الترغيب والترهيب - الدرس : 044 - كتاب النوافل - الترغيب في صلاة التوبة والحاجة والاستخارة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الترغيب والترهيب - الدرس : 044 - كتاب النوافل - الترغيب في صلاة التوبة والحاجة والاستخارة


1997-06-28

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الترغيب في صلاة التوبة:

  عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال:

 

(( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من رجل يُذْنِبُ ذَنباً، ثمَّ يَقومُ فَيتَطَهَّرُ ويصلي، ثُمَّ يَستَغْفِر اللهَ إِلا غُفِرَ لهُ، ثم قرأ ))

 

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة آل عمران ]

  هذا الحديث في علم الحديث أعلى أنواع الأحاديث ما روي عن سيدنا الصديق:

 

(( ما من رجل يُذْنِبُ ذَنباً، ثمَّ يَقومُ فَيتَطَهَّرُ ويصلي، ثُمَّ يَستَغْفِر اللهَ عز وجل إِلا غُفِرَ لهُ ثم قرأ هذه الآية ))

 

[ ابن ماجة و الترمذي و النسائي عن أبي بكر]

  معنى هذه الآية الذي يقع في ذنب:

 

(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ))

 

[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]

  من معاني التوبة أن تتوب من الذنب من قريب لا من بعيد، لا بعد الذنب بأمد بعيد، عندئذٍ يقسو القلب.

 

﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾

 

[ سورة البقرة الآية: 74 ]

  فالإنسان إذا استمرأ الذنب، يصعب عليه أن يتوب منه، أما لمجرد أنه وقع في الذنب عاد إلى الله تائباً، وصلى صلاة التوبة، هذه صلاة التوبة، أن تصلي ركعتين، ومن المستحسن أن تقرأ فيهما

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ ﴾

من أراد أن يكشف الله عنه ما به فعليه بصلاة الحاجة:

 هناك الصلوات الخمس التي فرضها الله عز وجل على كل مسلم في اليوم والليلة، وهناك صلوات لأسباب خاصة، فمن هذه الصلوات لأسباب خاصة صلاة التوبة، وصلاة الحاجة، فعن عثمان بن حنيف رضي الله عنه:

 

(( أن أعمى أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله ادعُ الله أن يكشف لي عن بصري، فقال أو أدعك قال يا رسول الله، إنه يشق علي ذهاب بصري ))

 النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يحمله على الصبر، لكنه أراد أن يشفيه الله من هذا المرض.

 

 

((فقال يا رسول الله، إنه قد يشق علي ذهاب بصري، قال: فانطلق وتوضأ ثم صلى ركعتين ثم قال: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك فيجلي لي عن بصري اللهم شفعه في وشفعني في نفسي، قال عثمان فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل الرجل وكأنه لم يكن به ضر قط ))

 

[ رواه الترمذي والنسائي والحاكم عن عثمان بن حنيف]

  أيها الأخوة، نستفيد من هذا الحديث أن الإنسان كثيراً ما يواجه بعض الصعوبات، وربنا سبحانه وتعالى لحكمة بالغة يضع الإنسان في مواقف صعبة، من أجل ماذا؟ من أجل أن تزداد معرفته بالله، ومن أجل أن تزداد محبته له، فكل شِدة وراءها شَدة، وكل محنة وراءها منحة، وكل ضيق وراءه فرج، فما من مصيبة تصيب المؤمن إلا وتشده إلى الله عز وجل، إلا ويزداد معرفة به، وحباً له، فمن أراد أن يكشف الله عنه ما به فعليه بصلاة الحاجة، وأنت بقدر ما تثق أن الله فعال لما يريد يتحقق ما تريد.

 

على المؤمن أن يتعامل مع الله عز وجل بإخلاص:

 أحياناً بعض الأخوة الكرام، يذكرون من تجاربهم مع الله عز وجل، أنه وقع في ضائقة، في مشكلة، في ورطة، في شبح مصيبة، فتوجه إلى الله من أعماق أعماقه، وسأل الله سبحانه وتعالى أن يخلصه، وهو يعلم أن الله بيده كل شيء، وعلى كل شيء قدير، الشيء الذي لا يصدق أن هؤلاء الأشخاص يستجيب الله لهم استجابة قد لا يصدقونها، لأن الله بيده كل شيء، هو الفعال، هو القوي، حبذا لو أن المؤمن يتعامل مع الله بهذا الإخلاص، وهذا اليقين، هناك أمراض عضالة لا شفاء لها، إذا اعتقدت اعتقاداً جازماً أن الله من قدرته أن يشفيك فالله عز وجل لا  يخيب رجاء من رجاه، معنى ذلك أنك إذا توجهت إلى الله عز وجل ودعوته، أنت أقوى الناس، أقوى الأقوياء بيد الله، كن فيكون، زل فيزول، فإذا كنت أنت مع الله فأنت أقوى الأقوياء.
 مرة ثانية أيها الأخوة، عن عثمان عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه:

 

 

(( أن أعمى أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله ادعُ أن يكشف الله لي عن بصري، فقال: أو أدعك يعني أدعك هكذا، واصبر قال يا رسول الله، إنه يشق علي ذهاب بصري، قال فانطلق وتوضأ ثم صلى ركعتين ثم قال: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك فيجلي لي عن بصري اللهم شفعه في وشفعني في نفسي، قال عثمان فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل الرجل وكأنه لم يكن به ضر قط ))

 

[ رواه الترمذي والنسائي والحاكم عن عثمان بن حنيف]

  وفي رواية أمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، وأن يدعو بهذا الدعاء.
 لذلك نحن نرجو الله سبحانه وتعالى أن المؤمن كلما وقع بمشكلة عنده صلاة الحاجة، توضأ وصلِّ ركعتين، وادعُ الله في السجود أن يكشف عنك ما ألمَّ بك، أنت بهذا أقوى الأقوياء، هناك مرضى يعانون من أمراض عضالة، وقد شفوا بصلاة الحاجة، وهناك ورطات كبيرة جداً تحيط بالمؤمن أحياناً، بهذه الصلاة ينقذه الله منها.

 

الله تعالى ما أمر الإنسان أن يدعوه إلا ليستجيب له:

 

 و عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( اثنتا عشرة ركعة تصليهن من ليل ونهار، وتتشهد بين كل ركعتين فإذا تشهدت في آخر صلاتك فأثني على الله عز وجل، وصلِ على النبي صلى الله عليه وسلم واقرأ وأنت ساجد فاتحة الكتاب سبع مرات، وآية الكرسي سبعة مرات، وقل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير عشرة مرات ثم قل: اللهم إني أسالك بمعاقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابة واسمك الأعظم وجدك الأعلى، وكلماتك التامة ثم سل حاجتك، ثم ارفع راسك ثم سلم يميناً وشمالاً ))

[ رواه الحاكم عن ابن مسعود ]

  هذا حديث آخر لصلاة الحاجة.
 النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمر ـ اشتد عليه أمر ـ بادر إلى الصلاة ـ بالتعبير الدارج لا يوجد إلا الله ـ وبيده كل شيء، وهو أقرب إليك من حبل الوريد، وهو الذي يقول:

 

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

 

[ سورة غافر الآية: 60 ]

  ما أمرك أن تدعوه إلا ليستجيب لك، وبقدر إخلاصك في الدعاء يستجاب لك.

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

 

[ سورة البقرة ]

  هذه الآية آية دعاء يستنبط منها أنك إذا آمنت أن الله موجود، وأنه قريب منك، واستجبت لدعوته، فاستقمت على أمر الله، ثم دعوته، فالله سبحانه وتعالى يستجيب لك والمؤمن من صفاته أنه مستجاب الدعوة.

 

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

 

[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

  أطب مطعمك أي استقم في كسب المال، إن كسبت المال الحلال عن طريق الصدق، وعدم الغش، وعدم الكذب، وعدم الاحتيال، إن كسبت المال الحلال، واشتريت به طعاماً وأكلته كان طعامك طيباً.

 

(( أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

 

صفات الدعاء:

 إلا أن الذين يعتدون على الناس هؤلاء لا يستجيب الله دعاءهم لأنه لا يحبهم.

﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

[ سورة الأعراف ]

  ثلاث صفات للدعاء ﴿ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾، الداعي يجب أن يكون متذللاً لله عز وجل، ويجب أن يدعو الله عز وجل في سره، لا بصوت جهوري، وينبغي أن يكون مستقيماً لأن الله سبحانه وتعالى لا يجيب دعاء المنحرفين.
 صلاة التوبة، وصلاة الحاجة، بشكل مختصر ركعتان، وفي السجود ادعُ الله عز وجل بما شئت، واستعن بالله عز وجل، وتوسل إليه، وابتغِ رضوانه، والله سبحانه وتعالى كفيل أن يغير ما بك.

 

فضل صلاة الاستخارة:

 

 بقي صلاة الاستخارة وما جاء في تركها، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال:

(( كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمنا الاستخارةَ في الأمورِ كلِّها، كما يعلِّمنا السورةَ من القرآن، يقول: إِذا همَّ أحدُكم بالأمرِ فليركَعْ ركعتين من غيرِ الفريضةِ ثم ليقل: اللهم إني أستخيرُكَ بعلمكَ، وأسْتَقْدِرُك بقدرتكَ، وأَسأَلكَ من فضلك العظيم، فإنك تقدِر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علامُ الغيوب ))

[ رواه البخاري وأصحاب السنن عن جابر بن عبد الله ]

  أحياناً الإنسان يقبل على شراء صفقة، ويتوهم أن فيها ربحاً كبيراً، لعل في هذه الصفقة خسارة كبيرة، هو لا يعلم، فأنت حينما توكل الله عز وجل بعلمه، تستخيره بعلمه، و تستقدره بقدرته، فإنه يعلم وأنت لا تعلم، وإنه يقدر وأنت لا تقدر، أنت ماذا فعلت ؟.
 أحياناً الإنسان يستعين بخبير بالسوق لشراء حاجة، هذا الخبير منذ خمسين سنة يعمل في هذا الموضوع، فيضع كل خبرته في خدمتك.
 فأنت إذا استخرت الله عز وجل بعلمه، واستقدرته بقدرته، أي الله عز وجل يعلم ويقدر، هناك أشخاص يعلمون ولا يقدرون، وأشخاص يقدرون ولا يعلمون، لكن ربنا عز وجل يعلم ويقدر، علمه مطلق، وقدرته مطلقة، بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، فأنت إذا استخرته بعلمه، واستقدرته بقدرته، فإنه يعلم وأنت لا تعلم، ويقدر وأنت لا تقدر.

 

(( وأنت علامُ الغيوب اللهم إِن كنتَ تعلم أن هذا الأمْرَ خير لي في ديني ومعاشي، وعاقبةِ أمري ))

 طبعاً الحديث هنا عن المباحات، أما المحرمات لا يجوز أن تكون فيها استخارة، السفر مباح، أن تتزوج فلانة شيء مباح، أن تعمل هذا العمل شيء مباح، ففي المباحات قبل أن تقدم على عمل قد يترتب عنه مضاعفات خطيرة استخر الله عز وجل.

 

 

(( فإنك تقدِر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علامُ الغيوب، اللهم إِن كنتَ تعلم أن هذا الأمْرَ خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبةِ أمري أو قال عاجِلِ أمري وآجِلِهِ فاقْدُرْهُ لي ويسِّرْهُ لي، ثم بارك لي فيه اللهم إن كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمر شَرّ لي في دِيني ومعاشي وعاقبةِ أمري أو قال: في عاجِلِ أمري وآجِلهِ فاصْرِفه عَنِّي، واصرفْني عنه واقْدُرْ لِي الخيرَ حيث كان، ثم رَضِّني به قال ويُسَمِّي حاجَتَه ))

 

[ رواه البخاري وأصحاب السنن عن جابر بن عبد الله ]

الاستخارة و الاستشارة من لوازم الإيمان:

 أيها الأخوة، من لوازم الإيمان أن المؤمن يستخير ويستشير، يستخير الله عز وجل، ويستشير أولي الخبرة من المؤمنين، في كل عمل استشر مؤمناً تثق بعلمه، وإخلاصه، وورعه، ثم استخر ربك عز وجل، طبعاً أنت أخذت الخبرة الأرضية، المؤمن الذي يتمتع بخبرة عالية في مجال من المجلات استشره، ما خاب من استشار.

﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾

[ سورة الشورى الآية: 38 ]

  الآية الكريمة:

 

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

 

[ سورة آل عمران الآية: 159 ]

  المعصوم الذي يوحى إليه، أمره ربه أن يشاور أصحابه، فمن أنت؟ أنت شاور أولي الخبرة من المؤمنين واستخر الله عز وجل، وهذا دعاء الاستخارة، و بدعاء الاستخارة أشياء دقيقة جداً.

 

البركة أن تفعل الشيء الكثير بالشيء القليل:

 أحياناً الإنسان ينصرف عن شيء وهو متعلق به، لم نستفد شيئاً، انصرف عنه لكن قلبه معلق به، قال النبي في الدعاء:

(( فاصْرِفه عَنِّي، واصرفْني عنه، واقْدُرْ لِي الخيرَ حيث كان ))

(( فاقْدُرْهُ لي ويسِّرْهُ لي، ثم بارك لي فيه ))

[ رواه البخاري وأصحاب السنن عن جابر بن عبد الله ]

  أحياناً تقبض مالاً لكن ليس فيه بركة، قد ينفق على أمور سخيفة، الإنسان أحياناً قد يدفع مبلغاً ضخماً لإجراء تحاليل، أو إجراء فحوصات، ثم ينجو من هذا المرض، هذا المبلغ دُفع، هذا المال لم يكن فيه بركة، أحياناً بالشيء القليل تفعل الشيء الكثير، البركة أن تفعل الشيء الكثير بالشيء القليل.
 إذاً اليوم الدرس عن صلاة الاستخارة، وعن صلاة الحاجة، وعن صلاة التوبة، إذا ارتكبت ذنباً فاركع ركعتين، واستغفر الله عز وجل في السجود، وقل

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ ﴾

  وإذ كنت بحاجة إلى أمر جلل، وأمر خطير، فاركع ركعتين، وفي السجود قم بتسمية هذا الأمر، وإذا أرادت أن تقبل على شيء مباح لا تعلم خيره من شره، ولا خطأه من صوابه، ولا ما ينطوي عليه من خير أو من شر، فاستقدر بقدرة الله عز وجل، واستخر بعلمه فإنك لن تخيب.

 

(( ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار ))

 

[أخرجه الطبراني عن أنس بن مالك ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018