موضوعات قرآنية - الدرس : 35 - يتطابق الدين مع طبيعة النفس البشرية تطابقاً تاماً. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠08رمضان 1422 هـ - موضوعات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات قرآنية - الدرس : 35 - يتطابق الدين مع طبيعة النفس البشرية تطابقاً تاماً.


2001-12-04

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

أصل تصميم الإنسان أن يكون مؤمناً بالله معتمداً عليه واثقاً بنصره :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من أعظم ما في هذا الدين أنه متطابق مع طبيعة النفس البشرية تطابقاً تاماً ، فالإنسان حينما يستقيم على أمر الله يشعر براحة لا توصف ما تفسير هذه الراحة ؟ ذلك أن النفس البشرية في أصل جبلتها وفي أصل تكوينها وفي أصل خصائصها متوافقة مع منهج الله ، تماماً كما لو ركبت مركبةً غاليةً جداً في طريق وعر تشعر بأصوات وتشعر باضطرابات ، هذه المركبة في أصل تكوينها مصممة على طريق معبد لو استخدمتها على الطريق المعبد لشعرت براحة لا توصف ، انسياب وسرعة ولا يوجد أصوات أبداً ، أما المدرعة مصممة لطريق وعر ، فأصل تصميم الإنسان أن يكون مؤمناً بالله معتمداً عليه واثقاً بنصره ، أن يكون صادقاً أميناً عفيفاً ، فالراحة النفسية التي تجنيها النفس بطاعتها لله لا توصف ، بينما العذاب النفسي والكآبة الذي يحصله الإنسان من معصية الله يعني كأن النفس تعاقب نفسها ، لو أنه لا يوجد جنة ونار الإنسان حينما يخالف أمر الله عز وجل يشعر بوحشة ، يشعر بالضيق ، يشعر بالكآبة ، هذا معنى قوله تعالى :

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾

[ سورة الروم : 30]

 أن تقيم وجهك للدين حنيفاً في أدق التفاصيل هو ما جبل عليه الإنسان ، تجد مؤمناً بحياته في خشونة أحياناً لكنه سعيد ، وتجد الكافر بحياته يوجد ترف لكنه شقي ، وهذا الشقاء محقق ، العالم الغربي بأكمله يسعى إلى ترفيه الجسد فقط ويغفل النفس .
 حدثني أخ كان في مؤتمر في بلاد بعيدة غرباً ، ركب مع إنسانة مكلفة أن تكون مترجمة له ، ذكرت له فيما تسمع أن المرأة عندكم شقية ، المرأة عندكم مهانة ذليلة ، قال لها : كل هذا الكلام غير صحيح ، دون أن تشعر حدثته عن زوجها وعن خسته وعن أنه أحب غيرها وعن أن له عشيقات ، ثم حدثته عن أولادها الغارقين بالمخدرات دون أن تشعر ، فبعد أن انتهت من حديثها ذكر لها نموذج من أسرة مسلمة ، يوجد توافق ، محبة ، تعاطف ، تماسك أسري.

متع الحس ومتع النفس :

 الإنسان في أصل تصميمه مصمم على أن يكون مع الله ، الشعور بالأمن الذي يناله المؤمن لا يوصف ، الشعور بالاعتزاز حينما تكون صادقاً ، حينما تكون وفياً لأماناتك لا يوصف، فأنت حينما تخرج عن أصل فطرتك تعذبك فقط وهذا الذي قاله الله عز وجل :

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾

[ سورة طه : 124]

 الآية يقابلها :

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[ سورة الرعد : 28]

 إن أعرضت عن ذكر الله فإن لك معيشةً ضنكاً وإن أقمت على ذكر الله فالله سبحانه وتعالى يلقي في قلبك الأمن والطمأنينة ، يعني أسباب السعادة بيديك تملكها ، لذلك أدق موازنة بين متع الحس وبين متع النفس ، متع الحس مصدرها خارجي لابد من تناول طعام طيب والطعام الطيب غالٍ يحتاج إلى مال ، لابد من أن تمتع عينيك بجمال بشري هذا يحتاج إلى جهد كبير ، لابد من أن تسكن بيتاً مريحاً ، كل متع الحس تحتاج إلى مال ، المصدر خارجي ، هذه المتع متع الحس متناقصة في أثرها ، كل إنسان وصل إلى شيء بعد حين يألفه يصبح تأثيره عليه ضعيف ، يسكن بيتاً جميلاً جداً لمدة شهر بعد ذلك يألفه ، يجري لمكتبه تزيينات غالية جداً بعد شهر يألفها ، متع الحس متناقصة ، متع الحس مصدرها خارجي ، متع الحس تعقبها كآبة ، عقب كل متعة حسية لا ترضي الله يوجد كآبة ، متع الحس قد تنتهي بصاحبها إلى الموت وهذا معنى قوله تعالى :

﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾

[ سورة البقرة : 5]

 الهدى يرفعهم :

﴿ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[ سورة الزمر : 22]

 يوجد شيء ضمن شيء ، فكل إنسان ضال يتحرك وفق شهوته ، هو فيه شيء إما أسير شهوة أو أسير سجن ، قد ينتهي به عمله السيئ إلى السجن بينما الهدى يرفع الإنسان ، إذا لم تكن هناك جنة ، إذا لم يكن هناك نار ، إذا لم يوجد حساب ، إذا لم يوجد متابعة ، لو أنك انسجمت مع فطرتك تشعر براحة ، لو أنك لم تنسجم معها تشعر بضيق .

أسعد الناس من كان منسجماً مع فطرته :

 يحضرني مثل الآن جسر مكتوب عليه الحمولة القصوى عشرة طن وأنت معك مركبة محملة بعشرين طناً ، منتهى السذاجة والغباء أن تنظر هل هناك شرطي يتعقبني ، لا تحتاج إلى شرطي الجسر لا يحتمل هذه الحمولة فإن سرت فوقه وقعت في النهر ، يا ترى هذا التيار عال؟ مكتوب ممنوع الاقتراب ، هل يوجد من يخالفني الآن ؟ ليس الموضوع موضوع مخالفة دعك من المخالفات كلها التيار نفسه يعاقبك ، لا نحتاج إلى شرطي يعاقبك ، التيار يحيل الإنسان إلى قطعة فحم .
 فأنت حينما تفهم أوامر الدين حدوداً لسلامتك وليس قيوداً لحريتك تكون فقيهاً ، كل إنسان يسعى لسلامته وسعادته ، سعادته أن يكون كما أراده الله عز وجل ، الخائن عنده انهيار داخلي ، قد يكون أخذ من خيانته مبالغ كبيرة ، باع وطنه ، باع دينه بمبلغ وقد يكون مليار دولار ممكن لكنه سقط بالخيانة ، يوجد عنده عذاب نفسي لا ينتهي ، أسعد الناس من كان منسجماً مع فطرته ، هذه فطرة الله التي فطر الناس عليها ، أنت في الأصل ضعيف إن آمنت بالله القوي تكمل ضعفك بقوة الله ، أنت في الأساس لا تعلم إن وكلت أمرك لمن يعلم تلافيت نقص معلوماتك برعاية الله ، أنت في الأساس تبحث عن سلامتك إن أيقنت أن سلامتك بطاعة الله تسلم ، تبحث عن سعادتك إن أيقنت أن سعادتك بمعرفة الله تسلم ، طبيعة النفس البشرية في أدق تفاصيلها منسجمة مع مبادئ الدين .
 أحد أصدقائي سافر إلى بلد بعيد يتابع جريدة وجد فيها دعاية إلى تلفون خلوي ، ما الدعاية ؟ رجل دين على رأسه تاج وهذا التاج تشع منه الأنوار ، مرت أمامه فتاة متفلتة فملأ عينيه من محاسنها فانطفأت هذه الأنوار ، الدعاية أنه بإمكانك أن تتصل عن طريق هذا الجهاز بالله عز وجل تستغفره ، هكذا الدعاية .
 أنا لفت نظري أن هناك إطلاق البصر ليس عليه مؤاخذة ، المرأة تمشي شبه عارية لكن في أصل الفطرة أن تنظر إلى امرأة لا تحل هذا يتناقض مع فطرة الإنسان ، فالذي صمم هذه الدعاية عاد إلى فطرته ، سألوا مرة امرأة تعمل بالفن لها شهرة كبيرة جداً في فرنسا ما شعورك وأنت على خشبة المسرح ؟ قالت : شعور الخزي والعار ، وهذا شعور كل أنثى تعرض مفاتنها على الناس ، إن الحب ينبغي أن يكون بين الزوجين فقط وفي غرف مغلقة ، معنى هذا أنها فقيهة هذه الفطرة ، أنا متأكد أن أي إنسان في الأرض إن سألته وكان صادقاً لأجاب إجابة الفطرة و إجابة الفطرة هي منهج الله عز وجل .

أصل تسوية النفس مصممة أن تكون تقية لله عز وجل :

 لماذا يفرح الصحابة الكرام بما أنزل إليهم ؟ قال تعالى :

﴿ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾

[ سورة الرعد : 36]

 هو تطابق الفطرة مع الوحي يوجد عنده شعور معين ، عنده حاجة معينة فجاء الوحي مطابقاً لها ، هذه النقطة الدقيقة ، قال تعالى :

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس : 7]

 في أصل تسوية النفس ، في أصل تسوية النفس مصممة أن تكون تقية لله عز وجل ، قال تعالى :

﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[ سورة الشمس : 8]

 فحينما تعتمد على فطرتك النقية تصل إلى ربك ، أحياناً الإنسان يجهل حكماً شرعياً، لكنه إذا كان صافياً نفسه تأبى أن يفعل هذا ، ليس معه دليل لكن لا ترتاح نفسه إذا فعل هذا ، فإذا قرأ الحكم الشرعي يرتاح ، أنا أنكرت هذا دون أن أعلم الحكم الشرعي ، فإذا علمت الحكم الشرعي جاءت فطرتي متوافقةً مع الحكم الشرعي ، فأنت لا تستهين بالمؤمن ، المؤمن مهما تكن حياته قاسية ، مهما تكن حياته خشنة ، مهما تكن ظروفه صعبة لأنه انسجم مع فطرته ما كذب ، ترى مهناً كثيرة جداً اسمها مهن راقية تعتمد على خبرات عالية جداً ممكن أن تسميها المهن الفكرية ، الطرف الثاني المريض لا يمكن أن يناقش الطبيب لا يمكن ، الطبيب لو ما كان عنده قيم ممكن ، أقسم لي بالله طبيب قال لي : والله أستطيع أن أبيع كل إنسان بيته وهو مطمئن ، وهو واثق منه ، لكن عندما يبيعه بيته يشير عليه بعملية معينة أو بتنظير أو بشيء غال جداً قال: أنهار من داخلي ، انهيار من الداخل .
 ممكن أن تحصّل مئات الملايين ، يوجد إنسان يحصّل في الجمعة مليون ليرة عن طريق الكذب والدجل ، ذكي جداً وعنده قدرة إقناع كبيرة جداً ، يعمل في الجراحة ، يقنع الإنسان بعملية إن كان بحاجة إليها أو لم يكن بحاجة إليها أو إن كانت تقتله ، له أساليب يحاصر المريض ، لا يترك للمريض ، لا يدعه ، يأخذ رأي طبيب ثان طبعاً ، ثم فضح أمره وكتبت عنه قصص في الجرائد .

الراحة النفسية أعظم أنواع السعادة :

 أنت حينما تكون منسجماً مع فطرتك تشعر براحة ، صدقوني أنا أقول للإنسان المتقي ملك ، قد يكون مستخدَماً ، قد يكون حاجباً ، ملك ، شعوره أنه لا يكذب ، أمين ، عفيف ، عفته وأمانته وصدقه تعطيه شعور بالقدسية وقد يكون في مرتبة دنيا ، لا أحد يستهين بالراحة النفسية ، الراحة النفسية أعظم أنواع السعادة ، الراحة النفسية أن تشعر أنك إنسان ، أنك رحيم ، أنك منصف ، هؤلاء الذين ملكوا ناصية العالم والله هم أشقى الناس مع أنهم في قمة القوة ، في قمة المجد ، في قمة الرفاه ، هم أشقى الناس ، انهاروا من الداخل .
 لو فرضنا إنساناً تاجر مخدرات وعنده أموال لا تأكلها النيران ، ثبت منذ سنتين أن أعلى دخل في العالم دخل المخدرات ، أعلى دخل ، يأتي بعده بيع الأسلحة ، يأتي بعده بيع المبيدات الكيماوية أسعارها خيالية ، كأن بيعها بيع إذعان وليس بيع تراضي ، فهؤلاء الذين يملكون ملايين ، إنسان عنده ملهى ودخله فلكي عنده انهيار من داخله ، هذا الملهى قائم على إفساد الناس ، إنسان عنده مطعم دخله فلكي لكن فيه خمور ، عنده انهيار داخلي ، العبرة أن تكون متماسكاً من الداخل ، العبرة أن تنام وليس في عنقك ظلامة ، لا يوجد إنسان معذب بسببك، لا يوجد إنسان فقد حريته بسببك ، لا يوجد إنسان تدمرت أسرته بسببك ، لا يوجد إنسان أفقرته واغتنيت ، لا يوجد إنسان حرمته وأنت ارتويت ، لا يوجد إنسان أذللته وأنت اعتززت أبداً ، الدين هو الحق ، قال تعالى :

﴿ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾

[ سورة يونس : 105]

 تفاصيل هذا الدين تتناسب مع فطرة الإنسان ، هل يوجد أبسط من صحن فيه تفاح ؟ يوجد تفاحة كبيرة لها خد أحمر ، وأنت وأخوك ، لو أنك أنت أخذت الكبيرة أمامه استأثرت بها ، لو أن تفاحة كبيرة فيها كم غرام زيادة ، وهذا اللون الأحمر ، ماذا يفعل ؟! فأنت حينما تؤثر أخاك بهذه التفاحة تشعر براحة ، أما إذا أخذتها أمامه تشعر بضيق ، في الصحن يوجد قطعة لحم ، أنت وزوجتك ، لو دفعت هذه القطعة إليها تشعر براحة ، لو أكلتها أمامها تشعر ولو بوخزة ، الذي عنده حساسية بالغة ، نحن عندنا موازين ، ميزان يزن سيارة إبان سيارة ، قد تكون عشرين طناً ، ثلاثين طناً ، أربعين طناً ، لكن إذا وضعت عليه كيساً فيه مئة كيلو بن لا يتحرك ، يوجد الآن موازين ، إذا زنت فيها ورقة وتكتب عليها كلمة ، وزن الحبر كلمة محمد ترجح الكفة ، المؤمن عنده ميزان دقيق جداً ، حساس جداً ، أحياناً كلمة ، أحياناً نظرة يشعر نفسه ، قال تعالى:

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

[ سورة غافر : 19]

شعور الإنسان بانهيار داخلي عندما يتصرف بخلاف قناعاته :

 إذا عين الطبيب انتقلت إلى مكان في جسم المرأة ليس بحاجة أن يفحصه لكن بدافع الشهوة بحيث أنه خان أمانته ، هذه الخيانة لا يمكن لكائن من بني البشر أن يطلع عليه ، فأنت حينما تعامل الله تشعر براحة لا توصف ، وحينما تعامل الخلق ، خذ أية حرفة مهما أقمت ضوابط لا يمكن أن تنجح الحرفة ، سمان وجد في وعاء الزيت فأرة ، يحضر ملقطاً ينزعها ويبيع، من كشف الحقيقة ؟ أما المؤمن فلا يستطيع ، يختل توازنه ، يبيعها للصابون ، لا يستطيع المؤمن أن يبيع زيتاً فيه فأرة لأنها نجسة ، إذا إنسان لا يوجد عنده دين يشعر أنه خان كل هؤلاء ؟!
 سمعت عن مسبح في اليونان فيه مادة تتفاعل مع البول ، فكل إنسان يسبح في هذا المسبح ويبول مرتاح ، تطفو فوقه بقعة بنفسجية اللون ، ويوجد حارس معه ضوء يسلط عليه هذا الضوء حتى يؤخذ ويوضع في غرفة زجاجية على مدخل المسبح ، وتكتب جريمته أن هذا يبول في المسبح ، خذ مؤمناً مستحيل أن يفعلها ، لا يوجد جهاز ، ولا يوجد إضاءة ، ولا يوجد مواد تتفاعل مع الماء ، مستحيل أن يفعلها ، يوجد أمانة ، يوجد من يسبح معه هذه أمانة ، فعندما يصل الإنسان إلى الدين الحقيقي الحياة تنتظم ، كم إنسان عامل مؤمناً وغلط معه عند عدّ المال أحياناً فرق مئة ألف ، في اليوم الثاني يرجعها له ، لأن هذا الثاني ينهار عندما يأخذهم ، لذلك الإيمان مرتبة عالية جداً لا يمكن أن تأكل قرشاً حراماً .
 أعط مركبتك لإنسان مؤمن من غير المعقول أن يبدل لك قطعة ، لا تشكو من شيء، ويقول لك : هذه ثمنها ثمانمئة ليرة ، لا يفعلها ، أما الذي لا يوجد عنده دين فيفعلها وعندما يفعلها يشعر بانهيار داخلي .
 اليوم درسنا المسلم نقطة ، دعك من الجنة والنار والعقاب ، أنت عندما تقيم وجهك للدين حنيفاً تشعر براحة ولو كان ما عندك شيء ، وعندما تتصرف بخلاف قناعاتك تشعر بانهيار داخلي ، كل إنسان يأكل مالاً حراماً عنده انهيار داخلي ، كل إنسان يخون زوجته عنده انهيار داخلي ، كل إنسان يفعل ما لا يرضي الله عنده انهيار داخلي ، كل إنسان يتكلم بكلام خلاف المنطق والواقع حتى يغطي انحرافه عنده انهيار داخلي ، الآية :

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

.

[ سورة الروم : 30]

أصل تصميم الإنسان أن يكون مع الله وأن يطيع الله :

 مرة سألوا ألف زوج لماذا لا تخون زوجتك ؟ استبيان ، الإجابات جاءت متنوعة ، أدنى إجابة أخلاقية لا أتستطيع ، يبدو أنها معه في العمل ، الإجابة الأرقى لا أحتمل الشعور بالذنب ، الأرقى لا أحب الخيانة .
 تجد الإنسان قد يكون مؤمناً لا يكذب ، لا يغش ، لا يأكل قرشاً حراماً ، عنده تماسك داخلي ، عنده شعور بالتفوق .
 كنت مرة في مؤتمر في أرقى فندق في المغرب ، عند الفجر سمعت قرآناً شيء رائع جداً ، أطللت من الشرفة رأيت عامل الحديقة يصلي الفجر في وقته ، وله صوت عذب ، شعرت بشعور عجيب أن هذا العامل أدنى مرتبة في الفندق كله ، كان هناك مؤتمراً إسلامياً ، ولكن يبدو من استقامته واتصاله بالله صار صوته روعة ، فقد يكون أسعد إنسان وهو في المرتبة الاجتماعية أدنى إنسان ، بالمرتبة الاجتماعية أدنى وظيفة في الفندق ، مهمته قص الحشائش ، لكنه مصلّ ، راض لله عز وجل ، أحياناً ترى صانعاً حريص على صلاته ، استقامته واضحة ، عفته واضحة ، تراه سعيداً ، فهذا سر الدين ، سر الدين أنك أنت انسجمت مع نفسك ، كنت راكباً في سيارة تسير فيها بالوعر ، الحجر ضرب أرض السيارة ، ضرب وعاء الزيت عندك كل يوم مشكلة، عندما تسير بها على الزفت تشعر براحة لأنها مصممة للزفت ، أصل تصميمها أن تسير على شارع معبد لا يوجد ولا مشكلة ، وأنت أصل تصميمك أن تكون مع الله ، أن تطيع الله ، فهذه الآية لها هدفان :

﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

[ سورة الروم : 31]

 من هؤلاء المشركين ؟

﴿ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً﴾

[ سورة الأنعام : 159]

 لماذا أصبح هناك تفرقة في الإسلام ؟ لماذا هناك أحزاب ؟ عندما أصبح هناك طوائف ، لأن له مصالح ، هو عبد مصلحته ، عندما عبد مصلحته من دون الله لزم أن يشق الصفوف ، لزم أن يعمل تفرقة ، لزم أن يقول أنا ولا يوجد أحد ، التفرقة من لوازمها الشرك ، الشرك يؤدي إلى تفرقة ، والتفرقة منعكس الشرك :

﴿ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

[ سورة الروم : 31]

من لوازم الشرك التفرقة ومن لوازم التوحيد الوحدة :

 من هم ؟

﴿ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً﴾

[ سورة الأنعام : 159]

﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون : 53]

 

الحق واحد ، قال عليه الصلاة والسلام :

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :... وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً"))

[ أبو داود عن أبي هريرة]

 كم هناك صراعات بين جماعات المسلمين ، كم هناك تقاذف تهم الكفر والشرك بين جماعات المسلمين ، السبب المصالح الآية الكريمة :

﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾

[ سورة الجاثية : 17]

 النقطة الدقيقة الثانية أن من لوازم الشرك التفرقة ومن لوازم التوحيد الوحدة ، فكل إنسان يتحد مع أخيه المؤمن حفاظاً على هذا الدين يكون موحداً ، وكل إنسان يؤثر مصلحته الشخصية على وحدة المسلمين يكون مشركاً ، وكل إنسان يؤثر مصلحته الفردية أو مصلحة جماعته على الصالح العام يكون مشركاً ، فكل هذه الخلافات بين هذه الجماعات الإسلامية وهذه المهاترات وهذا الطعن وهذا العدوان وهذا الاقتتال أحياناً كله بسبب الشرك ، لأنه آثر مصلحته الخاصة أو مصلحة جماعته على مصلحة المسلمين عامةً فكان عند الله مشركاً ، قال تعالى :

﴿ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾

[ سورة الروم : 31-32]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018