رمضان 1421 - دراسات قرآنية - الدرس : 48 - من سورة الأحزاب - الذكر . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠07رمضان 1421 هـ - دراسات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رمضان 1421 - دراسات قرآنية - الدرس : 48 - من سورة الأحزاب - الذكر .


2000-12-22

  الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

الدعوة إلى الله أشرف الأعمال على الإطلاق :

 أيها الأخوة الكرام : يقول عليه الصلاة والسلام :

(( قَالَ مُعَاذٌ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ تَعَاطِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَمِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ غَدًا فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))

[مسند الإمام أحمد]

 كلمة ذكر الله كلمة واسعة جداً يمكن أن تدور معك حيثما درت في أي وقت وفي أي حال ، وفي أي مكان ، وفي أي زمان ، وهذه الكلمة من أوسع المفهومات ، إنك إن قرأت القرآن فأنت تذكر الله ، وإنك إن دعوت الله فأنت ذاكر له ، وإنك إن استغفرته وناجيته ، وإن أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر ، وإن قرأت حديث رسول الله فأنت ذاكر له ، وإن تتبعت قضية علمية ترفع مستوى إيمانك بالله فأنت ذاكر له ، إنك إن قرأت كتاب فقه من أجل أن تعرف الحكم الشرعي فأنت ذاكر له ، كل ما يمت إلى الدين بصلة نوع من الذكر ، فالدعاء ، والاستغفار ، والابتهال ، والمناجاة ، وتلاوة القرآن ، وقراءة حديث رسول الله ، وقراءة سير أصحاب رسول الله ، هذا كله من الذكر ، والله عز وجل يقول :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

[سورة الأحزاب : 41]

 هناك تجربة متواضعة جداً ، لو أنك دعوت إلى الله بشكل مبسط أنت حينما تلقي على الناس علماً أنت أول منتفع من دون استثناء ، لأنك حينما تلقي كلمة ، أو تشرح آية أو حديثاً ، أصبحت في موقف صعب مع الله ، إن خالفته في سلوكك تعاتب ، أنت كذا ، ألم تقل للناس كذا وكذا ؟ فالذي ينبغي أن ينضبط إلى أقصى درجة إذا دعا إلى الله ينضبط لئلا يختل توازنه ، لأنه إذا تكلم كلاماً ولم يفعل كما يقول اختل عند الله توازنه ، فمن أجل أن تستعيد التوازن دائماً تكون حريصاً حرصاً لا حدود له على تطبيق ما تقول ، فكأن الدعوة إلى الله بشكل أو بآخر ضابط شديد جداً بمدى التزامك بما تقول للناس ، فنحن بالعيد إن شاء الله ، والعيد كله زيارات ، أنت لاحظ أن كل الذي يقال في هذه الزيارات كلام فارغ ، كلام معاد ، مكرر مستهلك ، أما في رمضان بأكمله استمعت إلى ستين درساً وزيادة ألم يبق في ذهنك شرح آية أو حديث ؟ ومضة من تاريخ الصحابة ؟ حكم فقهي مر معك ؟ لو حاولت في العيد أن تنقل هذا الذي سمعته إلى من تزوره لأنه ما جلس قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة ، وغشيتهم الرحمة ـ ونزلت عليهم السكينة ، وذكرهم الله فيمن عنده ، وأنت حينما تفعل هذا تنفذ أمر الله عز وجل في قوله تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾

[سورة الأحزاب : 41-42]

 لا يزال لسانك رطباً بذكر الله ، عود نفسك أن تلهج بذكر الله ، ببيان عظمة خلقه، وبيان أسمائه و كمالاته وأحكامه ، وبفهم قرآنه وسنة نبيه ، وهذا شيء بعد حين تألفه ويصبح جزءاً من حياتك ، وأنت حينما تكون سبباً في هداية إنسان هل تعلم أن كل ما يفعله هذا الإنسان إلى يوم القيامة في صحيفتك ؟ إياك أن تتوهم أن الدعوة إلى الله وقف على العلماء ، والدعاة ، والخطباء ، تلك دعوة عميقة هي فرض كفاية ، إذا قام به البعض سقط عن الكل ، تلك مغطاة بقوله تعالى :

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾

[سورة آل عمران: 104]

 ولكن أنت مكلف بالدعوة إلى الله بشكل حتمي بالتعبير الفقهي فرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف ، يوجد بدائل ومنها أن تعير إنساناً شريطاً تأثرت بسماع درسه ، تأخذه وتقدمه هدية لزيد ، شريطاً آخر لعبيد ، فممكن أن توزع بعض الأشرطة التي تأثرت أنت جداً بدرسها ، فأنت بعد حين تجد نفسك تقوم بعمل دعوي كبير ، وقد يستفيد أناس كثيرون من هذه الدعوة ، وقد ينضمون إلى مسجدك ، ويلتزمون ، ويبحثون عن زوجة صالحة بعدها ، وقد ينجبون أولاداً أبراراً ، لذلك كل هذه الأعمال في صحيفتك ، فالدعوة إلى الله أشرف الأعمال على الإطلاق والدليل :

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[سورة فصلت: 33]

الدعوة إلى الله صنعة الأنبياء :

 ليس في الأرض من هو أحسن حالاً ، وأصوب مقالاً ممن دعا إلى الله ، وعمل صالحاً ، إنها صنعة الأنبياء . قال تعالى :

﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾

[سورة طه: 41]

 يوجد أناس كل إمكاناتهم ، وطاقاتهم ، وعقلهم ، وفصاحتهم ، وأساليبهم في سبيل شرح الحق ، وإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيم استعملك ؟ حجمك عند الله بحجم عملك الصالح ، فعليك أن تبحث بشكل حثيث :

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾

[سورة العنكبوت: 69]

 وأول الأمر صعب ، لكن بعدها يسهل يصبح لسانك رطباً بذكر الله ، تصبح طليقاً في التحدث عن الله عز وجل .

صلة الرحم من أعظم الأعمال عند الله :

 أيها الأخوة ؛ نحن في رمضان وعلى أبواب العيد ، والعيد كما تعلمون فيه صلة رحم، وذكرت يوم الجمعة البارحة في الخطبة الثانية أن صلة الرحم تأخذ مفهوماً بسيطاً ساذجاً أنه يكفي أن تزور فلاناً ، لك ابن أخ بطرف المدينة ذهبت وزرته فقط ، صلة الرحم أعمق بكثير ، هؤلاء الأقرباء كأنهم في ضمان اجتماعي جغرافي ونسبي في الإسلام ، فأنت مكلف بأقربائك وجيرانك على أساس نسبي وجغرافي ، غير أقربائك أنت لهم وغيرك لهم ، أما أقرباؤك فمن لهم غيرك ؟ لا أحد غيرك ، أنت إن زرتهم ، وتفقدت أحوالهم ، وأمددتهم ببعض المال وبعض الحاجات ، ثم أخذت بيدهم إلى الله فهذا أكمل شيء في صلة الرحم ، الله عز وجل قال :

﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

[سورة الشعراء :214]

 فأنت بزيارتهم تتألف قلوبهم بهدية ، تفتح آذانهم بمعاملة طيبة وتواضع جم ، قد تكون أنت بمرتبة عالية وهم في المرتبة الدنيا ، أنت إن زرتهم ملأت قلبهم سعادة ، إذا الكبير زار الصغير عنده عيد ، أحياناً تزور شخصاً هو غير مبال ، النبي الكريم قال كما ورد في الأثر : " لا تصاحب من لا يرى لك من الفضل مثلما ترى له " ، أما إذا زرت قريباً مسكيناً ضعيفاً فقيراً ، زرته ، وآنسته ، وتواضعت له ، وقدمت له شيئاً من هدية ، من مال ، وسألت عن صحته ، وعن أولاده ، وتفقدت أحوالهم ، فهذا من أعظم الأعمال عند الله .

الأمر كله بيد الله و هو لن يتخلى عن المؤمنين :

 أنت بالعيد أمام مناسبتين مناسبة دعوية ، دعك من موضوعات مستهلكة ومألوفة ، ومن موضوعات تفرق ولا تجمع ، ومن موضوعات مزعجة تزيدك يأساً وتراجعاً وانكماشاً ، أكثر الجلسات نندب حظنا ، نتكلم عن أخطائنا ، ونخرج بالنهاية أنه لا يوجد أمل ، بالنهاية انتهينا ، نحن ضعاف ، أو لنا عدو قوي لا يرحم ، يعيش وحده ليتنعم وحده ، هذه الأفكار كلها سوداوية ، الله بالوجود ، لو أن الله أسلمك لجهة لا يستحق أن تعبده ، دقق : لو أن الله أسلمك لجهة مصيرك إليها ، وجعلها تتحكم بك ، عندئذ الأمر ليس إلى الله ، إلى زيد أو عبيد ، أنت معذور إذا عبدت غيره ، لكن الله يقول :

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

[سورة هود : 123]

 الله لا يتخلى عن المؤمنين ، والأمر بيده ، هناك معان مثبّطة ، تجلس بجلسة أخطاء أخطاء ، والإنسان وحش ولئيم ودنيء ، هذه الأخبار كلها تثبط العزائم ، وتضعف الهمم .

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة آل عمران: 139]

 فأنت كمؤمن طالب علم يجب أن تقود الجلسة لا تجلس مستسلماً ، فإذا عجزت عن أن تقود جلسة لا تستطيع أن تبين الحق ، لا جدوى من هذه الجلسة ، أحد أمرين : إما أن تؤثر أو ألا تؤثر ، إذا كنت لا تستطيع أن تؤثر لا مصلحة لك في هذه الجلسة ، لأنها تزيد همك ، تضعف عزيمتك ، وتخور قواك بها ، فنحن دائماً يجب أن نرقى إلى الله ، العيد ثلاثة أيام ، وهذه مدة كافية زيارات صباحية ومسائية ، ولقاءات ، وسهرات ، هذه كلها ينبغي أن توظف في الحق ، الذي حصلته في رمضان ينبغي أن تدلي به في هذه الأيام القادمة ، وإذا عودت نفسك أن تذكر الله ، وأن يكون لسانك رطباً بذكر الله ، هذا اللسان ينطلق بعد حين ، يألف الدعوة إلى الله ، وأنت حينما تسهم بهداية إنسان ، أو بإقناع إنسان بالحق ، أو بتقوية معنويات إنسان ، فهذا كله في صحيفتك ، وأنت أسعد الناس ، وأنت أربح الناس ، وأنت أفلح الناس .
 مرة ثانية أقول : المنتفع الأكبر في الدعوة إلى الله هو الداعية ، أنت أخذت موقفاً كبيراً صنعة الأنبياء أن تسهم في إقناع الناس بالحق .
 أرجو الله أن ينفعنا بما علمنا .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018