الدرس : 25 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 92 - 96 ما هي معاني البر - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 25 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 92 - 96 ما هي معاني البر


2001-05-18

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الخامس والعشرين من سورة آل عمران ، ومع الآية الثانية والتسعين ، وهي قوله تعالى :

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 92)

لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ

1 ـ معنى البرّ :

 أيها الإخوة ، البر هي طاعة الله ، ثم الجنة ، من معاني البر الطاعة والجنة ، من معاني البر أيضاً مطلق عطاء الله ، فإذا أعانك أن تطيعه فقد أعطاك شيئاً تسعد به إلى أبد الآبدين ، إذا أعانك أن تطيعه ، وهو ينتظر أن تطلب العون منه ، وتسأله العون كل يوم مئات المرات إياك نعبد وإياك نستعين .

2 ـ من معاني البر الطاعة :

 فمطلق طاعة الله عطاء من الله كبير ، ألم يقل يوسف عليه السلام :

 

﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِين ﴾

( سورة يوسف : الآية 33)

 الجاهل هو الذي يعصي الله ، والعاقل هو الذي يطيعه ، وما كل ذكي بعاقل ، الذكاء قد يعينك على جمع الناس حولك ، وربما لا تكون على الحق ، تجمعهم لمصلحتك ، والذكاء يعينك على جمع الأموال الطائلة ، وربما لم تجمعها بحق ، فقد تغادر الدنيا ، وأنت فقير ، بل أنت أفقر الفقراء ، الذكاء قد يعينك على أن تكسب مودة الناس في حياتك تحقيقاً لمصالحك ، وربما لا تكون على حق أيضاً ، لكن العقل يعينك على معرفة الله ، وعلى طاعته ، وعلى العمل لجنة عرضها السماوات والأرض ، العقل يعينك على أن تعرف سر وجودك ، وغاية وجودك ، لذلك ما كل ذكي بعاقل .
 من معاني كلمة ( البر ) الطاعة ، وحينما تكون مطيعاً لله فقد حققت الهدف من وجودك ، وقد حققت عبوديتك لله عز وجل ، وأنت في أعلى مقام ، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام وهو في سدرة المنتهى ، قال تعالى في حقه :

 

﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾

 

( سورة النجم : الآية 10)

 وهو في أعلى مهمة ، وهي الدعوة إلى الله ، قال تعالى :

 

﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾

 

( سورة الجن : الآية 19 )

 إذاً : البر طاعة الله ، لأنها سبب عطاء الله :

 

﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾

 

( سورة الأحزاب : الآية 71 )

 تعرف هذه الكلمة بسبب العطاء ، وتعرف هذه الكلمة بنتيجة السبب ، سبب العطاء الطاعة ، ونتيجة السبب الجنة ، فالبر الجنة ، والبر الطاعة .

 

فائدة لغوية في كلمة ( البر ) :

 قال بعض فقهاء اللغة : إن في العربية اشتقاقاً نادراً ، حيث إن حرف الباء وحرف الراء المشددة إذا اجتمعا دل ذلك السعة ، فالبَرُ اليابسة ، والحركة فيها واسعة ، مع أن البحر أوسع ، لكن الحركة عليه مقيدة ، البُرُ القمح ، أوسع إنتاج غذائي في الأرض ، أربعمئة وخمسون ألف نوع للقمح ، البِرُ الإحسان ، وهذه الكلمة مثلثة عند علماء اللغة .

3 ـ معنى : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ


 هنا البِر الطاعة ، والبِر الجنة ، أحدهما سبب ، والآخر نتيجة ، لن تنالوا البر ، لن تدخلوا الجنة ، لن يسمح لكم بدخولها ، لن تصلوا إليها إلا بثمن ، فمن طلب الجنة بلا ثمن فقد استهزأ بالله عز وجل ، وطلب الجنة من دون ثمن ذنب من الذنوب ، جنة عرضها السماوات والأرض ، فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر لا تكون إلا بثمن كبير ، بثمن باهظ ، هذا الثمن هو أن تكبح جماح نفسك ، قال تعالى :

 

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40)فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

 

( سورة النازعات : الآية 40-41 )

 الجنة لها ثمن باهظ في الدنيا .
 أيها الإخوة ، لن تنالوا البر ، لن تستطيع أن تكسب طاعة الله ، لن تستطيع أن تكسب معونة الله على طاعته إلا إذا دفعت ثمن هذه الطاعة ، أن تؤثر ما عنده على الدنيا .

 

4 ـ لابد من إنفاق الوقت :


 حتى تنفقوا مما تحبون ، أحياناً الوقت ثمين ، ولاسيما أن في هذه الحياة مشاغل ، ومتاعب ، ومهمات ، وخططًا ، وأهدافًا ، وبرامج ، وأعمالاً ، حينما تقطع من وقتك الثمين جزءًا منه لطلب العلم ، ولحضور مجالس العلم ، وجزءًا للدعوة إلى الله ، وجزءًا للأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وجزءًا لقراءة القرآن ، فقد أنفقت مما تحب ، قد تجد عند بعض الناس أثمن شيء هو الوقت ، فإنفاق الوقت في طاعة الله ، وفي الدعوة إلى الله ، وفي خدمة الخلق، وفي طلب العلم ، وفي تربية الأولاد ، هذا شيء ثمين جداً ، وأنت تحبه هكذا ينبغي أن تنفقه .

 

5 ـ لابد من إنفاق المال والجاه والراحة :

 وقد يكون المال ثمينًا جداً عند بعض الناس ، فلن يصل إلى ما عند الله من عطاء في الدنيا والآخرة إلا بإنفاق المال ، لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ، وقد يكون لك شأن كبير في المجتمع ، وأنت لست بحاجة إلى أحد ، لأنك مكتفٍ مالياً ، اجتماعياً ، نفسياً ، يأتيك إنسان ، ويقول لك : أتذهب معي إلى فلان لتكلمه لي ، وتتمنى أنت ألا تذهب ، وألا تبذل ماء وجهك أمام هذا الإنسان ، لكن رضاء الله يغلب عليك ، فتبذل من جاهك ، هناك من يبذل من ماله ، وهناك من يبذل من وقته ، وهناك من يبذل من جاهه ، وقد يمرض الأب أو الأم ، فحينما تسهر على راحتها ، أو راحته ، وحينما تضيع فراشك الثمين مقابلةً إلى هذا الإنسان بالإحسان فهذا شيء ثمين ، أن تنام على فراش وثير ، وأن تستغرق في نوم عميق ، لكن من كان عنده مريض فينبغي أن يسهر على راحته ، فأثمن شيء عند هذا الإنسان النوم ، فينبغي أن يدع الفراش من أجل رعاية هذا المريض .
 الفكرة أن الله عز وجل غاية كل المؤمنين ، وهذه الغاية العظمى لن تنال منها شيئاً ، لن تنال رضاها ، لن تنال توفيقها ، لن تنال تجليها ، لن تنال مباركتها لك إلا بطاعتك ، وإنفاق الشيء الثمين ، وكل واحد منا عنده شيء ثمين يحرص عليه ، فلابد من إنفاق هذا الشيء الثمين ، قال تعالى :

﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾

( سورة السجدة : الآية 16)

 أحياناً النوم شيء ثمين ، المال شيء ثمين ، الوقت شيء ثمين ، الجاه شيء ثمين ، أما حينما ترى نفسك مستعدًا لإنفاق وقتك ، وإنفاق مالك ، وإنفاق جاهك ، وإنفاق راحتك في سبيل إرضاء ربك ، الآن دفعت جزءاً من سبب دخول الجنة ، لا أقول : دفعت ثمن الجنة ، لأن الجنة لا تقدر بثمن ، دخول الجنة محض فضل من الله ، بينما دخول النار محض عدل منه .

 

تمني دخول الجنة بلا عمل بضاعة الحمقى :

 

 أيها الإخوة الكرام ، أن تتمنى دخول الجنة فهذه بضاعة الحمقى ، يا رب نحن عبيد إحسان ، ولسنا عبيد امتحان ، أن تمسك يدك عن الإنفاق ، ومعك المال الوفير ، لن تذوق ريح الجنة ، أن يكون بإمكانك أن تقيم العدل بين الناس ، لأنك قوي ، ولا تحب أن تدخل في هذه المتاهة طلباً لراحة نفسك ، لن تذوق الجنة ، إذا كان بإمكانك أن تقيم العدل بين الناس ، إذا كان بإمكانك أن تزيح عن الناس بعض البؤس ، إذا كان بإمكانك أن تمد الناس ببعض المال ، إذا كان بإمكانك أن تنطق بكلمة الحق التي هي ثمن سعادة البشر ، إذا أحجمت عن النطق بكلمة الحق ، أو إذا أحجمت عن أن تنفق المال ، أو إذا أحجمت عن أن تبذل الوقت الثمين في سبيل عمل صالح فتربص ، والطريق إلى الله عندئذ ليست سالكة .
 هذه الآية أيها الإخوة تقابلها آية أخرى تقصم الظهر ، قال تعالى :

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

( سورة التوبة : الآية 24 )

إيّاك أن تكون الدنيا عندك أغلى من طاعة الله :

 إذا كان شيء من الدنيا أغلى عندك من طاعة الله ، إذا كان المال تكسبه من غش المسلمين فهذا المال أغلى عندك من طاعة الله ونفع المسلمين ، فاعلم علم اليقين أن الطريق إلى الله ليست سالكة ، إذا كان إرضاء زوجتك ، وهي تحقق لك متعة الدنيا أغلى عندك من طاعة الله فتربص ، فإن الطريق إلى الله ليس بسالك ، إذا كان البيت الذي تسكنه اغتصبته ، فهذا البيت المريح أحب إليك من أداء الحقوق إلى أصحابها فتربص ، فإن الطريق إلى الله ليست سالكة ، لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون .
 سمع هذه الآية أحد أصحاب رسول الله ، وكان عنده بستان جميل جداً ، بستان فيه نبع عذب ، وفيه ظلال وارفة ، وفيه أشجار مثمرة ، كان إلى جوار المسجد في بيروحاء ، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام ، وقال : يا رسول الله ، إن هذا البستان أحب مالي إلي ، وهو في سبيل الله ، فضعه لمن تشاء .
 هكذا كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ، وعلى أصحابه رضوان الله ، ما وصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا ببذل الغالي والرخيص ، والنفس والنفيس .
 نطلب من بعض الإخوة أن يأتي إلى درس الجمعة فقط ، ماذا يبذل ؟ اجلس فقط ، ويوجد تدفئة ، وماء بارد ، وكلام واضح ، وتكبير صوت ، وترحيب ، ماذا قدمنا نحن للإسلام ؟ لمجرد أن تمشي في طريق الإيمان الناس يحترمك الناس ، ويعظمونك ، ويبجلونك ، وفلان الله ينفعنا ببركاته ، ماذا قدمت أمام ما قدم الصحابة الكرام ؟ أنفقوا وقتهم ، أنفقوا مالهم ، تركوا بلادهم ، تركوا ديارهم ، تركوا أموالهم ، كانوا مع النبي في السراء والضراء ، قال تعالى :

 

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾

 

( سورة آل عمران : الآية من 146 )

 أسلم أحد الأعراب ، واشترك في غزوة مع رسول الله ، فأعطي غنيمة فقال : ما هذا ؟ قالوا : هذه غنيمة لك من الحرب ، قال : ما على هذا أسلمت ، أنا أسلمت على الذبح ، على أن أذبح في سبيل الله .
 ماذا قدم المسلمون لدينهم ؟ ماذا قدموا لبعضهم ؟ ماذا قدموا إعلاءً لكلمة الله ، ماذا قدموا حلاً لمشكلات الفقراء ؟ ماذا قدموا حلاً لمشكلات الشباب ؟ ماذا قدموا حلاً للأيتام ، وللأرامل ، ماذا قدموا ؟ كل إنسان ينتمي إلى ذاته ، إلى مصالحه ، يحب أن يعيش وحده ، وأن يأكل وحده ، وأن يستمتع بالحياة وحده ، وعلى الناس السلام ، هذا النموذج من المسلمين لا يستحق نصر الله عز وجل ، هذا النموذج لا يستحق أن يكون الله معنا ، ولا أن يقهر أعداءنا ، قال تعالى :

 

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾

 

( سورة آل عمران : الآية 92)

 الشيء الذي تحبه ، أحياناً مجيئك إلى مجلس العلم يقوي هذا المجلس ، أنت دعم للحق ، لك مكانة ، لك شأن ، فإذا جئت إلى بيت من بيوت الله ، وجلست بين الناس مستمعاً إلى مجلس العلم ، فأنت بهذا تدعم مجلس العلم ، وتدعم الحق ، أن تعين أخاك المسلم ، أن تهيئ له عملاً ، أن تبحث له عن فرصة عمل ، أن تيسر له زواجًا ، أن ترعى طالب العلم ، هذا دعم للحق ، ماذا أنفق المسلمون ؟
 أيها الإخوة الكرام ، أبواب الخير مفتحةٌ على مصاريعها ، والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، لكن البر الذي نطمح إليه جميعاً ، لكن البر الجنة التي هي مقصدنا جميعاً لن نصل إليها ، ولن ننالها إلا أن ننفق شيئاً نحبه .

 

6 ـ عجبًا لمن ينفق الشيء البالي المهترئ :

 قديماً كما كنت أسمع ، ليس الآن ، والحمد لله قطعة الأثاث المهترئة هذه ترسل إلى المسجد ، الثريا القديمة المتكسرة هذه إلى المسجد ، هناك أناس لا يقدمون إلا شيئاً بالياً ، لا قيمة له ، إنسان دفع زكاة ماله أحذية ، كل فردة بمقاس ، عنده من زكاة ماله بضاعة قديمة ، من يلبس حذاءً كل فردة بمقاس ؟ سجلها على الله زكاة وأنهاها ز
 هناك من يقدم طعاماً للفقراء لا يؤكل ، أو ثياب مهترئة ، هكذا ألف الناس ، أن يقدموا شيئاً زهد فيه ، أعرضوا عنه ، لا يحبونه ، هذه الأكلة لا يأكلها ، هذه الثياب لا يلبسها ، هذه قطعة الثياب لا يستهلكها ، يدفعها إلى الجامع .

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 92)

 هذه هدية إلى الله .

 

طرق الخير كثيرة جدا لمن أراد :

 أيها الإخوة ، هذه آية دقيقة جداً ، الذي يحب المال طريقه إلى الله إنفاق المال ، والذي يحب المكانة العلية في المجتمع طريقه إلى الله أن يكون مع الضعفاء ، كل إنسان يحب أن يكون مع الأقوياء في مجالسهم ، في نزهاتهم ، في ولائمهم ، في حفلاتهم ، ومع الأغنياء أيضاً ، لكن المؤمن يحب أن يكون مع المؤمنين ولو .....
 أردت أن تنقذ نملة من الغرق ، فإن الله بذلك عليم ، قشة حملتها من أرض المسجد ، ووضعتها في جيبك مراعاةً لنظافة المسجد ، فإن الله بها عليم ، أبواب الخير لا تعد ولا تحصى ، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، فالمؤمن همه العمل الصالح ، همه البذل والعطاء ، همه إكرام الخلق ، همه العناية بالمخلوقات حتى الحيوانات في قلبه رحمة بهم .
 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ ، قَالَ : فَقَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ : لا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا ، وَلا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا ، وَلا أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ ))

[ البخاري ، مسلم ، الدارمي ]

 فإذا استحقت امرأة النار في هرة حبستها ، فما قولك فيما فوق الهرة ، هؤلاء الذين يقتلون كل يوم عشرات ، ويجرحون الآلاف ، والمئات كل يوم ، لحقد دفين ، ما مصير هؤلاء عند الله ؟ القتل سهل جداً ، يقتل هذا المقاوم ، وكأنه يقتل ذبابة ، لكن الله كبير ، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن ينصرهم عليهم .

﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

 حجم الشيء ، كميته ، ظروفه ، بواعثه ، أهدافه ، فإن الله به عليم ، يعلم سرك وجهرك .

﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 93 )

كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ

1 ـ الأصل في الأشياء الإباحة :

 أيها الإخوة ، هناك قواعد عامة في الدين تعد من أصوله ، الأصل في الأشياء الإباحة ، لأن الله خلق لنا كل شيء كي ينفعنا في الدنيا ، إذاً فلا يعقل أن يخلق لنا شيئاً طيباً نافعاً مفيداً، ثم يحرمه علينا ، مستحيل ، فالأصل في الأشياء الإباحة ، قال تعالى :

﴿ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾

( سورة الأعراف : الآية 19)

 نسبة المحرمات إلى ما هو مباح واحد بالمليار ، كم من شراب لك أن تشربه مطمئناً ؟ مئات ، لكن حرمت علينا الخمر ، كم نوعًا من أنواع اللحم تأكله هنيئاً مريئاً ؟ إلا الخنزير ، فنسب المحرمات إلى المحللات نسب ضئيلة جداً ، ولكن لابد من شيء محرم كي نمتحن عند الله عز وجل .

 

﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ ﴾

2 ـ تحريم يعقوب لبعض الأشياء تحريم شخصي :

 هذا التحريم شخصي ، إما أنه نذر لله عز وجل ألا يأكل اللحم فرضاً ، أو تعافه نفسه ، أو لمرض أصابه ، إنسان أحياناً لا يأكل أكلاً معيناً ليس لها علاقة بالتحليل والتحريم ، هناك طعام لا يناسبه ، طعام لا يناسب مرضه ، فسيدنا إسرائيل ، وهو سيدنا يعقوب عليه السلام حرم على نفسه طعاماً ، إما وفاءً لنذر ، أو زهدا في هذا الطعام ، أو وقاية لجسمه من مرض ما .

﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ﴾

3 ـ تحريم بعض الأشياء نوع من التأديب :

 لكن الله أحياناً قد يعاقب بالتحريم ، هذا التحريم الذي هو عقاب ليس تشريعاً ، بل هو تأديب ، فالله حرم على بني إسرائيل بظلم منهم أنواعاً من اللحوم .

﴿ فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾

( سورة النساء : الآية 160)

 هذا تحريم تأديب ، لا تحريم تشريع .

 

﴿ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾

 

( سورة آل عمران : الآية 93)

قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

1 ـ التحريم لابد له من دليل :

 هم ادعوا أن هذه الأشياء حرمت عليهم تحريم تشريع ، فقد نعوا على العرب أكلها في ظل دينهم الجديد ، قالوا : لا ، هذه حرمت عليهم تحريم تأديب ، لا تحريم تشريع ، أما الذي حرمه على نفسه نبيهم يعقوب فهذا تحريم شخصي ، النبي له خصوصيات .
 قدم للنبي عليه الصلاة والسلام طعام ضب ، قال لا آكله ، أمحرم هو ؟ قال : لا ، ولكن تعافه نفسي .
 هل يعد هذا الطعام حراماً ؟ لا ، بالعكس ، سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه وهو من مكة ، وله أذواق في الطعام عالية جداً ، ومع ذلك أكل الضب أمام رسول الله ، وقد قال بعض علماء السيرة : إنه أدرك أنه مقبل على فتوحات مديدة ، وعلى نشر هذا الدين فلا بد أن يكون قدوةً في أكل لحم حيوان يوجد في الصحراء كثيرًا .
 أما النبي الكريم فقال : عافته نفسي ، وما حرمه ، إسرائيل حرم على نفسه بعض الأكلات ، اليهود اعتبروها تشريعًا ، لا هذا التحريم شخصي ، والذي حرمه الله عليهم تحريم تأديب لا تحريم تشريع .

تحريم المنع :

 وهناك تحريم منع ، قال تعالى :

﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ ﴾

( سورة القصص : الآية 12)

 سيدنا موسى حينما كان طفلاً ، تحريم منع ، كلما جاءت مرضعة يرفض أن يلتقم ثديها ، تمهيداً كي تأتي مرضعة هي أمه ، لأن الله عز وجل أمرها بأمرين ، ونهاها بنهيين ، وبشرها ببشارتين ، قال تعالى :

 

﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾

 وهذا أول أمر .

 

﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾

 هذا أمر ثانٍ .

 

﴿ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ﴾

 نهيان .

 

﴿ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ ﴾

 بشارتان .

 

( سورة القصص : الآية 7 )

 هذا كلام خالق الأكوان
 انظر إلى المفارقة :

 

 

﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾

 إذا خفت على هذا الطفل أن يموت حرقاً ، وأنتَ في الطابق العاشر فألقه من الشرفة ، ما هذا الكلام ؟ الأمر بيد الله ، الأمر دقيقه وجليه بيد الله ، عظيمه وحقيره بيد الله :

 

﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ﴾

 

( سورة الأنعام : الآية 59 )

 ويعلم ما في السماوات والأرض .
 حركة صندوق خشبي في اليم بيد الله ، ساقه إلى قصر فرعون ، وأوقفه عند شط القصر ، وألهم امرأة فرعون أن تنزل إلى شط النهر ، فالأمر بيده سبحانه ، هكذا يفعل الله .

 

﴿ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾

2 ـ اليهود موسومون بالكذب :

 أنتم تكذبون أيها اليهود ، مرة سمعت تصريحاً لم أصدقه ؛ أن وزيرة خارجية أمريكا تناشد العالم أن تقنع الفلسطينيين بالكف عن ذبح اليهود ، ما هذا الكلام ؟ كذب بكذب .

﴿ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾

 نحن نعيش عصر الكذب ، عصر التزوير ، عصر أن الحق هو القوة فقط ، أما في غدو الإسلام فالحق ما جاء به الوحيان ، لكن الحق الذي جاء به الوحيان يحتاج إلى قوة ، أما أن يكون منطق العصر القوة وحدها ، هي الحق ، والعياذ بالله ، هذا منهج مجتمع الغاب ، هذا منهج الوحوش ، والوحوش تأكل حاجتها ، أما وحوش البشر فلا تكتفي بحاجتها ، بل تأكل حباً في الأكل ، وتقتل حباً في القتل .

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ(6)إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

 

( سورة البينة : 6-7 )

 يعني شر ما برأ الله .

 

﴿ فَمَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ﴾

 

( سورة آل عمران : الآية 94)

قُلْ صَدَقَ اللَّهُ

1 ـ صدق الله في تحريمه وتشريعه ، وكذب المفترون :


 هؤلاء يفترون على الله الكذب ، يدعون أن ما حرمه يعقوب على نفسه تحريم تشريع ، وأن ما حرمه الله عليهم تحريم تأديب ، هو تحريم تشريع ، قل : صدق الله ، وكذب اليهود :

 

﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ﴾

 

( سورة آل عمران : الآية 95 )

 النبي الكريم صلى الله عليه جاءه أحد أصحابه يشكو أن بطن أخيه قد استطلق ، معه إسهال شديد ، أمره أن يأكل عسلاً ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ :

(( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ ، فَقَالَ : اسْقِهِ عَسَلًا ، فَسَقَاهُ ، فَقَالَ : إِنِّي سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا ، فَقَالَ : صَدَقَ اللَّهُ ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ ))

[ متفق عليه ]

 ثم قرأت بحثاً أن بعض أنواع الإسهالات الحادة علاجها بالعسل .

 

﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾

 

( سورة آل عمران : الآية 95)

2 ـ الأنبياء من أصل واحد :

 هذا كلام دقيق ، يعني الأنبياء ركب واحد ، الأنبياء مذهب واحد ، قيم واحدة ، مبادئ واحدة ، دين واحد ، هكذا الأصل واحد ، هؤلاء الأنبياء العظام حينما يروا ، حينما يطلعهم الله عز وجل ماذا حصل بين أتباعهم من حروب ، وكم من قتيل في الحروب الصليبية ، كان الأمر مخزيًا ، الأنبياء إخوة ، فكيف أصبح أتباعهم أعداءً ؟ لابتعادهم عن الحق ، والجواب واضح ، قال تعالى :

﴿ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾

( سورة المائدة : الآية 14)

 هذا قانون العداوة والبغضاء ؛ حينما ننسى منهج الله ، وحينما نعصي الله ، ونكتفي بالانتماء فقط ، عندئذ يقع بيننا وبين من حولنا عداوة وبغضاء لا تنتهي إلى يوم القيامة ، لذلك قالوا : الحرب بين حقين لا تكون ، لأن الحق لا يتعدد ، والحرب بين حق وباطل لا تطول ، لأن الله مع الحق ، أما بين باطلين فلا تنتهي .

 

﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ(95)إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِين

1 ـ الكعبة أول بيت لعبادة الله :

 الحقيقة بيت الله الحرام أول بيت وضع للناس في الأرض ، أول بيت للعبادة وضع للناس في الأرض ، لكن إبراهيم عليه السلام جدده ، جدد بناءه ، أما هو فقد بني من عهد آدم ، إن أول بيت وضع للناس لا أول بيت بني في الأرض ، لا ، لا أول بيت سكني بني في الأرض ، لا ، إن أول بيت للعبادة وضع للناس في مكة المكرمة .

ما معنى أن يتخذ بيتاً في مكة ؟

 أيها الإخوة ، الإنسان له طبيعة مادية ، وربنا عز وجل اتخذ لنفسه بيتاً في الأرض ، قد يقول قائل : إنّ الله في كل مكان بعلمه ، ومع كل إنسان ، ما معنى أن يتخذ بيتاً في مكة ؟ ويأمرنا أن نذهب إليه ؟
 الجواب : أراد الله جل جلاله أن يتخذ بيتاً في الأرض ، وأن يدعونا إليه لنشعر نحن إن لبينا هذه الدعوة أننا فعلنا شيئاً ثميناً ، تركنا بيتنا ، وبلدنا ، وتجارتنا ، وأولادنا ، ومكانتنا ، ودنيانا ، وذهبنا إلى الله شعثاً غبراً ، كي نلبي دعوته .
حينما تحج بيت الله الحرام تؤكد لنفسك أن تلبية دعوة الله عز وجل أغلى عليك من كل شيء ، فدفعت مبلغاً كبيراً ، وتحملت مشاق السفر ، وقد كانت صعبةً جداً من أجل تلبية دعوة الله عز وجل ، هذا معنى أن يتخذ الله بيتاً له في الأرض .

﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 96 )

2 ـ لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد :

 لذلك لا تشد الرحال إلا إلى بيت الله الحرام ، والمسجد النبوي ، والمسجد الأقصى إن شاء الله، وما سوى هذه المساجد لا تشد الرحال إليها على أنها مساجد ، أي واحد منها كأيّ مسجد آخر لا يجوز في الشرع أن نشد الرحال إلى جامع في حلب ، نقصد زيارته ، ولا إلى جامع في دمشق أبداً ، لكن نشد الرحال إلى بيت الله ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى ))

[ البخاري ، مسلم ، النسائي ، ابن ماجه ، أحمد ، الدارمي ]

 هذا ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام ، أن يضع الله بيتاً له في الأرض كي نقصده حاجين ، معنى ذلك أن نشعر نحن أننا آثرنا تلبية دعوة الله على حظوظنا من الدنيا .

﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾

 وفي درس آخر إن شاء الله نتابع تفسير هذه الآيات .

 والحمد لله رب العالمين

أسئلة :

 س : هل يؤثر إذا كتب لي أحدهم في قلة الرزق ؟
 ج : الله عز وجل قال :

 

﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾

 

( سورة البقرة : الآية 102 )

 الله هو الفعال ، قال تعالى :

 

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ ﴾

 

( سورة إبراهيم : الآية 22)

 هذه كلها خرافات ، أحياناً الجن يستعيذون من شياطين الإنس .
 س : ما رأيكم بمن يسافر إلى بلاد أجنبية بقصد رؤية المساجد هناك؟
 ج : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى ))

[ البخاري ، مسلم ، النسائي ، ابن ماجه ، أحمد ، الدارمي ]

 ليس ممنوعاً أن تسافر ، إنما أن تقصد التقرب إلى الله بزيارة مسجد ليس من هذه الثلاثة ، هذا خلاف منهج الله .
 س : يبدو في درس سابق أنك تكلمت أن يكون الناس سواسية في المجالس ، وأن يجلس الناس حيث انتهى بهم المجلس ، يقول هذا الأخ : ألم يقل النبي أنزلوا الناس منازلهم ؟
 ج : أنزلوا الناس منازلهم من دون أن يكون على حساب أحد ، أو على حساب إهانة أحد .
 س : إذا سأل أحدهم : لماذا حرام فائدة البنك ، بماذا نجيبه ؟
 ج : طبعاً الإجابة طويلة جداً ، أنا لي ثمانية دروس عن الربا ، ولكن بشكل مختصر أضع لكم هذه القصة ، عالم من علماء دمشق الأجلاء كان في أمريكا ، فالتقى مع عالم أمريكي أسلم ، وهو متفوق في العلم ، فطرح موضوع لحم الخنزير ، فهذا العالم الدمشقي بدأ يتكلم عن مضار لحم الخنزير ، وعن الدودة الشريطية ، الوحيدة ، وعن آثار مضار أكل لحم الخنزير النفسية والاجتماعية ... وأمضى ساعة ، فما كان جواب هذا الآخر ؟ فقال له : يا دكتور ، كان يكفيك أن تقول لي : إن الله حرمه ، إله خالق الأكوان هو العليم ، هو الحكيم ، نحن نبحث عن الحكم ، ولا مانع ، ونروج له ، وندعم التحريم بالحكمة ، لكن المؤمن الصادق علة الأمر أنه أمر ، فإذا إنسان سألك : لماذا الفائدة محرمة ، وتريد جواباً مختصراً مفيدًا من مؤمن لمؤمن : لأن الله حرمها ، عندنا قاعدة ثانية ، الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به ، أنا قد أكون أمياً ، لا أقرأ ولا أكتب ، أشتري مكيفاً ، وأضغط على الزر فيأتي هواء بارد ، يأتي دكتور بالفيزياء يحمل دكتوراه بالتكييف يعلم دقائق التكييف ، مبدأ غاز الفريون ، ينتفع بالمكيف كما ينتفع البدوي بالمكيف ، لأنه مصمم أن تضغط على هذا الزر ، فتنتفع بالهواء البارد ، نظام الشرع الإسلامي حينما تطبق منهج الله عن علم ، أو عن غير علم ، كيفما كان تطبقه ، فتجد ثماره من دون فلسفة ، الآن نريد فلسفة ، إذا ما اقتنع لا ينفذ ، أنت لست مع الله ، إذا كنتَ مع عبد حقير جداً تحتقره ، يعطيك أمرًا فتنفذه فوراً ، ولا تسأله ، الله عز وجل كرمك ، وقال لك :

 

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾

( سورة العنكبوت : الآية 45)

﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

( سورة البقرة : الآية 63)

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ﴾

( سورة التوبة : الآية 103)

 ليس الله مضطراً أن يعطيك الحكمة ، افعل فقط ، ولكن تكريماً لك ، تكريماً لشأنك بيّن لك الحِكم ، ولكن أنت مأمور أن تطيع الله عز وجل .
 كنت في أستراليا ، وسمعت من أب يشكو من ابنه ، يكاد يخرج من جلده من ابنه ، يقول لابنه : هذه حرام ، يقول الابن : ( واي ) أي لماذا حرام ؟ أبي هذه عيب ، يقول له الابن : (واي) عيب ؟ هذه لا تجوز ، يقول له الابن : ( واي ) لا تجوز ؟ هكذا علمه الغرب ، كل شيء يريد أن يرجع به إلى عقله السخيف والضيق ، فهذا الأب بكي أمامي ، وقال لي نزع أخاه الثاني ، هذه ليس لها نهاية ، أنت أمام منهج إلهي خالق الكون ، أعطاك تعليمات ، أساساً أنت لا تجرؤ أن تسأل طبيبًا له مكانة كبيرة ، لا تأكل ملحًا ، هل تقول له : لماذا الملح ؟ أنا أفسر ، وأبين ، ولكن الأصل أنت عبد لله ، والإله يأمرك أن تفعل كذا وكذا ، كل إنسان لا يطبق أمر الله إلا بعد فهم حكمة هذا يعبد نفسه ، ولا يعبد الله ، وعبادته ليس لها قيمة أبداً ، أما البطولة : اذبح ابنك ، هل هذا أمر قليل ، هل يقبله عقل ؟ قال تعالى :

 

﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾

 نحن مقصرون جداً ، نتفلسف على الله ، أقل شيء : ما هي الحكمة ، ولماذا ؟ من أنت ؟
 يقولون هذا عندنا غير جائز فمن أنتم حتى يكون لكم عند
 أنا عندي لا يجوز ، من أنت ؟ أنت مشرع ، أنت عبد مأمور ، ما قنعت بها ، لا تناسب العصر ، هذا كلام المسلمين ، لذلك فهم يعانون من تخلي الله عليهم ، لذلك هان أمر الله عليهم فهانوا على الله .
 عقد مؤتمر في أمريكا ، قام عالم ، وقال : هنا في هذه البلاد كل شيء قابل للمناقشة ، والرفض ، والازدراء ، هكذا الغرب ، لا شيء مقدس ، كل شيء قابل للرفض ، والمناقشة ، والازدراء ، نحن لا يوجد عندنا هذا ، نحن عندنا مسلَّمات ، القرآن كلام خالق الأكوان ، كل كلمة فيه حق ، وصدق ، وموضوعية ، وفيها خير كبير ، هذا المؤمن ، يعظم شعائر الله ، وإن تعظيم الشعائر من تعظيم الخالق ، لو عرفت الله لعظمت كلامه ، لو عرفت الله لأطعت أمره ، تأتيك ورقة في البريد تعال الساعة العاشرة ، لتقابلني ، لا تتحرك شعرة بجسمك ، ويمكن ألا تذهب ، ليس لديك وقت فراغ ، وتأتيك من جهة ثانية فلا تنام ثلاثة أيام ، لأنك تعرف من دعاك ، هذا غير هذا ، لو عرفت الله ، من هو الذي أمر هذا الأمر ؟ من هو الذي نهى هذا النهي ، أنت تعرف رجلاً قويًّا ، يمكن أن يزعجك جداً ، فتنفذ الأمر بحذافيره ، ألا تعرف أن الله بيده كل شيء ، بيده القلب ، والدسامات ، والشريان التاجي ، والدماغ ، والخثرة بالدماغ ، وبيده الكبد ، والكليتان ، وكل شيء بيده ، أقول لبعض الناس : عند الله أمراض كثيرة ؛ تشمع كبد ، وفشل كلوي ، وخثرة بالدماغ ، وجلطة بالقلب ، عنده أمراض مخيفة ، وكل هؤلاء الناس عباده ، فاتقِ الله يا رجل ، وخف من الله .
 طبعاً أنا أحترم أي سائل ، ولكن لا نعوِّد أنفسنا : لماذا هذا حرام ، أعطني الدليل ؟ آية قرآنية ، الآن أكثر المناقشات هذا المال تجمده ، هل من المعقول من دون فائدة ، الله الذي حرم الفائدة قال :

 

﴿ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

 

( سورة البقرة : الآية 279)

 لا تهزه هذه الآية ، هل من المعقول أن هذا المال مجمد ، وإذا أخذت قرضاً ربوياً أنا انتفعت ، والبنك انتفع ، ما دام الأمر المنهي عنه قابلا للمناقشة والأخذ والرد ، فقد هان أمر الله على المسلمين ، فهانوا على الله .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018