رمضان 1421 - دراسات قرآنية - الدرس : 26 - من سورتي الأنبياء والحج - صفات أهل الذكر . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠07رمضان 1421 هـ - دراسات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رمضان 1421 - دراسات قرآنية - الدرس : 26 - من سورتي الأنبياء والحج - صفات أهل الذكر .


2000-12-10

  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

السؤال مفتاح العلم :

 هناك مقولتان؛ الأولى: ليس العار أن تكون جاهلاً، لكن العار أن تبقى جاهلاً، وليس العار أن تكون مخطئاً، لكن العار أن تبقى مخطئاً. هناك آيتان في القرآن الكريم، وردت واحدة في سورة الأنبياء، قال تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[سورة النحل:43]

 لا تستطيع أن تدخل على طبيب، إلا وفي جيبك مال، ولا أن تطرق باب محام، إلا وفي جيبك مال، ولن تستطيع أن تدخل في الأرض على مؤسسة، أو سوق، أو محل، أو مكتب، إلا وفي جيبك مال، إلا إذا دخلت بيوت الله، تدخل، وتسأل، وتسأل، ويُجاب لك بلا مقابل، لأن الله سبحانه وتعالى سيعطي هؤلاء الذين طلبوا العلم، وعلموا العلم أجراً كبيراً، هم يحتسبون أجرهم عند الله، ما دامت القضية قضية سؤال، لماذا تبخل بالسؤال؟ اسأل: ما حكم الشرع في هذا الموضوع؟ ماذا ينبغي أن أفعل؟ ما الذي يرضي الله عز وجل؟ ما هي سنة النبي في هذا الموضوع؟ أشيروا عليّ. قال تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾

[سورة النحل:43]

 من هم أهل الذكر؟ في آيات أخرى وُصف القرآن بأنه ذكر، أي فاسألوا أهل الوحي، فاسألوا الذين يعرفون منهج الله، فأنت مكلف أن تسأل، ومفتاح العلم السؤال، ومن استشار الرجال استعار عقولهم.
 إنسان قد تكون له خبرات لا تقدر بثمن، عمرها خمسون عاماً؛ خبرات مع علم ومنهج، أنت إن قدمت على عمل اسأله: هل هذا العمل يرضي الله؟:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[سورة النحل:43]

 أي لا يوجد وزارة في العالم الموظفون فيها يحتسبون أجرهم عند الله إلا الأوقاف، لا يوجد وزارة، سمعت بالإعلام يوجد حسبتان، سمعت بالمالية يوجد حسبتان، كله مقابل أجر، إلا في هذه الوزارة، الخطباء والمدرسون كلهم يعملون حسبة لله عز وجل، في سبيل الله، فإذا سألتهم حققوا هدفهم، وقدموا لك العلم، أي ليس لك عذر، اسأل، لكن الذي يحصل أن واحداً من الناس يلتقي بمن يعمل في الحقل الديني من الدرجة العشرين، يسأله سؤالاً موجهاً، فيأخذ جواباً على مزاجه، ويكتفي، لا، هذا ليس صحيحاً، أنت لن تبيع بيتاً إذا استشرت دلالاً واحداً، تسأل اثنين، وثلاثة، وأربعة، من أجل أن تتنور.

((إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم))

 إن سألت اطلب الدليل، اسأل جهة أخرى، واطلب الدليل، ووازن بين الأدلة، فالذي دليله أقوى تتبعه.
 إذاً: ليس العار أن تكون جاهلاً، العار أن تبقى جاهلاً، ليس العار أن تكون مخطئاً، العار أن تبقى مخطئاً:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[سورة النحل:43]

 هذه قضية متعلقة بالمنهج، افعل ولا تفعل، متعلقة بالفرض، والواجب، والسنة، والمباح، والمكروه، والحرام، لكن إن أردت أن تتعرف إلى الله، إلى الذات العلية، إلى أسماء الله الحسنى. قال:

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾

[سورة الفرقان:59]

 كأن هناك عالماً يعرف، يعرف الله، وهناك عالم يعرف أمره، وهناك عالم يعرف خلقه، المتخصصون بالفيزياء، والكيمياء، والرياضيات، والطب، والهندسة، والفلك، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وما إلى ذلك، هؤلاء يعرفون خلقه، والمتخصصون بعلم الشريعة يعرفون أمره، أما إن سألت أهل القرب من الله، الذين عرفوا الله، عرفوا كماله، عرفوا أسماءه الحسنى، عرفوا صفاته الفضلى، فهؤلاء:

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾

[سورة الفرقان:59]

علامات المهتدي :

 أنت تسأل بلا مقابل، وبلا رسم، وبلا أتعاب، بالعكس لن تنتفع إلا من فئة واحدة، وُصفت في القرآن:

﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾

[سورة يس: 20]

﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾

[سورة يس: 21]

 علامة المهتدي أنه يحتسب جهده عند الله، لا يسألك أجراً:

﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾

[سورة آل عمران :18]

 معنى العالم حقيقة هو الذي يبين لك عدالة الله، هذه علامة ثانية.
 علامة ثالثة:

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾

[سورة الأحزاب:39]

 لو أنهم خافوا من غير الله، فسكتوا عن الحق، وخافوا من غير الله، فنطقوا بالباطل، ماذا بقي من دعوتهم؟ انتهت دعوتهم؛ فاسأل الذي لا يسألك أجراً، واسأل الذي يبين لك كمال الله عز وجل، واسأل الذي لا يخاف في الله لومة لائم:

﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾

[سورة السجدة:24]

 معنى هذا اسأل إنساناً دفع ثمن الدعوة، دفع ثمنها باهظاً، ضيع عليه فرصاً كثيرة، وضيّع عليه دنيا عريضة في سبيل الله:

﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾

[سورة السجدة:24]

﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾

[سورة البقرة:124]

 متى جُعل إماماً؟ بعد أن أتمّ كلمات الله عز وجل.

آيات ترشد الإنسان إلى من ينبغي أن يسأل :

 هناك آيات كثيرة ترشدك إلى من ينبغي أن تسأل، من ينبغي أن تسأل؟ ينبغي أن تسأل المطبق، لأن غير المطبق لا يستحق أن يسأل، ينبغي أن تسأل المخلص. فهذه آية مهمة جداً:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[سورة النحل:43]

 اسأل، أخ من أخواننا في ضائقة مالية شديدة جداً، وعليه ديون، وهو يعمل في بعض الصناعات الشرقية، جاءه عرض لخمسمئة بيت مصحف من الموزاييك، الذي عرض عليه غير مسلم، فرفض هذا الشيء، هو يجهل الحكم الشرعي، لا يوجد مشكلة أبداً.
 النبي تعامل مع أهل الكتاب، هو تعامل معهم ليكون مشرعاً، تعامل معهم ليكون مشرعاً، فلأنه لم يسأل فوت عليه مبلغاً كبيراً جداً، وكان بإمكان هذا المبلغ أن يسد كل ديونه، رفض ذلك لجهله، أحياناً الإنسان يرتكب حماقة لأنه لم يسأل، لو سأل لحلت المشكلة:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[سورة النحل:43]

 قضية متعلقة بذات الله:

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾

[سورة الفرقان:59]

 متعلقة بمنهج الله تسأل أهل الذكر، عندك علماء شريعة، وعلماء حقيقة مثلاً، أو هم علماء موحدون، يعرفون الله، ويعرفون أمره، دون أن نعقب عليه:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[سورة النحل:43]

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾

[سورة الفرقان:59]

ضرورة فهم الآيات القرآنية فهماً صحيحاً :

 إذاً ليس لك حجة، آية فيها إشكال كبير، وأنت منها في وجل، اسأل عنها، اسأل:

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾

[سورة يونس:39]

 معنى ذلك ينبغي أن يسألوا عن تأويله.

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾

[سورة السجدة:13]

 ولكن الله لا يريد، لا، ليس هذا المعنى، هذا المعنى فاسد، لو أردنا أن نلغي هويتكم أنكم مخيرون، لو أردنا أن نجبركم على شي، لما أجبرناكم إلا على الهدى، ولكنكم مخيرون. هذا معنى:

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾

[سورة السجدة:13]

 لو شئنا أن نلغي اختياركم، أن نلغي التكليف، أن نلغي حمل الأمانة، أن نلغي المسؤولية، أن نلغي الجنة والنار، أن نلغي الثواب والعقاب، وأردنا أن نجبركم على شيء ما، لما أجبرناكم إلا على الهدى. هذا المعنى:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾

[سورة الشمس:7-8]

 ليس معنى أنه خلق فيها الفجور، لكن المعنى أنه فطرها فطرة عالية جداً، بحيث لو فجرت تعرف أنها فجرت من دون معلل، مبرمج برمجة عالية، فإذا آية فيها إشكال، اسأل عنها:

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾

[سورة يونس:39]

﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

[سورة النحل:93]

 أنا ما ذنبي؟ الله لم يهدن، لا، ليس هذا المعنى، يشاء: تعود على الإنسان، أي يهدي من يشاء، الهداية من بني البشر، ويضل من يريد، الضلالة، هكذا العمل.
 يوجد آيات كثيرة:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾

[سورة الحج:52]

 معنى هذا أن الشيطان مسلط على الأنبياء؟ لا، ليس هذا المعنى، حينما يتمنى النبي هداية قومه يلقي الشيطان في أمنيته هو أن يضلهم، هذا المعنى، إذا تمنى النبي هداية قومه، يلقي الشيطان في أمنيته إضلالهم هذا المعنى، واضح المعنى؟ آيات كثيرة جداً من هذا الخصوص، ينبغي أن نفهمها فهماً صحيحاً:

﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾

[سورة النحل:93]

 هذا إضلال جزائي مبني على ضلال اختياري، كقوله تعالى:

﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾

[سورة الصف: 5]

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾

[سورة الكهف:28]

 ليس المعنى أن الله جعله غافلاً، لا، وجده غافلاً. أغفلنا في اللغة العربية وجدته هكذا، عاشرتك فما أجبنتك؛ أي ما وجدتك جباناً، عاشرتك فما أبخلتك؛ أي ما وجدتك بخيلاً، هذا المعنى باللغة، إذا كان هناك آية فيها إشكال اسأل، عندك قضية شرعية فيها إشكال اسأل، قضية متعلقة بذات الله اسأل.

الله عز وجل لا يُسأل عما يفعل :

 ليس العار أن تكون جاهلاً، العار أن تبقى جاهلاً، ليس العار أن تكون مخطئاً، العار أن تبقى مخطئاً، هذه واحدة:

﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾

[سورة الأنبياء:23]

﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾

[سورة الأنبياء:23]

 أي ليس من شأنه أن يُسأل، مقام الألوهية، لا يليق بهذا المقام أن تسأله، هذا معنى.
 المعنى الثاني: كمال الخالق يُسكت الألسنة، الكمال والعدل يسكت الألسنة، إذاً: لا يسأل.
 المعنى الثالث: نحن حينما نفعل شيئاً، نتخذه وسيلة لشيء آخر، إن رأيت من يحفر بئراً، تسأله: لم تحفر البئر؟ يقول لك: لأستخرج الماء، فاتخذ حفر البئر وسيلة، لكن الله جلّ جلاله لا يليق به أن يتخذ وسيلة لهدف، نحن من ضعفنا نركب المركبة كي نستقلها إلى حلب، نُمسك بالمنظار كي نرى به النجوم، من ضعفنا نستخدم الوسائل لأهداف، أما الله فلا يوجد عنده وسائل وأهداف، كن فيكون. إذاً:

﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾

[سورة الأنبياء: 23]

 هذا المعنى الثالث.

الاستعداد للمستقبل :

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾

[سورة الأنبياء: 1]

﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾

[سورة الحج:2]

 أي المؤمن هو الذي يستعد للمستقبل، لأنه:

﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾

[سورة الإسراء:58]

 إذاً إذا شرد العباد عن ربهم، لا بد من أن يعالجوا، فالمؤمن ينجيه الله عز وجل، أما:

﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾

[سورة الحج :1]

 إذا قال العظيم عن شيء إنه عظيم، العظيم قال: عظيم، نعم:

﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾

[سورة الحج :2]

 أقسم لي أخ من القاهرة، أن في زلزال القاهرة، زوجته أمسكت بحذائه وظنته ابنها الصغير الرضيع، وانطلقت تعدو لا تلوي على شيء، ثم اكتشفت أنه حذاء، وليس ابنها، كم هي مضطربة؟ كم هي في شدة؟:

﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾

[سورة الحج :2]

من أمضى حياته في طاعة الله متعه الله بخريف العمر :

 أخواننا الكرام؛ يستوي الشباب جميعاً في الصحة، والتدفق، والتألق، لكن خريف العمر يمتاز به المؤمن، الذي أمضى حياته في طاعة الله، يمتعه الله بخريف العمر، لذلك قال تعالى:

﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾

[سورة الحج :5]

 يقرف، يعيد القصة مئة مرة، يصبح حشرياً، يتدخل فيما لا يعنيه، ظله ثقيل جداً، أهله يهربون منه، يجلسونه في غرفة، ويبتعدون عنه، يعزلونه عن الناس، هذا أرذل العمر.
 والله رأيت علماء متقدمين في السن، والله كأنهم ملوك، بالتسعين يتمتع بصحته، وقوته، وذاكرته، وتألقه، وهو بين أخوانه وأولاده محفوف، مخدوم، معزز، مكرم، هذا خريف العمر متعلق بالشباب. كان هناك عالم ذهب إلى المدينة المنورة، كي يجاور النبي، فرأى النبي -عليه الصلاة والسلام- في المنام، قال له: يا ولدي، عملك في بلدك خير من مجاورتي، فعاد إلى الشام، وافتتح مدرسة خرجت معظم علماء دمشق، لكنه عمّر ستة وتسعين عاماً، بدأ التعليم في الثامنة عشرة، وترك التعليم في الثالثة والتسعين، إن رأى شاباً في الطريق، يقول له: يا بني أنت تلميذي، وكان أبوك تلميذي، وكان جدك تلميذي، وفي السادسة والتسعين كان منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، حينما يُسأل: يا سيدي ما هذه الصحة؟ يقول: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
 فإن أردت خريف عمر نشيطاً، متألقاً، صحيحاً؛ لا خرف، ولا قلق، ولا خرف، فاتق الله:

﴿ثم يرد إلى أرذل العمر﴾

 قال لي شخص: والدته تستلقي على ديوان، يربطون يديها ورجليها، هكذا، قلت: لماذا؟ قال: لأنه إذا أطلق يديها، خلعت كل ثيابها، وأكلت من غائطها، بقيت على هذا أكثر من اثنتي عشرة سنة، هذا أرذل العمر. أحياناً إنسان يكون طريح الفراش ثلاثين سنة .
 أعرف قريبة لي، أصيبت بشلل، أول أسبوع خدمة خمس نجوم، الأسبوع الثاني أربع، ثلاث، اثنتان، واحدة، بعد ذلك تقرع الجرس، لا أحد يرد، بعد ذلك أسمعوها كلمة: الله يخفف عنك، إلى أن ماتت. فالإنسان حينما يقع أقرب الناس إليه يتمنى وفاته، أما سنة النبي -عليه الصلاة والسلام- فثلاثة أيام، في أوجه، في تألقه يؤخذ، فموت الفجأة أخذة أسفٍ للكافر، ورحمة للمؤمن، ظله خفيف:

﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾

[سورة الحج :5]

الله تعالى يحبّ كلّ عباده :

 يوجد إنسان سوداوي المزاج، يقول لك: كل الطرق مغلقة أمامي، كل شيء معسر، الله لا يريدني، لا يحبني، لم يفتح باباً لي، نقول له:

﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾

 يعمل عملاً صالحاً،

﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾

 كل معصية، قال تعالى:

﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾

[سورة الحج :15]

 أنت عبد له، لا تقل لي: الله لا يحبني، الله يحب كل عباده. ورد ببعض الآثار: " يا داود، لو يعلم الكافر انتظاري له، وشوقي إلى ترك معاصيه، لتقطعت أوصاله من حبي، ولمات شوقاً إلي، هذه إرادتي في المعرضين، فكيف بالمقبلين؟ " لا تقل: الله لا يحبني، يحب كل عباده، خلقك ليسعدك، يمكن لا يحب عملك فقط، أما أنت فيحبك، كالأب - ولله المثل الأعلى- يكره عمل ابنه، أما إذا عاد ابنه تائباً، يضمه إلى صدره:

﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾

  الأمور كلها ضده. قال:

﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾

 يعمل عملاً صالحاً،

﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾

 كل منكر، كل معصية،

﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾

  هذا هو المعنى، هناك معنى لا يليق بذات الله ببعض التفاسير، أي إذا لم يعجبك فاشنق نفسك، لا يصح المعنى، مع الله لا يصح، الله يحب كل عباده، هكذا ببعض التفاسير: إن لم يعجبك فاشنق نفسك، أي هذا الحاضر، هذا كلام غير مقبول.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018