ستة و خمسون مليون كيلو متر، كل ميلي صفر، ما هذا الرقم؟ هذا الرقم إذا وضعته صورة لمخرج المخرج لا نهائي، أي رقم نسب إلى اللانهاية فهو صفر، هذه الدنيا، النبي قربها لنا.

((ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما أخذ المخيط غرس في البحر من مائه ))

[ الطبراني عن المستورد بن شداد]

اركب قارب، وامسك إبرة، واغمسها بمياه البحر، وقل لي: كم أخذت هذه الإبرة من مياه البحر؟ هذا ما أخذته الدنيا من الآخرة، فهل من السهل أن نضيع الآخرة، هذا الإله العظيم يعصى؟ ألا يخطب وده؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟.
مثل بسيط: بين الأرض والشمس مئة و ستة و خمسون مليون كيلو متر، الأرض تدور حول الشمس دورة كل سنة، حينما تقترب من القطر الأصغر قد تنجذب للشمس، وإذا انجذبت تبخرت في ثانية واحدة، ما الذي يحصل؟ ترفع سرعتها، لينشأ من رفع سرعتها قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة، فتبقى على مسارها.

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

[ سورة فاطر الآية: 41]

فإذا اقتربت من القطر الأطول خفضت سرعتها، لينشأ من تخفيض السرعة قوة نابذة أقل تكافئ القوة الجاذبة الأقل فتبقى على مسارها، فأن تبقى الأرض على مسارها الآية عظيمة جداً.

 

كلما عظُم الآمر عظم الأمر :

لذلك أخواننا الكرام، أنا أتمنى أن لله عز وجل آيات كونية، علاقتك بها التفكر، وأن لله آيات تكوينية.
سيدنا موسى من رباه؟ فرعون، وموسى الثاني من رباه؟ رباه جبريل، قال:

فموسى الذي رباه جبريل كافر وموسى الذي رباه فرعون مرسل
* * *

هذه أفعال الله عز وجل، الله له أفعال، وله خلق، وله قرآن، الكون يجب أن تتفكر به، لأن التفكر بالكون أوسع طريق ندخل منه على الله وأقصر طريق يوصلنا إليه، لأنك إذا تفكرت في خلق السموات والأرض أدركت عظمة الله في إدراك دقيق، إدراك عظمة الله شيء مهم جداً.
الآن مثلاً: إذا تلقى جندي أمراً من عريف، العريف أقل رتبة بالجيش، سبعة، عندكم نفس الشيء؛ سبع أقل شيء، هناك سبعتان، وثمانية، وثمانيتان، و نجمة، و نجمتان، و ثلاث نجمات، بعدها تاج، وتاج ونجمة، وتاج ونجمتان، وتاج وثلاث نجمات، ثم سيفان أصبح عماداً، أقل رتبة عريف، أعلى رتبة عماد، إذا أعطاك العقيد أمراً هل هذا الأمر كأمر العماد؟ لا.
كلما عظم الآمر عظم الأمر.

 

العبادات الشعائرية لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحت العبادة التعاملية :

الله عز وجل إذا أمرنا أن نصلي، وأمرنا أن نصدق، والعبادات نوعان، عبادة شعائرية كالصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، وعبادة تعاملية، شاهد العبادة التعاملية أن النجاشي سأل سيدنا جعفر عن الإسلام فقال له:

((أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لتوحيده، ولنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ))

[أخرجه ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب]

هذه عبادة تعاملية، صلاة، صوم، حج، زكاة، وهناك صدق، وأمانة، واستقامة، وإنصاف، وعدل، عندنا عبادات شعائرية، وعندنا عبادات تعاملية، أنا أثبت لكم بالدليل القطعي أن العبادات الشعائرية لا تصح ولا تقبل أو لا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية، الدليل:

(( النبي الكريم سأل أتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المفْلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع قال: إن المفْلسَ مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنيَتْ حَسَناتُهُ قبل أن يُقْضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم يُطْرَحُ في النار))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة]

(( يؤتى برجال يوم القيامة لهم أعمال كجبال تهامة يجعلها الله هباءً منثورا، قيل: جلهم يا رسول الله لنا؟ إنهم يصلون كما تصلون، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها))

[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]

الفلاح كامل وشامل :

إذاً:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

الفلاح في الدنيا والآخرة، الفلاح كامل وشامل، من هو المؤمن؟ الذي يتقي أن يعصي الله، بل يتقرب إلى الله بالعمل الصالح، والآية الثانية:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾

[ سورة الأعلى]

خلقك كي تتذكر،

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾

كيف يسمو الإنسان يتزكى باتصاله بالله، وكيف يتصل بالله؟ بالاستقامة والعمل الصالح، تستقيم على منهج الله، تتقرب من الله بالعمل الصالح، تتصل به، تزكو نفسك، تصبح حميماً، تصبح لطيفاً، تصبح مؤدباً، تصبح منصفاً، يصبح عندك حنكة، عندك حكمة، هذه الصفات تأتي عن طريق الصلاة، فلذلك:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه]

من ذكر الله أدى واجب العبودية و من ذكره الله منحه الرضا و السكينة :

لكن من أدق ما قرأت عن الصلاة للصحابي الجليل ابن عباس، قال:

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

[ سورة العنكبوت الآية: 45]

قال بعضهم: أكبر ما فيها، لكن قال بعضهم الآخر: ذكر الله لك أيها المصلي أكبر من ذكرك له، إنك إن ذكرته أديت واجب العبودية، لكنه إذا ذكرك منحك الرضا، منحك الحلم، منحك اليقين، منحك الرحمة، منحك اللطف، أعطاك من كماله، لذلك الإنسان إذا اتصل بالله اتصالاً صحيحاً يشتق من كماله كمالاً، لا تصدق أن هناك مؤمن كذاب، لا تصدق أن هناك مؤمن محتال، لا تصدق أن هناك مؤمن قاسي القلب، هذا المؤمن مصدر من الله عز وجل اشتق من كماله.
لذلك:

﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

هناك معنى الصلاة، أكبر من ذكرك له معنى ثان،

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

الفلاح، والنجاح، والتوفيق، والسعادة، والإيمان،

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾

الفلاح والنجاح أن تزكي نفسك وتحملها على طاعة الله :

الآن هناك آية:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس]

الفلاح نجاح في الدنيا والآخرة، الفلاح نجاح مطلق، النجاح تحقيق الهدف الذي خلقت من أجله، النجاح أن تكون أسعد الناس.
والله مرة واحد من أخواننا الكرام، أدى فريضة الحج، لما عاد زرته فقال لي كلمة أبكاني، قال لي: والله ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني.
أقسم لكم بالله إذا اصطلحت مع الله.

(( إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلان فقد اصطلح مع الله ))

[ورد في الأثر]

(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي، وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنتهم من رحمتي إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها))

[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾

فالفلاح، والنجاح، والتوفيق، والفوز، والقرب أن تزكي نفسك، أن تحملها على طاعة الله، وأن تتقرب إلى الله تعالى بالعمل الصالح.

 

الفالح من هدي إلى الإسلام و رزق الكفاف :

أما في السنة، فقد قال عليه الصلاة والسلام:

((قد أفلح من هدي إلى الإسلام ورزق الكفاف وقنع به))

[ اين ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

هناك دعاء أنا أتأثر به كثيراً، يقول النبي الكريم:

(( اللهم من أحبني فاجعل رزقه قوتاً - كفافاً ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

كلمة دقيقة عندك مال يغطي كل حاجاتك، لكن لا يوجد عندك ما يزيد عن حاجتك، لأن الغنى من دون علم خطير جداً، لأن النبي الكريم قال:

(( بادروا بالأعمال الصالحة ما ينتظر أحدكم إلا غنى مطغياً أو فقراً منسياً أو مرضاً مفسداً أو هرماً مفنداً أو موتاً مجهزاً، أو الدجال والدجال شر غائب ينتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمر))

[أخرجه الحاكم عن أبي هريرة]

((قد أفلح من هدي إلى الإسلام ورزق الكفاف وقنع به))

[ اين ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

(( اللهم من أحبني فاجعل رزقه قوتاً - كفافاً ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

سألت إنساناً كيف الصحة؟ فقال لك: الحمد لله، كيف وضعك؟ قال: والله وسط، أي دخلي يغطي نفقاتي، قلت له: معنى ذلك أنه أصابتك دعوة النبي، قال: أي دعوة؟ قلت:

(( اللهم من أحبني فاجعل رزقه قوتاً - كفافاً ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

إذا كان للإنسان دخل يغطي نفقاته، عنده بيت، زوجة صالحة، أولاد أبرار، ولا يوجد عنده مشكلة بصحته، أحياناً مرض واحد ينسيك الدنيا وما فيها، لذلك:

((مَنْ أصبَحَ منكم آمِنا في سِرْبه، مُعافى في جَسَدِهِ، عندهُ قوتُ يومِه، فكأنَّما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها ))

[أخرجه الترمذي عن عبيد الله بن محصن]

إذاً:

((قد أفلح من هدي إلى الإسلام ورزق الكفاف وقنع به))

[ اين ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

من لم يكن طرفاً في مؤامرة قذرة هدفها إفقار المسلمين وإضلالهم فهو ملك :

((ويَلٌ لِلْعَرَبِ من شَرّ قد اقْتَرَب))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن زينب بنت جحش أم المؤمنين]

((أفلح من كف يده ))

[أخرجه أبو داود عن أبي هريرة]

أقول كلمة دائماً أقولها في دروسي: إن لم تكن طرفاً في مؤامرة قذرة هدفها إفقار المسلمين، أو إضلالهم، أو إفسادهم، أو إذلالهم، أو إبادتهم، فأنت ملك.
جاء ملك الغساسنة لسيدنا عمر، يبدو أنه أثناء الطواف حول الكعبة بدوي بسيط داس طرف رداءه، فانخلع رداءه عن كتفه، وهو ملك، التفت نحو هذا الأعرابي من فزارة، ضربه ضربة هشمت أنفه، شكاه إلى عمر، سيدنا عمر استدعاه، تصور ملكاً وأعرابياً، عندنا شاعر معاصر صاغ الحوار على شكل شعر:
سيدنا عمر جاء بهذا الملك جبلة، وقف أمامه نداً لند، وقال له: أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح؟
قال جبلة: لست ممن ينكر شياً، أنا أدبت الفتى، أدركت حقي بيدي .
فقال عمر: أرضِ الفتى، لابد من إرضائه، مازال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك و تنال ما فعلته كفك.
قال: كيف ذلك يا أمير؟ هو سوقة وأنا عرش وتاج ؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً؟
قال عمر : نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً .
قال له: كان وهماً ما جرى في خلدي أني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني.
قال له: عنق المرتد بالسيف تحز، عالم نبنيه كل صدعٍ فيه يداوى وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.

((إنَّ أَولَ ما يُحاسَبُ به العبد يوم القيامة من عَمَلِهِ: صلاَتُهُ، فإن صَلَحتْ، فقد أفلح وأنجح))

[أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة]

((من احتج بالقرآن فقد أفلح ))

[أخرجه الترمذي عن حذيفة بن اليمان ]

هناك آية تؤيدك، أقوى حجة القرآن الكريم.

((طُوبى لِمنْ هدِيَ للإسلام ، وكان عَيْشُه كَفَافا وَقنِعَ ))

[أخرجه الترمذي عن فضالة بن عبيد ]

((قد أفلح من رزق لباً))

[أخرجه الطبراني عن قرة بن هبيرة ]

أرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتفع جميعاً بهذه الحقائق، وأرجو الله عز وجل أن يكافئكم على حضوركم وعلى استماعكم، وأرجو الله أن أكون عند حسن ظنكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018