رمضان 1421 - دراسات قرآنية - الدرس : 21 - من سورة النحل - الأمر القرآني يقتضي الوجوب . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠07رمضان 1421 هـ - دراسات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رمضان 1421 - دراسات قرآنية - الدرس : 21 - من سورة النحل - الأمر القرآني يقتضي الوجوب .


2000-12-08

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الأوامر في القرآن تقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك :

 أيها الأخوة؛ من بديهيات علم الأصول أن كل أمر في القرآن يقتضي الوجوب.
 المسلمون مسخوا الدين إلى خمس عبادات، مع أن في القرآن آلافاً مؤلفة من الأوامر، وكل أمر في القرآن يقتضي الوجوب، طبعاً ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك، أي:

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

[سورة الكهف:29]

 هذا فعل أمر فليكفر، لكن هذا أمر تهديد:

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾

[سورة البقرة:187]

 هذا أمر إباحة:

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾

[سورة النور:32]

 هذا أمر ندب:

﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾

[سورة الأنعام:72]

 هذا أمر وجوب.
 على كلٍّ أي أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك.

كلّ إنسان مكلف بالنظر إلى العواقب :

 الآية هنا:

﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

[سورة النحل:36]

 الله لم يقل: كيف كان حال المكذبين؟ قال:

﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

[سورة النحل:36]

 قد يكون المكذب بوضع جيد، قد يكون قوياً، قد يكون غنياً، قد يكون صحيح البدن، لا تنظر إلى حاله، انظر إلى مآله، إلى عاقبته.
 أي كفار قريش كانوا أقوياء، انظر إلى مآلهم سقطوا، الذين نصروا النبي كانوا ضعفاء، انظر إلى مآلهم ربحوا. الله قال:

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾

[سورة الأعراف:128]

 فأنت مكلف من خلال هذه الآية أن تنظر إلى العواقب، كأن الله عز وجل له آيات كونية (خلقه)، وله آيات قرآنية (كلامه)، وله آيات تكوينية (أفعاله).
 البارحة حدثني أخ، سائق سيارة يمشي في طريق ركن الدين، استوقفه إنسان شبه عاجز وعنيف، قال له: إلى أين؟ قال له: لآخر جادة في الجبل، وليس معي شيء، قال له: اصعد، أوصله لآخر جادة بجهد جهيد، وإذ أربعة أولاد أو خمسة يستقبلونه، وهم صغار، سألوه: أتيت بالخبز؟ قال له: والله يا بني، استحيت من السائق لأنه أوصلني بدون مقابل، فلم أوقفه أيضاً لآخذ خبزاً من الفرن، فالسائق انتبه، رجع للجادة السفلى واشترى خمس ربطات وصعد، أقسم بالله خلال دقائق أكل الأولاد نصف الخبزات من جوعهم، أكلوا النصف، فهذا نزل، وصل للشوارع الرئيسة، استوقفه شخصان قطعا بالطائرة، وقد تأخروا، لم يسألوه كم؟ أوصلهم، نقدوه ألفين وخمسمئة ليرة، خمسة أضعاف الطلب، اثنان بالمطار سائحان أجنبيان، كان من الممكن ألا يركبهم، فقال لنفسه: سأركبهم، أوصلهم للفندق، أعطوه مئتي دولار، خلال ساعة ونصف أخذ اثني عشر ألفاً وخمسمئة، مقابل هذه التوصيلة، فمن فرحه رجع لعند الشخص الأول، وأخذ له لحماً، وفواكه، وحلويات، وما قدره الله، ثم أعطاه مبلغاً حوالي ألفين وخمسمئة، لم يرض أن يأخذهم ولا بشكل، قال له: هذه الهدايا تكفي.
 أنت ليس عندك وقت، وعندك نفس طويل أن تلاحظ فعل الله، الله عز وجل رقيب، ورب النوايا، ومع كل مخلوق، لكن نحن في الأعم الأغلب نسمع مليون قصة من آخر فصل ليس لها معنى، أما أنت لو عندك نفس طويل فتتقصى القصص من أولها، تجد كل شيء بحساب دقيق، كل شيء بحكمة بالغة، وليس إلا الله، وهو مطلع عليك. فهنا ربنا عز وجل يقول:

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

[سورة الأنعام:11]

 أي أنت لا تسمع قصة إلا وينبغي أن توظفها في الإيمان، تجد المستقيم الله آخذ بيده، الذي يعتدي على أعراض الناس فضح في عقر داره، الذي يغض بصره عن الحرام سعد في زواجه، الذي تحرى الحلال بارك الله في ماله، الذي كان محسناً رفع الله له ذكره، الذي ذكره في نفسه ذكره الله في نفسه، والذي ذكره في خلقه ذكره الله في ملأ خير منه.

الأحمق لا يُدخل مراقبة الله له في حساباته اليومية :

 هناك شيء عجيب، وكل شيء بحساب دقيق، فأنت مكلف من خلال هذه الآية أن تنظر عاقبة المصدق، عاقبة المكذب، عاقبة الصادق، عاقبة الكاذب، عاقبة المخلص، عاقبة الخائن.
 أعرف جماعة، خُطبت ابنتهم من مهندس محترم جداً، ودين، وهو مسافر في الخليج، جاء خاطب على مستوى مالي عال جداً، فالأم طمعت بهذا الخاطب الجديد، وقطعوا علاقتهم مع القديم، مع أن هناك عقداً مكتوباً، أوقفوا الرسائل، وهيؤوا كل شيء قدمه من هدايا، وردوهم له، وطالبوه بفسخ العقد، الثاني تزوج من ابنتهم ثم طلقها، زوجوها لثالث، فالثالث أيضاً طلق البنت، والآن بلا زواج، لأن هناك خيانة، شاب مؤمن، مستقيم، جيد، لكن دخله محدود، طمعوا بالمال، فخسروا الزواج كله، لو كان هناك نفس طويل تتابع الأمور، تجد العجب العجاب، تجد ما من إله إلا الله، تجد وهو في السماء إله وفي الأرض إله، وكل إنسان يتجاهل وجود الله، ويتجاهل حسابه، ويتجاهل أن الله مع الحق وليس مع الباطل، مع الإحسان وليس مع الإساءة، يكون أحمق، الذي لا يُدخل مراقبة الله له في حساباته اليومية، إنسان أحمق.

الحساب الدقيق يوم القيامة :

 إذاً:

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

[سورة الأنعام:11]

 لي صديق، والده كان معه ثروة لا بأس بها، ذهبا مع شريكه إلى بلد، واشتروا بضاعة، فأدخلها باسم شريكه إلى ميناء بيروت، لما شعر شريكه أن كل هذه البضاعة باسمه، أنكرها عليه، وتملكها، وباعها، وأكل ثمنها، كنت أمشي في بعض قرى الغوطة، يوجد مكان لبيع الخبز، قال لي: هذا شريك والدي الذي نهب ثروتنا، فقير، بوضع سيئ جداً، هذا المال الحرام ما أغناه، أفقره، لو عندك نفس ممكن أن ترى عدله، وحكمته، ووفاءه لعباده، ودقة معاملته من خلال أفعال الله عز وجل، فأنت مكلف أن تنظر:

﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

[سورة الأنعام:11]

 الآن: عاقبة الظالمين، عاقبة الفاسدين، عاقبة الخائنين، عاقبة المنحرفين، عاقبة المسيئين، الله عز وجل كبير، وقد يكون العقاب أليماً، وليس معنى كلامي هذا أنك لن تجد إنساناً منحرفاً دون أن يعاقب، الشيء الدقيق أن الله يعاقب بعض المذنبين ردعاً للباقين، ويكافىء بعض المحسنين تشجيعاً للباقين، ولكن الحساب الذي لا بد منه يوم القيامة:

﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

[سورة آل عمران:185]

 إذاً: جزء من دينك أن تتبع عواقب المنحرفين كي نتعظ.
 والله بهذا الباب يوجد ملايين القصص، والله أقول أحياناً: هناك كتاب وسنة يؤخذان من القصص، غير هذا الكتاب والسنة، أي كأنك أمام منهج كامل، الله مع المحسن، يدمر المسيء:

(( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذ أَموال الناس يُرِيدُ إِتْلافها أتلفه الله ))

[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]

 وترى بعينك كيف أن الله يتلفه، لذلك كن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك .

الهجرة نوعان؛ هجرة إلى الله و هجرة إلى الدنيا :

 الآن عندنا قاعدة قرآنية:

﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّه﴾

 أحياناً الإنسان يهاجر من بلد مؤمن، من بلد بإمكانه أن يقيم فيه شعائر الله، بإمكانه أن يربي أولاده تربية إسلامية، بإمكانه أن يحجب منه بناته، لا يوجد بلد كامل، كل بلد له إيجابيات وسلبيات، لكن يوجد بلاد كهذه البلاد والحمد لله بإمكانك لو أردت أن تقيم شعائر الله، هذا المسجد مليء، تصلي، وتحضر درس علم، وتحجب ابنتك، وتقوم الليل، ولا أحد يعترض عليك، لكن يوجد بلاد فيها حرية، لكن لا يمكن أن تقيم شعائر الله، الحياة قوية جداً، أقوى من أية دعوة، فأنت عندك هجرة إلى الدنيا، وهجرة إلى الله، فلو جئت من بلد غني إلى بلد فقير تبتغي به وجه الله، أو لو انتقلت من بلد فقير تقام فيه شعائر الله إلى بلد غني مترف، يضيع الإنسان فيه عن ربه. هنا الآية:

﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾

  لام التوكيد، نون التوكيد الثقيلة:

﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾

 وهذه الحياة أمامك، لا يوجد إنسان يترك دخلاً كبيراً خوفاً على دينه، أو خوفاً على دين أولاده، ويأتي إلى بلد فقير، إلا وله معاملة خاصة، لأنه هاجر إلى الله.
 أقسم لي بالله أخ تركي، قال لي: أنا هاجرت خفت على ديني، وهاجرت في زمن كمال أتاتورك، قال لي: عندي بالشام خمس وثلاثون بيتاً، أقسم بالله قال لي: جئت مشياً، وحافي القدمين فراراً بديني، ودين بناتي.
 فهذه النقطة أنت عندما تتخذ قراراً بأن تنتقل من بلد غني مترف، دخل فلكي، إلى بلد يعاني ما يعاني، لكنك تبتغي الحفاظ على دينك، ودين أولادك، فأنت موعود من الله:

﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾

  والآخرة أكبر:

﴿وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة النحل:41]

 هذا القرار يحتاج إلى إيمان فقط.
 التقيت مع عدد كبير ممن ذهب إلى أمريكا، بقصد أن يدرس ويرجع، كلهم آثروا البقاء، بعد أن آثروا البقاء، وجدوا أنهم دفعوا ثمناً باهظاً جداً، أولادهم، ولدك فلذة كبدك ليس كما تتمنى، ولا ينتمي لا إلى هذه الأمة، ولا إلى هذا الدين، ولا إلى شيء من هذا القبيل، ينتمي إلى بلد آخر؛ بتاريخ، وقيم، وأمجاد، وعادات، وتقاليد، لا علاقة لها بالإسلام إطلاقاً.
 إذاً:

﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة النحل:41]

 فانا أتمنى قبل أن تنوي الإقامة في بلد متفلت، عد للمليار، من أراد إنفاذ أمر، فليتدبر عاقبته، هناك منطق أسمعه من بعض المسلمين الضعاف لو عملت أخسر عملي، أي لو أطعت الله أخسر عملي، إن لم أعمل كما يعمل التجار، أي أخالف في البيع فلن أربح، كأن هناك إلهاً في الأرض، وإلهاً في السماء، هذا منطق مضحك.
 إذا أنت أطعت الله عز وجل، القوى الأرضية تنالك بالأذى، والله يتفرج عليك، معقول هذا الكلام؟ لأنه وضع ماله في البيت قتلوه وسرقوا المال، أما الذي وضعه بفائدة ربوية فهذا آمن؟ الذي عصى الله آمن، والذي أطاعه خائف؟ ما هذا المنطق؟ الله عز وجل ليس له علاقة بالأرض، لكن نزل القرآن، وبقي بالسماء، ما هذا الكلام؟:

﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾

[سورة النحل:51]

 لا يوجد إلا إله واحد، إذا كنت معه كان معك، إذا أطعته نصرك وحفظك.
 يوجد كلمة لعلها تبدو قاسية: هذا الإله الذي تعبده، إن لم تكن واثقاً أنه يحميك لن تعبده، إن لم تكن واثقاً ثقة مطلقة أنه يحميك، ويؤيدك، وينصرك، ويوفقك، لن تعبده، وهل تعتقد أن إلهاً عظيماً خلق السموات والأرض، وإليه يرجع الأمر كله، يسمح لمخلوق أن يحول بينك وبين الهدى؟ معقول؟:

﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾

[سورة طه:45]

 فرعون:

﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾

[سورة طه:46]

 أين أنا الآن موجود؟ يجب أن تشعر أن الله معك، وأنت حينما تطيعه يحميك، ويؤيدك، ويوفقك، وكل مخلوق في قبضته، هذا الإيمان.

ضرورة طاعة الله لأن الأمر كله بيده :

 والله أسمع هذا من مسلمين كثر أنه إذا لم أعمل أموت من جوعي، أي إذا لم يعص الله يموت من جوعه، وإذا لم ينافق يخسر منصبه، وإذا لم يأكل ربا يجوع أولاده، كأن هناك قوى بالأرض لا علاقة لله بها، قال تعالى:

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾

[سورة الزمر:62]

﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾

[سورة الأعراف:54]

 لا يوجد مخلوق لا يعمل بأمر الله، هذا التوحيد أخواننا، إن لم توحد لن تستقيم على أمر الله، لن تستقيم على أمر الله إلا إذا وحدت، هناك إله واحد، وهو في السماء وهو في الأرض.
 مرة قلت: أعطوني أقل حدث على الإطلاق، حدث ضئيل، لا قيمة له، مثلاً تمشي بالطريق، يوجد شجرة بالخريف وقعت ورقة منها، هل هناك أقل من هذا؟:

﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾

[سورة الأنعام:59]

 هل هناك أقل من هذا؟
 فيا أيها الأخوة؛ تعصي الله وتقول: مضطر، هكذا وضعنا، هكذا بلدنا، هكذا البيئة، هكذا العادات، أخاف على دخلي، أخاف على منصبي، أخاف ألا أستطيع، الله موجود يجب أن تطيعه وأنت واثق أنك فوق الجميع إذا أطعته:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾

[سورة آل عمران: 139]

 أي دخل مشبوه اركله بقدمك، مرة أحد كبار العلماء، أحد كبار التابعين الحسن البصري، أدى مهمة العلماء، مهمة التبيين، بيّن بعهد الحجاج، بلغ الحجاج ما قاله الحسن البصري، وكان بطاشاً، قال بالحرف الواحد: والله يا جبناء، يا من سمعتم منه ولم تردوا عليه، لأروينكم من دمه- هكذا هو متوهم أن الأمر بيده- أمر بقتله، وأمر أن يقتل في حضرته، فقال: جيئوا به، وجاء بالسياف، ومد النطع حتى الدم لا يلوث الأثاث، وجيء بالحسن البصري ليقطع رأسه، دخل الحسن، وجد السياف واقفاً، والنطع قد مد، والحجاج غاضب، فهم أن أجله قد حان، حرك شفتيه، لم يفهم أحد ماذا قال؟ فإذا بالحجاج يقف له ويقول: أهلاً بأبي سعيد، قال له: أنت سيد العلماء، وما زال يقربه ويقربه حتى أجلسه على سريره، وسأله، واستفتاه، وضيفه، وعطره، وشيعه إلى باب القصر، هذا السياف صعق، لماذا جاؤوا بي؟ لأقطع رأس هذا العالم، والحاجب صعق، تبعه الحاجب، قال له: يا أبا سعيد، لقد جيء بك لغير ما فعل بك، فماذا قلت لربك؟ قال له: قلت له: يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي، اجعل نقمته عليّ برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم.
 قلب الحجاج بيد الله عز وجل، لا يوجد إلا الله، أنت لا تتهور، لكن لا تخف أيضاً، بالمقابل كن أديباً، كن متواضعاً، كن حكيماً، لكن لا تخف، لا ينخلع قلبك، الذي خلقك لو سلمك لغيره، انظر لو سلمك إلى غيره لا يستحق أن تعبده، لا معبود بحق إلا الله، لو سلم أمرك إلى غيره، لو سلم رزقك إلى غيره، لو سلم مصيرك إلى غيره، لا يستحق أن تعبده، ما دام قال:

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ﴾

[سورة هود:123]

 أي ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك، أمرك بيدي، رزقك بيدي، حياتك بيدي، سلامتك بيدي، زوجتك بيدي، أولادك بيدي، من هم فوقك بالعمل بيدي، من هم دونك بيدي، الجراثيم بيدي، الفيروسات بيدي، الأمراض بيدي، الأوعية بيدي، الشرايين بيدي، الدسام بيدي، كله بيدي، الكليتان بيدي، هذا الإيمان، هذا الإيمان المجدي الذي يريده الله، أما والله الله خلق الكون، هذه قالها إبليس، لا تقدم ولا تؤخر، أن ترى يد الله وحدها تعمل في الكون، حتى لو سمعت خبراً.
 أحياناً تجد أخباراً مزعجة فرضاً، اجتياح، حرب أهلية، زلازل، براكين، يد الله تعمل وحدها، ولحكمة بالغة مطلقة لا نعملها نحن، لو كشف الغطاء لاخترتم الواقع، يجب أن تفسر كل شيء بحسن الظن بالله عز وجل، لا يمكن أن تثبت عدله بعقلك، إلا أن يكون لك علم كعلم الله.

آيات الله الدالة على عظمته :

 قال تعالى:

﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾

[سورة النحل:66]

 والله أيها الأخوة كأس الحليب الذي نشربه وحده من آيات الله الدالة على عظمته.
 قال: بالبقرة الخلية الثديية محاطة من الأعلى بشبكة أوعية دموية كثيفة جداً، ومن أسفل القبة يرشح الحليب فقط، فهذا الدم يجري هنا، الغدة الثديية عبارة عن خلية، تختار من بين فرث ودم مكونات الحليب التي تناسب جسم الإنسان، أي توافق الحليب مع الإنسان عجيب، هو الغذاء الكامل.
 النبي عليه الصلاة والسلام ما شرب لبناً قط، إلا قال: " اللهم زدنا منه " انظر: اللبن، والجبنة، والقشطة، والسمن، كله من الحليب، فالخلية الثديية تختار، وكأنها أستاذ في علم الطبيعيات، تختار من بين فرث، الفرث نتائج الاحتراق، يوجد نتائج صلبة هي الغائط، ونتائج سائلة حمض البول، ونتائج غازية هي الزفير، هذا كله فرث، فرث غازي، وفرث سائل، وفرث صلب، ففي الدم حمض البول، ومكونات، ومواد شحمية، ومواد دهنية، إلى آخره، فالخلية هي العاقلة، تختار نسب البروتين، والشحوم، والسكريات بنسب مذهلة، وترشح للقبة هذه الخلية، ولا أحد يعلم حتى الآن آلية عمل هذه الخلية. الله قال:

﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾

[سورة النحل:66]

 حسناً: هذا الثدي ثدي البقرة كبير، له جداران عرضيان ومتعاكسان، لأنها ستحمل أربعين كيلو فكانا سيتمزقان، فمدعم من الداخل بجدارين متعامدين يمسكان هذا الثدي عند الوزن العالي، أما هذان الجداران المتعامدان فيقسمان الضرع إلى أربعة أقسام متساوية، لو أن هناك أربعة شركاء في بقرة لكان لكل شريك حُلْمة، يأخذ الربع بالتمام.
 هناك آية أخرى من آيات الله الدالة على عظمته، وقت نزول هذا الكتاب في عهد النبي هل كان هناك بحوث علمية عن النحل تعرف أية نحلة أنثى وأية نحلة ذكر؟ الآن ثبت أن الأنثى هي التي تجني الرحيق، وتخرج العسل. الله قال:

﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾

 لم يقل: أن اتخذْ. قال:

﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾

[سورة النحل:68]

 إلى آخره.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018