رمضان 1421 - دراسات قرآنية - الدرس : 34 - من سورة ص - التوازن بالعبادات. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠07رمضان 1421 هـ - دراسات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رمضان 1421 - دراسات قرآنية - الدرس : 34 - من سورة ص - التوازن بالعبادات.


2000-12-15

بطولة الإنسان أن يجمع بين العبادة المتقنة وبين خدمة الخلق :

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة الكرام ؛ كما ذكرت لكم في لقاءٍ سابق من أن قصص القرآن لها دلالاتٌ كبيرةٌ جداً ، وأية قصةٍ تقرؤها ، ولا تضع يدك على دلالاتها ، ولا على مغزاها ، فكأنك لم تقرأها ، بل إن القصة في القرآن الكريم تعبر عن حقيقةٍ بشكلٍ غير مباشر ، المؤمن مثلاً هناك زلاتٌ قد يقع فيها ، مثلاً : يتقن عباداته إتقاناً رائعاً ، ولا يعمل أعمالاً صالحة ، اختل توازنه ، العمل الصالح يرفع الإنسان :

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

[ سورة الكهف: 110 ]

 قد تجد مؤمناً آخر له أعمال كثيرة ولكن عباداته ليست متقنة ، ليس له خلوةٌ مع الله ، فالبطولة في التوازن ، أن تجمع بين العبادة المتقنة ، وبين الإقبال على الله ، وبين خدمة الخلق ، وكأن الآية الكريمة في قوله تعالى :

﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ ﴾

[ سورة مريم: 31 ]

 لابد من حركةٍ نحو الله ، اتصال ، استغفار ، دعاء ، مناجاة ، تلاوة ، تذلل في الصلاة ، فيما بين الصلاتين ، قبل أن تنام ، بعد أن تستيقظ ، وأنت في سفر ، وأنت في حضر، هذا جزءٌ من الدين الاتصال بالله ، ولابد لدعم هذا الاتصال من خدمة الخلق ، لتكون هذه الخدمة هديةً إلى الله عز وجل :

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾

[ سورة البقرة: 245 ]

 مرة ضربت مثلاً : جندي غر ، حديث عهدٍ في هذه الجندية ، وفي هذه الفرقة ، الفرقة فيها ثلاثة ألوية ، على رأسها رتبة عالية جداً ، وبين هذا الجندي الغر وبين هذه الرتبة العالية عشرات الرتب ، ومئات الضباط ، ولن يستطيع أن يصل إطلاقاً إلى المرتبة العليا ليقابلها إطلاقاً ، يوجد أعلى منه سبعة ، وثمانية ، وتسعة ، ونجمة ، ونجمتان ، وثلاث ، وتاج ونجمة ، وتاج ونجمتان ، وسيفان ، لكن هذا الجندي الغر لو أنه وجد ابن قائد هذه الفرقة يسبح ، وأشرف على الغرق ، وألقى بنفسه وأنقذه ، يستطيع في اليوم الثاني أن يدخل على هذه الرتبة العالية من دون استئذان ، وقد يقف له ، وقد يرحب به ، وقد يثني عليه ، وقد يأتيه بضيافة ، مع أنه في النظام العسكري مسافةٌ كبيرةٌ جداً جداً بين جندي غِر ، يؤدي خدمته الإلزامية ، وبين رتبةٍ عاليةٍ جداً تقود فرقة.
 هذا المثل أنت حينما تحسن لعباد الله ، حينما تطمئنهم ، حينما تكرمهم ، حينما تزيل عنهم كل كرب :

(( مَن نَفَّسَ عن مؤمن كُرْبة من كُرَب الدنيا نَفَّسَ اللهُ عنه كُربة من كُرَب يوم القيامة ))

[مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]

 حينما تساعدهم ، حينما تتفقدهم ، حينما تواسيهم ، حينما تبش لهم ، حينما تعينهم ، حينما تعلمهم ، كلهم عباد الله ، ألا تنظر أنت إن رأيت صديقاً لك حميماً ، ومعه ابنٌ صغير ، وفي جيبك قطعة حلوى ، إنك تقدمها لهذا الطفل ، وهي في حقيقتها هدية لوالده دون أن تشعر ، إنك تتقرب إلى والده بإكرام هذا الصغير.

على الإنسان إتقان جوانب الدين كله :

 إذاً البطولة لا أن أتقن جانباً من الدين ، وأهمل جانباً ، البطولة أن أتقن كل الجوانب، لو وسعنا هذا ، لطيف جداً في العلاقات الاجتماعية ، أديب ، بشوش ، متواضع ، ابتسامته خلابة ، يدخل إلى البيت وحشاً ، والله لولا أن هناك اتصالات هاتفية كثيرة جداً تأتيني في هذا الموضوع شيء لا يصدق ، تجد أخاً لا يوجد ألطف منه ، بالمثيل بالبيت لا ، كلام قاس، وأحياناً ضرب ، لابد من التوازن بين البيت وبين العمل ، بين العبادة وبين خدمة الخلق .
 لذلك أيها الأخوة ؛ قرأت مقالاً لفت نظري ، أن في حياة الإنسان كليات ثلاثة ، كليةٌ معرفية ، وكليةٌ سلوكية ، وكليةٌ جمالية ، وأي خللٍ في إحدى هذه الكليات ينعكس على الآخر ، إذا كان هناك بالعلم خلل ينعكس سلوكاً منحرفاً ، إذا بالسلوك خلل ينعكس حجاباً عن الله ، إذا بالعبادة خلل ينعكس سأماً وضجراً ، الغرب لهم رأيٌ آخر ، أن عملك ، وصحتك ، واتجاهك الروحي ، أي خلل في إحداها ينعكس على الاثنتين حتماً ، لو كان هناك خللٌ في صحتك لانعكس على روحانيتك ، ولانعكس على عملك ، لو كان هناك خلل في عملك لانعكس على صحتك ، لو كان هناك خلل في روحانيتك لانعكس على عملك ، وعلى صحتك.
 فأنا أردت من هذا اللقاء التوازن ، أي المؤمن خلوته كجلوته ، سريرته كعلانيته ، إقامته كسفره ، لقاؤه الخاص كلقائه العام ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ))

[ابن ماجه والحاكم عن العرباض بن سارية ]

قصتان تبينان ضرورة التوازن بين العمل الصالح وبين إتقان العبادة :

 طبعاً انطلقت في هذه المقدمة من قصتين ، القصة الأولى ، طبعاً هاتان القصتان نموذجان نقتدي بهما :

﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ﴾

[ سورة ص: 21]

 ملكان تسورا على سيدنا داود :

﴿ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا ﴾

[ سورة ص: 22-23 ]

 أعطني إياها :

﴿ وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴾

[ سورة ص: 23 ]

 مباشرةً حكم سيدنا داود ، قال له :

﴿ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ﴾

[ سورة ص: 24 ]

 طبعاً هذه قاعدة تحتاج إلى شرح منفصل ، الزوجان خليطان ، والشريكان خليطان ، والوريثان خليطان ، والجاران خليطان ، والمسافران خليطان :

﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ﴾

  الإمام الشافعي رحمه الله تعالى استنبط من هذه الآية أن الذي يبغي على قرينه أو على خليطه ليس مؤمناً بنص هذه الآية ، فالدين في التعامل المادي ، الدين في البيع والشراء ، الدين في الشراكة.

﴿ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ﴾

[ سورة ص: 24 ]

 ماذا فعل سيدنا داود ؟ تسرع ، لماذا ؟ هو في لقاءٍ مع الله ، في خلوةٍ مع الله ، هو في سرور ، أحب أن يتابع هذا السرور ، فحكم متسرعاً ، هذا عند الله ذنبٌ كبير ، أي هذا كلام يقال للخاصة فقط ، أنت في أعلى درجة من القرب من الله ، تحب أن تبقى بهذا القرب ، تحب أن تستمتع به ، لا تحب أن تكون مع الناس ، جاءتك مشكلة ، كيفما كان حلها .

﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة ص: 26 ]

 هنا العبادة ، العبادة أن تعبد الله فيما أقامك ، الآن القاضي عبادته الأولى دراسة الإضبارة مرة ، اثنتين ، وثلاث ، وللساعة الواحدة في الليل ، يعرف أين الحق ، هو في عبادة ، لأن الله أقامه قاضياً ، الطبيب عبادته أن يدرس هذه الحالة بتأن ، بدقة ، لئلا يصف دواءً لا يناسب المريض ، المرأة عبادتها الأولى رعاية زوجها وأولادها ، التاجر عبادته الأولى أن يأتي ببضاعةٍ جيدة ، وسعرٍ مناسب ، الغني عبادته الأولى إنفاق ماله ، والقوي عبادته الأولى أن يحكم بين الناس بالعدل ، العالم عبادته الأولى تعليم العلم :

﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى ﴾

[ سورة ص: 26 ]

 أيُّ هوى ؟ أن تهوى ربك ، أن تحب ربك ، لابد من التوازن ، شيء لا يدركه معظم المؤمنين ، لكن بحق هذا النبي الكريم يعد ترك الأولى ، هكذا نقول ترك الأولى ، هذا واحد يوجد عنده تسع وتسعون نعجة ، نعجة وليس امرأة ، كل ما يقال عن هذه القصة في الإسرائيليات باطلٌ لا أصل له ، تسع وتسعون نعجة ، وأخوه له نعجة ، ماذا قال له ؟ أنت يا أخي ترعاها وتستهلك وقتك طوال النهار ، ضمها إلى غنمي أنا أرعاها لك ، ماذا فهم ؟ يريد أن يأخذها منه ، قال له: لقد ظلمك ، عنده تسعٌ وتسعون نعجة ، ويريد أن يغتصب نعجة أخيه ، ليس هذا هو القصد ، إذاً هنا ظهر خلل ، أن حبه لله عز وجل ، وحب الإقبال على الله ، والخلوة مع الله ...
 مثلاً : لو أخ له عمل دعوي ، أخذ أخوانه نزهة ، تركهم ، وجلس لوحده ناجى الله ، وذكر ، وبكى ، وصلى ، هم لماذا جاؤوا معك ؟ كي تؤنسهم ، كي تعلمهم ، كي تأخذ بيدهم ، فإذا كنت في مجتمع ينبغي أن تكون معهم.
 الحالة الثانية : أيضاً يبتلى بها دعاةُ كثيرون ، أعمال صالحة ، وخدمة الخلق ، وجمعيات ، وإنفاق ، ولقاءات ، وتأسيس مشاريع إسلامية ، لكن عبادته ضعفت ، إقباله ضعف ، اتصاله بالله ضعف ، قال :

﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ ﴾

[ سورة ص: 30-31 ]

 أي الخيول :

﴿ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ﴾

[ سورة ص: 32 ]

 الشمس غابت ، ولم يصل ، وكان منهمكاً في رعاية هذه الخيول :

﴿ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً ﴾

[ سورة ص: 33 ]

 ليس قطعاً الله قال : مسح عرقها :

﴿ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ * وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾

[ سورة ص: 33-35 ]

 إذاً ملخص هاتين القصتين أنه ينبغي أن توازن بين العمل الصالح وبين إتقان العبادة، والنبي عليه الصلاة والسلام كان قمة في التوازن ، الآن هناك من يعتني ببيته ويهمل عمله ، هناك من يتقن عمله فيهمل بيته ، هناك من يعتني بظاهره ويهمل باطنه ، هناك من يعتني بباطنه ، ويهمل ظاهره ، هناك من يعتني بعبادته ، ويهمل عمله الصالح ، هناك من يكثر من هذه الأعمال الصالحة ، ويهمل عبادته ، فالعبرة في التوازن ، فالبطولة في التوازن ، إن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار ، وإن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل.

على الإنسان عبادة الله فيما أقامه :

 سيدنا عمر رضي الله عنه جاءه رسول من أذربيجان ، هذا الرسول وصل المدينة في منتصف الليل ، فكره أن يطرق باب أمير المؤمنين ، فتوجه إلى المسجد ، في المسجد في منتصف الليل سمع رجلاً يناجي ربه ، يقول : يا رب هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أم رددتها فأعزيها ؟ قال له : من أنت يرحمك الله ؟ قال له : أنا عمر ، قال : يا سبحان الله ! أمير المؤمنين ؟ ألا تنام الليل يا أمير المؤمنين ؟ اسمع الجواب ، قال له : إني إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي ، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي .
 فلابد من عبادةٍ ، ولا بد من خدمةٍ ، حتى أن بعض الذين يناجون ربهم يقولون : يا رب لا يحلو الليل إلا بمناجاتك ، ولا يحلو النهار إلا بخدمة عبادك ، فالمؤمن راهبٌ في الليل فارسٌ في النهار ، بقدر ما هو منيبٌ يصلي ، ويخشع ، ويتذلل ، ويمرغ جبهته في أعتاب الله عز وجل ، ويدعو ربه خوفاً وطمعاً ، ويتهجد ، بقدر ما هو في النهار نشيط ، من عمل على عمل ، أما أنا لا أرضى أن يطغى جانبٌ على جانب ، وأن تهتم بشيء دون الآخر ، لابد من التوازن ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي ))

[الترمذي عن عائشة أم المؤمنين]

 سيدنا عثمان تخلف عن معركة بدر ليرعى زوجته ، أحياناً يكون هناك أخ الدرس غال جداً عليه يهمل والده ، قد يكون والده مريضاً ، مرة قال لي أخ : أنا غبت عن الدرس لأن والدي مريض ، قلت له : الدرس حتى ترعى والدك ، أصل الدرس من أجل أن تكون باراً بوالدك ، لكن طبعاً يجب أـن يكون الغياب لأسباب قاهرة ، أما لأسباب تافهة مثلاً يقولون له : اجلس معنا لا تحضر هذا الدرس ، لا هذا موضوع ثان ، الأب مريض ، الزوجة في حالة صعبة ينبغي أن تلبي .
 لذلك أرقى مفهوم للعبادة أن تعبد الله فيما أقامك ، وأن تعبده فيما استعملك ، وأن تعبده في الظرف الذي أقامك فيه ، لذلك يقال : الورع حسن لكن في العلماء أحسن.
 جاء أحد حكام التتار فأراد أن يذل علماء المسلمين ، فجاء بلحم خنزير ووضعه في مكانٍ أمام الخلق جميعاً ، وجاء بهم ليأكلوا من هذا اللحم ، وإلا قتلهم ، كل واحد اجتهد إلا عالماً جليلاً ، كبيراً جداً ، ورعاً جداً ، من شدة مكانته في المجتمع ، خادم الملك أمّن له لحم ضأن ، همس في أذنه : يا سيدي كُل لا تخشى شيئاً ، إنه لحم ضأنٍ ، قال له : ولكنه عند الناس لحم خنزير ، فأبى أن يأكل ، وقتله ، ولكنه عند الناس خنزير ، أرأيت هذا الورع ؟ ضحى بحياته لئلا تهتز مكانة العلم عند الناس .

من جعل النبي قدوة له سعد في الدنيا و الآخرة :

 إذاً الموضوع اليوم التوازن بين ما في البيت ، ما من إنسان يستغرق في محبة الله كرسول الله ، صلى الفجر مرةً ، وقرأ الإخلاص ، عجيب يجب أن يقرأ صفحة أو صفحتين ، هكذا السنة ، قرأ الإخلاص ، فلما سُئل قال :

(( إني لأدخلُ في الصلاة وأنا أُريدُ أن أطيلَها ، فأسمعُ بكاءَ الصَّبي فأتجوَّزُ في صلاتي ، مما أعلمُ من شِدَّة وجّدِ أُمِّه من بكائه ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

 أحياناً يكون هناك صانع بمحل ، معلمي أصلي ؟ اذهب ، يغيب ساعتين ، يجعل معلمه يغلي ، ما دام سمح لك أن تصلي في الجامع لا تطيل الغياب أكثر من ربع ساعة ، صلّ الفرض والسنة وارجع فوراً ، هناك شخص يعطي للدين نوعاً من الغلظة ، يحيرك ، أحياناً أشخاص أثناء مثلاً التفتيش يصلون بالخدمة الإلزامية ، يجعل المسؤول عن النظام يخرج عن طوره ، ويهينه ، المؤمن لطيف جداً ، لطيف كالنحلة إذا وقعت لا تؤذي ولا تكسر ، وكلما كان ظلك خفيفاً أكثر كلما حببت الناس بالدين .
 ورد أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا دخل بيته لف ثوبه ، لئلا يوقظ أهله بحفيف ثوبه ، أرأيت إلى هذه الرقة ، كان إذ دخل بيته لف ثوبه لئلا يوقظ أهله بحفيف ثوبه ، قومي وحضري العشاء ، نائمة ، تجده : لي حقٌ عليك أنا زوجك ، لا يوجد بكِ أدب ، أنت تقصرين معي ، تشاجروا :

(( هل عِنْدَكم شيء ؟ قالت : فقلتُ : يا رسولَ الله ، ما عندنا شيء ، قال : فإني صائم ))

[مسلم عن عائشة أم المؤمنين ]

 بهذه البساطة ، فكلما جعلنا النبي عليه الصلاة والسلام قدوة لنا سعدنا.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018