رحلة أمريكا 2 - المحاضرة : 09 - العبادات وأثرها في بناء الفرد . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رحلة أمريكا 2 - المحاضرة : 09 - العبادات وأثرها في بناء الفرد .


1998-11-17

إن شاء الله في هذا الوقت المبارك مع محاضرة بعنوان العبادات وأثرها في بناء الفرد، ضيفانا الكريمان الأستاذ محمد راتب النابلسي حفظه الله من مواليد دمشق الفيحاء ألف وتسع مائة وثمانية وثلاثين مقيم حالياً في دمشق، الجمهورية العربية السورية ويعمل محاضر في كلية التربية جامعة دمشق، وهو خطيب جامع النابلسي كذلك ومدرس ديني في مساجد دمشق، أستاذنا الفاضل لديه الخبرة، الخبرة المتوفرة حالياً هي لسانس في آداب اللغة العربية وعلومها وهو حائز على دبلوم تربية، وماجستير آداب، أخونا الفاضل يعمل كخطيب جامع النابلسي ومدير معهد النابلسي في دمشق، وهو مشرف على مجلة نهج الإسلام، ألّف كتب عديدة في الإسلام منها كتاب نظرات في الإسلام، وتأملات في الإسلام، والإسراء والمعراج، الهجرة، الله أكبر، وكذلك له مقالات في أكثر من مجلة إسلامية، إن شاء الله نقضي ما تيسر من الوقت مع أستاذنا الفاضل فليتفضل مشكوراً.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، أيها الأخوة الكرام:
الإنسان هو المخلوق الأول لقول الله عز وجل:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً(72)﴾

[ سورة الأحزاب ]

والإنسان هو المخلوق المكرم، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)﴾

[ سورة الإسراء ]

والإنسان هو المخلوق المكلف، قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

[ سورة الذاريات ]

العبادة علة وجودنا، لو أن إنساناً سافر إلى بلدة وأقام في أحد فنادقها واستيقظ في اليوم التالي، لو سألنا إلى أين أذهب ؟ نقول له لماذا جئت إلى هنا ؟ إن كنت جئت سائحاً اذهب إلى المقاصف والمتنزهات، وإن كنت جئت طالب علم اذهب إلى المعاهد والجامعات، وإن جئت هذه البلدة تاجراً فاذهب إلى المعامل والمؤسسات، لا تصح حركة الإنسان إلا إذا عرف سبب وجوده، لو كبرنا هذا المثل لا تصح حركة الإنسان في الحياة إلا إذا عرف سر وجوده فيها وغاية وجوده، قال تعالى:

﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104)﴾

[ سورة الكهف ]

العبرة أن تأتي حركة الإنسان مطابقة لهدفه من هذه الحياة، إنه سؤال كبير جداً أن يسأل الإنسان نفسه لماذا أنا هنا، وما سر وجودي من أين وإلى أين ولماذا ؟
شيء آخر: أيها الأخوة لا يسعد الإنسان إلا إذا جاءت حركته مطابقةً لهدفه، لو أن طالباً على مشارف امتحان مصيري وأخذه أصدقاؤه إلى مكان جميل أطعموه أطيب الطعام وتمتع بمناظر خلابة يشعر بانقباض لأن هذه الحركة لا تتناسب مع هدفه القريب، لو قبع في غرفة وقرأ الكتاب المقرر واستوعبه يشعر براحةٍ كبيرة، إذاً سعادة الإنسان متأتية من تطابق حركته مع هدفه لا تصح حركة الإنسان إلا إذا عرف سر وجوده، ولا يسعد إلا إذا جاءت حركته مطابقةً لهدفه، الآية الكريمة:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

[ سورة الذاريات ]

العبادة أيها الأخوة الأكارم طاعة طوعية، لو أنها قسرية لما كانت عبادة، قال تعالى:

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99)﴾

[ سورة يونس ]

الإيمان القسري لا يسعد إطلاقاً، لابد من أن تأتي الله طائعاً، لابد من أن تأتيه محباً، لابد من أن تأتيه بمبادرة منك، لابد من أن تكون المحبوبية سر علاقتك بالله عز وجل، لو شاء الله عز وجل لآمن من في الأرض جميعاً ولكن هذا الإيمان لا يسعد خلقه، الله عز وجل يريدهم أن يأتوا إليه بمحض اختيارهم بمبادرة منه.
فالعبادة طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية، ما عبد الله من أطاعه ولم يحبه، وما عبد الله من أحبه ولم يطعه.

تعصي الإله وأنت تُظهر حبه ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعتـــه إن المحب لمن يحب يطيـــع
***

العبادة طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية، هذا التعريف للعبادة فيه ثلاث جوانب، الجانب الأول الجانب المعرفي فالعلم أساسي في الدين الإسلامي، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ؛ طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ؛ بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً ؛ والجاهل عدو نفسه بل إن أعدى أعداء الإنسان الجهل، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به.
أيها الأخوة الكرام:
لابد من أن نعرف الله، هناك علم بخلقه، وعلم بأمره، وعلم بذاته العلم بخلقه جامعات العالم تفوقت في هذا المجال الفيزياء، والكيمياء والرياضيات، والفلك، والهندسة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم التربية وما إلى ذلك، هذه الظواهر العلمية، الظاهرة الفيزيائية والكيميائية والفلكية والاجتماعية، دراسة هذه الظواهر، دراسة القوانين التي تحكمها تعين على التنبؤ، كأن نقول المعادن تتمدد بالحرارة هذا قانون مطّرد شامل يعين على التنبؤ لذلك إذا أنشأنا بناءً نبقي فواصل تمدد بين أطراف البناء فهذه العلوم، العلوم بخلق الله تفوقت بها الجامعات في العالم بينما العلم بأمر الله من اختصاص كليات الشريعة في العالم الإسلامي، أما العلم بالله شيء آخر، العلم بأمره وبخلقه يحتاجان إلى مدارسة، إلى سماع محاضرات، إلى قراءة كتب، إلى مراجعة، إلى تسجيل، إلى أداء امتحانات، إلى مدارسة هذه المدارسة محصلتها معلومات دقيقة تترسخ في دماغ الإنسان ولكنها لا تسمو بنفسه فقد يخترع مجرم سلاحاً كيميائياً لفناء البشرية، وقد يصل عالم إلى أعلى مرتبة علمية ومع ذلك يكيد للبشرية جمعاء، وهؤلاء الذي صنعوا الأسلحة المدمرة هم من أذكياء العالم، لكن العلم بالله شيء آخر، العلم بالله يقتضي المجاهدة، العلم بأمره وبخلقه يقتضيان المدارسة، وفرق بين المجاهدة والمدارسة، المجاهدة أن تحمل نفسك على طاعة الله أن تحملها على معرفته وأن تحملها على طاعته، وهذا الذي ذكر جهاد النفس والهوى أن تجاهد نفسك وهواك.
من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، إن صح أن نسمي هذا يقيناً إشراقياً لابد لهذا اليقين الإشراقي أن يكون منضبطاً بالكتاب والسنة لئلا يشطح، هؤلاء الذين يدعون هذا اليقين الإشراقي وما أكثرهم، على كل العلم بالله ثمنه باهظ يحتاج إلى تصميم، يحتاج إلى عزم، العلم بالله يحتاج إلى أن تجاهد نفسك وهواك، إذا صحت هذه المجاهدة جاء الإشراق المنضبط.
أيها الأخوة العلم بالله ثمنه باهظ ونتائجه باهرة، نتائجه لا تبقى بالدماغ تتغلغل إلى أعماق النفس، فإذا هذا الإنسان قد اصطبغ بصبغة الله صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة، الذي يعرف الله عز وجل شأنه غير شأن البشر، شأنه صادق أمين ولا أدل على ذلك من أن سيدنا جعفر رضي الله عنه حينما سأله النجاشي عن الإسلام قال أيها الملك: كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأتي الفواحش ويأكل منا القوي الضعيف ونقطع الرحم ونسيء الجوار ـ هذه الجاهلية الأولى ـ حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء.
أيها الأخوة:
صحابي جليل من الصحابة يعرف الإسلام بأنه بناء أخلاقي وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((بني الإسلام على خمس))

من دقة عبارة النبي عليه الصلاة والسلام يتضح أن الإسلام بناء أخلاقي، وأن هذه الخمس العبادات هي أعمدة وليست هي الإسلام بكامله.

(( عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهممَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ ))

[ مسلم ـ الدارمي ]

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ قَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلاةٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[ مسلم ـ الترمزي ]

أيها الأخوة الكرام:
معرفة الله عز وجل تصطبغ بها النفس كلها فإذا الإنسان ذو مبادئ أخلاقية وذو سلوك قويم، معرفة الله أحد جوانب العبادة، الجانب المعرفي، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه، فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب.
أيها الأخوة: الجانب المعرفي أحد أركان هذا الدين العظيم لأنك إذا أردت أن تصل إلى حل مشكلة لابد من أن تعلم، وبعلم الطب متى يعالج الإنسان نفسه من ضغط مرتفع ؟ حينما يعلم أن ضغطه مرتفع، تبدأ المعالجة حينما يعلم، والإنسان مالم يعلم لا يتحرك، الجانب الثاني في العبادة جانب سلوكي، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾

[ سورة فصلت ]

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)﴾

[ سورة هود ]

إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، مالم تتحرك، مالم تقف موقفاً، ما لم تعطِ لله، وتمنع لله، وتغضب لله، ترضى لله، وتصل لله، وتقطع لله ليس إيمانك كاملاً، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾

[ سورة الكهف ]

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72)﴾

[ سورة الأنفال ]

لابد من حركة، مالم تكن هذه الحركة فهذا الإسلام لا يقدم ولا يؤخر لأن إبليس قال ربي فبعزتك، آمن به رباً وآمن به عزيزاً، قال تعالى:

﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14)﴾

[ سورة الأعراف ]

آمن بالآخرة، قال تعالى:

﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (75)﴾

[ سورة ص ]

آمن به خالقاً، ومع ذلك إبليس ما مصيره ؟
أيها الأخوة: لو أن الشمس ساطعة وإنسان معه مرض جلدي وبحاجة ماسة إلى أن يتعرض للشمس كي يشفى من مرضه لو أن هذا الإنسان لم يتعرض للشمس بل قال إنها شمس ساطعة، إنها رائعة، إنها في رابعة النهار، ماذا ينفعه ما فعل شيئاً، ولو قال خلاف ذلك لاتهم في عقله، مادام قال شيئاً هو في الحقيقة هكذا ما أضاف شيئاً، لكن متى ينتفع هذا المريض بجلده من هذه الحقيقة ؟ حينما يخرج ويتحرك ليعرض جلده لأشعة الشمس عندئذ تبدأ الفائدة، يعني ما لم يأخذ الإنسان موقفاً مالم يتحرك، مالم يستقم، مالم يحل ما أحل الله، مالم يحرم ما حرم الله، مالم يعطِ، لابد من حركة، إذا فرغنا هذا الدين من هذه الحركة أصبح ثقافةً، خلفيةً، أرضيةً، نزعةً، اتجاهاً، فولكلوراً، عاداتٍ، تقاليد، وانتهى الدين، لذلك حينما قال الله عز وجل:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)﴾

[ سورة النور ]

(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلافٍ وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ ))

[ الترمزي ـ الدارمي ]

المسلمون يعدون مليار ومائتي مليون وليست كلمتهم هي العليا كما تعلمون، لماذا ؟ لأن الله عز وجل يقول:

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

[ سورة مريم ]

وقد لقي المسلمون ذلك الغي، الدين حركة، الدين سلوك، الدين التزام الدين عطاء، الدين إخلاص، الدين اتجاه إلى الله عز وجل، إذا فهم الدين ثقافةً، نزعةً، خلفيةً، أرضيةً، فولكلوراً، مظاهراً، انتهى الدين وفرغ من مضمونه وكأن الله عز وجل، أنا أقول زوال الكون أهون على الله من أن لا يفي بوعده للمؤمنين، وعدهم بالاستخلاف أي الاستخلاف، وعدهم بالتمكين أين التمكين، وعدهم بالتطمين أين التطمين لا استخلاف ولا تطمين ولا تمكين، لأنه :

خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا.
أيها الأخوة الكرام: في العبادة جانب معرفي هو العلم، وفي الإسلام عبادة تعليمية هي صلاة الجمعة.

(( عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ وَكَانَ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ تَهَاوُنًا بِهَا طُبِعَ عَلَى قَلْبِهِ ))

[ الترمزي ـ النسائي ـ أبي داود ]

وفي العبادة جانب سلوكي مالم يقم أحدنا الإسلام في بيته، وما لم يقمه في عمله فلن يحقق شيئاً لأن الله عز وجل يقول:

﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11)﴾

[ سورة الرعد ]

غير حتى يغير، لا تغير لا يغير، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وللإنسان مملكتان مملكة بيته ومملكة عمله، فإذا أقام الإسلام فيما يملك كفاه الله ما لا يملك، فلابد من أن نتحرك لطاعة الله

﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)﴾

[ سورة الأحزاب ]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)﴾

[ سورة الصف ]

وفي العبادة جانب جمالي، الجانب السلوكي هو الأصل، والجانب المعرفي هو السبب، والجانب الجمالي هو الثمرة.

فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولو ذقت من طعم المحبة ذرةً عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة لمت غريباً واشتياقاً لقربنـــا
ولو لاح من أنوارنا لك لائـــح تركت جميع الكائنات لأجلنــا
فما حبنا سهل وكل من ادعى سهولته قلنا له قد جهلتنــــا
أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنـا فإنا منحنا بالرضا من أحبنـــا
ولذ بحمانا واحتمي بجنابنـــــا لنحميك مما فيه أشرار خلقنا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغــل وأخلص لنا تلقى المسرة والهنا
وسلم إلينا الأمر في كل ما يكن فما القرب والإبعاد إلا بأمرنــا
***

أيها الأخوة الكرام: الإنسان قد يصل إلى قمة المجد إلى قمة الغنى إلى قمة الرخاء إلى قمة التألق ولكن يفقد الأمن، والأمن أثمن شيء في الحياة وهو خاص بالمؤمنين، إن الله يعطي الصحة، والذكاء، والمال والجمال للكثيرين من خلقه، أعطى الملك لمن لا يحب أعطاه لفرعون أعطى المال لمن لا يحب أعطاه لقارون، قال تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

[ سورة إبراهيم ]

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)﴾

[ سورة آل عمران ]

﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30)﴾

[ سورة إبراهيم ]

أيها الأخوة الكرام هذا الجانب الجمالي في الدين هو الذي سماه النبي حلاوة الإيمان، حقائق الإيمان شيء وحلاوة الإيمان شيء، حقائق الإيمان أن ترى خرائط لقصر منيف، ورق، الغرف واسعة جداً والأبهاء كبيرة، والشرفات مطلة، والحدائق غناء، كله على ورق هذه حقائق الإيمان ولكن حلاوة الإيمان أن تسكن هذا القصر، أن تسعد بالدين، والذي يشد الإنسان للدين ليس أنه يملك تصوراً دقيقاً للكون والحياة والإنسان، ولكن لأن الله عز وجل حينما يصطلح العبد معه يعامله معاملةً لم يكن يعهدها من الله من قبل ؛ هذه المعاملة هي التي تشد الإنسان إلى الدين، فلذلك فإنك بأعيننا، إن الله مع المتقين، قالوا معية خاصة، معية التوفيق، والتأييد، والنصر، والحفظ، وهو معكم أينما كنتم معية عامة، ومع عباده بعلمه، أما إن الله مع المؤمنين مع المتقين معية خاصة.
أيها الأخوة الكرام: هذا الجانب الجمالي يتأتى بالاتصال بالله، الصلاة من أجل هذا الاتصال، والصيام من أجل هذا الاتصال، والحج من أجل هذا الاتصال، والدعاء من أجل هذا الاتصال، والاستغفار من أجل هذا الاتصال، والتسبيح من أجل هذا الاتصال، والحمد من أجل هذا الاتصال، والأعمال الصالحة من أجل هذا الاتصال، هذا الجانب الجمالي، هذا الجانب المسعد، هذا الجانب المحرك، أصحاب النبي عليهم رضوان الله وصلوا إلى أطراف الدنيا كانت لهم عزيمة تأخذ بالألباب.
أتحب أن يكون محمد مكانك ـ أحد أصحاب النبي قبل أن يقتل ـ قال: لا والله لا أحب أن أكون في أهلي وفي ولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب محمد بشوكة، ما هذا الحب ؟ امرأة أنصارية ترى زوجها مقتولاً في ساحة المعركة، وترى ابنها مقتولاً، وترى أخاها مقتولاً وترى ابنها مقتولاً أربعة رجال يلوذون بها تراهم قد استشهدوا، وتقول ما فعل رسول الله ؟ إلى أن وقعت عينها عليه واطمأنت فقالت: يارسول الله كل مصيبة بعدك جلل.
هذا الحب الآن كل شيء موجود، يوجد مساجد ضخمة، مؤتمرات إسلامية رائعة، كتب، مؤلفات، كومبيوتر، س د، برامج إسلامية رائعة، كل شيء موجود، أما هذا الحب الذي كان في قلوب الصحابة لا نجده اليوم، هؤلاء القلة، كان النبي مع أصحابه في سفر أرادوا أن يعالجوا شاةً فقال أحدهم: عليّ ذبح هذه الشاة، وقال الثاني: عليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: عليّ جمع الحطب، فقالوا: نكفيك ذلك يا رسول الله، قال:

((أعلم أنكم تكفونني ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً عن أقرانه.))

هذا الاتصال بالله يأتي عن طريق الصلاة، الصوم، الحج، والزكاة والدعاء، والاستغفار، والتسبيح، والتهليل، فالعبادة فيها جانب معرفي وجانب سلوكي، وجانب جمالي، فمن اكتفى بأحد هذه الجوانب تطرف ووقع في الغلو ومن تحرك على هذه الخطوط معاً تفوق، وفرق كبير بين التطرف والتفوق، إذا جمعت بين طلب العلم وبين الالتزام والانضباط وبين الاتصال بالله فقد تفوقت، أما إذا اكتفيت بواحدة وضخمتها وجعلتها هي الدين وعاديت من اعتنى بكلية أخرى فقد تظرفت، ونحن في أمس الحاجة إلى التفوق لا إلى التطرف.
أيها الأخوة الكرام: هذه العبادة لها مقومات، الله عز وجل ما كلفنا أن نعبده إلا وقد أعطانا مقومات هذه العبادة، أولاً هذا الكون الذي سخره الله لنا تسخيرين، تسخير تعريف وتكريم، قال تعالى:

﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13)﴾

[ سورة الجاثية ]

تسخير تعريف وتسخير تكريم، يعني مثلاً بين الأرض والقمر ثانية ضوئية واحدة، بين الأرض والشمس ثمان دقائق، شمسنا والكواكب السيارة التي حولها تشكل ثلاث عشرة ساعةً ضوئية، مجرتنا درب التبابنة طولها مائة وخمسين ألف سنة ضوئية وعرضها خمسة وعشرين ألف سنة ضوئية، وهي مجرة معتدلة من بين مائة ألف مليون مَجرة مَجرتنا مائة وخمسين ألف سنة ضوئية، خمسة وعشرين ألف سنة ضوئية عرضها، والمجموعة الشمسية بأكملها نقطة على هذه المجرة.
بين الأرض والشمس مائة وستة وخمسين مليون كيلو متر جوف الشمس يتسع لمليون وثلاث مائة ألف أرض، وفي برج العقرب نجم صغير أحمر اللون متألق اسمه قلب العقرب دققوا الآن يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاث مائة ألف مرة.
قال تعالى:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1)﴾

[ سورة البروج ]

ذلكم الله رب العالمين، أقرب نجم ملتهب إلى الأرض يبعد عنا أربع سنوات ضوئية، بالآلة الحاسبة الضوء يقطع في الثانية ثلاث مائة ألف كيلو متر، في الدقيقة ضرب ستين، في الساعة ضرب ستين، في اليوم ضرب أربعة وعشرين، في السنة ضرب ثلاث مائة وخمسة وستين، في أربع سنوات ضرب أربعة، هذه المسافة لو أردنا أن نقطعها بمركبةٍ أرضية بسرعة مائة مثلاً تقسيم مائة كم ساعة ؟ تقسيم أربعة وعشرين كم يوم ؟ تقسيم ثلاث مائة وخمسة وستين كم سنة ؟ من أجل أن نصل إلى أقرب نجم ملتهب نحتاج إلى خمسين مليون سنة، نجم القطب يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية، أقرب نجم أربع سنوات القطب أربعة آلاف، المرأة المسلسلة مليوني سنة ضوئية، قبل ست سنوات هناك مجرة تبعد عنا أربعة وعشرين ألف مليون ـ في السي إن إن ـ قبل سنة ونصف أعلنوا عن مجرة تبعد عنا الآن اسمعوا ثلاث مائة ألف بليون سنة ضوئية، قال تعالى:

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)﴾

[ سورة الواقعة ]

﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)﴾

[ سورة فاطر ]

هذه آية قرآنية، الأرض تدور حول الشمس بمسار بيضوي إهليلجي له قطران أصغري وأعظمي، إذا وصلت الأرض إلى القطر الأصغر زادت من سرعتها لينشأ من هذه الزيادة قوةٌ نابذة تكافئ القوة الجاذبة الجديدة ـ اقتربت بحسب قانون نيوتن الجاذبية متعلقة بمربع الكتلة ضرب المسافة، فحينما تقترب الأرض من القطر الأصغر تزيد من سرعتها لينشأ من هذه الزيادة قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة ـ أما هذه الزيادة أو إن صح التعبير الرياضي التسارع، تسارع الأرض بطيء ولو أن تسارعها كان سريعاً لا نهدم كل ما عليها، هذه الداون تاون لا يبقى منها شيء، لا نهدم كل ما عليها، تسارع الأرض تسارع بطيء أما إذا وصلت الأرض إلى قطبها الأعظم تبطئ الأرض من سرعتها لينشأ من هذا البطء قوة جاذبية أقل تخفف من تفلت الأرض من مسارها لو أنها تفلتت أي افتراض علمي كيف نعيدها إلى مسارها ؟ قال: نحتاج إلى مليون مليون حبل فولاذي قطر الحبل خمسة أمتار وكما تعلمون عندنا قوى الشد يعبر عنها بالمتانة وقوى الضغط يعبر عنها بالقساوة الألماس أقصى عنصر، أما الفولاذ المضفور أمتن عنصر، فالمصاعد كلها تل فريك من الحبل الفولاذي، لو أردنا أن نعيد الأرض إلى مسارها حول الشمس لاحتجنا إلى مليون مليون حبل فولاذي قطر كل حبل خمسة أمتار، وكل حبل عنده قوة شد تساوي مليونين طن، يعني الأرض مربوطة بالشمس بقوة تساوي مليون مليون ضرب مليونين طن من أجل دققوا الآن أن تحرفها ثلاثة ملم كل ثانية، إذا انحرفت الأرض في مسيرها ثلاثة ملم كل ثانية ينشأ مسار لها مغلق، هذا الإله العظيم يعصى، هذا الإله العظيم لا ترجى رحمته، لا يخشى عذابه ؟ لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت.
هذا عن آيات الله في السماء فماذا عن آياته في الأرض ؟ العصب الشمي أيها الأخوة ينتهي بعشرين مليون نهاية، كل نهاية فيها سبع أهداب وكل هدب مغمس بمادة تتفاعل مع الرائحة تفاعلاً ينشأ من هذا التفاعل شكل هندسي، هذا الشكل يذهب إلى الدماغ ليعرض على ملف الذاكرة الشمية كالكمبيوتر تماماً، هذا الشكل يعرض على كل الذواكر الشمية في الدماغ إلى أن يتطابق هذا الشكل مع مسيره تقول هذه رائحة ياسمين، تقول ياسمين خلال عشر الثانية، حينما يتطابق هذا الشكل.
في رأس الإنسان ثلاثة مائة ألف شعرة، في كل شعرة وريد، وشريان وعصب، وعضلة، وغدة دهنية، وغدة صبغية.
في دماغ الإنسان مائة وأربعين مليار خلية لم تعرف وظيفتها بعد استنادية، في دماغ الإنسان أربعة عشر مليار خلية قشرية، على كل هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه.
أيها الأخوة: الكون أحد مقومات العبادة، الآن العقل، العقل له مبادئ ثلاث، العقل في مبدأ السببية، مبدأ الغائية، مبدأ عدم التناقض، والعقل متطابق تماماً مع أنظمة الكون، والعقل خلق فينا من أجل أن نعرف الله، قال تعالى:

﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)﴾

[ سورة الرحمن ]

الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم، من هو الإنسان السعيد ؟ الذي يستخدم عقله لما خلق له، أما الذي يستخدم عقله لغير ما خلق له ضيع أثمن جوهرة ملكها الله إياه، فالعقل أداة معرفة الله عز وجل، أحد مقومات التكليف والله عز وجل ذكر العقل ومشتقاته في ما يقترب من ألف آية في القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68)﴾

[ سورة يس ]

العقل له دور مع النقل، دور العقل مع النقل أن يتأكد من صحة النقل أولاً وأن يفهم النقل ثانياً، أما أن يكون العقل حكماً على النقل فهذا مستحيل لماذا ؟ لأن هذه العين مهما تكن دقيقة في نظرها لا تستطيع أن ترى شيئاً من دون نور يتوسط بينها وبين المرئي، وكذلك العقل يحتاج إلى وحي، لذلك العالم الغربي ربما قاده عقله إلى شقائه، سألوا برناتشو عن الحرب العالمية الثالثة، قال: لا أعلم عنها شيء ولكن الرابعة بالتأكيد بالحجارة ستكون، لم يبقَ شيء، هذا العقل من دون وحي ربما يقود البشرية إلى الهلاك وبوادر هذا الهلاك واضحة شقاء الإنسان، شقاء الإنسان الغربي لأن مبدأ اللذة حينما استهدف صار مبدأ ألم، الفطرة هي مقياس نفسي يكشف لك خطأك، قال تعالى:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾

[ سورة الشمس ]

إياكم ثم إياكم أن تفهموا هذه الآية على نحو ما أراده الله، لم يخلق فيها الفجور بل إنها مجبولة جبلة بحيث إذا استقامت أو فجرت تعرف ذلك، قال تعالى:

﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14)﴾

[ سورة القيامة ]

فالفطرة أحد مقومات التكليف، والبر ما اطمأنت له النفس، والإثم ماحاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس، بل إن القطة حينما تعطيها أنت قطعة اللحم تأكلها أمامك أما حينما تخطفها تأكلها بعيداً عنك الإنسان مجبول جبلة راقية جداً بحيث إذا أخطأ علم أنه أخطأ من دون معلم.
شيء آخر حرية الاختيار، هذه أحد مقومات التكليف، لو أن الله تعالى أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، لو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، لو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، إن الله أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً وكلف يسيراً ولم يكلف عسيراً وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعصَ مغلوباً.
جيء برجل إلى سيدنا عمر شارب للخمر، قال: أقيموا عليه الحد، قال: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر علي ذلك، فقال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرةً لأنه شرب الخمر ومرةً لأنه افترى على الله، قال: ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، فالإنسان مخير، ولوجود أمر ونهي في القرآن الإنسان مخير وإلا لو أنه مسير الأمر ليس له معنى، الله عز وجل أجل وأعظم من أن يقول كلاماً لا معنى له، لا هناك أمر، لو أنشأنا جدارين على عرض كتف الإنسان بحيث إذا سار بينهما لامس الجدار الأول كتفه اليمنى والجدار الثاني كتفه اليسرى، قلنا له خذ اليمين هذا الكلام ليس له معنى إطلاقاً فالإنسان إذا كان مسيراً كما يتوهم البعض فالأمر ليس له معنى والنهي فالإنسان مخير فيما كلف، يوجد أشياء مسير بها ولكن لصالحه أما هو مخير فيما كلف.
بقي شيء هو أن العقل ميزان والفطرة ميزان، ولكن العقل قد يضل والفطرة قد تنطمس جعل الله الشرع ميزاناً على ميزاني العقل والفطرة ميزان مركزي، ميزان ضابط، فالحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع، نعطي طالب مسألة رياضيات نقول له هذا هو الحل فإذا جاء حله وفق هذا الجواب فعمله صحيح، العقل البشري إذا عمل ووصل إلى حكم شرعي صح، أما إذا ظهر له أنه يمكن أن يكون كيان أسرة لا على أساس ذكر وأنثى، هذا العقل البشري ضل ضلالاً بعيداً إذا وصل العقل البشري إلى نظم اجتماعية تتناقض مع الدين فقد ضل ضلالاً بعيداً.
فلذلك أيها الأخوة: أنا سمعت بكندا إذا الإنسان له شريك مماثل يستحق الجنسية، يعني إذا له شريك شاذ يستحق هذا الشريك الجنسية لأنه شريك فقط، يعني معترف بالعلاقة التي لا ترضي الله عز وجل فالعقل البشري يضل والفطرة تنطمس ما هو المرجع ؟ هو الشرع، يقول بعض العلماء: الشريعة عدل كلها، رحمة كلها، حكمة كلها، مصلحة كلها، فأية قضية خرجت من المصلحة إلى المفسدة، ومن العدل إلى الجور، ومن الحكمة إلى خلافها، فليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل.
فالكون، والعقل، والفطرة، وحرية الاختيار لتثمين العمل، وبقي الشهوة الشهوة حيادية، الشهوة قوة محركة حيادية، كالوقود السائل في المركبة إذا وضع في المستودعات المحكمة وسار في الأنابيب المحكمة وانفجر في الوقت المناسب وفي المكان المناسب ولد حركةً نافعة، أما إذا خرج عن مساره وأصاب المركبة شرارة أحرق المركبة ومن فيها، الشهوة قوة محركة أو قوة مدمرة حيادية، سلم نرقى بها أو دركات نهوي بها بمعنى أنه بإمكانك أي شهوة أودعها الله في الإنسان جعل لها قناة نظيفةً تسري خلالها.
وفي الإسلام لا يوجد حرمان يوجد تنظيم، أية شهوة أودعها الله في الإنسان جعل لها قناة نظيفةً تسري خلالها، فالشهوات حيادية وهي سلم نرقى بها أو دركات نهوي بها، نرقى بها مرتين، نرقى بها شاكرين إذا تحركنا من خلال القناة التي شرعت لنا، ونرقى بها صابرين إذا منعنا أنفسنا عن شيء لا يحل لنا، فالشهوة قوة محركة والفطرة كاشف نفسي، والعقل أداة معرفة الله، والكون مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، والشرع مقياس ضابط مركزي مقياسي العقل والعاطفة، قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾

[ سورة الشمس ]

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾

[ سورة المؤمنون ]

﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)﴾

[ سورة الأحزاب ]

ثم إن الله عز وجل يقول:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾

[ سورة الأنعام ]

أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا جميعاً علماً، أشكر لكم جميعاً حضوركم وإصغاءكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جزى الله خيراً شيخنا الفاضل الأستاذ محمد راتب النابلسي على ما قدم ونسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، على ما أتحفنا به عن العبادة بكاملها المعرفية والسلوكية والجمالية.
نتابع ما تبقى من محاضرتنا بعنوان العبادات وأثرها في بناء الفرد مع شيخنا الفاضل الأستاذ حمزة صادق، أستاذنا الفاضل من مواليد مصر تسعة وخمسين وهو مقيم حالياً في مدينة لوس أنجلوس يعمل حالياً إمام مسجد هافرن، وهو حاصل عل بكالوريوس في الهندسة وهو خريج المعهد العالي لإعداد الدعاة في جامعة الأزهر، نستمع إليه إن شاء الله مشكوراً.
الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين، والعاقبة للمتقين، الحمد لله القائل في وصف الفئة.
أيها الأخوة الكرام تكلم أستاذنا الكريم في نقاط وسوف نتكلم في نقاط أخرى نسأل الله العظيم أن يجعل من هذا وهذا ما ينتفع به القائل والمستمع.
الأركان العملية في الإسلام التي يسميها البعض العبادات، سموها الأركان العملية فهي، الصلاة، الزكاة، والصيام، والحج، وإن كانت كلمة العبادة، كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة مادام يرضاها الله عز وجل فهي عبادة، وإنما سنتكلم اليوم عن الأركان العملية عن أثر هذه العبادات العملية على الفرد، كيف تتكون شخصية المسلم وتتأثر بهذه العبادات فيخرج من أثر هذه العبادات ومن التزام عملها وأدائها كما أمر الله وكما شرع ينشأ الفرد المسلم الذي يبيض وجهه في يوم هذا اليوم قال عنه الله:

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106)﴾

[ سورة آل عمران ]

الإسلام ينهض بالفرد ويخرجه من مجتمعه المادي ويربطه بغيبيات وجب عليه أن يؤمن بها حتى يكون في عداد المؤمنين، قال تعالى:

﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)﴾

[ سورة البقرة ]

الإسلام وضع مناهج عملية للارتقاء بالنفس الإنسانية، برامج عملية، جاء ربيعة بن كعب الأسلمي كما جاء في صحيح مسلم يقول خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من طبع رسول الله أن من أدى إليه معروفاً كافأه، فقال لي يوماً يا ربيعة: سل ماشئت اطلب مني شيء أكافأك على ما خدمتني به، فقال يا رسول الله أمهلني، شيء طيب أن الإنسان يطلب من رسول الله حاجة، أريد أن أطلب حاجة غالية، فلما كان اليوم التالي قال: يا ربيعة سل ما شئت ؟ قال: يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: يا ربيعة من علمك هذا ؟ قال: يا رسول الله نظرت في حالي و مآلي نظرت في الدنيا والآخرة فآثرت الذي يبقى على الذي يفنى، أسأل ماذا في الدنيا، بيت، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام:

((يا ربيعة أعني على نفسك بكثرة السجود.))

أي أعني على هذا الذي طلبته بعمل وليس بفلسفات وكلام، الكلام الذي تقوله يحتاج إلى عمل، جهد، عرق، سهر، وقفة بين يدي الله.
الإسلام لا يقوم بين أمة تجتنب المحرمات وتجتنب المأمورات، لو أن في أمة قالت لن نعمل الحرام أبداً ولكن لن نقوم بالواجبات، لا نسرق، ولا نصوم، ولا نزكي، ولا نحج، لا يقوم المجتمع المسلم وإنما يقوم المجتمع المسلم بفعل المأمورات ولو وقع بعض أفراد المجتمع بالمعاصي والآثام، لكن يقوم المجتمع والمعاصي والآثام هذه لا يخلو منها مجتمع فما خلا منها مجتمع الصحابة ولكنها تتفاوت بين الكثرة والقلة الله عز وجل:

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)﴾

[ سورة آل عمران ]

والكلام عن المتقين ثم قال:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)﴾

[ سورة آل عمران ]

قد يخطئ الإنسان وقد يقع كما جاء في صحيح البخاري وغيره أن هذا الرجل الذي سقط في بعض الآثام ولا داعي لذكر هذه الآثام حتى لا تكون مدعاة، حتى لا يقول البعض أن الشيخ الفلاني ذكر أن الصحابة كانوا يفعلون كذا كذا، فلذلك بعض الأحاديث لا نريد أن نكملها حتى لا تكون تشريعاً لضعاف النفوس، ضعيف النفس يسمع الحديث ويمسك هذا الحديث ويقول صحابي عمل هذا لو أني عملت هذا في أمريكا بعض الأشياء، لكن عموماً الذي يقيم المجتمع المسلم فعل المأمورات فعل الواجبات والذي يقيم المجتمع، فإذا وجد جماعة نبذوا الخمور والزنا والربا، ولكنهم لم يصلوا، ولم تظهر عليهم معالم الإسلام فما أقاموا دين الله وإنما أقاموا لأنفسهم مجتمعاً يعني بحكم البشر فاضلاً ولكن في حكم الله لا يسمى مجتمعاً مسلماً.
أيها الأخوة الكرام الأحبة: نظراً لضيق المقام فسنعيش مع أثر هذه العبادات في بناء الفرد، ونأخذ من العبادات العملية نبدأ بأهمها وأعظمها بعمود الإسلام الصلاة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه:

(( عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ قَالَ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ تَعْبُدُ اللَّهَ وَلا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ وَتَحُجُّ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ أَلا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ الصَّوْمُ جُنَّةٌ وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ وَصَلاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ ثُمَّ قَالَ أَلا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ فَقُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ رَأْسُ الأَمْرِ وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ ثُمَّ قَالَ أَلا أُخْبِرُكَ بِمِلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ فَقُلْتُ لَهُ بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ فَقَالَ كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ فَقَالَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ أَوْ قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ))

[ الترمزي ـ النسائي ـ ابن ماجة ]

العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر، يبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون فتن وسيتولى أمر المسلمين أناس لا يحكمون بالعدل فقال راوي الحديث:

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ تَطْمَئِنُّ إِلَيْهِمُ الْقُلُوبُ وَتَلِينُ لَهُمُ الْجُلُودُ ثُمَّ يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ تَشْمَئِزُّ مِنْهُمُ الْقُلُوبُ وَتَقْشَعِرُّ مِنْهُمُ الْجُلُودُ فَقَالَ رَجُلٌ أَنُقَاتِلُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لا مَا أَقَامُوا الصَّلاةَ ))

[ أحمد ]

إذا أقاموا الصلاة فلا قتال، أمرت أن:

(( عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّ الإِسْلامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ))

[ مسلم ]

الصلاة تربي المسلمين وتغرس في نفوسهم المعنى الحقيقي للمساواة ليست المساواة المزيفة إنما الحقيقية، يقول بعض المستشرقين الإنكليز يتكلم عن رسول الله يقول: عجباً لمحمد صلى الله عليه وسلم ربى أمة فماذا فعل ؟ قال رباها على المساواة فمن دخل الأول إلى المسجد وقف في أول صف وإن كان أقل الناس، الذي يدخل المسجد الأول يقف في الصف الأول وإن كان أقل الناس، ومن جاء المسجد آخراً وقف في آخر صف وإن كان أعظم الناس.
المساواة التي بذر النبي بذرتها يوم وصف أبو ذر وبلال فقال أبو ذر لبلال ـ أبو ذر الأحمر يقول لبلال الأسود ـ يقول له: يابن السوداء فيقول لأشكونك إلى رسول الله فلما ذهب ليشكوه، قال يا أبا ذر واحمر وجه النبي، يقول يا أبا ذر لم يعد لابن البيضاء فضل على ابن السوداء هذا الكلام كان في السابق أما الآن فلا، مساواة هذا المعنى نشعر به متى ؟ في الصلاة نقف سواسية كأسنان المشط.
أيضاً الصلاة تؤثر فينا فنتعرف الطاعة بالمعروف، إنما الطاعة بالمعروف، ونتعلم أن نكون إيجابيين فننصح، والنبي علمنا أن نقف وراء الإمام ونقول الله أكبر لا نقول قبله ولكن بعده، وبعده مباشرةً ولا نتأخر كثير، إنما جعل الإمام لتأتموا به فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا أخطأ الإمام اخطؤوا، لا انصحوا نقول سبحان الله، نسي آية من كتاب الله نذكره بالآية، ننصح لكن لا نضرب، ننصح بالتي هي أحسن، الصلاة تعلم الفرد الإيجابية، ليس في السلبية والتبلد، لذلك الله عز وجل لعن أمة تبلدت بني إسرائيل:

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78)﴾

[ سورة المائدة ]

لكن يوجد شرط من أراد أن يُقّوم الإمام لابد أن يكون في الصف ولا يصح أن يجلس رجل خلف المصلين ثم لما يخطئ الإمام يقول له سبحان الله، تريد أن تقوم وأنت بين المسلمين، المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على آذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على آذاهم ولذلك حينما يعيب من لا يصلي على المصلين لا نقبل ذلك منه، نقول له جزاك الله خير، صلي وممكن أن نقبل نصيحتك عندما تكون في السفينة راكب معنا في المركب، أما أن تكون في الخارج وتقيم وأنت ما سجدت لله سجدة هذا لا يقبل.
لذلك الصلاة تعلم الإنسان الإيجابية، تعلمه النصيحة التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم:

((إنما الدين النصيحة.))

الصلاة تعلم المسلم، تربي في نفس المسلم، وتأثر في هذه النفس وتعلم النفس احترام الوقت، الناس الآن في مجتمعاتنا يتعاملون ويعملون بتوقيع الحضور والانصراف، وبعض الناس يعملون بالساعات وبالدقائق، في الدقيقة كذا، الإسلام منذ أن شرع وشرعه الله للعباد احترم هذا الوقت، المسلم يبدأ من صلاة الفجر لا يبدأ من الساعة العاشرة ولا الساعة الثامنة، ولا التاسعة، يبدأ بعبادة وينتهي بعبادة في وسط العمل وقت الظهر، في وسط العمل وقت الظهر، وقت المغرب أما غير المسلم لا تهمه هذه الساعات تمر عليه الأيام تلو الأيام، تذكر اليوم الجمعة الشهر رمضان، فيأتي رمضان أما غير المسلم بعض الناس يتصل بالمركز الإسلامي بعد العيد، يقول متى رمضان ؟ نقول له انتهى رمضان.
أيضاً الصلاة تعلم المسلم وتربي في هذه النفس سرعة التوبة والإنابة رجل عندما يذنب ذنباً يقول أجمعهم حتى يصبحوا بالجملة، أنا جالس في أمريكا سنة تعال إلى جماعة المسلمين، يقول لا قبل أن أذهب إلى بلدي، يعني توبة واحدة، طبعاً هذا الكلام لا ينفع، المسلم حينما يصلي يعمل ماذا ؟ يصلي، يتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم:

((ما من عبد يذنب ذنباً ثم يقوم فيتوضأ فيصلي ركعتين لله يستغفر إلا غفر الله له ))

تذكروا هذا أن يكون عنده سرعة التوبة، سرعة الإنابة، يقف بين يدي الله لابد من أن يتوب قبل أن يقف بين يدي مولاه.
أيضاً ربط المسلم بالقرآن إنما يكون المسلم يصلي وأولاده يقولون له صلي بنا اليوم، ليلة الزفاف من سنة الزفاف وقلما أحد يعمل هذا ويجب أن نعود إلى هذا، ليلة الزفاف يصلي بزوجته ركعتين وهذا المعنى الذي يفعله المسلم يبين أن شرع يقام، قال تعالى:

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً (34)﴾

[ سورة النساء ]

ربط المسلم بالقرآن، حينما المسلم يحافظ على الصلاة أولاده يقولون له صلي بنا اليوم العشاء لأنها فاتتنا اليوم، يصلي بهم هل من المعقول أن يقرأ كل يوم قل هو الله أحد، قل أعوذ برب الناس، ألم تحفظ شيء جديد ؟ فيرتبط بالقرآن، ويقرأ القرآن ويتعلم القرآن، فإذا صلى بأولاده وإذا قام يصلي قيام الليل في ظلمة الليل احتاج إلى القرآن وارتبط بالقرآن، سمعه بالجمعة والجماعات، أيضاً علو الهمة، العبادة تعلمنا علو الهمة، علو الهمة عندما تقوم من فراشك بالفجر لتصلي بهمة عالية يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((إن أثقل صلاتين على المنافق الفجر والعشاء، ولو يعلم الناس ما فيهما من الخير لأتوهما ولو حبواً.))

أيضاً التعالي على الدنايا، يقول الله عز وجل:

﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ(45)﴾

[ سورة العنكبوت ]

أشياء كثيرة ولكن نختصر ونكتفي بما ذكر، الزكاة أمر عملي، عبادة عملية، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فمد يده ليبايعه، قال بايعني يا رسول الله، قال: أبايعك على كل شيء إلا اثنين، قال: ما هي، قال: الجهاد والزكاة، صلي أصلي أبات في المسجد، فنزع النبي يده من يده وقال له:

((لا نفقة ولا جهاد فبأي شيء تدخل الجنة إذاً؟))

هل الجنة إلى هذا الرخص، أول شيء نتعلمه من هذه العبادة العملية البذل والكرم والمنافسة في أبواب الخير، واجتناب الشح، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

((إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم.))

ويقول القرآن الكريم:

﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)﴾

[ سورة الحشر ]

يقول بعض العلماء الإنسان لما يعمل شيئاً دنيئاً يحتقر نفسه بعد ذلك، يعني لو الإنسان يسير في طريق ووجد امرأة تستنجد فيه تقول له يابني ساعدني وهو لم يرضَ أن يساعد هذه المرأة ولا يوجد أحد شاهده ولا أحد يركب معه السيارة وجدها في حاجةً ماسة وطلبت المساعدة أو رجل مريض أو رجل مسن فلم يساعده، يحتقر نفسه يقول لنفسه أهذه المروءة، هو يريد أن يكتم على الموضوع، ممكن أن يروح عن نفسه بزوجته وهي ليس لها أي ذنب، لم يفعل الخير، والإنسان عندما يكون شحيح، بخيل يحتقر نفسه، حينما يكون كريم ينتصر على هذه النفس ويشعر هذه النفس أنها أقوى من المال فهي التي تملكه وليس المال هو الذي يملكها، يخرج من ماله وينفق، سيدنا أبو بكر يقول له النبي ماذا أبقيت لأولادك، يقول: أبقيت لهم الله ورسوله، ثقته بما عند الله انتصار على هذه النفس، التي تحب الدنيا، وتحب الأموال.
قال تعالى:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14)﴾

[ سورة آل عمران ]

أيضاً النفقة تربي في هذه النفس الثقة بما عند الله واثق بما عند الله يقول عليه الصلاة والسلام:

(( عن كَبْشَةَ الأَنَّمَارِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ثَلاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ قَالَ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ وَلا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا وَلا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ ))

[ ابن ماجة ـ أحمد ]

(( أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلاثَةٌ ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ...))

[ أبي داود ـ ابن ماجة ـ أحمد ]

جاء في الصحيحين أن رجلاً:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لَأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى غَنِيٍّ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيٍّ وَعَلَى سَارِقٍ فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ أَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ زِنَاهَا وَلَعَلَّ الْغَنِيَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ وَلَعَلَّ السَّارِقَ يَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ سَرِقَتِهِ))

[ البخاري ـ النسائي ـ أحمد ]

ثلاث مرات يخرج الصدقة ولكنه انتصر على هذه النفس، أيضاً الارتباط بالدار الآخرة، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لا يَتَصَدَّقُ أَحَدٌ بِتَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ إِلا أَخَذَهَا اللَّهُ بِيَمِينِهِ يُرَبِّيهَا لَهُ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَكُونَ لَهُ مِثْلَ الْجَبَلِ أَوْ أَعْظَمَ ))

[ البخاري ـ مسلم ـ الترمزي ـ ابن ماجة ـ النسائي ـ مالك ـ الدارمي ]

الله يضاعف لمن يشاء، يرتبط بالآخرة، عبد الله بن عمرمرة معه حبة عنب واحدة فجاء سائل فأعطاه إياها فلم يقبل، فقال له عبد الله بن عمر إن الله عز وجل وعدنا أن يجازينا على مثاقيل الذر، فقال فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، وكم في هذه الحبة من مثاقيل ذر كثيرة، يعني هذه كم ذرة.
أيضاً الارتباط بالآخرة، سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم يذكر لعثمان ابن عفان في بئر رجل يهودي وهذا اليهودي منع المسلمين من الشرب منها، فسيدنا النبي حث المسلمين وقال: من يشتري بئر روما اليهودي فسيدنا عثمان سأل عن بئر روما فوجدها غالية الثمن فاتفق معه وقال له بعني البئر، فقال بعني نصف البئر، قال له يوم لنا ويوم لك، ثم نادى في المسلمين من احتاج فليذهب في يومنا ولا يذهب في يوم اليهودي فذهب المسلمين في يوم عثمان، فجاء إليه وقال له خذ النصف الآخر ولما جاء إلى النبي وأخبره أنه اشترى بئر روما وتركها صدقةً للمسلمين.
قال النبي:

((ما ضر عثمان بعد اليوم شيء.))

حتى لو أساء وهو لم يسيء طبعاً فما ضره بعد هذا شيء وهو من أهل الجنة.
أيها الأخوة الأحباب أما الصوم نذكر درساً واحداً في الصوم ودرساً في الحج، الصوم يربي فينا التقوى ويربي فينا المعنى الاجتماعي الرائع، ارتباط المسلم مع إخوانه روحياً صوموا لرؤيته، في أمريكا في روسيا في مصر في سوريا في أي مكان، قال عليه الصلاة والسلام:

(( عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْه قَالَ: قال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ قَالَ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ ))

[ مسلم ـ الترمزي ـ النسائي ـ ابن ماجة ـ أحمد ـ الدارمي ]

عند المغرب و عند الفجر الكل مرتبط المسلمون كالجسد الواحد ارتبطوا بوحدة مشاعر و لذلك أحد الشعراء يقول لأخيه المسلم:

غريبان نحن بهذا الوجــود كمــا اغترب الزهر في البلقع
أخي إن بسمت فعن مبسمي و إن أنت نحت فمن أدمعي
وإن بكيت أنا الذي أبكي
***

من دمعي هذا، هذا المعنى الاجتماعي الرائع، ليس المعنى الجامد، الحقيقة أعجبني كلمة.
أما الحج، فالحج فيه معايشة الآخرة ظاهراً وباطناً، والارتباط باليوم الآخر وحمل الأكفان رداءً وإزاراً ووقوفاً بين يدي الله معنى عملي معنى عملي يزهد في الدنيا ليس لنتركها وإنما حتى لا تسكن القلوب فتكون في اليد ولا تكون في القلب وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم:

((اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا.))

ويقول صلى الله عليه وسلم:

((من كانت الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه جعل الله فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة أكبر همه ومبلغ علمه جعل الله غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة ))

وأقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.
جزى الله الشيخ عبد القادر على ما قدم من دروس عملية في الأركان العملية في الإسلام نسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبع أحسنه سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018