موضوعات قرآنية - الدرس : 31 - الفرق بين العباد والعبيد . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠08رمضان 1422 هـ - موضوعات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات قرآنية - الدرس : 31 - الفرق بين العباد والعبيد .


2001-12-02

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

الفرق بين العباد والعبيد :

 أيها الأخوة الكرام ؛ في أواخر سورة الفرقان آيات يقرؤها معظم الناس تبتدئ بقوله تعالى :

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾

[ سورة الفرقان : 63 ]

 هناك نقطة دقيقة في قوله تعالى عباد ، العباد جمع عبد ، و العبيد جمع عبد ، و شتان بين الجمعين ، فالعباد التي هي جمع عبد هو عبد الشكر ، العبد الذي عرف الله ، و عبده، و أحبه ، و أطاعه ، و أحسن إلى عباده ، فهذا العبد يجمع على عباد ، أما العبد المقهور بعبوديته لله الذي تتوقف حياته على إمداد الله له ، يتوقف استمرار حياته على إمداد الله له ، فهذا عبد و قد يكون ملحداً ، هذا عبد القهر ، فعبد القهر يجمع على عبيد :

﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾

[ سورة فصلت : 46 ]

 وعبد الشكر يجمع على عباد ، و في القرآن الكريم دقة بالغة ، فالذي عرف الله ابتداء بمبادرة منه ، و أحبه ، و أطاعه ، فهذا من عباد الرحمن ، و الذي قهر بوجوده ، و قهر بأن حياته متوقفة على إمداد الله له فهذا عبد القهر ، فكل الخلق الشقي دون عن الله عز وجل عبيد لله حتى الذي أنكر وجود الله ، لو أن الله عز وجل قطع عنه الإمداد ثانية واحدة أصبح جثة هامدة ، قلبه بيد الله ، أعصابه بيد الله ، أجهزته بيد الله ، و أي جهاز تعطل انقلبت حياة الإنسان إلى جحيم .

 

المؤمن مع المنعم والكافر مع النعمة :

 لذلك في مطلع سورة الفاتحة قوله تعالى :

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾

[ سورة الفاتحة : 2 ]

 الحمد لا يوجد عليه خلاف ، أكثر الكفار يستنشقون الهواء و الهواء نعمة ، أكثر كفار الأرض يأكل ويشرب ، والطعام والشراب نعمة ، يتحرك الحركة نعمة ، ينبض قلبه ، و تتجاوب رئتاه ، ويتكلم ، فهذه كلها نعم متفق عليها على أنها نعم بين الكفار و المؤمنين ، و لكن هذه النعم ممن ؟ والحمد يستحقه من ؟ الحمد لله ، الفرق الدقيق بين المؤمن والكافر أن المؤمن مع المنعم ، والكافر مع النعمة ، أهل الكفر يتذوقون الدنيا تذوقاً رائعاً ، يأكلون أطيب الطعام ، يبنون بيوتهم في أجمل الأماكن ، يتذوقون الجمال ، يتذوقون النعم ، ولكنهم مع النعم وليسوا مع المنعم ، بينما النبي عليه الصلاة والسلام كانت تعظم عنده النعمة مهما دقت ، يكفي أن الواحد من المؤمنين لو أفرغ مثانته بشكل طبيعي هذه نعمة لا تقدر بثمن ، أي نعمة من نعم الجسم كبيرة جداً ، يكفي أن تتحرك ، يكفي أن كأس الماء تشربه ، شخص معه فشل كلوي ذهب ليغسل قالت له الممرضة بقسوة بالغة : الآلة معطلة إياك أن تشرب ماء هذا الأسبوع ، أنت لا يخطر ببالك إذا كنت عطشاناً أن تشرب كأس من الماء ، أحضر كأساً ثانياً ، أحضر كأساً ثالثاً ، هذه نعمة من يعرفها ؟ من فقدها ، أن تشرب الماء كما تشتهي ، أن تأكل ، ممكن أن نغذي إنساناً تغذية تامة بالسيروم لكن يتمنى أن يأكل مكدوسة ، إذاً أن تأكل الطعام ، ممكن أن تقوم حياتك على السيروم، يوجد أغذية و فيتامينات و بروتينات ، فيه كل شيء ، لكن الإنسان يتمنى أن يأكل قطعة من الجبن مع كأس من الشاي ، إذاً نعمة أن تأكل ، أن تستنشق الهواء ، أن تتحرك ، أن تكون الأجهزة سليمة ، الحمد لله الذي عافاني في بدني ، وبالشكر تدوم النعم :

﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾

[ سورة إبراهيم : 7 ]

 حتى النبي عليه الصلاة و السلام علمنا إذا الإنسان دخل دورة المياه ماذا يقول ، يقول : الحمد لله الذي أذاقني لذته - الطعام - ، وأبقى فيّ قوته ، وأذهب عني أذاه ، أرأيت إلى هذا الفهم العالي ؟ أذاقني لذته ، أكلت فولاً ، و أبقى فيّ قوته ، يوجد بي قوة ، البروتين صار ترميماً ، والنشويات والسكريات طاقة ، يوجد قوة حركة ، وأذهب عني أذاه ، إخراج الفضلات كذلك من نعم الله الكبرى ، إذاً العبد الذي جمعه عبيد هذا عبد القهر ، أما العبد الذي جمعه عباد فهذا عبد الشكر .

 

صفات عباد الرحمن :

 الله عز وجل قال :

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ ﴾

[ سورة الفرقان : 63 ]

 أول صفة من صفاتهم أنهم يمشون على الأرض هوناً ، ما معنى هذه الآية ؟ كان عليه الصلاة و السلام إذا مشى كأنه ينحط من صبب ، كان يسرع في المشي ، كان عمر رضي الله عنه تقول عنه السيدة عائشة : رحم الله عمراً ما رأيت أذهد منه ، كان إذا سار أسرع ، و إذا قال أسمع ، و إذا أطعم أشبع ، و إذا ضرب أوجع ، إذاً المشي بسرعة من صفات المؤمن ، الآية بالعكس ، الآية هوناً ، استنبط علماء التفسير أن الهون هنا لا يعني المشي المادي ، أي هذا المؤمن عرف الله ، و عرف هدفه وهو الجنة ، لا يسمح بعمله اليومي أن يستغرقه ، دققوا : إنسان يعمل ليله و نهاره ، يفتح عينيه على هموم عمله ، من أصبح و أكبر همه الدنيا لا يوجد عنده شيء آخر ، أي عمله كرية بدمه مع كرياته ، نسي مهمته في الحياة ، نسي الآخرة ، نسي الموت ، نسي أن الله خلقه للعمل الصالح ، نسي أن هذه الدنيا دار ابتلاء ، لم يرَ شيئاً إلا عمله وقد ينجح به ، وقد يتفوق ، لكن أي عمل يأكل كل وقتك أكبر خسارة ، أقول لكم هذا الكلام الدقيق ، أي عمل يأكل كل وقتك فهو عمل خاسر لأنه أنساك مهمتك التي خلقت من أجلها ، أنساك ما بعد الموت ، فهذا العبد عبد الرحمن يمشي على الأرض هوناً ، لا يسمح أولاً لعمله ، لاختصاصه ، أن يأكل كل وقته ، وأشخاص لا يعدون ولا يحصون ليس لهم همّ في حياتهم إلا النجاح في عملهم المادي فقط ، فكلما كبر الدخل شعر بالنشوة ، وكلما تألق نجمه في سماء العمل شعر بالتفوق ، ونسي مهمته ، وإن كانت الأمثلة مكررة ، لكن شخصاً فقيراً جداً ، معدماً من طبقة اجتماعية متدنية جداً ، قيل له ائت بالدكتوراه لتكون في أعلى منصب في بلدك ، و نزوجك أجمل فتاة بمقاييس العصر ، نسكنك أجمل قصر ، نعطيك أجمل سيارة ، نعطيك أكبر دخل ، هذه كل طموحات الشباب ، بمصر بكلية الطب عندهم أربع عينات ، أهداف كل طالب ، عيادة و عربية و عروسة و عيّان أي زبون ، يريد أن يفتح عيادة ، يريد مركبة ، يريد عروسة ، يريد مريضاً أن يكون زبوناً له ليعيش منه ، طموحات الناس كلها بيت فخم ، ومركبة فخمة ، و امرأة جميلة ، هذا طموحات الناس المادية ، لو قلنا لهذا الإنسان الفقير المتعب : ائت بالدكتوراه وستكون في أعلى مكانة في بلدك مادياً و معنوياً ، ذهب إلى فرنسا ليس معه مال فاضطر أن يعمل منظف صحون في مطعم ، إذا عمل ساعتين يكفيه هذا العمل كمصروف ، جاءه عرض أربع ساعات ، ذهب هو ليدرس ويأخذ الدكتوراه ليكون بأعلى مكان في بلده فيحتاج إلى ساعتين عمل حتى يأكل ، سكن بغرفة قميئة تحت درج واشتغل ساعتين ، آمّن طعامه و شرابه ، الآن ينبغي أن يدرس ، جاءه عرض أربع ساعات ، وجد الدخل مضاعفاً فأغراه الدخل المضاعف قبله، جاءه عرض آخر ثماني ساعات ، لو جاءه عرض بأربع وعشرين ساعة كحارس أو أمين مستودع فيفرح بالدخل فنسي مهمته ، نسي سر وجوده في فرنسا أن يدرس دكتوراه فخسر كل شيء ، فالعمل الذي يستغرق كل وقتك أكبر خسارة لك ، أنساك مهمتك ، أنساك الجنة ، أنساك طاعة ربك ، أنساك عبادة ربك ، حتى إنهم قالوا : الإنسان الذي لا يملك وقت فراغ ليس من بني البشر ، يقول لك : والله قد خرجت قبل أن يستيقظوا ورجعت بعد أن ناموا ، يعمل ليلاً نهاراً ، و يتوقع أنه متفوق ، لا ، حينما تنسى مهمتك في الحياة ، وحينما تنسى رسالتك في الحياة ، وحينما تنسى لماذا أنت في الدنيا ، وحينما تنسى سر وجودك وغاية وجودك فأنت في خسارة كبيرة ، فكل إنسان لا يوجد عنده وقت فراغ يحضر هذا الدرس مثلاً ، يجلس مع أهله ، يسهر مع أصدقائه المؤمنين سهرة ، كل إنسان لا يسمح له عمله أن يقضي وقتاً وفق اتجاهه ، وفق رغبته ، وفق مبادئه ، هذا إنسان ميت ، أما الطالب المتفوق بفرنسا وجد ملهى تذكر مهمته فتركه ، رأى مسرحاً تذكر مهمته فانصرف عنه ، رأى دار سينما تذكر مهمته فانصرف عنها ، فالمؤمن كلما عرض له أمر يقيسه مع مهمته الكبرى ، يتوافق يقدم عليه ، يتناقض يتركه ، أي غاية المؤمن في الدنيا لا تذهب عن ذهنه إطلاقاً ، هذا معنى قوله تعالى :

﴿ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾

[ سورة الفرقان : 63 ]

 لا يسمح لعمله أن ينهيه ، تجد عملاً ليلاً نهاراً ، أي عمل شاق بأوج عمله جاءه ملك الموت ، تروى قصة رمزية أن إنساناً يريد أن ينتحر من شدة الفقر فجاءه ملك الموت - هذه طبعاً قصة رمزية - قال له : أنا أدلك على طريقة تكسب رزقاً وفيراً كي لا تنتحر ، علمه أن يكون طبيباً ، فأعطاه تعليمتين قال له : إن رأيتني عند رأس المريض فسوف يموت ، إياك أن تعالجه ، وإن رأيتني عند قدميه هذا لن يموت ، صف له ما شئت سوف يشفى ، أحضر محفظة وضع بها ماء ملون و قطرات يجد ملك الموت عند قدميه يقول له قطرتين قبل الطعام ، وقطرتين بعد الأكل، أي يعقدها عليه يشفى فيتألق هذا اسمه ، يجده عند رأسه يهرب أعتذر ليس اختصاصي ، فكلما عالج مريضاً تنجح معالجته ، جمع ثروة وإذ ابنة الملك تمرض فاستدعوه ، أصبح أكبر طبيب ، وجد ملك الموت عند قدميها فاستبشر عالجها ونجح في علاجها ، الملك كان واعداً من يشفي ابنته أن يزوجه إياها ، و يصبح ولي العهد ، فهذا يوم عرسه وثاني يوم نصبوه ولي العهد جاء ملك الموت قال له : الآن ؟ قال له : الآن ، قال له : و الله في الأول كان أسهل بكثير ، فهذا الإنسان الشارد الذي عمله استغرقه يكون بأعلى درجة من تفوقه المادي تأتيه أزمة تفضل ، يأتيه ألم لو وزع على العالم لكفاه ، الإنسان بأوج تألقه المادي تفضل ، أما المؤمن فلا يسمح لعمله أن يصرفه عن آخرته :

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾

[ سورة الفرقان : 63 ]

 صلاته ، قراءته للقرآن ، اهتمامه بأهله ، طاعته لربه ، انتماؤه لمسجده ، له دروس علم ، هذه رقم واحد ، ما تبقى من وقت يبرمج حياته على طاعة الله أولاً .

 

الإنسان الخاسر هو من ينسى الغاية التي خلق من أجلها :

 الإنسان يبرمج حياته على الدنيا ، إن عنده وقت فراغ يحضر درساً ، والله اليوم أستطيع أن أحضر ، لا ، الأصل برنامجك الديني ، لأن هذا أساس وجودك وغاية وجودك ، أحياناً مشاكل بيته تصرفه عن آخرته ، أحياناً مشاكل صحته تصرفه عن آخرته ، علامة المؤمن لا يصرف عن آخرته بشيء ، لا عمله ولا صحته ولا بيته ولا اهتماماته ، فكل إنسان ينسى الغاية التي من أجلها خلق ، ينسى المهمة التي من أجلها وجد ، هذا إنسان خاسر ، و صفة عباد الرحمن يمشون على الأرض هوناً ، أي يقتطعون من وقتهم الثمين وقتاً لتربية أولادهم ، والله التقيت مع شخص من أسبوعين أو ثلاثة قال لي : والله أنا انتقلت إلى بيروت ، خير ، قال لي : ابني يدرس هناك خشيت على أخلاقه حتى أراقبه ، مهمته كأب رقم واحد هذا ابنه استمراره ، قال لي : إذا ابني بالجامعة ويعرف أن أباه ينتظره بالمنزل يوجد هناك انضباط ، أكبرت فيه هذه النقطة ، لأن ابنه عنده رقم واحد ، مفروض أن يحافظ على أخلاقه ، فإذا أب عنده أولاد عنايته بالأولاد إحدى أكبر مهماته ، لا يسمح لعمله أن يصرفه ، أحياناً إنسان يأتيه عمل بالسفر ، يسافر ، أهمل بيته ، إذا الزوجة إيمانها ضعيف قد تقع في الفاحشة بغيابه لأنه من عام وهو غائب ، وأولاده بالطرقات ، حقق ربحاً خسر أكبر شيء ، أي القصد من هذه الآية أن المؤمن يقتطع من وقته الثمين وقتاً لمعرفة ربه ، وقتاً لطاعته ، وقتاً لطلب العلم ، وقتاً لحضور مجالس العلم ، وقتاً لتربية أولاده ، وقتاً للجلوس مع زوجته ، أي أكبر سبب لانحراف الزوجة انصراف الزوج عنها ، ليس عنده وقت لها ، وهو قاس في كلامه معها ، فيأتي شخص غريب يلاطفها فتميل نحوه ، هذه طبعاً البيوت العادية ، المؤمنات لهن ترتيب آخر ، المؤمنات مع الله عز وجل، لكن زوجة عادية أنت منصرف إلى عملك مئة في المئة ، أصبح عندها فراغ عاطفي ، فراغ كبير، من يملؤه ؟ يأتي شخص منحرف يملأ هذا الفراغ :

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾

[ سورة الفرقان : 63 ]

على كل إنسان أن يعرف مهمته الأساسية في الحياة :

 فكر ، يجب أن تجلس مع نفسك جلسة من حين لآخر تتأمل : من أنا ؟ أين كنت ؟ ماذا بعد الموت ؟ إلى أين المصير ؟ لماذا أنا على وجه الأرض ؟ ما مهمتي الأساسية ؟ جلسات التأمل سيدنا نعيم بن مسعود جاء ليقاتل النبي هو سيد من غطفان ، ففي معركة الخندق وهو في الخيمة جالس- أنا أضرب هذا المثل ، فكر - خاطب نفسه - يسمونه الحوار الذاتي - قال : يا نعيم ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ جئت تقاتل هذا الرجل ماذا فعل ؟ سفك دماً ؟ انتهك عرضاً ؟ سلب مالاً ؟ لا ، لماذا تقاتله ؟ يا نعيم أيليق بك و أنت العاقل أن تقاتل إنساناً صالحاً ؟ أن تقاتل أصحابه الصالحين ؟ جنس الحوار تأمل ذاتي ، وقف وانطلق إلى معسكر المسلمين ودخل على رسول قال له : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، قال له : نعيم ؟! قال له : نعيم ، أسلمت، جنس الحوار كان في صف الكفار جاء ليقاتل النبي ، مليون عمل الإنسان يقوم به دون أن يشعر هو شر ، أنا هكذا قالوا لي ماذا أعمل ؟ أنا مع المجموع ، إذاً أين عقلك ؟ أعمال كثيرة جداً يرتكبها ، يرتكب ظلماً ، يرتكب معصية كبيرة بحكم العادة ، إذاً أين عقلك ؟ النبي قال له بعد أن سأله مرني ماذا أفعل ؟ قال له : أنت واحد ماذا تفعل ؟ بالخندق الإسلام بقي له ساعتين أو ثلاث ، انتهى كله ، عملية استئصال ، عشرة آلاف مقاتل جاؤوا من كل حدب وصوب ليستأصلوا هذا الدين ، واليهود نقضوا عهدهم ، فأصبح ظهر النبي مكشوفاً ، والبرد شديد ، وهناك خوف وجوع ، وبقوا قلة قليلة ، قال له : مرني ماذا أفعل ؟ قال له : أنت واحد ، قال له : لم يعلم أحد بإسلامي ، قال له : خبب عنا ، ذهب إلى قريش ، ذهب إلى اليهود يحبونه لأنه كان صديقهم ، قال لهم : أنتم نقضتم عهدكم مع محمد ، و هؤلاء قريش هذه البلاد ليست بلادهم فإن انتصروا ركبوكم ، و إن لم ينتصروا تركوكم وحدكم لمحمد فينقض عليكم ، أنا أنصحكم أن ترجعوا إلى النبي وأن تنسحبوا من نقض العهد ، أو أن تطلبوا من قريش سبعين رهينة من كبار زعمائهم فإذا تركوكم وحدكم تقتلوهم ، والله أعجبهم الاقتراح بارك الله بك ، والله أنت معنى هذا أنك ناصح ، ذهب لقريش قال لهم : هؤلاء اليهود ندموا على نقض عهدهم مع رسول الله ، وأغروه أن يأخذوا منكم سبعين رهينة ليقتلهم ثمن عودتهم إليه ، فإياكم أن تفعلوا ذلك ، أعطى هنا معلومات غلط و هنا معلومات غلط ، الآن يريد أن يحرك القضية تحريكاً ، أرسل أحد القرشيين إلى اليهود ين ننتظر غداً نقاتل محمداً ؟ طلبوا رهائن حسب الاتفاق ، عندما طلبوا رهائن عرفت قريش صدق نعيم فوقع الشرخ بينهم ، الله ساعدهم برياح عاتية خربت خيامهم ، وقلبت قدورهم ، وأطفأت نيرانهم ، والله أنهى المعركة من دون قتال ، ممكن الإسلام كله باق إلى الآن بسبب واحد ، بسبب معين ، ممكن شخص أن ينصر ديناً بأكمله ؟ صدق ، ما الذي أحضرك إلى هنا ؟ يا نعيم ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ تقاتل رجلاً صالحاً لم يسفك دماً ولم ينتهك عرضاً ولم يسلب مالاً ؟ إذا كل شخص منا فكر : من أنا ؟ أنا معقول أن أعمل في مكان فيه مخالفات شرعية ؟ كلها عدة سنوات ، المشكلة أن الحياة محدودة جداً ، يعصي الله عدة سنوات يذهب إلى جهنم إلى الأبد ، أو يرضي شخصاً ، تجد أن كل كيانه إرضاء شخص واحد بعيد عن الله عز وجل ، المسلم الذي يبيع نفسه لغير المسلم مثل المنديل الورقي مسح به أقذر عملية ، ثم ألقي في المهملات ، أي ممكن أن يأخذ موقفاً بشعاً وقذراً مقابل أن يأخذ مليار دولار ، أي كان سبباً بنكسة المسلمين أخذ مليار دولار انتهى ، فكل مسلم يبيع نفسه لغير المسلمين ، يبيع فكره ، أحياناً يكون طليق اللسان، أديباً ، يبيع فكره لمذهب وضعي أو لاتجاه وضعي هذا سموه عهراً فكرياً ، كيف أن المرأة تبيع جسمها مقابل أجر ، فإذا مفكر أو أديب باع فكره إلى جهة غير إسلامية معنى هذا أنه عاهر فكرياً ، يوجد أديب بمصر داعبوه بأنك أنت تبيع فكرك لجهة غير وطنية ، غضب غضباً شديداً قال : أنا لا أبيع فكري أنا أؤجره فقط ، أي عذر أقبح من ذنب .

حاجة الإنسان إلى تفكر عميق حتى لا يكون خطيئة جهة ثانية :

 القصة أن هذه الآية دقيقة :

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾

[ سورة الفرقان : 63 ]

 فكر ، من أنت ؟ لماذا تذهب إلى هذا المكان ؟ لماذا تجلس مع هذا ؟ لماذا تعمل هذا العمل ؟ أعمال كلها محرمة ، يقول لك : هكذا نشأنا ، والدي هكذا يريد ، هل يخلصك والدك؟ الإنسان يحتاج إلى تفكر عميق حتى لا يكون خطيئة جهة ثانية ، أنت مكرم ، أنت لله ، أبشع شيء بالإنسان أن يجير لغير الله ، يكون غلطة من غلطات إنسان ، أي لا تكن إمعة ؟ من هم الإمعة ؟ قال : أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت ، وإن أساؤوا أسأت ، معظم الناس يمشون بالتيار العام ، يأتي يهودي مصمم من فرنسا يصمم أزياء فاضحة يلبس زوجته نفسها يقول لك : هكذا الموضة ماذا نفعل ؟ إمعة :

وما أنا إلا من غزية إن غوت  غويت وإن ترشد غزية أرشد
***

 هذا شعار المسلمين الآن ، ممكن يحكم الأجانب والكفار واليهود بزي زوجته وببناته وبتربية أولاده هذه مشكلة كبيرة ، فالآية اليوم :

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾

[ سورة الفرقان : 63 ]

 يفكر ، يحقق ، يدقق ، يطلب العلم ، يعتدل .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018